اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الحــارس في حقـــل الشوفــان ولــيث متــي
 

سهيل سامي نادر
قرأت مؤخرا رواية (الحارس في حقل الشوفان)، ضمن ما أقرأه يومياً من اصدارات مؤسسة المدى القادمة. ويمكنني القول أنني أعدت قراءة هذه الرواية، فقراءتي الأولى لها كانت قبل (لا أدري من السنوات)، ربما قبل ثلاثين عاما.اكتشفت أنني لم أكن أتذكر من هذه الرواية أية لمحة. أتذكر أنني كنت قد قرأتها حقا فقط، وأن صديقي رياض قاسم كان يردد، بصوته المرتفع، وبطريقة مجنونة، ولسنوات، عنوانها، وينغّم فيه. كان يخاف الصمت، فكان يملأ ما يفرغ منه ومني ومن الزمن، محركا الهواء الذي يحيطنا، والضجر الذي يقرض منا. كان العنوان وحده كافيا لتذكيرنا بلامعقولية شيء في حياتنا لا نعرف ماهو. لعله لاشيء، لعله من هذا النوع الذي يعني كل شيء من دون تحديد، لعله مزحة.

من يدري ما يحدث في رؤوسنا، أي ترابط آني أو مستذكر، أية سخافة؟ أشياء من هذا النوع تصنع في داخل المرء تورما من التخيلات والتعارضات اللغوية والصوتية، وهذا بالطبع لن يكون بعيدا عن حياته وعاداته وحظوظه وما يسمح به مكانه الاجتماعي أو لا يسمح. تخيل نفسك حارسا في مستشفى المجانين، أو خفيرا على ملكية مقوّضة، أو حارسا على حقول فارغة لا شوفان فيها ولا حمص ولا هي تزرع شيئا على الاطلاق. سيكون هذا واحدا من المعاني والامكانات. هذا ما عندي على أية حال.
من لي بصاحب آمال يعينني على الأمل، وعلى تلمس امكانية أخرى غير أن نكون حراسا على الشوفان أو الفراغ. إنني امتلك خزينا من اليأس يكفي لخمسين عاما قادمة، فما توحي به حركة السياسة في بلدنا، ونوعية الأهداف الغريبة المعدة للأجيال القادمة، لا تشجع على تقديم اقتراحات بطولية غير الانتحار.
أعترف أن قراءتي الثانية أزعجتني، بالأحرى جعلتني حزينا جدا، لم أحبها، شعرت معها بأنني بتّ مبلبل الفكر مثل (هولدن) بطل الرواية، لا أعرف كيف أنسج كلامي ولا متى أتوقف، ما دمت لا أتكلم الا مع نفسي. رحت أفكر بحياتي، وبحياة أشخاص من جيلي، وأتحدث مع نفسي ببلاغة الرجل الذي يمشي مع الحيطان: مجد. كل هذه الحراسات، كل هذه الوقفات التي تسبب السل، كل هذه المعالجات الأرضية لنبتة لا تنبت، زراعات فضاء، زراعة صوف بانتظار ظهور القرنين وتفتحهما، حياة كبش محرقة، خروف العيد السعيد، خروف الفاتحة الحزينة، قرد مصاب بالشيزوفرينيا، فراغ مع شمس لا ترحم، تسويات مع الشيطان والسلطة، أصدقاء السوء والوهم، شاعرية الحماقات القديمة، روح الجد الهازل، مشكلات جديدة مع رب عملك، توقع تغييراً في حياتك، نصائح مقدمة من اختصاصي: تفاءل بالخير. (ماذا قلت؟ تفاؤل أم تفاعل أم تفائيل، وماذا تعني تفائيل، أهي مودة؟)
وماذا بعد؟ تخيلوا الآن حارسا في حقل الشوفان أو ربما الشيطان أو الديكتاتورية أو مملكة الطوائف التي آل اليها بلدنا. أنا أتخيل وأضحك لكن من تداع فاجأني: فيلم الحارس! (معذرة يا أبا يعقوب.. فهذا شأن من شؤون تجديد المسرح العراقي لو تدري!)
الخلاصة أنني بعد قراءتي لرواية الشوفان قررت أن أضرب عن الكلام وأمشي مع الحيطان. كنت ساخطا، أشتم كل شيء، وأركّب جملا من خزين منسي.
في البيت اعتادوا على صمتي، والآن لن يعرفوا أنه نوع من الاضراب. أصدقائي ومعارفي لا يعرفون بتطورات حياتي، يعرفون أنني ساه وأنني لا أتذكر. المهم أن لا أكون جاهزا الى أي انسان. كن بعيدا تكن سعيدا. الصمت.
لكن عراقيا واحدا يستطيع أن يجعلك تتحدث حتى الصباح ولاسيما إذا ما جاء مبشرا أو نذيرا. ستحدثه ومخطط في عقلك ينمو ويتكامل ويشير اليك بين الفواصل وطلب الشاي والأسئلة المحلية التي لا يمكن أن تترجم الى أية لغة أخرى، أن عليك تمزيق ثيابك لتجلس على أحد الأرصفة وتبكي على حياتك وتصرخ مناديا: أيها المغرورون... أين الطريق؟
إلا أن الحل الصحيح في كل الأحوال هو الابتعاد، بالاحرى الفرار، وصون وحدتك الداخلية وراحة بالك بعيدا عن الجماعة الاخبارية الحماسية التي تكاد تتباهى حتى وهي تنقل خبرا عن موت أمك.
لكن ما من مفر، فالجماعة الاخبارية تمتلك عبقرية خاصة بالشمشمة وتنظيم اللقاءات والسؤال عن المختفين بوساطة الظاهرين والمطوفين. واحد منهم ألقى القبض عليّ في عز يأسي وثرثرتي الداخلية الناتجة عن تداعيات الحراسات والقتل على الهوية في شوارع العراق الباسل. وكنت ماشيا الهوينى مع الحيطان التي كانت نهاياتها تعبر بي الشوارع من دون وعي مني.
قادني مستخدما خجلي الى المقهى. هناك بدأت المناورات من أجل الإجهاز على صحتي النفسية، ومعروف أن كل مفاجأة تتطلب طريقة، وكل كلام يستدعي توطئة. حدق عينيه في عينيّ وأخذ أنفاسا متلاحقة من الدخان. تلك كانت طريقته الافتتاحية. قلت في نفسي: الآن.. الآن سيخبرني أن أمي الميتة من الحرب الثانية ماتت! الآن سيعزيني!
قال بفصاحة وبصوت حزين ورخيم: يؤسفني أن أخبرك أن (ليث متي) مات (وبعد صمت ذي جرس وايقاع داخلي أضاف): أعرف تماما كم كان ليث عزيزا عليك!
كنت قد ضربت الطاولة بأصابعي الأربعة قبل أن يضيف الجملة الثانية. لقد هزني الخبر حقا، وفكرت أن حياة ليث متي القصيرة على أرض العراق هي أشبه بفتح باب والخروج من الشباك المقابل. كان الأكثر تمثيلا في حراسة الحقول (الجدباء). كان الحارس الشهم الذي يميل جسده من جهة الى جهة مع حركة قدميه في المشي كأنه راقص. كان الأسعد، والأخف، والأحزن، والأسرع. كان هو الحارس في حقل الشوفان.
فيالها من مصادفة!
+ + +
لا أخشى أن أحسب موت ليث متي ضمن الخسائر الفادحة التي تلحقها السياسة الحالية بنا. فما كان سهلا أن يموت هذا المتمسك بالحياة الذي صارع ألف عاهة وعاهة جسدية واجتماعية لولا وجود عاهة العاهات في جسدنا الوطني. إن هذا الذي صارع الحظ السيئ، وكيّف جسده الذي صنعته مصادفة ظالمة الى حياة الابداع والفرح، صرعه الخوف من شارع طائفي مليء بالأنذال والحاقدين والمستهترين.
في نهاية الشهر الثاني من هذا العام، وبينما كنت أواصل استعدادي للسفر، واجراء فحوصات طبية، اتصل بي هاتفيا وكان يبكي بكاءً مراً لموت أخيه. واسيته وطلبت منه أن يزورني في الصحيفة لكي نتحدث بهدوء فصاح بي: كيف؟ أنا لا أخرج من البيت هذه الأيام. أنا خائف. هل نسيت؟ ألا تعرف؟
ما الذي نسيت؟ ما هذا الشيء الذي أعرفه وما عدت أعرفه؟ أنا لم أنس. لم أنس أن (ليث) مسيحي!
كان هذا قد أخافه. يا للعار!
كانت أمه مريضة، وأخوه الذي مات هو الوحيد الذي يستطيع التعامل مع متطلبات الحياة العملية، على الرغم من أنه عاطل، فأخوه الصغير، الطويل والمفتول العضل، كان يخجل من خياله، يخجل إذا ما حدّق به طفل، ومن هنا ما كان يفعل شيئا سوى الوفاء والصبر والابتسام. أما ليث فكان يعيل الجميع وهو من هو، (نص ونص) حسب تعبيره!
من يعرف ليث متي يعرف هذه النص ونص. الوصف الذي سوف أقدمه عنه ههنا يفسر الأنصاف والأرباع، ولست أظن أنه كان ليزعجه في حياته، بل كان سيفرح به، ويستخدمه كشيء من ملكيته ويضيفه الى قواه. إنني قصير وأعرف هذا. مرة قلت: نعم أنا هذا... وفخور (هاهاهاها) أنا أقترح على أية حال، ولو كان حيا لصحح لي بأعظم الوصفات الخليعة والمجنونة في صناعة إنسان بسبعة أيام، أو أقل، أقل بكثير.
إذن؟ أظن أن ليث متي ولد من اتصال جنسي لم يكتمل، أو لعله ولد في الشهر الخامس فجاء ناقصا، ومن ثم عاش ناقصا بالمصادفة والاتكال على الله. لعل القابلة تتحمل مسؤولية ما، قد تكون سحبته من أصابعه العشرة فجاء بلا أصابع، ثم أدارته في رحم أمه لتتلافى خطأها، فإذا به ينزلق بالعرض ويسد على نفسه الطريق، وحين أدارته من جديد لتسحبه الى النور أعطى قدميه، فسحبته منهما بعنف، فإذا بهما يعوجّان.
كيف عاش؟ بالحظ، وبمعونة أم محبة ومكافحة، وبقدرته على قبول ما أعطاه له الله من دون اعتراض وبفرح.
كان باستطاعته إخفاء نقصه بالجلوس خلف طاولة، فقد امتلك صدرا عريضا وكتفين ملفوفتين وكأنه كامل ومكمل، لكن لو تعمد إخفاء يديه مبتورتي الأصابع مع قدميه الغريبتين، فلا سبيل لإخفاء رأسه، وكان من سوء الحظ بحيث لا يستطيع إخفاء رأسه، وكيف يمكن للمرء أن يخفي رأسه إذا ما كان هو رأسه، وأكثر من هذا يشبه ثمرة طماطم حمراء ناضجة تتناثر فوقها شعرات صفر ونمش بين الأحمر والأصفر؟ تعابير وجهه وحدها احتفظت بوسامة شقراء ونظافة معتنى بها، وفي ما بعد أطلق (سكسوكة) صفراء أضفت عليه الأهمية وشكل الفنانين.
الخلاصة أن ليث متي، بما هو عليه، يبدو في الظاهر مفسّرا بقوة، مشروحا شرحا وافيا، مفضوحا من قمة رأسه حتى قدميه، محكوما بجسده وبفكرة الآخرين عنه. إن ما يعمله، وما يستطيع ولا يستطيع، عبقريته، سخافاته، ضحكاته، لحظاته العصبية، غرامياته البائسة، كل شيء ظاهر عليه أو مختف فيه، سيلتحق بمصيبته. من هنا طوّر الآخرون سلوكا متسامحا معه يقترب من الشفقة والإحسان، في حين طوّر هو نفسه لامبالاة رجل قوي مشغول يستطيع إذا شاء أن يبز الموهوبين، وإذا شاء سيظهر مغرورا ورافضا ومتعاليا ومشاغبا. وكيف لا ما دام يعمل ليل نهار من دون أن ينحني لأحد.
صديق وصفه بالجبروت، وكان يقصد جبروت أصحاب العاهات قبل كل شيء. لكنه في الحقيقة موهوب، ومسحوق بالعمل، وبمسؤولياته العائلية التي أصبحت ثقيلة بمرور الوقت. إن صح الجبروت فهو ناتج من العيش وسط بخل المحيط وعدم تعاونه وعدائيته، وقبل كل شيء من الصراع من أجل البقاء، والحفاظ على ما هو بديهي في الحياة.
كان بامكان ليث أن يكون رساما مدهشا. لقد رسم رسوما بقدر ما مثلت حظوظه، مثلت طموحه في العيش بأماكن سحرية طفولية: مدن عجائبية تصعد الى الأعلى يتآخى فيها البشر والحيوانات. رسوم قوية حافظت على فظاظة الخيالات الحزينة ونوازعها في السحر، وكانت كلها منفذة بالحبر الأسود.
كان يمسك قلم (الروترنغ) بقبضة يده ويضغط، ثم يستخدم راحة يده في تشكيل التأثيرات التي يريدها. من أوائل رسومه التي تحولت الى غلاف كتاب: شجرة سوداء هائلة وشخص ضئيل يقف تحتها. كان ليث قد رسم نظيره، صغيرا، يميل الى اليسار بسبب عرج مخيف، لكن صدره العريض يوازنه، وكانت يداه مرفوعتين قليلا.. يدان بلا أصابع. كان ليث مميزا هناك، وحيدا، صغيرا، تحت شجرة، لا يتفيأ،من ذكر الفيء؟ إنه هناك تحتها ويبدو أنه فاجأ نفسه. هل نزل من الشجرة؟ المرجح أنه نزل من كوكب عطارد.
ضرورات العيش وحدها جعلت ليث يستغرق في العمل كمصمم تجاري، وكان في كل المعايير مصمما ناجحا. ومن سوء الحظ أن التكنولوجيا الجديدة باستخدام البرمجيات في مهنة التصميم جعلته يغلق مكتبه ومن ثم يغلق عليه البيت، ثم أنه أحكم اغلاق البيت بسبب الارهاب.
كان يسميني بأبيه الروحي، وكنت أشتمه على هذه التسمية ليس احتجاجا بل لأسمع ضحكته وسبابه وجديته المخبولة وسخافاته التي يطرحها بصيغة أسئلة يلحّ عليّ في أن أجيب عليها فورا. كنا متفقين على أية حال على مثل هذه التسلية.
سألني مرة سؤالا لا معنى له وهو يتصبب عرقا من فرط التعب والانفعال فقد كان قد تسلق سلما في التو: هل يجوز لشخص لا يعرف الرسم أن يرسم؟
كنت أعرف قصده. لكن على اللعبة أن تتوسع باتجاه المرح. أجبته: هذا شخص يتدرب!
نظر اليّ غير مصدق. عاجلته بجواب آخر: كل شيء جائز. هناك رسم لا يعرف صاحبه أن يرسم، وهناك رسام لا يعرف الرسم ويرسم، وهناك رسام يعرف كيف يرسم لكنه لا يرسم.. مثلك!
ويفتح عينيه مذهولا من هذه الفصاحة، ويسألني أن أعيدها من جديد. لكنني أردها اليه: قل يا خبيث من هذا الذي رسم وهو لا يعرف الرسم؟
كنت أعرف من يقصد. ويغرق ليث بضحكة الكلب (ماتلي) في كارتون قديم.
كان كلما ضحك هذه الضحكة أسمع صاحب المقالب الذي انقلبت عليه الأمور يهتف:
!
Matly do something
بهذه المناسبة أقول لأصدقائي: إفعلوا شيئا.... لا تموتوا!


تجـــربــة الأحــزاب الامريكيــة فــي التنـاوب علــى السلطـة
 

د. فلاح اسماعيل حاجم
شهد السابع من الشهر الجاري الانتخابات الجزئية (التجديدية) للكونغرس الامريكي، حيث تنافس على شغل مقاعد مجلسي البرلمان الحزبان الرئيسيان الجمهوري والديمقراطي. ويرجع الكثير من علماء السياسة والقانون والاجتماع اسباب الاستقرار السياسي والاقتصادي ومتانة اجهزة الدولة وفاعلية ادائها الى ثنائية المنظومة الحزبية، ذلك ان تناوب الحزبين الرئيسيين على ادارة الدولة من شأنه تأمين الحد المناسب من الاستقرار لتنفيذ برامج الادارة السياسية، وخصوصا الستراتيجية منها.
ان اختزال اسباب وعوامل فوز او فشل اي من الحزبين في الانتخابات البرلمانية الى العامل الخارجي (بما في ذلك حروب الولايات المتحدة خلف المحيطات) يعبرعن اشكالية واضحة في فهم وترتيب اولويات السياسة في دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية. فدولة بهذه الكثافة السكانية لابد من ان تشكل اجندتها الداخلية العامل الحاسم في تحديد موقف مواطنيها من مؤسسات دولتهم المنتخبة، سيما ان موضوعات ذات علاقة مباشرة بحياة السكان اليومية، مثل الضرائب والضمان الاجتماعي والصحي ومستوى دخل الفرد ومقدار تفعيل الحريات الشخصية....الخ تشكل الاجندة الاكثر اهمية بالنسبة للناخب الامريكي. وفي جميع الاحوال، ومع عدم التقليل من دور العامل الخارجي (المساعد) يبدو التعرف على الخارطة الحزبية في الولايات المتحدة الامريكية ضروريا للخروج باستنتاجات اكثر واقعية.
فقد شهد القرن التاسع عشر نشوء الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، حيث تم تأسيس الاول في عام 1828 فيما شهد عام 1854 ولادة الثاني. واذا كان الحزب الديمقراطي قد تأسس في الولايات الجنوبية من انصار الحفاظ على الاقطاعيات الزراعية مع الاستغلال المفرط لقوة عمل العبيد. انتشر الحزب الجمهوري في الولايات الشمالية بين مؤيدي تحريم استغلال العبيد والغاء العبودية كنظام والذي تم بالفعل في عام 1865. وربما كان لقرار الالغاء الفضل في تقليص الهوة بين برنامجي الحزبين وحصر الفوارق بينهما في المسائل الاقل اهمية. حتى انه ليس من الصعوبة ملاحظة تبادل الادوار بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري قبل اجراء العملية الانتخابية وبعدها. ففي الوقت الذي وقف فيه الرئيس السابق للولايات المتحدة الامريكية الديمقراطي بيل كلينتون، على سبيل المثال، الى جانب احداث تغييرات جوهرية في البرامج الاجتماعية الداخلية وزيادة حجم المساعدات للبدان النامية. وجد الجمهوريون ان تلك المساعدات ستضاعف الاعباء الملقاة على كاهل دافع الضرائب الامريكي إضافة الى موقفهم الداعي لتقليص الضرائب عن رجال الاعمال والمستثمرين. وربما كان ذلك السبب الرئيسي في ايصالهم (الجمهوريين) الى البرلمان في عام 1994 أول مرة خلال اربعين عاما من تأريخ الولايات المتحدة الامريكية، حيث فازوا باغلب المقاعد في مجلسي الكونغرس الامريكي.
ان تمتع الحزبين الديمقراطي والجمهوري بمساندة واسعة من جمهور الناخبين جعلهما يتناوبان قيادة السلطة في الولايات المتحدة. فعندما يكون احدهما في موقع صنع القرار يتخذ الثاني موقف المعارض. ألأ ان الاليات الدستورية (التشريعية) وضعت بالطريقة التي تجعل صندوق الاقتراع هو الفيصل الحاسم في تحديد الجهة السياسية الجديرة بقيادة الدولة والمجتمع والحيلولة دون حدوث الهزات السياسية والاجتماعية والتي نشهد،منذ سنوات، تجلياتها في بلدان الديمقراطيات الناشئة (قرغيزيا، اوكرانيا، جورجيا،....الخ). كل ذلك يمنحنا الحق بالحديث عن ثنائية المنظومة الحزبية في الولايات المتحدة، تلك المنظومة التي تؤمن، كما يعتقد الكثيرون، الحد المعقول من الاستقرار السياسي للبلاد، ذلك ان تعدد التنظيمات الحزبية وما ينتج عنها من تعددية ايديولوجية ستجعل من برلمان الدولة حلبة واسعة للعراك والجدل السياسي، ما يؤدي الى اضعاف واجباته الاهم، الا وهي المهمات التشريعية والرقابية.
ويتمتع البناء الداخلي للحزبين الديمقراطي والجمهوري بخصوصية ايضا، فليس هنالك من برامج دائمة لدى الحزبين، إضافة الى غياب بطاقة العضوية والاشتراك المالي، وهما السمتان الرئيسيتان للحزب السياسي بمفهومه التقليدي. فقد قام الحزب الديمقراطي أول مرة باقرار برنامجه في عام 1974. فيما يعتبر اعضاء في الحزب كل الناخبين المصوتين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ويتم تنظيم الاجهزة الحزبية الدائمية وفقا للجغرافيّة الانتخابية حيث تؤلف لجنة المحطة الانتخابية هيئة الحزب الدنيا المعينّة من قبل الهيئة الحزبية الاعلى منها، تليها لجان المناطق في المدن الكبرى ومن ثم لجان الوحدات الادارية مثل النواحي والمدن، فيما يعتبر (الكونفرنس) الوطني، والذي يعقد مرة واحدة كل اربع سنوات، هرم البناء الحزبي.
واذا كان الحزبان الرئيسيان (الجمهوري والديمقراطي) يغطيان كل المساحة الجغرافية للفيدرالية، فان ثمة احزاب سياسية صغيرة تنشط في بعض الولايات. وربما كان الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة الاقدم من بين تلك الاحزاب، حيث تم تشكيله في عام 1919 ولم ينتخب اي من اعضائه الى عضوية مجلسي الشيوخ والنواب. شأنه في ذلك شأن الكثير من الاحزاب الامريكية الصغيرة مثل الحزب الامريكي المستقل، والحزب الدولي للخضر وحزب الاحراروحزب العمل الاشتراكي... وغيرها.
ويولي المنظرون الامريكيون اهمية كبيرة لدور الاحزاب السياسية حيث يعتبرونها المكوّن الرئيسي للارادة الشعبية والمعبر عن تلك الارادة من خلال تمثيلها في اجهزة الدولة المختلفة. ومن الجدير بالذكر الاشارة هنا الى ان الدستور الامريكي لا يعالج، في اي من مواده، مسألة التنظيم القانوني لنشاط الاحزاب السياسية. غير ان القانون الفيدرالي"حول تمويل الحملات الانتخابية" والصادر عام 1974 تناول بالتفصيل المسائل المتعلقة بتمويل الحملات الانتخابية لتلك الاحزاب. إضافة الى ذلك فأن الكثير من جوانب نشاط الاحزاب السياسية في الولايات المتحدة الامريكية مثل تكوين صناديق دعم الحملات الانتخابية للاحزاب وكيفية اجراء الانتخابات الاولية وحجم المساعدة المالية التي بامكان المواطن التبرع بها للحزب السياسي باتت تشكل الموضوع الاهم للتطبيق القضائي (قرارات المحاكم). فيما اصبحت المعالجة القانونية لنشاط الاحزاب السياسية اضافة الى كيفية تشكيل تلك الاحزاب وتفعيل نشاطها وبنيتها الداخلية من اختصاص دساتير الولايات وتشريعاتها الاخرى، ما يعزز دور سلطات الاقاليم في تأطير نشاط الاحزاب السياسية الفاعلة على اراضيها.
انني ارى ان الاستفادة من تجارب الشعوب في التأسيس لحياة سياسية مستقرة سيكون له اثر بالغ الاهمية ليس فقط في ايجاد بدائل مناسبة لانظمة الحكم، وانما لقطع الطريق على عودة التقاليد الشمولية في التنظيم السياسي للمجتمع ايضا.


العراق: تحديات المرحلة المقبــلة أهــي توافـــق وتسويـــات أم تدمير ذاتي؟
 

د، جواد بشارة / باريس
ها قد خسر الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية الانتخابات التشريعية النصفية للكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ الذي انتقلت الأغلبية فيه إلى الحزب الديمقراطي وبات على الرئيس بوش وإدارته أن يفكرا جلياً وعلى نحو جدي بمراجعة سياسته وإستراتيجيته في العراق شاء ذلك أم أبي، كما بات في حكم المؤكد أن على الطبقة السياسية في العراق، بكل تنوعاتها،

إعادة النظر بكثير من الملفات الملحة وعلى رأسها إنهاء معضلة الميليشيات المسلحة بكل أنواعها وأصنافها، واجتثاث جذور الفساد الذي صار ينهش جسد العراق المنهك والمريض، وتوفير الأمن الحقيقي والخدمات الأساسية للمواطنين قبل أن يطفح الكيل ويفوت الأوان، والبدء بشكل جدي بإصلاح حقيقي للنظام الانتخابي، ومراجعة بعض بنود الدستور حسب الاتفاق المبرم بين جميع الفرقاء قبل الاستفتاء على الدستور العراقي الدائم.فقضية الميليشيات المسلحة هي كما هو معروف سياسية قبل أن تكون عسكرية، وهي ليست مشكلة تستعصي على الحل فالخطوة الأولى لحلها هو اتفاق جميع القوى السياسية على تجريدها من السلاح بالتفاوض أو بالقوة، وبالتالي تشكيل قوة حقيقية مسلحة ومدربة ومجهزة بأحدث الأسلحة وأكثرها تطوراً من الناحية التكنولوجية، على أن تكون تلك القوة تابعة للحكومة العراقية المركزية، ويمكنها الاستعانة، في حالة الضرورة القصوى، بقوات أجنبية شرط أن تكون القيادة بيد الحكومة العراقية، وألا تخضع قوة التدخل السريع العراقية لمنطق الولاءات الحزبية والطائفية والعرقية بل تعمل وفق مقتضيات مصلحة الوطن العليا، تنفذ أمر سحب أسلحة الميليشيات كلها وفي كل مكان في العراق وفي آن واحد حتى لا تظهر هنا وهناك أصوات منددة ومنفعلة تتهم الحكومة بالتحيز لهذه الجهة أو تلك ولهذه الطائفة أو تلك.
أما بالنسبة للفساد، فعملية مكافحته تتطلب الصرامة والجدية والإرادة الصادقة من خلال تطبيق قوانين عقابية رادعة وشديدة القسوة بحق الفاسدين والمفسدين المتغلغلين في ثنايا وشرايين ودهاليز الدولة وأجهزتها الحكومية وغير الحكومية. إن مما لا جدال فيه هو أن لجنة النزاهة لم تكن فعالة لأنها تخضع لمنطق المحاصصة الطائفية والحزبية ولا تتمتع بسلطات تنفيذية حقيقية ومستقلة. لذا أعتقد بأن مقترح حزب الفضيلة بهذا الصدد في إنشاء" ديوان المفتشية العامة" يكون بمثابة هيئة مستقلة وذات سلطات وصلاحيات واسعة وحقيقية حيث يقوم الديوان بإدارة وتنظيم مكاتب المفتشين العامين الموجودين في كل وزارة لمراقبة أداء الوزارة ونفقاتها، إلى جانب ما يقوم به ديوان الرقابة المالية. ويكون رئيس ديوان المفتشية بدرجة وزير والمفتشون العامون التابعون له بدرجة وكيل وزير على أن يتم اختياره وانتقاء المفتشين العامين وفق معايير صارمة مسبقاً للتأكد من نظافة وكفاءة ونزاهة وحيادية العاملين في هذا الديوان. فلا يغيب عن بال أحد أن أعظم ما يعانيه شعبنا ووطننا الجريح هو آفة الفساد الإداري والمالي والوظيفي الذي أصبح كالإخطبوط يمد أذرعه داخل مفاصل الدولة ويعشش في النفوس ويدمر الأخلاق ويقتل الضمير والحس الوطني وبالتالي يصبح الفساد السبب الرئيسي للخراب والحرمان والظلم ويرفد الإرهاب بأسباب العيش والانتعاش والاستمرار والانتشار.فقد ورد في إحدى أدبيات حزب الفضيلة تشخيص دقيق لهذا الداء، فمن خلال المعترك السياسي للحزب وجد أن أسباب تدني الأداء في دوائر المفتش العام ذات طبيعة سياسية إذ أن المسؤولين عن النزاهة والتفتيش لا يستطيعون التخلص من هيمنة رؤساء الكتل السياسية الفاعلة والمؤثرة في الحياة السياسية العراقية، وبسبب توزع ولاءاتهم على تلك الكتل إما خوفاً من العزل وفقدان الوظيفة، أو خدمة لمن أوصلهم إلى مناصبهم وبالتالي يتوجب على المفتش العام حسب اعتقاده أن ينفذ مصالح الطرف الذي عينه.من هنا عدم وجود إمكانية لكادر مستقل أن يحتل هذا المنصب الحساس من دون أن يكون مرشحاً أو مدعوماً من قل أحد الأحزاب المؤثرة هذا إلى جانب ارتباط المفتشين مالياً وإدارياً بالوزارات التي يعملون فيها بغية مراقبة أدائها وتشخيص مواطن الخلل والفساد فيها، مما يجعلهم ضعفاء وفاقدين للاستقلالية لكونهم موظفين داخل الوزارة.
من هنا جاءت ضرورة إصلاح هذا الخلل وإصدار قانون تأسيس أو إنشاء" ديوان المفتشية العامة" على أن يرتبط مباشرة بمجلس النواب ويكون مستقلاً مادياً وإدارياً عن الوزارات ودوائر الدولة أي أن يتمتع بشخصية معنوية واستقلال مالي وإداري عن السلطة التنفيذية وهي الحكومة وعلى غرار الاستقلالية" نظرياً؟" التي يتمتع بها النظام القضائي، وأن يكون هناك تنسيق وتعاون تام وعلى درجة عالية بين الديوان والقضاء لمعاقبة المذنبين الذين تثبت عليهم تهم الفساد وبلا أي استثناء أو تدخلات من أية جهة. ويترافق ذلك مع إنشاء نظام فعال يتم بموجبه إخضاع الوزارات لجميع إجراءات المراجعة والتدقيق والتحقيق لسد الطريق أما جميع أشكال التبذير والابتزاز والسرقة والغش وإساءة استعمال السلطة والمنصب وللمحافظة على المال العام وثروات البلد.ويتعين على ديوان المفتشية العامة تقديم تقارير واضحة وجلية وصريحة وتفصيلية وافية لمجلس النواب ولمجلس الوزراء وبصورة منتظمة لكل عمليات التحقيق وأداء الوزارات والمعوقات التي تقف بوجه الديوان وإطلاع مجلسي النواب والوزراء على الخروقات والانتهاكات القانونية والإدارية والمالية وفي جميع المستويات الوظيفية.
إن احتواء ملفي الميليشيات والفساد يفتح الطريق أمام إمكانية توفير الأمن للمواطن من خلال تحقيق دولة القانون واحترام القوانين وتطبيقها وتكثيف الحضور الحكومي الأمني والبوليسي في كل مكان لكي يشعر المواطن أن الدولة تحافظ على حياته وأمنه وتوفر له سبل العمل بأمان وتحميه من العصابات والإرهابيين. وبالتوازي مع ما ذكر أعلاه، وللحفاظ على صدقية الدولة وكسب احترام المواطن لها وثقته فيها، يتعين على الدولة وبأسرع وقت ممكن تحسين وإصلاح الوضع الاقتصادي وتوفير الخدمات السياسية ومصادر الطاقة كالكهرباء والوقود والماء الصالح للشرب ووسائل النقل الآمنة والنظيفة وحسن سير النشاطات التعليمية والتربوية والثقافية.
وأخيراً تحتاج التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق إلى نظام انتخابي عادل وفعال للمحافظة على سير العملية السياسية الديمقراطية بالشكل الصحيح ويتيح الفرصة للعناصر الكفوءة والنزيهة لكي تصل إلى مواقع السلطة التشريعية والتنفيذية، إذ أن التجارب الانتخابية السابقة المعتمدة على نظام القوائم المغلقة، واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، كما حدث في انتخابات 30 كانون الثاني 2005، كانت متعثرة ومدعاة للكثير من الاعتراضات والطعون، وإلى غياب التمثيل العادل لكل المحافظات حسب تعدادها السكاني، وحرمان الكثير من شرائح المجتمع العراقي من التمثيل داخل الجمعية المنتخبة.
وهذا ما دفع العديد من القوى السياسية إلى التفكير لإيجاد حل لهذا الخلل فاقترح حزب الفضيلة مشروع قانون جديد للانتخابات يعتمد أسلوب تعدد الدوائر الانتخابية وتعدد المرشحين عن المحافظات حيث يكون لكل محافظة عدد من المرشحين حسب عدد سكان المحافظة على أن يكون المرشح معروفاً بالاسم ومن أبناء المحافظة أو الدائرة الانتخابية، ولديه برنامج سياسي يتم بموجبه انتخابه أو عدم انتخابه والتصويت أو عدم التصويت لمصلحته من قبل الناخبين في المحافظة أو الدائرة الانتخابية التي يترشح عنها المرشح والشخص الذي يحصد أكبر عدد من الأصوات هو الذي يمثل محافظته أو دائرته الانتخابية. وبهذه الطريقة يكون بوسع الأحزاب اقتراح مرشحيها وبوسع الأشخاص المستقلين والكفاءات والكوادر التكنوقراطية ترشيح أنفسهم لعضوية البرلمان. لأن نظام القوائم المغلقة يلزم الناخبين اختيار القائمة وليس أشخاصها وقد يكون فيها أشخاص لا يعرفهم الناخب أو لا يحبذ التصويت لهم لأسباب مختلفة لكنه مجبر على اختيار القائمة التي يوجدون فيها وليسوا بالضرورة من أهل المحافظة أو الدائرة الانتخابية وبالتالي هم لا يمثلون طموح أهل المحافظة أو الدائرة التي يرشحون باسمها وغير معنيين بمشاكلها الخاصة.وانطلاقاُ من مبدأ خدمة الشعب وتغليب مصلحة الوطن على مصلحة الحزب أو الكتلة أو الطائفة، لابد من إعادة النظر في قانون الانتخابات المتبع حالياً وجعله أكثر عدالة وشفافية من خلال جعل الترشيح يتم على أساس الأشخاص المنفردين والمعلنين أمام الناس سواء أكانوا منتمين أو غير منتمين لأحزاب أو حركات أو تجمعات سياسية معينة، لاسيما بعد أن تم دفع الكثير من السلطات والصلاحيات إلى مجالس المحافظات والأقاليم حسب الدستور، والأمر ذاته ينطبق على انتخاب المحافظين وأعضاء مجلس المحافظة، أي أن يتم اختيار المحافظين بالاقتراع الحر المباشر والسري من الناخبين في كل محافظة مما سيحرر المحافظ والمحافظة التي يديرها من الإرتهانات السياسية والتوافقات الكتلية داخل مجالس المحافظات وكواليس أحزابها.
من المتوقع أن يواجه مشروع إصدار قانون انتخابي جديد مقاومة ورفض من الأحزاب والكتل السياسية الكبيرة في العراق لأنه يحرمها من احتكارها وهيمنتها على العملية السياسية على حساب الأحزاب والحركات السياسية الصغيرة والأشخاص المستقلين، لذا نهيب بالطبقة السياسية العاملة والنشطة في الساحة العراقية وكذلك المرجعيات الدينية الشيعية والهيئات الدينية السنية أن تأخذ بالاعتبار المصلحة العليا للوطن وتحقيق العدالة للجميع بغية معالجة عجز البرلمان بتكوينه وتركيبته الحالية، عن أداء دوره التشريعي والرقابي باعتباره ممثلاً للشعب ومراقباً لأداء السلطة التنفيذية أي الحكومة.
لا توجد أمام أصحاب القرار والشأن في العراق اليوم خيارات كثيرة. فإما القيام بإصلاحات جوهرية وتقديم المقترحات العملية والبرامج الفعالة للخروج من عنق الزجاجة أو الغرق في وحل المواجهات المسلحة والتصفيات الجسدية والحرب الأهلية ـ الطائفية التي لن يربحها أحد ويضيع فيها الوطن.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة