المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فيروز في ربيعها السبعين .. عندما يحتفل الارز بشموخه

علاء المفرجي

ليس غريبا ان يكون مولدها في تاريخ الاستقلال نفسه، وان تحتفل بالبعين ربيعاً، في الايام التي يشهد فيه بلدها استقلاله الحقيقي، مثلما يتنادى مثقفو بلدها في ان يكون يوم مولدها عيدا وطنياً.
فيروز التي كتبت اسماءنا على الحور العتيق لتبقى، مازالت بعمر الهوى (زغيرة) ولم يخف عندها الشوق، ولم تهدأ العاطفة، ومازالت تتمنى ان تكون شجرة على مشارف الدنيا، وجيرانها غير السما وغير المدى.

فيروز التي صاغت تذكارات اكثر من جيل، (حافظة ذكرياتنا).. كلمتان لخصت بهما (ماجدة الرومي) تاريخ هذا الصوت الذي ما زال مستوطناً في نفوس مستمعيه في كل مكان.. صوت ذو اعماق تضرب في التاريخ، تجربة جمالية متكاملة، صوت مهذب له مذاقه الخاص.. قيضت له موسيقى تجمع بين البساطة والتناغم باسلوب تخرج عنه الانغمام من الات، لا غروفي ان يكون صوت فيروز بينها.
قبل فيروز كان الرحابنة هناك، يصوغون تجربة قيض لها ان تكون الاكثر فرادة في تاريخ الغناء العربي.. وعندما دخلتها فيروز اكتمل عقدها.. وربما انه مع تعاطي فيروز مع اكثر اسلوب لحني ولاكثر من ملحن، وعلى اهميتها فانها مع الرحابنة كانت العنصر الذي يكتمل فيه جمال اللوحة، حيث الشعر النابض بالاحساس والخيال والموسيقى الشجية، ثم الصوت- صوت فيروز- المليء بالاحساس، بالموسيقى والكلمة.
فيروز- وهو اسم فني- ابنة عامل مطبعة لوجور في حي (زقاق البلاط) في بيروت، والمولودة عام 1935، لا مجال لان تسهب في سيرتها الشخصية كثيراً، ذلك ان قدر نهاد وديع حداد- وهو اسمها الحقيقي- ان تبدأ وهي في ربيعها الرابع عشر (عام 1949)، قد وضعها امام انظار احد اعلام الموسيقى اللبنانية آنذاك سليم فليفل الذي تكفل بان يوجهها توجيها موسيقيا في معهد الموسيقى، لتشهد عند ذاك انعطافة في تاريخها بلقائها بحليم الرومي الذي عمدها باسم فيروز، ثم الانعطافة الحاسمة بلقائها مع الرحابنة بشخص عاصي الرحباني،لتكون (عتاب) مفتاح شهرتها التي ما لبثت ان طبقت الافاق، خلال سنوات قليلة. ومن الاغاني الراقصة التي وضع الرحابنة اساسها الراسخ، الى الاهتمام بالتراث العربي واللبناني بشكل خاص، والذي تجلى بإحياء الكثير من الموشحات واعادة توزيع موسيقاها، ثم الحكايات الشعبية التي صيغ اغلبها بقالب درامي.. اتضحت ملامح الاغنية الفيروزية والرحابنة بفرادتها وتميزها.. تجديد مستمر في الصورة والايقاع والتوافق الصوتي.. اكتملت في خضم تجارب موسيقية ولحنية تتسيد ساحة الغناء العربي من خلال اصوات عظيمة، ام كلثوم، عبد الوهاب، أسمهان، عبد الحليم، كارم محمود... وغيرهم.
ملامح يتجلى فيها الإيقاع السريع والتمرد على القوالب الشرقية المألوفة.. إيقاعات جاءت لتثبت خطل الرأي الشائع في قضية انفصال اللحن عن التوزيع بافتراض اكتمال الفكرة في ذهن الفنان لحناً، وصياغة، وتوزيعاً على الآلات بطريقة علمية وفنية.
صوت فيروز قلب التجربة الرحبانية، مثلما الرحابنة دليل هذا الصوت لارتياد الآفاق.. كان هذا الصوت محكاً لاختيار موهبة الرحابنة، كان الرحابنة التربة التي اينعت بها الثمرة الفيرزوية.
مع تنوع الاساليب والصرعات، والظواهر في الموسيقى والغناء العربي، الا انها لم تستطع ان تنال من تألق صوت فيروز او ان تزيحه عن عرش الغناء.. ويكفي صوت فيروز، وعلى كثرة من لحن وكتب لها، انه اسهم في تخليد من كتب ومن لحن ولا غرابة في ان افضل الحان من لحن لها كان بصوتها مثلما كانت كلمات من كتب لها.. فقد وجدت الحان توفيق الباشا، فيلمون وهبة، وزكي ناصيف، ومدحت عاصم.. وغيرهم خلودها المرتجى بصوت فيروز، مثلما نالت قصائد سعيد عقل، وميشيل طراد، ونزار قباني، وبدوي الجبل، واحمد شوقي، وعمر ابو ريشة، وصلاح لبكي، وجبران خليل جبران، وايليا ابو ماضي، ومرسي جميل عزيز/ وشعراء قدماء امثال ابن زريق البغدادي وابن جبير... شهرة ميزتها عن قصائدهم الاخرى.
اكثر من خمسين عاما ومازالت الاسماع تهفو لجديد فيروز، جديدها الذي لوهلة اثار حفيظة من ظنوا ان صوت فيروز يمكن ان يذعن لنمط او قالب معين، ولكن سرعان ما تصالحوا مع هذا الجديد الذي صاغت ملامحه موهبة سليل التجربة التي وظفت الموهبة الفيروزية زياد رحباني، هذا الذي طوع الصوت الفيروزي بما يتلاءم وفلسفته الموسيقية، التي هي ليست سوى اعادة انتاج لعظمة التجربة الرحبانية، وهو ما جعل فيروز تشدو انها على (نفس المذهب ولو قدرتو زيدوا عليه).
ويكفي صوتها، انه جمع المجد من اطرافه، مثلما جمع معجبيها وعشاق هذا الصوت على اختلاف مشاربهم، هي التي لم تجد في سنوات حرب لبنان الاهلية الا ان تشدو في (كازينو لبنان) في شرق بيروت وفي الوقت نفسه في (البيكاديلي) في غربها مرة اخرى علها تجمع غرماء الشعب الواحد الذين توزعوا بين شرق الوطن وغربه.
فيروز في ربيعها السبعيني تنظر الى الوراء بحنو وفخر، راسخة مثل سنديانة عتيقة، شامخة مثل ارز لبنان.


انهيار شاعر

قاسم محمد عباس

سلوك بعض الشعراء لدينا سلوك رجال أمن في بعض الأحيان ،حيث يتوفرون على مقدرة كبيرة في التلاعب بالأسئلة والأجوبة ، كما يحصل في جلسات انتزاع الاعترافات .وفي أفضل الظروف لهم ملامح مزدوجة تجمع بين الولاء للشعر وولاء آخر يتغير وفقا للظروف، ولا ينفي هذا أن يكون بعض هؤلاء الشعراء ذوي موهبة كبيرة، لكن قدرة بعضهم على عدم احترام أنفسهم تدمر كل معنى للشعر والايمان والضمير. وكنت أتوقع ان نسبة من هؤلاء سيسهمون في شيوع ما يمكن تسميته بأدب الاعتراف بعد سقوط الصنم، بمعنى تراكم رغبة التخلص من الذنب ستدفعهم لذلك، أو سيعتذرون عما كتبوا في ظروف عبثية ، أو يبدون ندما ما على ما قدموا من أعمال مشوهة .الا انه على الرغم من غياب سبب مخاوفهم ورعبهم بعد سقوط الصنم والتزامهم الصمت لمدة، كشفوا عن حقيقة ان انهيار أي انسان لا علاقة له بالدكتاتورية أو القسوة أو العنف، فقد خرج بعض هؤلاء الشعراء هذه الأيام في مقابلات صحفية وتلفزيونية وأكد ظهورهم الجديد انهم بلا هوية ، فلغتهم هي لغتهم الأولى المشوهة نفسها، واعتقاداتهم هي هي لا انتماء فيها لشيء الا لما يسمح لهم بحضور جديد حتى وان كان هذا الحضور على حساب الإساءة للذات وعدم احترامها.
أقرأ هذه الأيام حوارا مطولا مع شاعر من هؤلاء طالما بدا لي ضحية مكسورة تنطوي على مساحة انسانية شوهتها الظروف السياسية التي مرت بها، وطالما قرأت لهذا الشاعر وهو يوغل في تدمير نفسه وشعره وتاريخه. ومع معرفتي الدقيقة بما قدم من صفاقات واساءات، لكنه في أجزاء حواره الذي تنشره صحيفة محلية عبر عن المدى الذي يمكن أن يصل اليه خوف الشاعر ، المدى الذي يتخلى فيه الشاعر عن أبسط حقوقه، والصورة التي يبحث عنها في داخله، فإذا كان بعضهم يبدو كرجل أمن ، فإن صاحبنا يأبى الا أن يستلذ بكونه ضحية تاريخية. مع يقيني بأن كل العراقيين لهم معاناتهم الشخصية مع آلة موت النظام الهمجي المباد، ونسبة كبيرة من الضحايا الناجين خرجوا اصحاء نفسيا ، وان تشوهت اجسادهم ، وكانوا اكثر التصاقا وايمانا بذواتهم، ان لم أقل أكثر خبرة بالكائن البشري من هؤلاء الشعراء، فلا أوهام ولا ازدواجية ولا مداهنة ولا لعب بالكلمات ولا التنقل من موقع الى اخر.
الأدباء لدينا وتحديدا الشعراء منهم لم يحتملوا فكرة الصمت المشرف لبعض الوقت، وكأنهم كانوا فقط بانتظار مبرر ولو عابر للارتماء في حضن اللعبة المزدوجة مع السلطة.
هذا البعض الذي نتحدث عنه انهار اكثر من مرة، وبرر هذا الانهيار بمضاعفات العلاقة السيئة بين المثقف والسلطة طيلة العقود الأخيرة هذه العلاقة الملتبسة المليئة بالريبة وفقدان الثقة بالذات واستصغار دور المثقف بعد ان عاشوا علاقة خالية من الاحترام مع السلطة، وتوهموا سيرة اخرى لهم سيرة وهمية رأوا فيها أنفسهم كالشعراء السجناء ، بل ان بعضهم تخيل قيادته لجيل أو مسار ابداعي.
شاعرنا الذي يجري هذه الايام مقابلات مطولة يقدم فيها خلاصات لمواقفه أشعرني بالحزن، وأقول الحزن تحديدا وانا أراه وهو يعيد النظر في ماضيه، فبعض هذا الماضي يتحدث عنه بعمق ووضوح والبعض الآخر يغلفه باستعلاء غامض، وآخر يتحدث عنه بندم، وآخر يتحدث عنه بوصفه فردوسا مفقودا، وبدا صاحبنا كجنرال يعيش نوستالجيا مدمرة وهو يتأمل وقائع الماضي . هذا الشاعر كتب ذات مرة عن الطاغية صدام حسين بالنص ما يأتي : ( اذا كان ثمة إله نؤمن به ونعبده، فلماذا لا يكون هناك نائب للإله على الأرض، كما كان في السابق يمثله ويصبح كأنه هو مفوض عنه)،من قال مثل هذا الكلام لا شك في انه كان منهارا قبل أن يقوله، واشك في ان قائل هذا الكلام قد سمع عن لوركا أو ناظم حكمت.


النخبة والثقافة

علي بدر

هل ستصل الانتلجنسيا العربية يوما لتكون أرستقراطية الدولة الحديثة؟
المثقفون مهمون لا بسبب وعيهم الإخصابي ومخيلتهم الخلاقة أو لأنهم يمتازون بتفاصيل حياتهم الجامحة، وروحهم الاحتدامية فقط، ولكن هنالك ما هو أهم: هنالك الوعي التقاربي الذي يجعلهم يدافعون عن قضية أو عن موقف، وبالتالي لديهم هذه الروح التنقيحية التي يمكنها أن تحذف على نحو مستمر كل مظاهر الفساد والنفعية الحقيرة والفوضى، وهذا الأمر بحاجة إلى خطابات ذات دلالة ومعنى.
أنا لا أتحدث هنا عن المسح الكامل للمشاريع الكونية واليوتوبية والجهود البطولية المكرسة لتدعيم المشاريع الأخلاقية والتربوية ولكن أتحدث عن شرعية وجود الانتلجنسيا العربية أو النخبة المثقفة وقدم وجودها، فالأمر يتعلق هنا بقضية حقيقية هي كيف تحول جهد الانتلجنسيا المثقفة من الحماس لإنتاج مجتمعات فردوسية وإدارية وثقافية عبر خطابات ذات دلالة أو خطابات ذات معنى إلى الحديث عن رطانات وتفاهات واختبارات وتجارب متعثرة، فالخضوع لفكرة التفاهة التي تنقلها الجهود غير المدربة، والعقيمة والتي تعيش على انحلال المعرفة، تكرس بالضرورة سياسة الفوضى والتجارب المخيبة والخضوع للأحداث غير الملهمة.
*
إن السؤال الأكثر إثارة بالنسبة لي هنا، هو كيف توصلت النخبة العربية المثقفة إلى هذه العربدة الثقافية، والشللية الثقافية، والصنمية الثقافية، أولا لم تعد هنالك بوصلة للثقافة قادرة على استقطاب الوعي الثقافي العربي كما هي عليه كل الثقافات في العالم، ومن ثم التشرذم المأساوي والزئبقية الأيديولوجية، فهم يحبسون أنفاسهم للهروب من الأزمات المتفاقمة، الإرهاب، التعصب الديني، التخلف الاجتماعي، وكل الأحداث لزلة التي تعصف بمجتمعاتنا عصفا، لماذا؟
كتب بول ريكور عن الحط الاجتماعي والاقتصادي من عمل المثقف، وقد عد هذه الخاصية من خصائص، بل من وظائف النظام الاقتصادي والاجتماعي الحديث، لأن مهنة المثقف في العصور القديمة كانت تعد من أشرف المهن، لاستقلالها عن العمل المأجور، وانفلاتها من مفهوم الصنعة ذات الطابع المادي والكسبي، وقد طالب ريكور المثقفين بشكل عام بالعمل الجاد من أجل زوال هذا الحط، وذلك من خلال زوال العمل بنظام الأجرة، لأن هذا الحط الاقتصادي والاجتماعي للعمل هو بالضبط سلب لكرامة الكلمة، بين أن ما يزيد في عزة نفس المثقف المسلوبة إنه يأبى أن يعترف إنه - هو نفسه- يتاجر به في سوق الخدمات: فللثقافة كبرياء تناظر تماما إذلال العمل، ويجب أن تزول بزوال ذلك الإذلال.
*
إن جذور هذه الكبرياء بعيدة، حسب ريكور، فهي تعود إلى العصور القديمة حيث كان العمل للعبيد، لأنه وضيع، وكانت الثقافة للأحرار، لأنها شريفة.
إن مقابلة الفنون الوضيعة بالفنون الشريفة هي الأخرى خاضعة خضوعا كبيرا لما خص به العامل ذاته في المجتمعات التاريخية من منزلة اجتماعية. وإن الثقافة تمنح نفسها قيمة، بل إنها تغالي في تقييم ذاتها، ولكنها في الوقت ذاته تدعم النظام الاجتماعي الذي يحتقر العمل. بل ذهب ريكور الى أبعد من ذلك، فقال: "إن الثقافة آثمة باعتبارها - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - وسيلة من وسائل استغلال العمل".
وتساءل عما إذا لم تكن الظروف التكنولوجيّة للعمل الحديث توضح - فضلا عن أنواع الاغتراب الاجتماعية - بؤس العمل، وهذا البؤس يتأتى من وظيفته المتخصصة؟
كان الاعتقاد السابق بأن الإنسان سيجد في هذا التخصص نفسه، بل أنه سيكتمل ويزدهر، بل رأوا فيه الحلّ الفلسفي للسجالات الفلسفية وحلا لمعضلات نظرية المعرفة والأنطولوجيا، وتتشكل خصوصية العمل من خلال ما تشد الإنسان إلى مهام بعينها، فيتعرف على نفسه من خلال مقدرته على الانجاز، ومن خلال قيامه بشيء محدد. وسيتعرض المثقف كذلك إلى هذا الارتهان، ذلك إن هذا الانجاز الذي يكشفه للآخرين ولنفسه، هو ذاته الذي يخفيه، بل إن هذه الخاصية التي تحققه
حسب ريكور- هي التي تسلبه شخصيته، ويقول عن تطور المهن - بما فيها مهنة المثقف، إنه الحد الذي تنزع إليه حركة التخصص، وهذا الحد هو الذي يجعل المثقف يضيع في فعل بلا معنى، في نشاط تافه بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنه بلا أفق .
أن تكون إنسانا هذا لا يعني أن تعمل عملا محددا حسب، وإنما هو أيضا أن تدرك المجموع، وهكذا تذهب إلى الحد الآخر الذي هو نقيض الفعل الذي لا معنى له، تذهب إلى أفق كلية الوجود الإنساني، الذي أسميه " العالم " أو " الوجود "، فكم مثقف من مثقفينا يدرك هذا الأمر، ولا يجعل من نفسه صنيعة أو أداة بيد تستخدمه بلا ضمير؟


حامل الهوى ..لاحمد خلف

ذيب حماد

(حامل الهوى) اخر اعمال الروائي والقاص احمد خلف، التي يكشف عنوانها متنها، اذا اكملنا صدر البيت (حامل الهوى تعب) أي أن الذي يحمل الافكار، ويبني هواجسه على الحق والعدل، ستكون حياته غربة ومتاعب، مع مجتمع متخلف لا يفهم الا مصالحه الذاتية، وترسيخ جهله .
تتكون الرواية من خمسة فصول، كل فصل قسم على عدة اجزاء متفاوتة الطول، وضعت لها ارقام بدلا من العناوين، في الفصول الاربعة الاولى، الراوي بطل الحكاية، يسرد علينا بضمير المتكلم، لينتهي في الفصل الخامس برواية اخت السارد (زينب) مع اختفاء السارد عن حياة الاخت .
منذ الصفحات الاولى، يبدأ السارد في سرد هواجسه وافكاره المشوشة، التي تظهر لنا انها من تاثير اصابته بشظيه في راسه اثناء اغارة للطائرات الامريكية على بناية كان يوجد فيها، تحدث هذا الخلل في عقله ولكنها لا تلغيه او تقتله .. وقد استخدم المنلوغ الداخلي، من اجل تحقيق تحولات سردية تجعل المتلقي، يلاحق الرواية باحداثها من حيث يتصور انها نهاية الحدث الذي بدأ به في الماضي وانتهى في الحاضر، محاولا جعل الهلوسة المنظمة المنفذ الذي يمرر الكثير من الافكار التي ضجت بها الرواية، مستخدما اساليب سردية متنوعة، يغلب عليها الوصف، فمن السرد والحوار والبناء المشهدي، الى التاملات والمنولوغات الداخلية والاحلام والصراعات التي جعل لمعنى الصمت، معنى كامناً للرفض بمعيار الواقع، كفعل مضاد، فلماذا تصمت ما دام هناك صوت اخر يدينك بغير حق، فجعل الصمت هو الرد التمردي على الغربة والقطيعة بينه وبين الاخر، وهي ترسيخ لحالة الرفض والامتناع ليقينه بلا جدوى المناقشة مع من يريد تدميرك حتى لو حاورته . لان هناك فجوة كبيرة بينك وبينه . ويستمر هذا الموقف السلبي للبطل طيلة الرواية .
بطل الرواية (الراوي) يشترك معه في تصوير الاحداث، صوت اخر، هو صوت اخته زينب التي تنهي الرواية في الفصل الخامس، وقد ظهرت منذ بداية الرواية، كجزء مهم من حياة الراوي، الذي بدأ سرده وحيدا الا منها (من لي بامرئ يعيرني سمعه ويحسن الاصغاء) (الرواية . ص7) لتنهي زينب الرواية بهذه الجملة (لم تكن حتى انت معي، ولا في أي مكان اخر موجودا حقيقة) (الرواية . ص278).
الراوي شخصية عصابية نتيجة شظية اصيب بها جراء القصف الامريكي، ولهذا فان الاختلال العقلي (جسدي) وليس عصابياً (سايكولوجياً) وهي المسالة التي استفاد منها المؤلف ليمرر الكثير من الافكار والاراء من خلال هذه العلة، وقد اراد المؤلف ان يدين الحرب دون ان يدخلها في العملية السردية كفاعل مباشر (الطائرات فعلت مثل هذا ايضا، جاءت وحلقت على ارتفاع، وضربت في طريقها صف المباني، وكنت هناك، لا ادري بعدها ماذا حدث لي، ربما ارتطم راسي بحجر كبير، وربما بعمود حديد) (الرواية . ص23) . من خلال هذه العلة . ادان الحرب كما فعل همنغواي في رواية (لمن تقرع الاجراس) حينما جعل بطله فاقدا لرجولته بسبب اصابته في الحرب وترك المتلقي يؤول ماذا تفعل الحرب.
والراوي يكتشف ان ما يربطه في هذا العالم والمكان هي قطعة الارض، ولكنه عندما يذهب ليتاكد منها في مدينة الديوانية، يجدها قد سجلت باسم اخيه اسماعيل، واستند في تسجيلها الى شهادة تثبت انه ميت، فهو ميت في السجلات الرسمية، اما في الواقع، والمشترك في هذه المؤامرة أبن عمه طاهر الذي يريد الزواج من اخته زينب، التي ترفضه كما يرفضه (السارد) ولكنها امام اغراءات طاهر وضغط الاهل لفك الارتباط بينها وبين اخيها (الراوي) ترضخ، لتكون النتيجة ونهاية الرواية دخوله المصح العقلي وزينب تقتل زوجها طاهر وتنتهي الحكاية، هذا هو المتن الحكائي للرواية، اذن كيف عالج احمد خلف هذا المتن الحكائي، وما هي امكانياته لبنائية الحكاية وتحويلها من حكاية الى رواية .
تمكن احمد خلف من بناء رؤى متعددة في بنائية الحكاية، فاستخدم التضمين والتشظي، وعلى الرغم من تركيز النص على غربة المثقف داخل مجتمع متخلف، لكنه شظى اطروحاته، واستخدم تيار الوعي في ذهن السارد ليطرح الصراع بين الثقافة والتخلف، بين الجشع والقناعة، بين الشجاعة والتخاذل، بين قوة الارادة وضعفها، كل هذه المتقابلات في صراع الاضداد، تخللتها سلسلة الاحداث والافعال والحوار، فهي رواية واقعية، واستخداماته التنوع السردي اكسبها سمات حداثوية، فاستخدامه الزمن داخل عقل السارد بدون تحديد المكان، اضفى على المتن الحكائي، جمالية المؤثر الخارجي للمزاوجة بين الواقع والمتخيل، فالسارد رجل حالم في واقع يفتقد الحلم، يعج بين ثناياه القتل والدمار واللصوصية والاحتلال بقوات اجنبية، وقتلة جاؤا مع الاحتلال لاقتناص الفرص من الداخل والخارج، أي انها تصنف ضمن روايات الواقعية النقدية في رؤية ازمة المثقف الاجتماعية .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة