تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

حركة السلم والتضامن في السماوة بدأت منذ نصف قرن: احمد اللموم نشر افكارها.. وانصارها تعرضوا الى الاعتقال والتعذيب

  • ام موسى السماوية اول امرأة عراقية حضرت مؤتمر لوزان عام 1955 واعتقلت وعذبت بعد انقلاب 8 شباط الاسود

السماوة- عدنان سمير

منذ نصف قرن وحركة السلم في العراق تسعى الى نشر مبادئ السلام ونبذ العنف وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني في العراق.
عام 1954 شهد بداية عمل هذه الحركة في محافظة المثنى عندما قام السيد موسى جعفر بتحقيق اللقاء الاول بين احمد اللموم احد تجار السماوة الذي اتصف بالجرأة والثقافة وحب السلام والسيد عزيز شريف في مقر الحركة الواقع انذاك في محلة سيد سلطان علي في شارع الرشيد ليحمل معه افكار وتوجهات الحركة من خلال كراسات ومنشورات قام بتوزيعها على مواطني مدينة السماوة.
ويشير السيد موسى جعفر الى ان نظرة العهد الملكي الاقطاعي كان يعتبر تنظيمات المجتمع المدني الاجتماعية والديمقراطية تنظيمات شيوعية ويتعامل معها على هذا الاساس. لذلك كانت تشق طريقها بصعوبة وتمارس عملها على الاغلب سريا.. إذ كان هناك خلط عند الناس بين هذه المنظمات وبين الحزب الشيوعي.. اضافة الى هذا كانت كل مطالبة بالحقوق ولا سيما المطالب العمالية تتهم بأنها حركة شيوعية وفي ذلك الوقت كانت منظمات المجتمع المدني معدودة مثل اتحاد الطلبة العراقي واتحاد الشبيبة الديمقراطي ورابطة المرأة العراقية والنقابات العمالية وحركة السلم العالمية.
واضاف كنا في السماوة نحرص على ان تكون عندنا منظمات للمجتمع المدني ومنها حركة السلم التي ضمت شخصيات معروفة مثل المربي عبد الله حسون الاحمر واحمد اللموم وعبد الامير الصائغ والحاج عبد الكريم حنوش وعزيز علوان عزوز.. وهؤلاء قياديون ساهموا في تعزيز ونشر الثقافة الديمقراطية. وكانت تقرأ البيانات الصادرة عن مجلس السلم العراقي الذي يقوده آنذاك الاستاذ عزيز شريف والاستاذ توفيق منير والشيخ محمد الشبيبي وعبد الكريم الماشطة ونجيب محيي الدين وكونوا لهم علاقة بالمجلس وكان احمد اللموم على رأس المجموعة وقد حمل للمرة الاولى كراسات توضح دور حركة السلم في العالم والعراق مع شجبها للحروب التي وقعت انذاك اضافة الى شجب الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.
علنيا بعد ثورة 1958
ومتى مارسوا عملهم ونشاطهم بشكل واصح بين الناس.
مارسوا نشاطهم على الصعيد الجماهيري للمرة الاولى بعد ثورة تموز عام 1958 وما قبلها كانت حركات غير واضحة المعالم أي ليس لها كيان انما كانت على شكل لقاءات واحاديث.
*ولكن الوثائق تشير الى ان البداية كانت في عام 45.
-نعم كان هذا العام مميزا حيث اطلقت الحكومة انذاك قدرا بسيطا من الحريات وكان البلد على ابواب انتخابات عامة وحصل ان قدمت الاحزاب السياسية قائمة لمرشحيها برئاسة المرحوم كامل الجادرجي اضافة الى بروز المد الجماهيري لمختلف شرائح المجتمع والتحفز لخوض الانتخابات وكان من ضمنها حركة السلم.
وبعدها استطاعت القوى الوطنية ان تدفع (11) مرشحا للمجلس النيابي.. لم تتحملهم الحكومة فحلت المجلس، وحدثت ردة وهجوم شرس على القوى الوطنية شمل منظمات المجتمع المدني وكانت الحكومة تهيئ لصفقة حلف بغداد.
ولا بد من تأكيد حقيقة ان كل العاملين في منظمات المجتمع المدني هم انصار سلام. وبعد ثورة (14 تموز 1958) اخذ المجلس دوره بشكل اكثر وضوحا في الاجتماعات واللقاءات والانتشار في صفوف الجماهير مع تنظيم علاقة مع المجلس العراقي في بغداد وكانت اسهاماتهم قد تجسدت في المناسبات الوطنية مثل ذكرى ثورة العشرين وعيد الجيش وثورة تموز وواحد ايار وعيد المرأة العالمي والمميز في هذه المناسبات ان الكلمات القيت باسماء حركة انصار السلام.
لقاءات في المقاهي
*هل كانت الحركة تابعة لجهة سياسية معينة؟ او تخص شريحة اجتماعية دون اخرى؟
-ان حركة السلم هي من منظمات المجتمع المدني لكنها غير منظمة وليست حزباً، انما هي حركة عامة.. أي تدخلها كل شرائح المجتمع وكانت اللقاءات في السماوة تجري في المقاهي والمحال التجارية ولم يكن لديهم مقر.
وقد استمرت هذه اللقاءات حتى عام 1963 بعد انقلاب 8 شباط الاسود الذي يشبه في فعله البلدوزر الذي اكتسح كل شيء حيث يتعرض اعضاء الحركة الى الاعتقال والتعذيب والاهانة وقد استمر اعضاء المجلس بلا حركة على الرغم من ايمانهم بمبادئها.
ولكنها الان تختلف جذريا عما سبقها فلحركة السلم مجالس تكاد تكون في كل محافظة من محافظات العراق مع نشاط واضح وبلا اتهامات كونها تابعة لاي حزب مثلما كان يحدث في السابق.
*هل كانت في السماوة منظمة مجتمع مدني للنساء؟ وهل هناك انتماء من قبل النسوة لهذه المنظمة ولا سيما ان السماوة مدينة منغلقة ويسودها الطابع العشائري؟
-كانت هناك رابطة المرأة العراقية التي تقودها السيدة صفية الشيخ محمد ظاهر (أم موسى) وكانت هذه المنظمة تمارس نشاطها بصورة سرية وتعقد اجتماعاتها باسماء وواجهات مختلفة مثل جلسة (شاي العباس) والقراءات الحسينية، وقد لاقت حركة السلم بين النساء شعبية كبيرة وهو امر طبيعي لمناهضة الحركة للعنف والاحتراب والتسلط.
وقال: ان المرحومة ام موسى كانت اول امرأة حضرت مؤتمر المرأة العالمي الذي انعقد في لوزان بسويسرا عام 1955 وقد اعتقلت وعذبت عام 1963 حيث كان يغمى عليها من شدة التعذيب يوماً او يومين، قبل ان تنقذها سيدة من اهالي الرمادي معتقلة معها في السجن بسبب انتماء زوجها للحزب الشيوعي وكانت هذه السيدة تضع قطرات الماء في فمها لتستعيد وعيها. كما ان للسيدة ام موسى حضوراً فاعلاً في قيادة التظاهرات النسوية في السماوة وفي تظاهرة عام 1956 اثر العدوان الثلاثي على مصر. وكان لاخلاقها العالية وعملها قابلة لتوليد النساء والقراءات في المجالس الحسينية الاثر في انتشار شعبيتها بين العوائل.


باقة ورد للطلبة .. الطالب الجامعي والكتاب

أ.د.محمد يونس

الكتاب ـ هو المعين الذي لا ينضب مهما تقادم عليه الزمن.
وليس هناك من كتاب لا ينفع! حتى ولو كان من كتب الأدب الهابط. فأنت تستقي المعلومة من الكتاب الجيد، كذلك تنتفع من الكتاب السيئ بنقده وتحديد مساوئه وتبيان نقائضه. يجب على القارئ ان يوظب النفس على تقبل الأساليب المختلفة. فالكتاب العلمي له أسلوبه المباشر والمختصر، الذي يقدم المعلومة بلا رتوش ولا محسنات لفظية فتبدو للبعض جافة وغير ممتعة وأحياناً غير مقبولة.
وهل هناك أكثر متعة من كتاب يقدم لك معلومة كنت تجهلها أو كانت غائبة عنك؟ والكتاب الأدبي يقدم للقارئ صورة واسعة لحدث معين فيسهب في الوصف وتبدو الصورة غاية في المتعة والاناقة والجمال.
والكاتب لا يقوم حسب حجمه أو عدد صفحاته. فقد كان الأديب الروسي العملاق غوغول مؤسس الواقعية الانتقادية في الأدب (في النصف الأول من القرن التاسع عشر) يتحدث عن حبه العميق للكتاب، وبخاصة الكتاب الصغير الحجم فيشبهه بالطفل الرضيع الذي يجب أن تحنو عليه بشكل خاص وتتعامل معه بأسلوب متميز وتحمله بحذر شديد خوفاً عليه واعتزازاً به وحباً له.
الملاحظ في الجامعات المتقدمة أنها توفر للطالب كل انواع الكتب وبكل توجهاتها ومناحيها.
والرائع ان طالب الكلية العلمية وفي وقت فراغه يقرأ الكتاب الأدبي من شعر ونثر ونقد ورواية وقصة وطالب الكلية الأدبية يقرأ ما يستجد في الأوساط العلمية من معلومات يستفيد منها في حياته العلمية.
اما الأدب المسرحي فتجد النقاش محتدم حوله في أوساط طلبة الكليات العلمية والأدبية على حد سواء.
ان الحب المتعاكس بالاتجاهين العلمي والأدبي عند طلبة الجامعات المتقدمة قد زرعت بذرته منذ المرحلة الجامعية الأولى، وساعد على غرسه الأساتذة الواعون المثقفون ـ العلماء بحق.
من المؤسف حقاً ان البعض من اساتذة كلياتنا العلمية يصرحون أمام طلبتهم أن الأدب هراءٌ ومضيعة للوقت، دون أن يفهم اولئك الأساتذة، قصار النظر، ان الطالب العلمي الجيد بأمس الحاجة إلى الكتاب الأدبي لتوسيع خياله وأنماء مداركه، ليكون جهازاً للتعامل مع الحقائق العلمية بعقلية متفتحة وخصبة.
والطالب الأدبي بحاجة ماسة إلى الكتاب العلمي ليتسلح بالمعلومات التي تعينه على تمشية أموره الحياتية المباشرة. وللجامعات المتقدمة دورها الكبير في دفع استاذتها بهذا الاتجاه وتوفير الكتاب بكل اشكاله لتسهيل حصول الطالب على ما ينفعه في حياته العلمية والعملية.
انني أتمنى على الطالب الجامعي العراقي ان لا يكون وحيد الجانب التحصيلي، فلا يعرف ولا يفهم غير تخصصه الضيق.
بل يتوجب عليه ان ينهل من المصادر الثقافية الحياتية بعلومها وآدابها.
وأهيب بالاستاذ العراقي تشجيع الطالب ودفعه باتجاه التحصيل الثقافي المتنوع، الضروري له شخصياً ولمجتمعه. وعلى الجامعات العراقية توفير الكتاب اللازم لتحقيق ذلك الهدف السامي وبذلك تقدم خدمة كبيرة للشعب وللمجتمع العراقي.


ذاكرة امرأة عراقية: أم عمار تترك الباب مفتوحا بانتظار عودة زوجها الذي اعدمه نظام الطاغية

  • امنية صعبة ان يكون لزوجها قبر تزرع حوله الورود وتزوره كلما ضاق صدرها

شذى الشبيبي

تفتح صفحة النصف الآخر، نافذة لذاكرة المرأة العراقية المناضلة كي تكتب تاريخ وقفتها المشهودة والنادرة في تاريخ النضال السياسي للشعب العراقي بكل تياراته السياسية والفكرية التي قارعت حكم الطاغية وقدمت المرأة العراقية على مذبح حريتها ثمناً باهظاً شهيدة وسجينة ومنفية، نساء من طراز خاص تحدين إرهاب الدولة وصرخن عالياً بـ(يعيش العراق) وهن متوجهات إلى ساحة الاعدام أو حبل المشنقة، وتحملن كل عسف وألم زنزانات النظام المقبور. امراة عراقية أخفت زوجها وأبنها واخاها وحبيبها بل وجارها، عن أعين فئران الزيتوني البؤساء هذه المرأة مطلوب منها ان تكتب هذا التاريخ الحقيق للمرأة العراقية لا تاريخ اتحاد النساء وحفلات نادي الصيد! النصف الآخر تفتح هذه النافذة.

ابتسامة خفيفة لا تتجاوز جبال الهم والحزن التي احاطت بوجه السيدة (أم عمار) صفية عيسى العلاك وهي تطلق لذاكرتها العنان لتسرد حكاية اعوام الشدة، كان صعبا عليّ ان امنع دموعي وانا اراها تتحدث بحرقة والم عن زوجها الشهيد (فاضل وتوت) الذي كان وما زال اسمه علما للشجاعة الوطنية في (الحلة الفيحاء).
تقول ام عمار: منذ غيابه وانا اشعر ان شيئا ينقصني وينغص حياتي ويهد قوتي، ليس ضعفا وانما هو وجوده معنا لانه كان الاب والزوج والصديق وكل ما املك في هذه الدنيا، فقد تزوجت مبكرا (دون سن العشرين) من هذا الرجل المثقف الوطني الشجاع، وكانت حياتنا تصدح بالمحبة والسعادة ولم تكن مطالبنا صعبة في هذه الحياة، فقط كنا نريد او نحلم ان نعيش حياتنا (سوية) ولو على كسرة خبز لنربي ولدينا (عمار) و(فرات) على حب الارض والاعتزاز بشيء اسمه القيم والكرامة كان فاضل فاضلا اسماً وخلقا، فحياتي القصيرة معه كانت حلما جميلا لم يطل إن (فاضل وتوت) هو جرحي الذي لم يندمل وهذه الاعوام الطويلة التي جاوزت الخمسة والعشرين لم تقنعني بأنه بعيد عني لانه الامل الذي عشت عليه.. وكلما تضيق بي الحياة اراه في ذاكرتي يعيش معي لحظة بلحظة ويساعدني على تجاوز المحن والصعاب التي مرت بي طوال فترة غيابه، يوجهني ويضئ العتمة التي خيمت علي حياتنا بعده.. اتذكر احاديثه دائما واستحضر وصاياه، ووجهه لا يفارقني دائما وفي كل المواقف حتى الصغيرة.
"لو اجتمع ظلام العالم كله لما استطاع ان يطفيء شمعة.
مقولة كان يرددها (ابو عمار) دائما لكي يشد بها عزمي ويبث (بي) الامل حيث كنت قليلة الخبرة بحكم السن ولم ادر ان صعوبة الحياة ومتاعبها ستقصهم ظهري بهذه الطريقة القاسية.
في عام 1978 اعتقل زوجي (فاضل وتوت) وكان عمر ابني البكر اشهراً معدودات، لم اذق فيها النوم ولا الطعام، لا ادري ماذا افعل كنت في تلك الايام اخشى البكاء لاني اشعر ان عينيه تراقباني وروحه العالية تمنعني من الضعف، فهو المربي الاول وهو استاذي الفاضل، ولم افقد الامل في عودته في اية لحظة، كنت اود لو اني اترك الباب مفتوحا حتى في الليل انتظر عودته.. حتى طفلي كنت اتمنى لو انه لا يبكي فيشوش علي سماع خطواته تقترب من باب الدار.. كلّي آذان صاغية، اعصابي مشدودة اخاف حتى من انفاسي، ابحث عن السكون كي لا ينقطع حديثي مع نفسي واطرد مجرد فكرة مرعبة تراودني لانني لم استوعب حياتي بدونه.
في ساعة متأخرة من الليل في احد الايام كان صغيري يبكي في سريره، سمعت صوت المفتاح في الباب، فقفزت من مكاني، اخذتني رجفة لا اعرف ماذا افعل، انها خطوات (ابو عمار) على عتبة الدار، انها فرحتي المخنوقة، فرحة اخاف ان افرحها، تفيض عينا (ام عمار) بالدموع وتقاطعها عبراتها وتستطرد حيث قبل ان استقبله اضعت الكلام وركضت نحو غرفة عمتي (والدته) لأوقظها بطريقة هستيرية لم اكن اصدق ما اراه، زوجي عاد لنا واحساس غريب ما زال يتحكم بمشاعري كيف امسك بفرحتي هذه لانها ستهرب مني قريبا.. شعور غريب وهاجس مرعب الخوف من فقدان الغالي هو اقسى من الفقدان ذاته. هذا كان هم سيدتنا (أم عمار) الخوف مما يخفيه لها الزمن الردئ وهذا ما اكده لها (الشهيد الفاضل) فيما رواه لها حين اعتقاله وما حدث معه.
لم ينم تلك الليلة صارحها بأن متاعب كثيرة تنتظره وخوفه الاكبر كان زوجته فقد تستغل كورقة ضغط عليه كان الشهيد قد فهم الوضع خلال فترة توقيفه، وكان لا بد من ترك البيت بل والمدينة كلها، الى أي مكان آخر ما بين بغداد والمحافظات متخفياً من بيت لآخر في وقت كانت (أم عمار) حاملاً بطفلها الثاني ووضعها الصحي والنفسي لا تحسد عليه. تلفها الحيرة ولا تدري (أم عمار) كيف تصف حالها يومئذ حيث اضطرت فيما بعد للعودة الى بيت اهلها في الحلة كحل مؤقت.
بعد ذلك تم نقل زوجها (فاضل وتوت) من التدريس الى معمل (الكولا) وهي من ضمن قرارات (الثورة) في تلك الفترة كاجراء (لتنظيف) السلك التدريسي من (الوطنيين) تتذكر ام عمار جيدا ضحكته وهو يحدثها عن الشرطي الذي يرافقه في الذهاب والاياب.
تذكرت بمرارة كيف انها ذات مرة في بيت اهلها وقد جاء زوجها الشهيد خفية عندهم وسمعوا صوت سيارة شرطة فظنوا انها جاءت لهم فتسلق السياج نحو الجيران وتبعته وهي حامل في شهرها الاخير، لا لشيء سوى انها ارادت ان تشارك زوجها في موقف رأته صعبا في حينها.
في احد الايام في العام المشؤوم تقول ام عمار، ذهب الى الدوام كعادته وحينما اقترب موعد عودته بقيت عيني تترقب الباب، هذا الموت، الموت الذي كنت اعيشه والهاجس المرعب الذي لم يغادرني، ولكن هذه المرة جاء زملاؤه في (الكولا) واخبروني بأنه لم يذهب ذلك اليوم الى الدوام، تقول: صمت ولم اقل شيئا بل لم اجد ما اقوله وكأن نارا صبت فوق رأسي، صفقت الباب ودخلت بيتي.. هيبته وحضوره وحبي له، اشياء لم تسمح لي بالصراخ، جنّ جنوني بيني وبين نفسي صرخت بأعلى صوتي هذه المرة هي المرارة الحقيقية والفراق الابدي، الان فعلا حل الظلام في حياتي انا وولدي الصغيرين، فقدنا الاب الحنون والرجل الحقيقي (فاضل) كان يجب علي رعاية طفلين عمار عمره سنتان والصغير فرات ثمانية اشهر كان يجب ان اتكيف مع مأساتي وحياتي الجديدة، مصير زوجي المجهول وصراع في داخلي يكاد يقتلني واسئلة الطفلين المستمرة عن ابيهما تخنقني و(احتار) بالجواب.. مرت سنوات والدنيا بثقلها ملقاة على صدري.. لطالما ناجيت الله في الليالي الطويلة ان يصبرني على محنتي ويعينني، فعذابي كان يكبر عاما بعام مع ولدي وهما يكبران والاسئلة تكبر وحاجتهما للأب لا تعوض..
ما زالت (ام عمار) تحتفظ برسائل الزوج البعيد التي كان يكتبها لها حين كان قبل الاعتقال وبرغم السنين واصفرار الورق فهي تعتز بها ربما تقرأها كل يوم وباستمرار رسائل ضمت فوق سطورها اشواقاً وذكريات وتوصيات واحلاماً جميلة بقدر ما هي نبيلة حيث يقول لها في احد رسائله: سوف نلتقي انت وانا، ونكوّن عائلتنا الصغيرة، وسوف يكون لنا بيت صغير وبسيط ونظيف وهادئ قائم على الحب والفرح، والسعادة).
وفي الرسالة نفسها يخبرها (ستفخرين بأطفالك مثلما انا افخر بك سيكون اطفالك التاج الذي تضعينه على رأسك مثلما انت التاج الذي اضعه على رأسي..) رسائل احتفظت بها وحفظتها اعن ظهر قلب.
