اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الدستور الجديد وسيف (التعزير) للنساء العراقيات

((هذا المقال جزء من سلسلة دراسات وافكار من شاركونا في معهد الدراسات الاستراتيجية في الندوات والنقاشات حول مسودة الدستورقبل و بعد اقرار الدستور من اجل استكماله بتشريعات ولوائح تعزز التوازن السياسي وتكفل الحريات، والحقوق المدنية وحقوق المرأة والأسرة، والمجتمع المدني والاقليات .في هذا المقال يناقش الكاتب و عضو مجلس امناء معهدنا السيد عدنان حسين مناقشة بعض ما ورد في لائحة التعديلات التي طرحها نداء "عهد العراق" و لائحة تعديلات معهد الدراسات الاستراتيجية)

معهد الدراسات الاستراتيجية
حملة تعديل الدستور

عدنان حسين

خلال حملة الانتخابات الرئاسية في ايران هذا العام، كان لافتاً على نحو مميز ان بعض المتنافسين وظفوا فتيات جميلات في حملاتهم الدعائية. وقد تابعنا عبر شاشات التلفزيون وعلى صفحات الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية مشاهد الطالبات الجامعيات والموظفات الشابات، الساحرات في جمالهن جميعاً، المرتديات بناطيل الجينز والمتحررات تقريباً من الحجاب »الاسلامي»، وهن يوقفن السيارات عند مفارق الطرق والمارة على نواصي الشوارع او في الاسواق ويوزعن عليهم المنشورات الدعائية وشعارات المرشحين وصورهم. وكان الأبرز بين الذين استثمروا هذه الوسيلة الدعائية هو حجة الاسلام والمسلمين الشيخ هاشمي رفسنجاني، أحد أعمدة النظام الاسلامي في ايران وابرز ائمة صلاة الجمعة في طهران.
هذه الظاهرة الوليدة التي نشأت في مناخ الحرية والاصلاح الذي اشاعه عهد الرئيس السابق محمد خاتمي تسعدنا نحن العلمانيين الذين ندافع عن حقوق المرأة وسواها من حقوق كل البشر وحرياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من دون أي تمييز او تفرقة على اساس الجنس او العرق او الدين او المذهب او لون البشرة.. يسعدنا ان تمارس المرأة بعضاً من حريتها وحقوقها في بلد ظل امداً طويلاً، ولم يزل، أحد النماذج الصارخة للدولة الدينية التي تتعسف في تفسير الشريعة وتأويل احكامها.
لكن ما حدث بالتزامن مع حملة الانتخابات الرئاسية الايرانية لا يرضينا بالمطلق، ذلك ان استعانة السياسيين الايرانيين بالنساء الجميلات في حملاتهم الدعائية لم تتحقق في سياق منظومة متكاملة تسمح للمرأة بممارسة كل المهن المتاحة للرجل على نحو متكافيء، بل اننا نعارض ان ينظر الى المرأة باعتبارها شكلاً جميلاً وحسب، فهذا مهين لكرامة المرأة وانسانيتها ولا يختلف في الجوهر عن حمل المرأة على ممارسة الدعارة او ارغامها على الزواج من شخص لا تحبه. ان للمرأة عقلاً جميلاً ايضاً وقدرة فكرية خلاقة يضاهيان، وربما يفوقان، في قيمتهما ما لديها من جمال في الشكل تجسده رشاقة القوام وسحر النظرات واللفتات.
من المفهوم ألا يتيح حكم ثيوقراطي، كالحكم الايراني، للمرأة ان تتمتع بحقوقها الكاملة، فهذا من سمات النظام الشمولي الذي يجري فيه التضييق على الحقوق والحريات الى ابعد الحدود، وتصبح فيه «الحقيقة» حكراً على زعامته التي تفوض نفسها «حق» تقرير ما هو صالح وما هو طالح، باعتبارها المجسدة لـ «المثل العليا».
ولقد سعى فريق سياسي اصبح نافذاً في السلطة في العراق خلال السنتين الماضيتين الى ان يتمثل التجربة الايرانية. وفي هذا الاطار جاهد هذا الفريق خلال الاعداد للدستور الدائم ـ بل قبل ذلك ايضاً ـ من اجل الحد من الحقوق والحريات التي كان من المنتظر ان يطلقها اول دستور دائم في العراق الجمهوري، وبخاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة. وبلغ هذا «الجهاد» ذروته بمحاولة الاجهاز على قانون الاحوال الشخصية النافذ منذ اكثر من 35 عاماً والذي لم يجرؤ حتى نظام صدام حسين على الغائه، فتحايل عليه باصدار قرارات لمجلس قيادة الثورة تتعارض مع بعض الاحكام وتبطل مفعولها، وذلك لاضفاء الشرعية على تصرفات غير قانونية لصدام وبطانته خصوصاً، وهذا امر كثر حدوثه في مجالات اخرى كثيرة طيلة ربع القرن الماضي.
لقد تطلعت نساء العراق، ربما بشوق اكبر مما كان لدى الرجال، الى الخلاص من نظام صدام الذي ارسل الابناء والازواج والاخوة والآباء الى محارق الحروب المتتابعة، وأحال الحياة في بلاد الرافدين الى مأتم لا ينفض في ساعة الا لينعقد مجدداً في الساعة التالية. وأمّلت نساء العراق انفسهن بأن النظام الذي سيخلف نظام صدام سينصفهن ويحول احزانهن الى افراح بتمكينهن من استرداد حقوقهن المهضومة.
ومن اجل هذا تقدمت النساء بشجاعة فائقة صفوف الزاحفين الى صناديق الاقتراع في 30 كانون الثاني (يناير) الماضي متحديات الاصوليين التكفيريين وفلول النظام البائد، أملاً في انتخاب برلمان يسن لهن دستوراً يفتح ابواب الحرية امامهن ويكافئهن عن صبرهن الطويل وتحملهن مشاق الحياة في احلك حقبة في تاريخ العراق، بيد ان معظم النواب، رجالاً ونساءً، الذين انتخبنهم خذلوهن بتشريع دستور لم ينجز مطالبهن بالكامل. وقد تجسد الشعور بالخذلان في التراجع الكبير في نسبة المقترعين على الدستور في استفتاء 15 تشرين الاول (اكتوبر)، وبخاصة النساء، بالمقارنة مع نسبة المشاركين في انتخابات كانون الثاني (يناير) حتى في اكثر المحافظات أمناً واستقراراً (محافظات الجنوب وبعض محافظات الوسط واقليم كردستان).
المرأة العراقية لحق بها ظلم مركب وتعرضت لغبن مضاعف في حقوقها منذ العام 1963 حتى الان، وبخاصة في سنوات عهد صدام الطويل.وينبئنا تقرير البنك الدولي:

»
Gender and Development in the Middle East and North Africa»
(
النوع الاجتماعي والتنمية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا)، للعام الماضي(2004) بان مشاركة المرأة في القوة العاملة في العراق لم تتطور الا بنسبة 18% بين العامين 1960 و2000 مقابل 691% بالنسبة للمرأة في قطر و668% في البحرين و604% في السعودية و548% في دولة الامارات العربية المتحدة و486% في الكويت و366% في سلطنة عمان و158% في لبنان و104% في الاردن.
وبينما يلبي الدستور العراقي الجديد المزيد من الحقوق والحريات للافراد والجماعات بالمقارنة مع كل الدساتير السابقة، الا انه بالنسبة للمرأة يضع على عنقها الجميل سيفا يهدد ب «تعزيره» في أي وقت، فالمادة 16 الخاصة بتكافؤ الفرص مصوغة بنص عمومي لا يأخذ في الحسبان التمييز التاريخي الذي عانت منه المرأة وجعلها دائما في الموقف الاضعف في المنافسات للتمتع بحق العمل وحق التمثيل في الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية وحق تقرير مصيرها بنفسها باعتبارها كائنا كامل الانسانية وانسانا كامل الاهلية. والمادة 39 الخاصة بالاحوال الشخصية انما تفتح اوسع الابواب لانجاز ما لم يقدر عليه نظام صدام حسين، وهو الاجهاز على قانون الاحوال الشخصية للعام 1959 الذي احتاج هو نفسه منذ زمن طويل للتعديل باتجاه انصاف النساء العراقيات وليس الحاق المزيد من الظلم والحيف بهن. اننا ندعو السياسيين و اصحاب الرأي الى اسناد حملة معهدنل و نداء "عهد العراق" في مطالب الحد الادنى لتوازن الحقوق .


تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش (مراقبة حقوق الإنسان)باللغة العربية .. العـــــــراق: وجـــــــــــــه واســـــــم!  - القسم الثالث والاخير

  • الضحايا المدنيون لحركة التمرد في العراق

كما وعدنا القراء، تنشر (المدى) التقرير الذي اعدته منظمة هيومن رايتس ووتش (مراقبة حقوق الإنسان) تحت عنوان (العراق: وجه واسم) الذي أطلق في نسخته العربية بتاريخ 15 تشرين الثاني 2005، ويتضمن وقائع هائلة لاستهداف المواطنين من قبل جماعات المتمردين فضلاً عن انتهاك القوات الأمريكية وقوات الحكومة العراقية لقوانين الحرب، إلا أن التقرير يركز على استهداف ما تدعوهم بالمتمردين للطوائف الدينية والسياسيين والأكاديميين والعاملين في أجهزة الإعلام والنساء، ويصف عمليات الخطف والقتل والإعدامات والذبح. وبسبب المساحة والعرض الصحفي وجدنا من الضروري حذف الهوامش التي وردت في هذا التقرير المهم.

أما الفئة التاسعة والأخيرة فهي تشمل غير العراقيين، بما في ذلك السائقون، ورجال الأعمال، والمتعاقدون، والصحفيون، والدبلوماسيون، والعاملون في المنظمات الإنسانية، وغيرهم من العاملين في وظائف مدنية. فمنذ أبريل/نيسان 2003، اختطفت جماعات المتمردين أكثر من 200 شخص غير عراقي، من رعايا 22 دولة على الأقل، وقتلت منهم ما لا يقل عن 52؛ ولا يزال ما يقدر بنحو 43 شخصاً في عداد المفقودين. وكثيراً ما يكون الهدف من وراء ذلك هو الضغط على حكومات الضحايا أو الشركات التي يعملون بها لحملها على الانسحاب من العراق، أو الحصول على تنازلات أخرى من قبيل إطلاق سراح السجناء. ومن الدوافع الشائعة لهذه الاعتداءات الحصول على المال؛ إذ يُستهدف غير العراقيين لهذه الهجمات من أجل الفدية التي يرغب المتمردون، أو إحدى العصابات الإجرامية، في انتزاعها.
وقد يكون ضحايا هجمات المتمردين من فئات متداخلة، كما أن الهدف الدقيق لاستهدافهم لا يكون واضحاً في جميع الأحوال؛ فمن الجائز، على سبيل المثال، أن يكون بعض المسيحيين والأكراد قد قتلوا بسبب دينهم أو عرقهم، أو بسبب عملهم مع الجيش الأمريكي. ومن الجائز أن تكون جماعات المتمردين قد استهدفت زعماء الشيعة بسبب مكانتهم الدينية أو السياسية، أو بسبب مشاركتهم في مؤسسات الحكومة العراقية. وقد تكون بعض النساء قد استهدفن بسبب وظائفهن أو جنسهن. وأخيراً، هناك الكثير من العراقيين الذين لقوا حتفهم في هجمات استهدفت غيرهم لتواجدهم في مواقع هذه الهجمات بمحض الصدفة.
وختاماً، فإن المتمردين العراقيين لا يقترفون جرائم حرب ضد المدنيين فحسب، بل أيضاً ضد القوات المتعددة الجنسيات والقوات العراقية. ويوثق أحد فصول هذا التقرير ما تعرض له أفراد القوات المتعددة الجنسيات والقوات العراقية من سوء المعاملة والإعدامات، بقطع الرأس أحياناً، أثناء احتجازهم لدى جماعات المتمردين. وفضلاً عن هذا، فإن الكثير من هجمات المتمردين على الأهداف العسكرية المشروعة قد نفذت بأساليب غادرة، وعادةً ما يكون ذلك بالتظاهر بأنهم مدنيون لتنفيذ هجوم انتحاري.
جماعات المتمردين
يُستخدم مصطلح "التمرد" للإشارة إلى طيف من جماعات المعارضة المسلحة في العراق التي تتباين في بنيتها واستراتيجياتها، وإن كان يوحد بينها هدفان مباشران مشتركان: طرد قوات التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق، والإطاحة بالحكومة العراقية الحالية. ومن الصعب - إن لم يكن من المحال - تحديد هوية الجماعة المسؤولة عن هجوم ما بشيء من اليقين، إذ إن العشرات، إن لم نقل المئات، من هذه الجماعات تشارك في الأنشطة العسكرية، وتعلن الكثير منها مسؤوليتها عن الهجمات في بيانات يتعذر التحقق من مصداقيتها. ومن ثم فإن هذا التقرير يقدم لمحة عامة عن حركة التمرد دون الخوض في تفصيلات عن الجماعات المحددة.
وتتألف جماعات المتمردين التي يتناولها هذا التقرير في الأغلب والأعم من السنة وينتشرون في مناطق الوسط والغرب والشمال الغربي للعراق. ويبدو أن الأفراد ينخرطون في حركة التمرد لأسباب شتى، منها الرغبة في طرد القوات الأجنبية من العراق، والخوف من التهميش من جانب الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة بعد عقود من السيطرة السنية، والصراع على المناطق الاستراتيجية مثل كركوك. ويعتبر البعض حركة التمرد جزءاً من جهاد إسلامي عالمي ضد الولايات المتحدة؛ وقد ينضم إليها آخرون باعتبارها وسيلة للعيش في وقت ارتفعت فيه معدلات البطالة. وفي الوقت ذاته، فإن الكثيرين من أهل السنة يؤيدون المتمردين أو أهدافهم بدون الانخراط في صفوفهم. وثمة آخرون من السنة يفوق عددهم الحصر ممن يعارضون المتمردين أو أساليبهم، بل يذهبون إلى حد التنديد العلني بالهجمات على المدنيين، وتعرضوا هم أنفسهم للهجمات.
ويمكن تقسيم حركة التمرد إجمالاً إلى ثلاث فئات عامة: الإسلاميون المتطرفون، والبعثيون، والقوميون السنيون؛ وكما هو الحال بالنسبة للضحايا، فإن الجماعات المسلحة تتداخل فيما بينها. وكانت الجماعات التي تنضوي تحت فئة الإسلاميين المتطرفين هي التي استقطبت القدر الأكبر من الاهتمام بسبب العمليات البارزة التي قُتل فيها الكثير من المدنيين عمداً؛ وأشهر هذه الجماعات هي جماعة "أنصار الإسلام"، وهي جماعة كردية كانت قائمة قبل الحرب، وأنصار السنة، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الذي يقوده فيما يبدو الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وأعلنت هذه الجماعات مسؤوليتها عن تفجير السيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية في أماكن مكتظة بالمدنيين، واختطاف رجال الأعمال، والمقاولين، والصحفيين، وإعدام الأسرى من أفراد الشرطة والجنود، وكان إعلان المسؤولية يتم أحياناً من خلال تسجيلات مصورة مروعة لقتل الضحايا. وتقول هذه الجماعات بوجه عام إنها تسعى لإقامة دولة إسلامية صحيحة، تقوم هياكلها القانونية والمؤسسية على تفسير متزمت للقرآن. وتذهب هذه الجماعات إلى أن الصراع المسلح في العراق يأتي في إطار "الجهاد" العالمي ضد الاستعمار والعدوان العسكري الأمريكي، والأنظمة الديكتاتورية الفاسدة واللا إسلامية في العالم العربي. وقد شارك في القتال مقاتلون أجانب من السعودية وسوريا واليمن والكويت والأردن، ولو أن أعدادهم في العراق غير واضحة. وفي ربيع عام 2005، أفاد مسؤول من التحالف أن أقل من خمسة في المائة من المتمردين الذين قتلوا أو أسروا كانوا من غير العراقيين.
أما الفئة الثانية العامة فهي ترتبط بحزب البعث المحلول الذي كان يتزعمه صدام حسين؛ وتضم جماعات من قبيل "فدائيو صدام"، و"العودة"، و"وهج العراق"، وهي جماعات يقودها ويمولها، فيما يبدو، أعضاء سابقون في هياكل الأمن العراقية؛ وقد شنت هذه الجماعات هجمات على القوات المتعددة الجنسيات والقوات العراقية. كما أنها مسؤولة عن عمليات قتل مستهدفة وهجمات على أهداف عسكرية، مثل تلك التي تستخدم فيها عبوات ناسفة مزروعة على جانب الطريق، وهي هجمات لم تميز بين المقاتلين والمدنيين، أو تسببت في وقوع خسائر مفرطة في صفوف المدنيين. وتوحي الأدلة المتوفرة بأنها لم تكن هي المسؤولة عن الكثير من التفجيرات الانتحارية التي وقعت على المدنيين، وعمليات الإعدام الفوري للأسرى من أفراد قوات الأمن، ولو أنها ربما تتعاون مع الجماعات المسؤولة عن تلك الجرائم أو تقوم بتمويلها. وترغب بعض الجماعات المصنفة في هذه الفئة في عودة زعيمها السابق إلى الحكم، ولكن غيرها من الجماعات لا تمت حالياً بأي صلة لصدام حسين على ما يبدو.
والفئة العامة الثالثة هي ما يصفه بعض المحللين بـ"القوميين"، أو "القوميين السنيين"؛ وتتألف في الأغلب والأعم من عرب السنة الراغبين في طرد القوات الأجنبية من العراق، ولكنها ليست مدفوعة بالدين أو بأي صلات بحزب البعث. وتقول بعض هذه الجماعات إنها تريد عراقاً يسترشد بالمبادئ الإسلامية، ولكنها لا تشاطر الجماعات الإسلامية المتطرفة رؤيتها؛ ومقارنةً بجماعات من قبيل أنصار السنة، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، فإن جماعات الفئة الثالثة تقصر هجماتها بدرجة أكبر على الأهداف العسكرية، فيما يبدو؛ بل إن بعضها، مثل "الجبهة الإسلامية العراقية المقاومة" قد نددت من حين لآخر بالهجمات على المدنيين. ولكن من المعتقد أن بعض هذه الجماعات قد اختطفت المدنيين أو شنت هجمات تستهدفهم.
وليست هذه الفئات الثلاث محددة تحديداً صارماً، باعتبار أن الجماعات الدينية والقومية تتمازج فيما بينها؛ وليس المقصود أن تكون تصنيفاً محكماً لجماعات المتمردين إلى أفضل أو أسوأ من حيث مدى التزامها بقوانين الحرب. "فالجيش الإسلامي في العراق"، مثلاً، جماعة ينتمي أغلب أعضائها إلى التيار القومي السني، وتتسم بنزعة إسلامية قوية؛ ولا يبدو أنها قامت بتفجير سيارات مفخخة أو بتفجيرات انتحارية ضد المدنيين، ولكنها أعلنت مسؤوليتها مراراً عن حوادث الاختطاف والإعدامات الفورية للمدنيين. ورغم أن بعض الجماعات المنتسبة لحزب البعث قد نشأت عن حزب علماني، فالظاهر أنها تتعاون مع بعض الجماعات الإسلامية، وتقوم بتمويلها.
والأغلبية العظمى من المتمردين هم من العرب السنة، ولكن ثمة جماعات مسلحة أخرى تنشط في العراق، مثل الجماعات الشيعية، ومن بينها جيش المهدي الذي يقوده رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، ومنظمة بدر التابعة "للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق". وقد تلقت منظمة هيومن رايتس ووتش معلومات جديرة بالتصديق تشير إلى مسؤولية هذه الجماعات عن بعض حوادث الاختطاف، والتعذيب، والاغتيالات، بما في ذلك هجمات انتقامية ضد أشخاص مرتبطين بالحكومة السابقة أو حزب البعث. ولكن هذا التقرير لا يتناول تلك الأفعال لأن الجماعات المذكورة ليست منخرطة حالياً في أعمال القتال ضد القوات المتعددة الجنسيات أو قوات الحكومة العراقية، ومن ثم فإنها لا تشكل جزءاً من حركة التمرد.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن جماعات المتمردين ليست مسؤولة عن جميع حوادث الاختطاف وأعمال القتل التي يتعرض لها المدنيون في العراق، والتي تبدو وكأنها مرتبطة بهذه الجماعات؛ فالجرائم العادية متفشية في جميع أنحاء البلاد، وقد عمد مجرمون ملثمون كالمتمردين إلى اختطاف أشخاص للحصول على فدية أو لبيعهم لجماعات المتمردين. كما يبدو أن بعض جماعات المتمردين تنخرط في جرائم عادية ، مثل الاختطاف والسرقة، للحصول على التمويل اللازم لعملياتهم العسكرية. وفي خضم حالة الانفلات الأمني وغياب سلطة القانون في العراق اليوم كثيراً ما ينطمس الخط الفاصل بين السياسي والجنائي.
حجج جماعات المتمردين
تسوق جماعات المتمردين التي تستهدف المدنيين في العراق حجتين عامتين لتبرير أفعالها؛ الأولى هي أن الأشخاص الذين يؤيدون بأي شكل من الأشكال القوة المتعددة الجنسيات في العراق - التي يعتقدون أنها لا تزال قوة احتلال أجنبي - ليسوا مدنيين يستحقون الحماية، وذلك بسبب تعاونهم مع الولايات المتحدة وتحالفها؛ ويشمل هذا العراقيين الذين يعملون مترجمين، وسائقين، ومقاولي بناء مع الحكومات الأجنبية، والشيعة، والأكراد، والمسيحيين، لأن هذه الطوائف قد أبدت بوجه عام تأييدها للغزو العسكري الذي أطاح بحكومة صدام حسين.
وحيث أن الكثير من جماعات المتمردين تعتقد أن الحكومة العراقية الحالية تخدم الاحتلال الأجنبي، فقد استهدفت أيضاً السياسيين والمسؤولين والموظفين الحكوميين. أما الغربيون فيُعتبرون بالتعريف جزءاً من الوجود الأجنبي في العراق، ومن ثم فقد عمدت شتى جماعات المتمردين إلى استهداف المسؤولين الأجانب، بما في ذلك الدبلوماسيون، والصحفيون الغربيون، والعاملون في منظمات المساعدة الإنسانية.
أما الحجة الثانية التي يتعلل بها المتمردون فهي أن طبيعة الصراع المسلح في العراق، وليس هوية الضحايا، تجيز شن هجمات على المدنيين؛ كما تشمل حجج جماعات المتمردين ما يلي:
*في غمار الحرب الرامية لطرد قوات الاحتلال الأجنبي من العراق، فإن الغاية تبرر الوسيلة.
*في غمار حرب ضد القوة العسكرية العظمى في العالم، تكون جماعات المتمردين، التي لا تملك سوى الأسلحة الصغيرة والمتفجرات، مضطرة للتركيز على أهداف غير عسكرية، أو ما يعرف بالأهداف "اللينة".
*إن جماعات المتمردين ليست ملزمة إلا بالشريعة الإسلامية، وليس بالقانون الإنساني الدولي.
*إن الشريعة الإسلامية تبيح قتل المدنيين في حرب للدفاع عن النفس.
*إن عدم مشروعية الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة على العراق، فضلاً عن انتهاكات قوانين الحرب التي اقترفتها القوة المتعددة الجنسيات، تجعل جماعات المتمردين في حل من أي التزام بقوانين الحرب.
غير أن القانون الدولي لا يجيز أياً من هذه المبررات؛ فالصراع المسلح في العراق يخضع لأحكام اتفاقيات جنيف لسنة 1949 والقانون الإنساني الدولي القائم على العرف الذي يسري على كل من القوات المسلحة الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة، بغض النظر عما إذا كانت القوات المشاركة في الصراع تعترف بهذا القانون أم لا. وتنطبق قوانين الحرب سواء أكانت الحرب مشروعة أم لا، وبغض النظر عن الانتهاكات التي يرتكبها الطرف الآخر؛ وتحظر هذه القوانين العمليات الانتقامية.
وعلى نحو ما أوضحناه في الفصل الخاص بالمعايير القانونية في التقرير، فإن القانون الإنساني الدولي يحظر الهجمات المباشرة على المدنيين في أي وقت من الأوقات وأياً كان السبب؛ كما يحظر الهجمات التي لا تميز بين المدنيين والمقاتلين، والهجمات التي تلحق بالمدنيين أضراراً مفرطة لا تتناسب مع المكاسب العسكرية المتوقعة. ويحرم القانون الاعتداء على أي مدني ما دام لا يشارك "مشاركة مباشرة في الأعمال الحربية"، وهو مفهوم يناقشه التقرير. ورغم أن ثمة جوانب إشكالية فيما يتعلق بالحكم على أشكال معينة من السلوك، وما إذا كانت من قبيل المشاركة المباشرة في الأعمال الحربية، فإن سلوك الضحايا الذين يوثق التقرير حالاتهم كان ذا طابع مدني بما لا يحتمل أي لبس.
وتعد الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي جرائم حرب؛ ويكون جميع الأشخاص المشاركين في هجمات غير مشروعة أو المسؤولين عنها بحكم موقعهم القيادي عرضة للمقاضاة. ووفقاً للقانون الدولي، تُعدُّ الجرائم المرتكبة في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي على السكان المدنيين بمثابة جرائم ضد الإنسانية، ويكون المسؤولون عنها عرضة للمقاضاة في أي مكان في العالم.
الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الأمريكية وقوات الحكومة العراقية
إن المسؤولية عن الانتهاكات الموثقة في هذا التقرير تقع على عاتق مرتكبيها؛ بيد أن الحكومتين الأمريكية والعراقية اقترفتا انتهاكات لقوانين الحرب مما يلقي ظلالاً خطيرة من الشك على التزامهما المعلن بتعزيز سيادة القانون في العراق؛ ذلك أن تعذيب المعتقلين وإذلالهم على أيدي القوات الأمريكية في سجن (أبو غريب) وغيره من مراكز الاعتقال، وقتل المدنيين بغير حق عند نقاط التفتيش العسكرية الأمريكية، وأثناء العمليات العسكرية الأمريكية، والاعتقال الطويل الأمد للأشخاص المقبوض عليهم بدون توجيه الاتهام إليهم - كل هذا يؤجج مشاعر الاحتقار السائدة في أوساط عامة المواطنين العراقيين لوجود القوات العسكرية الأجنبية، أياً كانت آراؤهم بشأن الغزو الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من العراقيين، ولكنه أطاح بنظام الحكم القمعي لصدام حسين.
وقد مارست الحكومة العراقية التي تساندها الولايات المتحدة الاعتقالات التعسفية والتعذيب المنهجي ضد المعتقلين، في حين تورطت الميليشيات المرتبطة بالأحزاب السياسية في الحكومة في أعمال الاختطاف، والتعذيب، والاغتيالات. صحيحٌ أن قوات الشرطة والقوات المسلحة العراقية تتعرض للهجمات بصفة مطردة من جانب جماعات المتمردين، غير أن هذا لا يعفي الحكومة من التزامها باحترام القانون الدولي فيما تقوم به من عمليات لتنفيذ القانون ومكافحة التمرد.
ومثل هذه الانتهاكات تسهم في حالة الانفلات الأمني وغياب سلطة القانون بوجه عام في العراق، وتضع في متناول المتمردين ذريعة سهلة، وإن كانت غير مشروعة، لاقتراف انتهاكاتهم. وإذا كانت الحكومتان الأمريكية والعراقية صادقتين في عزمهما على إرساء سيادة القانون في العراق، فمن المهم أن يشرعا في هذا المسعى بضمان احترام القانون في أوساط قواتهما.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة