|
د. عقيل مهدي:الناقد العراقي في طليعة النقد المسرحي العربي
- الجوهري هو أن تتوسط بنقدك بين أسرار العرض
وطبيعتها وإتاحتها ميسرة للمشاهد
حوار/ عبد العليم البناء
الدكتور عقيل مهدي علامة مهمة في عالم المسرح العراقي، بل والمسرح العربي عموماً، كان وما زال له دوره الواضح والمؤثر في المشهد المسرحي بأشكاله المختلفة، فتارة تراه ممثلاً وأخرى معداً ومؤلفاً أو مخرجاً وتارة أخرى ناقداً ملماً بأطراف العملية المسرحية بأكملها، فلم يكتف بهذا كله بل عد منظراً مسرحياً قدم العديد من الدراسات والبحوث العلمية الأصيلة والمترجمة وهو ذلك الأكاديمي المنضبط الذي تخرج على يديه وأيدي زملائه في قسم الفنون المسرحية عشرات، بل مئات المسرحيين الذين درسوا أصول المسرح ونهلوا من معرفته المسرحية الأكاديمية منها والعملية ما جعلهم الآن يقفون في صدارة المشهد المسرحي العراقي.. وامتدت آثاره الأكاديمية إلى خارج العراق في أكثر من بلد عربي استاذاً في معاهدها وكلياتها المتخصصة ليرفدها وطلبتها بمعرفته وتجربته، وانتخب رئيساً لرابطة نقاد المسرح.
(المدى الثقافي) زارت عقيل مهدي في مكتبه بعد أن أصبح عميداً لكلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد وسألته:
*لم توجهتم إلى النقد وتوقفتم عنده كثيراً، مع إنك بدأت ممثلاً وفناناً ناجحاً؟
- الإبداع الفني، قضية شائكة، لكنه يقتضي التوفر على أساسيات تنظيرية تضبط أبعاد التجربة التطبيقية وتتحكم بها. وتبعاً للظروف الخاصة بعملية التلقي، فإن الجمهور، هو الهدف الحقيقي للتجربة المسرحية، لذلك نحن ما زلنا نحلم باللقاء السحري الموعود بيننا من خلال عرض مسرحي. أما عملية النقد فإنها تقع في صلب تخصصنا وليست محطة عابرة نتوقف عندها.
*إلى هذا كيف تنظرون إلى مهمة النقد والناقد في إضاءة العملية المسرحية؟
- مهام النقد ومداخله كثيرة، لكن الجوهري، هو أن تتوسط بنقدك بين أسرار العرض، وطبيعة قراءة تلك الأسرار وإتاحتها ميسرة للمشاهد، بحيث تتوازن لديك الثقافة المهنية مع الثقافة العامة للجمهور وتدله، بطريقة من الطرق، إلى تثمين التجارب الجادة الرصينة، وتبعده عن سواها. وفي الوقت نفسه، تجعل من كتاباتك رقيباً (محبوباً) – وهنا تكمن المعجزة!! – من لدن الفنان نفسه.
*هناك من يرى أن عدم وجود خلفية وممارسة عملية للناقد لا تمنحه مشروعية النقد العلمي كيف تنظر أنت إلى هذا الأمر؟
- لا نتفق مع ذلك، وإلا لأصبح (د. لويس عوض) و(د. علي جواد الطاهر) و(د. جميل نصيف) من كبار الممثلين!! أو في الأقل من العاملين النشطين.. إن مواصفات الناقد الجاد، يمكن تشبيهها، بالمدرب الحاذق، الذي يصنع النصر (والإبداع) للفريق الذي يرعاه بالوعي وبالتدريب على التفكير الإبداعي.
ولكن يمكن فرز مستويات النقد إلى وظائف مختلفة، وربما يكون النقد الصحفي واحداً منها، مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف أسلوب هذا الناقد عن ذاك، من حيث المنهج والأداة والرؤية.
*في هذا السياق.. كيف تنظر إلى من يخوضون هذا الغمار الصعب وهم لا يمتلكون أدوات النقد سوى أن الظروف السابقة سمحت لهم بالوجود في الوسط المسرحي وهم الآن يطرحون أنفسهم نقاداً للمسرح؟
- يتحمل الناقد مسؤولية الكتابة، وتبقى قراءة الكتب قضية أساسية ومطلوبة، ولكن – للأسف – لا يمكن لناقد المسرح أن ينبع من بين الأوراق، وإنما من بين الكواليس، ودهاليز المناظر، وفضاءات الخشبة، وقلق الممثل، وخطة الإخراج.
وكذلك الإلمام الملموس، بازدهار الفعل المسرحي منذ تاريخه الموغل في القدم إلى تساؤلاته في يومنا المعاصر، وكيفية تصميم وحداته، وانسقته الفنية. إن الناقد هو المفصح عن المسكوت عنه في صالة المتفرجين، والناطق المحكي عن الأصداء والأطياف التي تكمن في مخايل الحضور.
فليس المهم ما يطلقه البعض على أنفسهم من ألقاب، بل المهم هو إنجاز الوظيفة النقدية بمعاييرها السامية والمتماسكة. وثمة مثل شائع يقول: (إن الحمقى شديدو الثقة بأنفسهم!) وأصدقك القول إن معظم النقد في الصحافة هو من النمط الجاد لأن أغلبهم من المثقفين، الحريصين على الارتقاء بالعروض المسرحية.
*هل بالإمكان أن يكون الناقد فناناً وفق فرضية أو إمكانية أن يكون الفنان ناقداً؟
- بإمكان (شكسبير) أن يكون (ناقداً) مثلاً، وبإمكان (جبرا إبراهيم جبرا) أن يكون (مبدعاً) فناناً. ليس الأمر معقوداً بالتمنيات، إنما بالقدرات، خذ (يوسف الصائغ) مثلاً، ناقداً وفناناً شاعراً. ولا تنعدم الكثير من الشواهد على إمكانية جمع الكثرة في واحد.
*هناك نقاد يكتبون عن كل شيء ويخوضون غمار نقد الإبداعات كلها، ما هو دور تخصص الناقد في هذه القضية؟
- التوقف عند بؤرة تجعلك ترى النقاط المجهرية، وتحفزك على المزيد من التحليل والتشريح ومعرفة دقائق الأمور، ولذلك امتاز الخبراء عن سواهم بهذه الخاصية العالمة. أما أن تجد في نفسك رغبة في التواصل مع قوانين الإبداع، وتبعاً لاهتماماتك الرصينة، وتقترب من تخوم المتفلسف بالجمال فلك ذلك، لأن (الجمالية) حدس فائق، يرتقي على (الحواس) الفنية جميعها.
*إلى ذلك.. هل يمكن أن تدلنا على النقاد العراقيين الذين تمكنوا من النقد وبات النقد صنعتهم ولا يشعر النقد بالغربة معهم ولا يتبرأ منهم؟
- خذ النقاد المتمرسين من الأكاديميين، ومن الأدباء الذين أنهمكوا بكتابة النقد الرصين، أمثال د. جميل نصيف، ود. سامي عبد الحميد، وفاضل ثامر، وياسين النصير، ورشيد ياسين، وحسب الله يحيى، ومن هو على (شاكلتنا)، أو من الشباب أو الجيل الذي يمارس النقد في الصحافة (المسرحية) حالياً فهم كثر ولا بأس أن نذكر من بينهم عدنان منشد، كاظم نصار، حسين الأنصاري، محمد حسين، رياض موسى، يوسف رشيد، باسم الأعسم، عبد الخالق كيطان، عباس لطيف البراك، عواد علي حسين علي هارف، وعلي حسين، وعزيز عبد الصاحب، وعواطف نعيم، وكريم شغيدل. وعذراً عن الاسترسال، كلهم يستحق الإشادة والذكر.
*ماذا عن رابطة نقاد المسرح، وكيف تقيم عملها؟
- رابطة النقد، تقوم بمهامها على ما تقوى عليه، وفق ما متاح لها من حركة، فهي بلا غطاء مادي، وبلا هيكل أو مقر، ومع ذلك فأنت تجدهم يملؤون الأفق النقدي بالرأي الصائب، وبالذوق الرفيع.
أما عن الذي لا يمتلك ناصية النقد فإن الجمهور أولى بإطلاق هذا الحكم عليه.
*هل تتفق مع الذين يعتقدون بأن النقد المسرحي يعاني من أزمة يصعب تجاوزها؟
- فهم طبيعة الإشكالية هذه، هو المحك الحقيقي لفرز طبقات النقد لأن الفكر النقدي هو أساساً إشكالي، أما بمعنى أن النقد يعاني من اختناقات، وتوترات، وتداعيات، فإنها تختلف من حيث النسبة تبعاً لدرجة الوعي والمتابعة وأصالة الذات النقدية للناقد.
*أين تضع الناقد العراقي بين أقرانه من نقاد المسرح العرب وغيرهم؟
- أضع الناقد العراقي في الصف الأمامي للنقد المسرحي العربي، ولولا ضعف الفرص المتاحة للمشاهدة المباشرة، لكان نقدنا بمستوى أرفع مما هو عليه، لذلك من هذا المنبر ندعو إلى رعاية النقد المسرحي وتسمية النقاد عند الإيفاد، والندوات والمهرجانات وهو ما بدأ العمل به فعلاً، حسب توجيهات وزارة الثقافة.
*تسنمتم مهام إدارة كلية الفنون الجميلة في هذا الظرف المعروف بإبداعاته نسأل عن ستراتيجيتكم المقبلة؟
- حين تم اختياري، وانتخابي عميداً في كلية الفنون الجميلة، تعين علي القيام بوضع مخطط وتصور عن الموازنة المطلوبة بين طرفي الميزان الخاص بالتدريسي، من حيث الجانب الإبداعي (الفني) والتربوي، وهو ما تحرص عليه الوزارة الموقرة، والجامعة العتيدة، وكذلك الاهتمام بنوعية الطالب الموهوب والمواصفات الراقية التي يتحلى بها، وطرائق التواصل مع المجتمع، وخدمة الأهداف التربوية والجمالية للشعب.
|