مسرح

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

د. عقيل مهدي:الناقد العراقي في طليعة النقد المسرحي العربي

  • الجوهري هو أن تتوسط بنقدك بين أسرار العرض  وطبيعتها وإتاحتها ميسرة للمشاهد

حوار/ عبد العليم البناء

الدكتور عقيل مهدي علامة مهمة في عالم المسرح العراقي، بل والمسرح العربي عموماً، كان وما زال له دوره الواضح والمؤثر في المشهد المسرحي بأشكاله المختلفة، فتارة تراه ممثلاً وأخرى معداً ومؤلفاً أو مخرجاً وتارة أخرى ناقداً ملماً بأطراف العملية المسرحية بأكملها، فلم يكتف بهذا كله بل عد منظراً مسرحياً قدم العديد من الدراسات والبحوث العلمية الأصيلة والمترجمة وهو ذلك الأكاديمي المنضبط الذي تخرج على يديه وأيدي زملائه في قسم الفنون المسرحية عشرات، بل مئات المسرحيين الذين درسوا أصول المسرح ونهلوا من معرفته المسرحية الأكاديمية منها والعملية ما جعلهم الآن يقفون في صدارة المشهد المسرحي العراقي.. وامتدت آثاره الأكاديمية إلى خارج العراق في أكثر من بلد عربي استاذاً في معاهدها وكلياتها المتخصصة ليرفدها وطلبتها بمعرفته وتجربته، وانتخب رئيساً لرابطة نقاد المسرح.

(المدى الثقافي) زارت عقيل مهدي في مكتبه بعد أن أصبح عميداً لكلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد وسألته:
*لم توجهتم إلى النقد وتوقفتم عنده كثيراً، مع إنك بدأت ممثلاً وفناناً ناجحاً؟
- الإبداع الفني، قضية شائكة، لكنه يقتضي التوفر على أساسيات تنظيرية تضبط أبعاد التجربة التطبيقية وتتحكم بها. وتبعاً للظروف الخاصة بعملية التلقي، فإن الجمهور، هو الهدف الحقيقي للتجربة المسرحية، لذلك نحن ما زلنا نحلم باللقاء السحري الموعود بيننا من خلال عرض مسرحي. أما عملية النقد فإنها تقع في صلب تخصصنا وليست محطة عابرة نتوقف عندها.
*إلى هذا كيف تنظرون إلى مهمة النقد والناقد في إضاءة العملية المسرحية؟
- مهام النقد ومداخله كثيرة، لكن الجوهري، هو أن تتوسط بنقدك بين أسرار العرض، وطبيعة قراءة تلك الأسرار وإتاحتها ميسرة للمشاهد، بحيث تتوازن لديك الثقافة المهنية مع الثقافة العامة للجمهور وتدله، بطريقة من الطرق، إلى تثمين التجارب الجادة الرصينة، وتبعده عن سواها. وفي الوقت نفسه، تجعل من كتاباتك رقيباً (محبوباً)
وهنا تكمن المعجزة!! من لدن الفنان نفسه.
*هناك من يرى أن عدم وجود خلفية وممارسة عملية للناقد لا تمنحه مشروعية النقد العلمي كيف تنظر أنت إلى هذا الأمر؟
- لا نتفق مع ذلك، وإلا لأصبح (د. لويس عوض) و(د. علي جواد الطاهر) و(د. جميل نصيف) من كبار الممثلين!! أو في الأقل من العاملين النشطين.. إن مواصفات الناقد الجاد، يمكن تشبيهها، بالمدرب الحاذق، الذي يصنع النصر (والإبداع) للفريق الذي يرعاه بالوعي وبالتدريب على التفكير الإبداعي.
ولكن يمكن فرز مستويات النقد إلى وظائف مختلفة، وربما يكون النقد الصحفي واحداً منها، مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف أسلوب هذا الناقد عن ذاك، من حيث المنهج والأداة والرؤية.
*في هذا السياق.. كيف تنظر إلى من يخوضون هذا الغمار الصعب وهم لا يمتلكون أدوات النقد سوى أن الظروف السابقة سمحت لهم بالوجود في الوسط المسرحي وهم الآن يطرحون أنفسهم نقاداً للمسرح؟
- يتحمل الناقد مسؤولية الكتابة، وتبقى قراءة الكتب قضية أساسية ومطلوبة، ولكن
للأسف لا يمكن لناقد المسرح أن ينبع من بين الأوراق، وإنما من بين الكواليس، ودهاليز المناظر، وفضاءات الخشبة، وقلق الممثل، وخطة الإخراج.
وكذلك الإلمام الملموس، بازدهار الفعل المسرحي منذ تاريخه الموغل في القدم إلى تساؤلاته في يومنا المعاصر، وكيفية تصميم وحداته، وانسقته الفنية. إن الناقد هو المفصح عن المسكوت عنه في صالة المتفرجين، والناطق المحكي عن الأصداء والأطياف التي تكمن في مخايل الحضور.
فليس المهم ما يطلقه البعض على أنفسهم من ألقاب، بل المهم هو إنجاز الوظيفة النقدية بمعاييرها السامية والمتماسكة. وثمة مثل شائع يقول: (إن الحمقى شديدو الثقة بأنفسهم!) وأصدقك القول إن معظم النقد في الصحافة هو من النمط الجاد لأن أغلبهم من المثقفين، الحريصين على الارتقاء بالعروض المسرحية.
*هل بالإمكان أن يكون الناقد فناناً وفق فرضية أو إمكانية أن يكون الفنان ناقداً؟
- بإمكان (شكسبير) أن يكون (ناقداً) مثلاً، وبإمكان (جبرا إبراهيم جبرا) أن يكون (مبدعاً) فناناً. ليس الأمر معقوداً بالتمنيات، إنما بالقدرات، خذ (يوسف الصائغ) مثلاً، ناقداً وفناناً شاعراً. ولا تنعدم الكثير من الشواهد على إمكانية جمع الكثرة في واحد.
*هناك نقاد يكتبون عن كل شيء ويخوضون غمار نقد الإبداعات كلها، ما هو دور تخصص الناقد في هذه القضية؟
- التوقف عند بؤرة تجعلك ترى النقاط المجهرية، وتحفزك على المزيد من التحليل والتشريح ومعرفة دقائق الأمور، ولذلك امتاز الخبراء عن سواهم بهذه الخاصية العالمة. أما أن تجد في نفسك رغبة في التواصل مع قوانين الإبداع، وتبعاً لاهتماماتك الرصينة، وتقترب من تخوم المتفلسف بالجمال فلك ذلك، لأن (الجمالية) حدس فائق، يرتقي على (الحواس) الفنية جميعها.
*إلى ذلك.. هل يمكن أن تدلنا على النقاد العراقيين الذين تمكنوا من النقد وبات النقد صنعتهم ولا يشعر النقد بالغربة معهم ولا يتبرأ منهم؟
- خذ النقاد المتمرسين من الأكاديميين، ومن الأدباء الذين أنهمكوا بكتابة النقد الرصين، أمثال د. جميل نصيف، ود. سامي عبد الحميد، وفاضل ثامر، وياسين النصير، ورشيد ياسين، وحسب الله يحيى، ومن هو على (شاكلتنا)، أو من الشباب أو الجيل الذي يمارس النقد في الصحافة (المسرحية) حالياً فهم كثر ولا بأس أن نذكر من بينهم عدنان منشد، كاظم نصار، حسين الأنصاري، محمد حسين، رياض موسى، يوسف رشيد، باسم الأعسم، عبد الخالق كيطان، عباس لطيف البراك، عواد علي حسين علي هارف، وعلي حسين، وعزيز عبد الصاحب، وعواطف نعيم، وكريم شغيدل. وعذراً عن الاسترسال، كلهم يستحق الإشادة والذكر.
*ماذا عن رابطة نقاد المسرح، وكيف تقيم عملها؟
- رابطة النقد، تقوم بمهامها على ما تقوى عليه، وفق ما متاح لها من حركة، فهي بلا غطاء مادي، وبلا هيكل أو مقر، ومع ذلك فأنت تجدهم يملؤون الأفق النقدي بالرأي الصائب، وبالذوق الرفيع.
أما عن الذي لا يمتلك ناصية النقد فإن الجمهور أولى بإطلاق هذا الحكم عليه.
*هل تتفق مع الذين يعتقدون بأن النقد المسرحي يعاني من أزمة يصعب تجاوزها؟
- فهم طبيعة الإشكالية هذه، هو المحك الحقيقي لفرز طبقات النقد لأن الفكر النقدي هو أساساً إشكالي، أما بمعنى أن النقد يعاني من اختناقات، وتوترات، وتداعيات، فإنها تختلف من حيث النسبة تبعاً لدرجة الوعي والمتابعة وأصالة الذات النقدية للناقد.
*أين تضع الناقد العراقي بين أقرانه من نقاد المسرح العرب وغيرهم؟
- أضع الناقد العراقي في الصف الأمامي للنقد المسرحي العربي، ولولا ضعف الفرص المتاحة للمشاهدة المباشرة، لكان نقدنا بمستوى أرفع مما هو عليه، لذلك من هذا المنبر ندعو إلى رعاية النقد المسرحي وتسمية النقاد عند الإيفاد، والندوات والمهرجانات وهو ما بدأ العمل به فعلاً، حسب توجيهات وزارة الثقافة.
*تسنمتم مهام إدارة كلية الفنون الجميلة في هذا الظرف المعروف بإبداعاته نسأل عن ستراتيجيتكم المقبلة؟
- حين تم اختياري، وانتخابي عميداً في كلية الفنون الجميلة، تعين علي القيام بوضع مخطط وتصور عن الموازنة المطلوبة بين طرفي الميزان الخاص بالتدريسي، من حيث الجانب الإبداعي (الفني) والتربوي، وهو ما تحرص عليه الوزارة الموقرة، والجامعة العتيدة، وكذلك الاهتمام بنوعية الطالب الموهوب والمواصفات الراقية التي يتحلى بها، وطرائق التواصل مع المجتمع، وخدمة الأهداف التربوية والجمالية للشعب.


اللا متناهي في تطور الفعالية المسرحية

رزاق عداي

في إطار الكتابة المسرحية طرأت تطورات عميقة، والأمر ذاته حصل على مستوى إنتاج النص، إذ أصبح الشكل أكثر تداخلاً تضميناته، أو حتى الفكرة العامة المراد التعبير عنها.
والمسرح من أكثر الفنون التي تأثرت بالتطورات التقنية وابتكاراتها المتلاحقة، وقد استطاعت توظيف هذه الابتكارات عبر تعزيز النواحي التعبيرية في المسرح.
فإذا كان الحوار يعد الدعامة الأساسية في المسرح تقليدياً، فإننا الآن نشهد ابتساراً لدور الحوار أو إضمحلالاً له، ومبعث هذا الأمر يجري ضمن تداخلات جمة شملت تقنية المسرح ذاته، وفلسفة المسرح أو تطورات وظيفته تاريخياً.
ففكرة "التطهير" التي كانت ذائعة في معجم الثقافة الإغريقية بخصوص المسرح لم تعد ملائمة لطروحات "برخت" مثلاً القائمة على أحداث فجوة أو هوة بين النص المسرحي أو على وجه الدقة العرض المسرحي وبين المتلقي، وقد أريد من ذلك تعميق الفعالية المسرحية وشحذ اليقظة العقلية للمشاهد بدلاً من الاستسلام بسياق عاطفي.
وهذا التفعيل الأخير يفتح الباب واسعاً أمام عنصر التأويل بقوة، وهكذا سيحتوي المسرح إضافة إلى وظيفته الفنية، كجنس إبداعي أصيل وتقليدي، وسينطوي على دور تنويري عميق.
إن الأشكال المسرحية تتعرض دائماً إلى فعالية التجريب اللا متناهية، مثلاً في الكثير من التيارات والاتجاهات المسرحية يعمد إلى توظيف الجسد بمساحة واسعة بغية إبراز قوة الحركة المتأتية من طاقات الجسد لتحقيق زخم من القوة التعبيرية المرتكزة على الحركة مستحوذة على حيز الحوار.
إن الأشكال الجديدة في كتابة النص تكاد تكون كتابة مفارقة عن ثوابت الكتابة المسرحية التقليدية، وهذا بالتأكيد يتبلور في تصميم العرض المسرحي وبالتالي إخراجه، وهذه المنعطفات إنما هدفت إلى تعزيز عناصر جديدة تساهم بقوة نحو استجلاء العناصر الدرامية والتعبيرية بشدة، وهذا يجري كما اعتقد بتفعيل دلالات التأويل "الهرمنتو طيفاً" بأبلغ وتعدد صورها، وعبر استغلال طاقة الممكنات الأخرى من صوت، موسيقى، إضاءة، صمت، ديكور..
نص "المنودراما" أو "البانتومايم" يكاد يتقاطع مع التقليد المسرحي وأركانه الأولية بشكل حاد، ما يعني أن المسرح دخل إلى طور يشهد تفارقاً حاداً عن أصوله وأساسياته في نشأته الأولى.
وينبغي أن أثبت أن ما يجري على صعيد الفعالية المسرحية لا ينفصل عن جملة متغيرات لا تقع في جغرافية المسرح ذاته، فالتقنية في الإنارة والديكور والأكسسوارات واستخدام المساحات المسرحية والفضاءات والآلات والجموع، أي ما يسمى المشهد العام للعرض المسرحي إنما وضعت التطور التكنولوجي وصناعته كوسيلة لتوسيع وتعميق الأبعاد التعبيرية، هذا من ناحية العرض المسرحي، أو الإنتاج التنفيذي للمسرح، أما الكتابة أو المتغيرات التي شملت إنتاج النص في حد ذاته فلقد تشابكت مع مجمل الاندفاعات والمتطورات الفكرية والفلسفية في فهم الظواهر الكلية للحياة والمجتمع، والفهم والزحزحة والإحلال في تغيرات مفاهيم تفصيلية وجزئية أخرى مثل، اللغة، الحركة، الصمت، الرؤية الظاهرية للأشياء وفعلها الاستقبالي والفني وهذه بالضرورة تشكل توسعات ومفاتيح جديدة في تطور وتعدد المنظور المسرحي، أو إنه بالضرورة سيعمل على تبديل الرؤية المسرحية إلى أمام
أو في الأقل سيحصل نوع من الزحزحة عن التقليد المسرحي من حيث المنتج والمتلقي في آن واحد.
فعلى سبيل المثال يرى
صموئيل بيكت والكثيرون غيره من أصحاب ما سمي في أوانه "بالمدرسة الطليعية" لكتاب المسرح، ان الحوار في العصر الراهن في الأقل غير قادر على بلوغ الأعماق الحقيقية للإنسان، ولذلك فمسألة التفاهم الإنساني وشيوع الحوار يكاد يكون معدوماً بين البشر وهذه ثورة في حد ذاتها في فهم الحوار أو اللغة المسرحية في حد ذاتها وقد وظف رواد هذه المدرسة مجموعة (يونسكو، أداموف) الحوار المسرحي بعكس وظيفته التقليدية فالحوار لدى هؤلاء الكتاب يرمي إلى إبراز فكرة صعوبة الوصول إلى فهم بشري مشترك وإن الكائن الإنساني سيبقى رهيناً لأعماقه الداخلية، واللغة غير قادرة على بناء جسور التواصل والفهم بين الأفراد، لذا فقراءة بسيطة لنصوصهم المسرحية تجعلنا نستنتج أن هذا التيار يعمل على تحويل ونفي دلالات اللغة الدارجة واستخدامها ولنفي فكرة فهم مشترك بين البشر، فالذي يجري بين البشر من حوار لا يعدو كونه هذياناً وأصواتاً تصدر عن أحدهم ولا تبلغ إلى أعماق الآخر، ففكرة الحوار تستند إلى أسس اعتباطية.
لذلك كان نقدهم جذريا لأسس المسرح التقليدي وهم يرون أن هناك من العناصر القادرة على أن تتفوق على الحوار في بلورة العناصر التعبيرية في المسرح، مثل حركة الجسد، الإثارة، مساحة الصمت... الخ.. أما "الباتنومايم" فهو يذهب بعيداً في حصر تقنية المسرح في حركة الجسد ويجعلها الزاوية الحيوية في التعبير والتواصل. إن قدرتها الفنية إذن ستنتهي إلى أن النص في المسرح يتجاوب وبقوة سلباً وإيجاباً مع المتغيرات الكلية لأشكال الحياة، والعملية ليست إنعكاساً لسيرورة الحياة فحسب بقدر ما هي تجارب فيما يستبطن الحياة ويحركها، وهو في نهاية المطاف مشروع تجريبي دائب ومستمر.
إنه المعطى النهائي لن يكون مستقراً في شكل أو كينونة ثابتة، وأخيراً، ما يتبقى هو السؤال الذي يراودنا أو يحاصرنا في كل مرة مع هذه المتغيرات وفي ظل تداخل أشكال لفنون أخرى، هو، إلى أي حد تبقى للمسرح سماته ولغته وتقنياته التي تقودنا في كل مقابلة بأن الذي نلاقيه هو من المسرح وضمن كيانه ومن حرفياته دون غيره من الفنون.


نظرية المسرح الرقمي

د. محمد حسين حبيب
المسرح الرقمي قادم... لان جملة (العالم بين يديك) التي نرددها مجازا تعبيريا لم تعد كذلك، بل تحولت هذه الجملة إلى واقع حال نعيش لحظاته أولا بأول عبر استخدامنا (الانترنت) الذي بفضله تحول عالمنا الكبير إلى مجرد شاشة زرقاء نقبض عليها في غرفتنا الصغيرة ونتحكم في التنقل خلالها من مكان إلى آخر مخترقين بذلك كل نظريات الزمان والمكان ومتجاوزين كل وسائل الاتصالات القديمة.. ونحن على قناعة تامة بان الانترنت أسبغ على عالمنا صفة (الرقمية) في كل شيء وأصبحت هي الوسيلة المهيمنة على شبكة الاتصالات بين أفراد الكون قاطبة، ممن ارتبطوا بعلاقات (خاصة وعامة) كلا بحسب اهتمامه، فأصبح الجميع يعرفون كل شيء عن بعضهم ولكن دونما لقاء مادي حقيقي..
وما زاد في أهمية مثل هذه العلاقات والحواريات (المختلفة والمتفقة) مع بعضها البعض، هو الصراحة القصوى التي يتمتع بها الشخص جراء تلك الاتصالات العنكبوتية التي حولت العالم فعلا إلى قرية صغيرة بل إلى شاشة صغيرة يسهل التحكم بمكوناتها التقنية وتكون أنت سيد الأزمنة والأمكنة فيها بل وفي جميع حدودها المعرفية اللامحدودة والمتنوعة.
ان مصطلح (جمهورية التكنولوجيا) بدأ يظهر ويتردد هنا وهناك، وان (التكنولوجيا الرقمية) بمفهومها المتداول وهو (دمج النص والأعداد والصوت والصورة وبقية العناصر المختلفة في الوسائط السابقة) اخذ يهيمن على معرفيات العصر شئنا ام أبينا، وان (الانترنت) أصبح واقعا لا محال برغم كونه (واقعا افتراضيا استطاع أن يكسر حاجزي الزمان والمكان)، وان التوقعات الغالبة أجمعت على أن اليوم الذي ينتهي فيه استخدام (الورق والحبر) كوسائل اتصالية معرفية، بات وشيكا على الظهور... كل هذا وغيره أصبح من الحقائق التي من الممكن ان نقر بها ونذعن لجميع أسلحتها التكنولوجية.. لكن، ما يستدعي الوقوف عنده ان تتحول (المسرحية) بوصفها جنسا أدبيا إلى (مسرحية رقمية) لا مكان لها على الورق ولا يمكن التفاعل معها او قراءتها الا على شاشة الانترنت.
ولعل هذا الأمر (الآن) لم يعد غريبا من الناحية الأدبية وفي أجناس أدبية أخرى، فقد عرض الروائي الأردني (محمد سناجلة) روايته الرقمية (شات) على شبكة الانترنت وفي موقع (اتحاد كتاب الانترنت العرب) محققا بذلك الريادة العربية في هذا المجال، حيث انك لا تستطيع قراءة هذه الرواية الا على الانترنت ولا يمكن في الوقت نفسه تحويل هذه الرواية إلى كتاب مطبوع لأنها متكونة من (الصوت والصورة والحركة والرموز إلى جانب السرد الروائي) كل ذلك يعمل بطريقة تأثيرية واحدة على القارئ بهدف الإلمام بتفاصيل الرواية، الصغيرة منها والكبيرة.
والأمر نفسه قد حدث مع لوحة الرسم التشكيلية، حينما قدمت تجارب في هذا المجال في استخدام العالم الرقمي نفسه لإنتاج لوحات تشكيلية رقمية من شأنها ان تجد مكانا لها في المساحة الإبداعية الفنية، بجانب المساحة الإبداعية التي تحتلها ريشة الرسم نفسها. وقبل هذا وذاك ما تم من استخدامات الكترونية في المجال الإخراجي للفلم السيمي بهدف إخراج الصورة السيمية الرقمية وما حققته من فاعلية تأثيرية واضحة على المتلقي في العديد من الأفلام السيمية المعروفة.
أما (المسرحية الرقمية) موضوعنا الأساس، والتي جاءت هذه المقدمة من اجله، فلقد بدأت المحاولات فعلا في كتابة نوع من المسرحيات قامت بترجمة مصطلحه د. فاطمة البريكي مؤخرا وهو (المسرحية التفاعلية) (
Interactive Drama) في مقالة لها بالعنوان نفسه، وان هذا النوع من المسرحيات التفاعلية متوفر حاليا على شبكة المعلومات، ويعد (تشارلز ديمر) رائد المسرح التفاعلي الذي ألف عام 1985 أول مسرحية تفاعلية كما أسس مدرسة لتعليم كتابة سيناريو المسرح التفاعلي في موقعه الخاص على الانترنت عبر تقديمه دورات تعليمية متعددة، هذا ما أشارت إليه البريكي في مقالتها إلى جانب إطلاقها التعريف الآتي للمسرحية التفاعلية بوصفها (نمطاً جديداً من الكتابة الأدبية، يتجاوز الفهم التقليدي لفعل الإبداع الأدبي الذي يتمحور حول المبدع الواحد، اذ يشترك في تقديمه عدة كتاب، كما قد يدعى القارئ / المتلقي أيضا للمشاركة فيه، وهو مثال العمل الجماعي المنتج، الذي يتخطى حدود الفردية وينفتح على آفاق الجماعية الرحبة).
ان هذا التجريب في التأليف المسرحي يعد شكلا مغايرا، فهو يقوم أولا بإلغاء شخصية المؤلف الأساس ويمكن لأي قارئ أن يكون مؤلفا آخر بمجرد الدخول لموقع أحداث المسرحية الالكترونية ويساهم في تكملة الأحداث التي لا تنتهي، كأن يختار شخصية معينة ويهتم بها لغرض تفعيل مسيرتها الدرامية، ثم يأتي شخص آخر ويختار شخصية أخرى في المسرحية نفسها ويحاول أن يوسع مديات حركتها النصية وهكذا تستمر العملية بلا توقف..
وظيفة الكاتب الأول (تشارلز ديمر) هنا هو عملية البدء بالمراحل الأولية لأحداث النص المسرحي حكاية وشخصيات ليترك الجميع في محاورة تفاعلية غير منتهية مع مسرحيته.
وحتما مثل هذه المسرحية لا يمكن تقديمها على خشبة المسرح ولا يمكن قراءتها او التفاعل مع مجريات أحداثها الأولية والتكميلية التي قام الآخرون بتأليفها، إلا عبر شاشة الانترنت الرقمية.
وبهذا يكون (تشارلز ديمر) في مسرحه التفاعلي هذا، يؤسس لنظرية مسرحية جديدة يقترح كاتب السطور أو يجتهد في تسميتها بـ (نظرية المسرح الرقمي) وهي (الآن) قائمة فعلا عبر عدد من المسرحيات التي كتبها ديمر والمستخدمة حاليا في موقعه الالكتروني ويتفاعل معها الكثير من المتلقين القراء منهم والقراء المبدعين ممن يهتمون بالكتابة الدرامية، ومن كافة أنحاء العالم ولم يتوقفوا بعد على وضع نهاية واحدة لأي من تلك المسرحيات.
لقد ألغت (المسرحية التفاعلية) أفق الانتظار أو التوقع المعروف في الأدبيات الورقية الحديثة، لأن المتلقي هو السيد المتحكم بالقادم من الأحداث فمن أين له أن ينتظر أو يتوقع، فما يريده يجعله واقعا مثلما يشاء.
وهكذا توصل ديمر وعبر عدد محدود من مسرحياته مثل: (الأغنية الأخيرة لفيوليتا بارا، وبات يوديمورت، وتيوركيز، ورانشو، وكوكتيل سوت، وجاتواتيمورت.) توصل إلى المسرحية الرقمية بعد أن تحول كل شيء في عالمنا إلى أرقام، فعبر الانترنت
وكما يعرف الكثيرون صار الحب رقميا والعواطف رقمية والصحافة الفاعلة الآن هي الصحافة الرقمية وكافة المعلومات الأخرى لكافة الاختصاصات الإنسانية والعلمية التي وجدت ضالتها في (الرقمية) بوصفها أسرع وسيلة اتصال حضارية لتبادل المعلومات والخبرات والثقافات الكونية المتعددة.
ومن المهم الإشارة إلى ما قاله (سعيد يقطين) عن الموضوع نفسه في كتابه (من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي) وبحسب إشارة البريكي نفسها حيث يقول فيه: (لقد دخلت الدراسات الأدبية مرحلة جديدة من البحث وتولدت مصطلحات ومفاهيم جديدة، لكننا لا نزال بمنأى عن التفاعل معها، أو استيعاب الخلفيات التي تحددها. ظهرت مفاهيم تتصل بالنص المترابط، والتفاعلية، والفضاء الشبكي، والواقع الافتراضي، والأدب التفاعلي، ونحن لا نزال أسيري مفاهيم تتصل بالنص الشفوي أو الكتابي، ولم نرق بعد إلى مستوى التعامل مع النص الإلكتروني...).
ولعلنا من حقنا أن نتساءل: أ يمكن أن نتصور يوما ان تنتهي المسرحية نصا مطبوعا على الورق لتجد بديلا لها على هذه الشبكة العنكبوتية ؟ وبعدها
وهو افتراض مستقبلي جائز الحدوث ان يغيب العرض المسرحي هو الآخر موجدا بديله الإلكتروني وأن نفتقد ذلك التلاقح الوجداني والفكري المباشر والمادي بين الممثل على خشبة المسرح بلحمه ودمه وبين المتلقي في الصالة بلحمه ودمه هو الآخر، ليتحول إلى تلاقح رقمي عبر الشاشة الإلكترونية ؟
إذا كان الأمر قد تحقق أو نجح مع (الرواية) ومع مجالات أخر، فهل يمكن أن يجد التحقق والنجاح نفسه مع المسرحية.. وبالتالي تكون (نظرية المسرح الرقمي) المقترحة، قد حققت حضورها وهيمنت على الواقع الإبداعي المسرحي نصا وعرضا وفاعلية جماهيرية مطلقة...؟ اعتقد إن الأمر بحاجة إلى تأمل.. والى وقفة أخرى.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة