|
(هذا المقال جزء من سلسلة دراسات وافكار من شاركوا معهد الدراسات الاستراتيجية في الندوات والنقاشات حول مسودة الدستورقبل وبعد اقرار الدستور من اجل استكماله بتشريعات ولوائح تعزز التوازن السياسي وتكفل الحريات، والحقوق المدنية وحقوق المرأة والأسرة، والمجتمع المدني والاقليات.وتنطلق مبادرتنا هذه مع مبادرة"عهد العراق". هذا المقال للكاتب والروائي زهير الجزائري هومقتبسات من دراسة واسعة حول حرية التعبير ووضعها اسهاما في ما دعت اليه حملة عهد العراق ومعهد الدراسات).
الدستور والحريات الصحفية
زهير الجزائري
بجملة قصيرة من ست كلمات حدد دستور العراق الجديد كفالة الدولة لحرية الصحافة. وقد ورد هذا النص في المادة 36:
(تكفل الدولة وبما لايخل النظام العام والآداب:
أولا-حرية التعبير عن الرأي وبكل الوسائل
ثانيا –حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر).
اختيار هذه المادة للتعديل في لائحة "عهد العراق" ومعهد الدراسات هام واساسي.
على قصر النص الدستوري واختزاله أمامنا مدخل هام من أجل الصراع. فالحق في حرية التعبير دعامة أساسية للديمقراطية. وفي جو الكبت والحياة السرية،كما علمتنا تجربتنا المريرة, تزدهر انتهاكات حقوق الانسان ويزدهر الفساد والمافيات والجريمة المنظمة. لا يقتصر الأمر على السلطة وحدها إنما سينقل الكبت عدواه الى الأحزاب التي تعارضها حيث روح الشك بالآخر ستقتل امكانيات الجدل والتطوير وتقوي المركزية المشددة والسرية المطلقة. مقابل ذلك تساعد الحرية على التحقيق في الانتهاكات وكتابة التقارير عنها وإخضاع المؤسسات للمساءلة من قبل الجمهور. وتوفر حرية الصحافة للجمهور واحدة من أفضل الوسائل لإكتشاف الرأي وتشكيله والتعرف على افكار الزعماء السياسيين , كما تعطي للسياسيين الفرصة لمعرفة آراء الناس والتعليق عليها ’ لذا تمكن كل فرد من المشاركة في النقاش السياسي الحر الذ ي هو جوهر وديناميكية المجتمع الديمقراطي.
أمامنا نص دستوري هو، على قصره، مهم كبداية. ولكن على أهمية النص في تعريف المواطن بحقه سنجد أن الدستور يشكل تراجعا في هذا المجال وبالتحديد بحذف الفقرة التي تضمنتها المادة 11من قانون إدارة الدولة الانتقالي التي تربط كفالة هذه الحقوق بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وتنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 10-12-1948:
على أن: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت، دون تقيد بالحدود الجغرافية.
وتم تطويرالإعلان بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي أقرته الجمعية العامة في 16-1-1966 ليدخل حيز التنفيذ في 1976:
1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة
2-لكل إنسان حق التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والافكار وتلقيها ونقلها الى آخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو بقالب فني أو بأية وسيلة أخرى.لم تكن هذه الحرية مطلقة فقد أخضعت لقيود:
1- تحظر بالقانون أية دعاية للحرب
2- تحظر بالقانون أية دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
ووراء هذه الحرية ومحدداتها إرث عالمي ومحلي تاريخي. فقد ولدت الحرية والرقابة مثل توأمين متعارضين. الشروط التقليدية (:على أن لا تخل ب: الأمن الوطني، التقاليد والآداب العامة، السمعة الشخصية ...) وردت في معظم الدساتير.
وقد كان هذا التعارض بين الحرية وشروطها موضوع صراع بين السطة والمواطن وساحة الصراع الأساسية هي الصحافة باعتبارها أداة رقابة المواطن على السلطة.
لم تتخل السلطة عن شروطها ولم تتخل الصحافة عن حقها في التعبير وحاولت إرغام السلطة على تحديد الممنوع بقانون وتقديم تبرير واضح لهذا الممنوع، وبذلك ألقت المسؤولية على المانع قبل الممنوع بحيث تكون الحرية هي القاعدة. وقد وضع الدستور العراقي المحددات (بما لايخل...) قبل الحريات. ولكن لدينا المادة 44 التي تسند حق التعبير على حساب الممنوعات إذ نصت على أن (لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور وتحديدها إلا بقانون أو بناء عليه على أن لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية).
ولكن الخطر يكمن في العبارة حمالة الأوجه (الآداب العامة). من يحدد الآداب العامة وماهي الآداب العامة في مجتمع متعدد الأديان والقوميات والقوى، والأخطر من ذلك كونه متعدد المليشيات ؟ وللرقابة كما نعرف ألف وجه. رقابة الدولة ورقابة المؤسسات الدينية ورقابة المجتمع.. كل هذه الرقابات ستكون سلسلة من الحتميات في داخل الصحفي وتزيد مخاوفه من الرقابات غير المنظورة في مجتمع لم تتوضح بعد قواه الحقيقية ولم تتوضح بعد القوى الظاهرة عن المستترة ولا الحدود بين المصالح المعلنة والخفية في أحزاب نشأت وتكونت في مخابئ العمل السري , وزاد من تعقيد الصورة المؤثرات الإقليمية والدولية على هذه القوى. لذلك تبقى مصادر الخوف خفية اي متناسلة.
إرث الحرية
ومقابل تعدد أوجه الرقابة فإن لحرية التعبير جانبين متلازمين هما:
-حرية استقاء المعلومات والآراء والحصول عليها
-وحرية تداولها بمختلف الوسائل وابرزها وأكثرها شيوعا الاعلام بأشكالة المكتوبة والمسموعة والمرئية.
ومن المعروف إن االمعلومات ليست مجرد سلعة ذهنية، إنما هي قوة، قابلة لأن تتحول الى أفعال وعادات ومثل حالما يتم تداولها. وما من جهة تملك قوة المعلومات وتتخلى عنها طواعية للآخرين. ولذلك كان الحصول على المعلومات موضوع صراع بين الدولة والمواطنين.
ولدينا في الصراع من أجل حرية التعبير أمثلة نيرة. فاذا عدنا الى الكلاسيكيات الادبية امامنا معلم كبير هو أبو عثمان الجاحظ الذي عمل المستحيل خلال القرن التاسع للميلاد لكي يبقي صوته مستقلا عن الدولة حتى وهو يكتب عنها ولها. لقد نقل لنا بصور جلية الجوانب الخلافية داخل البلاط العباسي وعكس التوترات الطائفية التي نشهد اليوم مثيلا لها في مجتمعنا الحاضر، كما نقل لنا بؤس القاع الاجتماعي بما فيه من بخلاء وبرصان وعميان وجوار وقيان.
وكانت حرية التعبير بالنسبة لاوائل الصحفيين في العشرينات مطلبا جديا يوازي الاستقلال الوطني ويتداخل معه في الصراع مع سلطة الاحتلال، فقد كان ضيق حرية التعبير ومنع اصدار اية صحف غير الصحف الحكومية سببا من اسباب سخط المثقفين الذين تفتحوا على الثورة الدستورية وتوسموا نوعا من الانفراج في ظل الاحتلال الانكليزى.
وفي مقابل فضاء الحرية شهد العراق تاريخا مريرا من الكبت الذي يقوم على اعتبار الصحافة صوت الدولة. فقد كانت ساعة الصفر في كل الانقلابات العسكرية هي الاستيلاء على جهازين:
جهاز القمع الممثل بالجيش والاجهزة الامنية
وجهازالاعلام الممثل بالاذاعة والتلفزيون.
مهمة الجهاز الاول السيطرة على الدولة بواسطة القوات العسكرية، ومهمة الجهاز الثاني اعطاء المشروعية للانقلابيين امام الناس.
ومثل كل الانقلابات السابقة بدأ البعث عند وصوله الثاني للسلطة في 17تموز 1968 بالهيمنة على أجهزة الاعلام. كنت أعمل في الصحافة المكتوبة حين وصلنا الشاعر شاذل طاقة في صباح الانقلاب الأول واملى علينا مانشيت الصفحة الأولى (ثورة بيضاء). وفي اليوم الثاني ظهرت كل الصحف العراقية وهي تحمل هذا المانشيت الموحد برهانا على وحدة الصوت الموجه.
بعد 6 أشهر من وصوله للسلطة أصدر البعث قانون المطبوعات الذي ينص على إلغاء كافة إجازات الصحف الدورية والغاء كافة اجازات مراسلي الصحف والمجلات ووكالات الانباء وربط هذه الاجازات بوزارة الثقافة والاعلام
الفورة الإعلامية
بعد سقوط نظام الحزب الواحد والفرد الواحد والصوت الواحد شهد عراق ما بعد صدام حسين انفجارا اعلاميا:
كميا: قفز العدد من خمس صحف يومية ((الثورة ,الجمهورية, العراق, القادسية, بابل)) الى اكثر من 150 صحيفة يومية واسبوعية وشهرية.
توجيهيا:كانت كل الصحف تأخذ توجيهاتها من مركز واحد، هو مكتب الثقافة والاعلام التابع لحزب البعث العربي الاشتراكي.
وبعد ان كانت الصحف تتلقى توجيهاتها من مركز واحد تعددت مراكز التوجيه الى اكثر من 260 حزبا ومنظمة اعتمدت الصحافة وسيلة لتسويق نفسها للجمهور. ولكن هذه القفزة الكمية والحرية النسبية حدثت في غياب بيئة قانونية أو مواثيق شرف، ففي غياب هياكل مستقلة تحمي حرية الصحفي وترسم مسؤولياته. وفي غياب الحدود الواضحة بين الدولة والسلطة سواء في ثقافة الصحفي أوثقافة المسؤولين يتعذر فهم مهمة الصحافة كحارس على المصلحة العامة ومراقب على الاداء الحكومي، ويتعذر تحولها الى ضمانة للافراد في مواجهة سلطة الدولة
ورغم تأكيدات قانون إدارة الدولة الانتقالي على حرية واستقلالية الصحافة إلا إن التغيرات التي شهدتها الصحافة الممولة من المال العام تعكس استمرارية النظرة التي ترى في الإعلام مرآة للحكومة الراهنة.
وقد كانت الموضوعية الصحفية امام امتحان جدي خلال الحملات الانتخابية حيث تشتد روح المنافسة والاستقطاب. حقا ان الصحافة الجديدة التزمت بالمبادئ العامة التي تتمثل في عدم اثارة الكراهيات العرقية والدينية، لكنها اخفقت في اعطاء المتنافسين حصصاً متكافئة.
وسيتغير اتجاه التغطية، سواء في تغطية المناسبات العامة أو في تغطية النشاطات السياسية بعد وصول حكومة الجعفري. وتعكس التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها جريدة (الصباح) استمرارية المزاج الانقلابي الذي حكم الصحافة تبعا للتغيرات في ميزان القوى داخل التحالف الحاكم وفي عزلة كلية عن العاملين في هذه الأجهزة . وينبغي ان نرى هذا الخلل على الخلفية التاريخية التي كان الصحفي فيها موظفا عند الحكومة وعليه ان ينفذ ارادتها، وكانت الصحافة على الدوام مراة للسلطة الحاكمة.
دستور الأمر الواقع
وفي عودة الى الدستور لم تكن حرية التعبير جديدة على الدساتير العراقية. فالمادة 12 من دستور 1925 والمادة 13 من قانون إدارة الدولة توكدان على كفالة حرية التعبير ومنها في الصحافة. وفي أول عدد من جريدة الوقائع الرسمية التي صدرت بعد الاحتلال (العدد 3977 بتاريخ 17 حزيران 2003 أصدر الحاكم العسكري مدير السلطة الموقتة بول بريمر اللآئحة التنظيمية رقم 1 ووصولا إلى (قانون إدارة الدولة) الذي نص في م 11 على أن الحريات العامة مصانة وللناس الحق بحرية التعبيرعن الرأي وحرية الصحافة كما جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
الدستور الجديد كان حصيلة هذا الجو الملتبس الذي حكم العراق منذ سقوط نظام الكبت، الجو الذي تراوح بين الرغبة في الحرية والخوف منها، وهو حصيلة توازن القوى في النخبة الحاكمة، ولكنه قبل كل ذلك يعكس الى حد كبير قصور الإعلاميين والتنظيمات الإعلامية في الضغط من أجل صيغة أكثر وضوحا للحريات الصحفية.
وما دام المجال مفتوحا لتعديلات لاحقة فلا بد من تعريف أوسع لحرية التعبير لتشمل الحق في البحث عن المعلومات التي تحتفظ بها الجهات الحكومية او من ينوب عنها وتلك التي يحتفظ بها أفراد وتكون ضرورية من أجل إقرار حق ما، وكذلك استبعاد أية رقابة مسبقة أو نظام ترخيص أو تسجيل لوسائل الإعلام وضمان استقلالية الجهات التي تنظم العمل الصحفي، بما في ذلك وسائل الإعلام الممولة من المال العام، ويجب حماية حق الصحفيين في حماية مصادر معلوماتهم السرية وحقهم في الانضمام لمنظمات مهنية يختارونها.
تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش (مراقبة حقوق الإنسان)باللغة العربية
العـــــــراق: وجـــــــــــــه واســـــــم!
الضحايا المدنيون لحركة التمرد في العراق
كما وعدنا القراء، تنشر (المدى) التقرير الذي اعدته منظمة هيومن رايتس ووتش (مراقبة حقوق الإنسان) تحت عنوان (العراق: وجه واسم) الذي أطلق في نسخته العربية بتاريخ 15 تشرين الثاني 2005، ويتضمن وقائع هائلة لاستهداف المواطنين من قبل جماعات المتمردين فضلاً عن انتهاك القوات الأمريكية وقوات الحكومة العراقية لقوانين الحرب، إلا أن التقرير يركز على استهداف ما تدعوهم بالمتمردين للطوائف الدينية والسياسيين والأكاديميين والعاملين في أجهزة الإعلام والنساء، ويصف عمليات الخطف والقتل والإعدامات والذبح. وبسبب المساحة والعرض الصحفي وجدنا من الضروري حذف الهوامش التي وردت في هذا التقرير المهم.
1- ملخص
كانت العائلات العراقية تشتري بعض حوائجها وتستعد لتأدية صلاة العشاء في حسينية أهالي المسيب في مدينة المسيب يوم 16 تموز 2005، عندما انفجرت القنبلة؛ فقد نسف مفجر انتحاري من جماعة مسلحة مجهولة ما في حوزته من المتفجرات بالقرب من شاحنة صهريجية ممتلئة بغاز الطهي، فأشعل كرة هائلة من النار اكتسحت السوق والشوارع المحيطة بها.
وقال أحد المدرسين من أهالي الحي "رأيت كيف التهمت النيران السكان المذعورين وهم يركضون للفرار من الموقع؛ لقد طاردت النيران الناس وابتلعتهم أحياء".
ولقي أكثر من 90 مدنياً حتفهم في هذه المدينة ذات الأغلبية الشيعية الواقعة جنوبي بغداد، وكان من بينهم النساء والأطفال؛ وأصيب المئات منهم بحروق بالغة أو اخترقت الشظايا أجسادهم.
وليس انفجار المسيب سوى مثال واحد من هجمات المتمردين في العراق التي تستهدف المدنيين؛ فمنذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للبلاد في مارس/آذار 2003، تعمدت جماعات المعارضة المسلحة قتل الآلاف من المدنيين – رجالاً ونساءً وأطفالاً؛ واستخدم المتمردون في شتى أنحاء البلاد السيارات المفخخة ومنفذي التفجيرات الانتحارية مثلما حدث في المسيب، لإيقاع أكبر عدد من الإصابات والخسائر البشرية في صفوف المدنيين؛ وقاموا باغتيال المسؤولين الحكوميين، والسياسيين، والقضاة، والصحفيين، والعاملين في مجال تقديم المساعدات الإنسانية، ومن يُعتَبرون من المتعاونين مع القوات الأجنبية في العراق. كما قاموا بتعذيب الأشخاص المحتجزين لديهم وإعدامهم على الفور، بقطع رؤوسهم في بعض الأحيان. أما الهجمات التي وقعت على أهداف عسكرية مشروعة، مثل القوافل العسكرية، فقد نُفِّذت على نحو يجعل الخسائر المتوقعة في أرواح المدنيين أبعد ما تكون عن التناسب مع المكاسب العسكرية المرجوة. وكل هذه الهجمات تُعدُّ انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي – أي جرائم حرب – وتشكل في بعض الأحيان جرائم ضد الإنسانية.
ويهدف هذا التقرير إلى إضفاء وجه واسم على المدنيين الذين سقطوا ضحايا لهذه الهجمات؛ فمن خلال شهادات الضحايا والشهود، يوثق التقرير بعض الجرائم التي اقترفتها جماعات المتمردين ضد المدنيين، ويتناول الحجج التي تسوقها هذه الجماعات وأنصارها تبريراً للهجمات غير المشروعة.
كما يضع التقرير انتهاكات المتمردين في سياقها الصحيح، ألا وهو الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، وما تلاه من الاحتلال العسكري الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وأدى إلى نشوء هذه الجماعات المتمردة. وأهم المبررات التي تستخدمها الجماعات المتمردة هو أن الولايات المتحدة أقدمت على غزو العراق بصورة غير مشروعة، وقتلت آلافاً لا تحصى من المدنيين العراقيين على مدى فترة العامين والنصف عام التي مضت منذ هذا الغزو.
وقد سبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن وثقت في تقاريرها السابقة استخدام القوات الأمريكية للقوة العشوائية والمفرطة أثناء غاراتها ومداهماتها للمناطق السكنية، وعند نقاط التفتيش. واحتُجز الآلاف من المشتبه في انتمائهم لجماعات المتمردين لدى القوات الأمريكية والحكومة العراقية دون أي مراعاة لضمانات الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي. وأنزلت القوات الأمريكية صنوف التعذيب والإذلال بالمعتقلين في سجن (أبو غريب) وغيره من مراكز الاعتقال، ودرجت السلطات العراقية على ممارسة أساليب سوء المعاملة ضد المعتقلين بصورة منهجية. ولم تكد تُقام أي دعوى جنائية على مرتكبي هذه الانتهاكات، ولم ترفع أي دعوى على الإطلاق ضد كبار المسؤولين.
وأثارت هذه الانتهاكات حنق الكثير من العراقيين، وغيرهم خارج العراق، وتعد من العوامل المحفزة الكامنة وراء النمو المطرد لحركة التمرد على مدى العامين الماضيين؛ ولكنها لا تبرر بأي حال ما تشنه الجماعات المتمردة من هجمات على المدنيين، علماً بأن هذه الجماعات ملزمة قانوناً باحترام القانون الإنساني الدولي بغض الطرف عن سلوك عدوها، وسواء أكانت تعترف بالقانون أو لا تعترف به. والهدف الذي تتوخاه منظمة هيومن رايتس ووتش من وراء نشر هذا التقرير هو تعزيز المبدأ القائل بأنه لا يجوز على الإطلاق اتخاذ المدنيين هدفاً للهجمات.
فقوانين الحرب، الملزمة للقوات المسلحة الحكومية والجماعات المسلحة غير التابعة للدولة على السواء، تحظر الهجمات المباشرة على المدنيين، والهجمات التي لا يبذل منفذوها أي جهد للتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والهجمات التي تسفر عن خسائر في أرواح المدنيين لا تتناسب مع المكاسب العسكرية المتوقعة منها. كما تحظر هذه القوانين الهجمات التي تستهدف في المقام الأول بث الذعر في نفوس السكان المدنيين. أما الجرائم المرتكبة في إطار هجوم واسع النطاق أو هجوم منهجي ضد السكان المدنيين فتعد من الجرائم ضد الإنسانية؛ وأي شخص مسؤول عن الانتهاكات الخطيرة يكون عرضة للمساءلة القضائية، بما في ذلك القادة الذين أمروا بالهجمات غير المشروعة، أو كانوا على علم بها، أو كان من الواجب أن يكونوا على علم بها، ولم يفعلوا شيئاً حيالها.
ويقسم التقرير الضحايا المدنيين إلى تسع فئات لتوضيح كيف ولماذا تعرضوا للهجمات، والأسباب التي ساقها المهاجمون تبريراً لذلك؛ والخيط المشترك الذي يربط بينها هو أن المتمردين اعتبروا هدفهم مرتبطاً بشكل أو آخر بالقوة المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق أو بالحكومة العراقية الحالية التي يعتبرونها عميلة للولايات المتحدة. فالمتمردون، وأغلبهم من السنَّة، يعتبرون الحكومة العراقية مؤسسة غير مشروعة تخدم الولايات المتحدة أو تخضع لهيمنة الشيعة والأكراد بصورة جائرة.
كما يوثق التقرير الهجمات التي تستهدف القوات العراقية والأمريكية وغيرها من القوات العسكرية للتحالف، والتي تشكل انتهاكاً لقوانين الحرب؛ فقد اقترفت بعض جماعات المتمردين جرائم حرب بإعدام المقاتلين المحتجزين لديها، أو تعذيبهم، أو إنزال صنوف أخرى من سوء المعاملة بهم. وانتهكت هذه الجماعات قوانين الحرب بشن هجمات غادرة على أهداف عسكرية، أي هجمات يتظاهر منفذوها بأنهم مدنيون. كما أن بعض هجمات المتمردين على أهداف عسكرية لم تميز بين المقاتلين والمدنيين، مما يجعلها غير مشروعة، أو أدت إلى خسائر مفرطة في صفوف المدنيين. ولئن كان القانون الدولي لا يحظر على المتمردين شن هجمات على أهداف عسكرية، فإن مثل هذه الهجمات هي انتهاكات لقانون العقوبات العراقي، ومن الجائز مقاضاة مرتكبيها. وعلى نفس المنوال، فإن القوات الحكومية العراقية عرضة للمقاضاة بموجب القانون المحلي على تعذيب المعتقلين وغير ذلك من أشكال سوء استخدام القوة. ولكن هذا التقرير لا يقيم سلوك المتمردين إلا من وجهة نظر الأحكام ذات الصلة من القوانين الدولية للحرب.
ويتضمن التقرير فصلاً عن جماعات المتمردين يصف مختلف الجماعات النشطة في العراق التي تقاتل القوات المتعددة الجنسيات والقوات الحكومية العراقية، والتي تتألف في الأغلب والأعم من أبناء الطائفة السنية؛ ولا يخلو الأمر من التعقيد لأن "التمرد" مصطلح عام يطلق على طائفة واسعة من الجماعات التي تتباين في هياكلها وولاءاتها وأهدافها، كما تختلف آراؤها فيما يبدو بشأن الأهداف والوسائل المقبولة للهجمات؛ فقد نددت بعض الجماعات أحياناً بالهجمات على المدنيين، في حين راحت جماعات أخرى، مثل أنصار السنة وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين والجيش الإسلامي في العراق، تتباهى علناً بمسؤوليتها عن جرائم خطيرة من خلال تسجيلات مصورة وبيانات عن التفجيرات، وحوادث الاختطاف، وإعدام المدنيين.
ويورد التقرير حججاً تستخدمها بعض جماعات المتمردين وأنصارها في تبرير هجماتها على المدنيين؛ ويستند بعض هذه الحجج على الرأي القائل بمشروعية استخدام كافة الأساليب الممكنة لتحرير العراق من القوات الأجنبية، وعليه فإن أي شخص يُعتقَد أنه مرتبط بالاحتلال يكون عرضة للهجوم؛ ولكن أياً من هذه الحجج لا يبرر الهجمات الموثقة في هذا التقرير، التي تشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي. ولا ينبغي على جميع جماعات المتمردين في العراق الكف عن هذه الهجمات فحسب، بل يجب على الزعماء السياسيين والدينيين في العراق وغيره من البلدان، ممن أعربوا عن تأييدهم لحركة التمرد، أن ينددوا باستهداف المدنيين، وبجميع الأفعال التي تعرض المدنيين للمخاطر بلا داعٍ، وبسوء معاملة المحتجزين.
ومن خلال توثيق هذه الانتهاكات، تطعن منظمة هيومن رايتس ووتش في موقف بعض جماعات المتمردين في العراق التي تقر الاستخفاف بالقانون الدولي، وتضرب به عرض الحائط؛ وبغض النظر عن الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الأمريكية والعراقية، فإن الهجمات شبه اليومية على المدنيين قد خلفت آثاراً مدمرة على الشعب العراقي، كما أنها تزيد من تقويض احترام سيادة القانون.
|