اتصلوا بي، كنت مستعدة ان اذهب الى الجحيم لكي اعرف خبراً عن (فاضل) وابلغوني بقرار اعدامه عام 1983 وكان معي عمي (والده) لم اقتنع بكلامهم وحدثت مشادة بيني وبينهم حيث كان دم الشباب ساخنا بعروقي ولا اعترف بالخوف وما زال وجه (فاضل) يرافقني ويبث (بي) القوة، تمنيت لو اطبق بكلتا يدي على رقبة ذلك الضابط لانه لا يمت للرجولة والانسانية بصلة ولكن عمي الرجل المسن أخذ يهدئني حينما سمع من كلام ذلك ما سمع وهو يهددني (اذا ما تكفين لسانج اذبّج جوه) كان قد غادرني خوفي نهائيا خاصة حينما رأيته يملي علي شروطه ويحذر من اقامة الفاتحة امسكت بيد عمي وعدنا الى الدار يتكئ احدنا على الاخر، لم اعترف ولم اصدق كلمة مما قالوا واعتبرته مجرد تخويف.. اعدام يعني جثة وانا لم اتسلمها والاعدام يعني ذنباً كبيراً وزوجي اشرف منهم وهذا ما قلته لهم.
بعدها اعتزلت نفسي عن العالم وكرست حياتي ووقتي لاولادي يعينني في العيش عمي (ابو فاضل) وبرغم حب اهلي لنا واستعدادهم لمساعدتي لم افكر بترك بيتي مع ان الايجار اثقل كاهلنا لا ادري قد يكون هو الامل بعودته او انه احساسي بأن فاضل اكبر من ان اغلق بيته، يجب ان يبقى اسمه مميزا وواسعا بوسع قلبه الممتلئ بالايمان بكل الاشياء التي احبها ودفع حياته ثمنا لها.
مرت اعوام تحملنا فيها الكثير وفقدنا فيها اكثر حتى عاد عم اولادي من سفره البعيد وعوض ابنائي عن حب وحنان الوالد المفقود.
طوال تلك السنين كنت اراجعهم واستفسر بلا جدوى حتى عام 1991 قدمت طلبا استفسر فيه عن مصير زوجي ولان اطفالي طردوا من المدرسة بحجة شهادات الجنسية وهكذا استحصلنا على شهادة وفاة.
تسترسل (ام عمار) في ذكرياتها وتقول: فرحي مبتور وسعادتي لا تكتمل برغم نجاح اولادي واراهم امامي شبابا تخرجوا وحققوا املنا، لكن هناك حرقة وغصة تبقى في صدري، فقط اريد ان اعرف وهذه امنيتي الوحيدة، كيف مات زوجي؟ لطالما تمنيت وتخيلت ان يزورني شخص ما التقاه بالمعتقل او يزودني بمعلومة ولو صغيرة عن ايامه الاخيرة او شيء مما قاساه..
امنية اخرى لدى السيدة (صفية.. ام عمار) ان يكون لزوجها قبر تزرع حوله الورود وتزوره كلما ضاق صدرها.
وتسألني هل من المعقول ان نحسد الناس على قبور موتاهم؟ وقصيدة الشعب تقول (حتى على الميتين محسودين).
اسئلة كثيرة تدور برأس (أم عمار) كيف استشهد (فاضل وتوت).. ما الطريقة التي تمت تصفيته بها؟ معاناته في ساعاته الاخيرة، وكم فاضل مات من اجل مبدأ وعقيدة وعراق حر.. سعيد؟..
وأخيرا تقول: اليس جديرا بمن سار في طريق (فاضل وتوت) وغيره من الشهداء الشجعان ان يتابعوا ويفوا ولو بزيارة قصيرة او سؤال يطيب الخاطر لعوائل الرجال الذين باعوا الحياة مكبلين واشتروا الموت احرارا لكي يمنحوا السعادة لغيرهم.
اعلان جنائزي
صورة تتوسط الحائط
عقارب الساعة
تدور.. تدور
ستبقى خارج الزمن
ترقب دوران الساعة
عيونهم ترقب قدومك!
نجم هوى
كنداء الغريب
المكان ضج بالسكون!
دموع تتدلى في العتمة
تندب صباحات
لم تولد بعد
غيوم مستمرة
فوق وجه السماء
موعد لا يكون
فرح لن يأتي
مشاعل ترفض
الانطفاء
تعلن عن رحيل
الظلام..

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة