المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

وزارة الثقافة..محكومة بالشرطة والفوضى

يبدو أن مصير الثقافة في العراق سيظل متأرجحا، بين أجواء القمع والفوضى، وسيبقى هذا المصير اسير فكرة ربط الثقافة بالدولة في علاقة أحادية ، مما يتوجب النظر في اعادة بناء هذه العلاقة، ان لم نقل فصمها بالكامل . فالمحاصصة التي تدخلت بحدة في رسم وضعنا السياسي الراهن أنتجت أن يؤول مصير وزارة مثل الثقافة لدينا لوزراء لا علاقة لهم بشؤون الثقافة ، وكانت اعتراضات المثقفين والأدباء العراقيين عديدة للفهم الذي يحرك الحكومة وهي بصدد تعاملها مع الشأن الثقافي ، ليكون مستقبل الثقافة العراقية في آخر سلم أولوياتها ، وهذا الخلل في التعاطي مع مرفق حيوي ومهم مثل وزارة الثقافة كشف لنا كيف يمكن للثقافة ان تذهب ضحية مبدأ المحاصصة ونظر الحكومة الضيق، وأفقها الستراتيجي المتواضع في تعاملها مع الثقافة عموما ، حتى تم التفريط بالمؤسسة الثقافية في كل مرة باسم التوافق، والظرف الحرج ، الامر الذي دفع بمستقبل وزارة الثقافة في النتيجة تجاه محرقة التوازن على النحو الذي حدث ، نسوق هذه الملاحظة تنتابنا الدهشة والصدمة من سلوك وزارة الثقافة لدينا .


عندما برز الى العلن تخبطها وجهلها بالواقع الثقافي، وحتى تصرفها بأموال الدولة على نحو شخصي. ذلك كله بسبب تعامل الحكومة غير المسؤول مع وزارة حيوية تتعلق بهذا المرفق المؤثر في مستقبل العراق وثقافته وهو في النهاية تفتيت لإمكانيات الدولة التي يتحدث الجميع عن كيفية إعادة بنائها. ومع ذلك انتظر الأدباء والمثقفون طويلا آملين أن يقدم الوزير الجديد نوري الراوي خطوات ايجابية في وزارته، أو يقدم خطة ما عن تصوره لعمله في وزارة تعنى بثقافة وحضارة بلد بعمق العراق بما يدفع نحو تنشيط حركة الثقافة العراقية التي تعرضت على مدى عقود إلى تخريب وتشويه كبيرين.
نعتقد ان مشكلة الوزارة تكمن في سوء ادارتها منذ تشكلها ولسنا معنيين بالجهة أو الحزب أو الطائفة التي ينتمي اليها كل وزير جاء لهذه الوزارة . لكننا لم نكن تتصور أن الاستبداد والطائفية الثقافية نسق فكري واجتماعي يحتاجان لزمن طويل كي يختفيا من حياتنا الثقافية بدلالة ان الوضع الحالي للوزارة يكشف عن منطق استبدادي خبره أدباء العراق ترتب عن ممارسة حملة منظمة ذات طبيعة مكارثية في التعامل مع كادر الوزارة بمجرد انتقال حقيبتها إلى وزيرها الراوي، وكشف السلوك الاستخباراتي المرضي عن هجمة عنيفة على الثقافة والمثقفين، فضلا عن سوء تخطيط وفساد في إدارة شؤون وممتلكات وزارة في دولة يراد لها أن تكون حرة. وانطلاقا من الايمان بعمل الصحافة المتمثل بمراقبة الدولة ونقد اي خلل هنا أو زلل هناك، تلقينا في (المدى) الكثير من الرسائل والانتقادات للسلوك الذي تنتهجه الوزارة مع موظفيها من المثقفين مما يشير الى أننا مقبلون على دكتاتورية أخرى جديدة . وإلا كيف نفسر مثل هذه السلوكيات؟ .
تعرضنا في وقت سابق إلى الأخطاء التي ارتكبت في عمر الوزارة الاول بعد سقوط النظام بالأدلة والوثائق، ولم يثننا شيء عن رصد ونقد الوضع المربك لهذه الوزارة في كل الظروف.
وعلى الرغم من قناعة الكثيرين بخطأ اختيار ضابط شرطة سابق ـ مع احترامنا لهذه المهنة والعاملين فيها خصوصاً في ظروفنا الحالية ـ لهذه المهمة المعقدة ، وكأن العراق خلا من الأسماء الكبيرة الكثيرة التي تزدحم بها الساحة الثقافية، فانه لم يبد أحد ما حكما متسرعا على الوزير الجديد، مع ان التصريحات التي أدلى بها أكثر من مرة كشفت عن عقلية غير ثقافية في التعامل مع المثقفين ، الصورة التي عبرت عن تصور الرجل للثقافة، وفهمه للفعل الثقافي، معتقدا أنه تسلم وزارة غير مهمة. فأول ما قام به الوزير هو أن طلب من الآخرين أن ينادوه بكلمة ( سيدي ) سيئة الصيت، ولم نشأ حتى ذلك الحين التصدي لتلك التصريحات خشية أن يعتقد إننا نسبق الوقائع. لكن التغييرات الأولى التي أحدثها الوزير كانت كافية للاشارة لما يمكن أن يحدث لوزارة تتحمل مسؤولية ادارة شؤون الثقافة والفكر.
من خلال متابعة سلوك الوزارة طيلة المدة الماضية، تبين لنا حجم الكارثة التي تتعرض لها الثقافة في العراق، فلم يقم الوزير حتى بأبسط مهماته، وانما حول وزارته إلى دائرة تمتلئ بغرف مثل القلم السري وغيرها، وعمل على اشاعة سلوك محاربة الأفكار وكأن المثقفين ممن ينتمون لليسار اوالحركات الاسلامية أعداء يتوجب أقصاؤهم ومعاقبتهم ليبدأ مسلسل الترهيب وتجميد الطاقات على نحو اعتمد اجراءات وآليات مشددة ، فوضعت الحواجز ، ومنع الأفراد من دخول بعض الغرف ، لنسأل هل خلا هذا البلد العريق بثقافته وحضارته من رموز يمكن ان يتولوا أمر هذه الوزارة؟ لكن الظروف الشاذة للبلد والقرارات الخاطئة في تنصيب أشخاص بعينهم في غير أماكنهم سمح بحدوث هذه الفوضى . ومع المرارة التي عاشها المثقفون العراقيون عند الاعلان عن تسلم الوزير الجديد مسؤوليته سلموا أمرهم الى الله على أمل أن يجد الوزير طريقه عبر مستشاريه أو ممن يقوم على نصيحته لدفع الخطوات البديهية في العمل الثقافي إلى الأمام .
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وانما راح الوزير الراوي يبعد كل من له صلة بالثقافة منطلقا من عقدته من الابداع والمبدعين، بدعوى ان هؤلاء ينتمون لحزب سياسي ما، حتى انه لا يفرق بين مستشار له مرجعيته الاسلامية وآخر له مرجعيته اليسارية، ، فهذا الوزير نظر في اقصاء مفكر وباحث اسلامي ظنا منه انه من الشيوعيين، ولا ندري ما الضير في أن يكون شيوعياً ان كان يؤدي عمله باخلاص ، وعادت حركة التقارير تتحرك في قلب المؤسسة الثقافية ،بما يذكرنا باسواممارسات النظام البائد، وتم تهميش وابعاد شخصيات لها دورها وتأثيرها في عمل وزارة الثقافة ، هذا اذن ما آلت اليه حال الثقافة العراقية على يد ثقافة الشرطة.
الأسلوب الذي تنهجه الوزارة هذه الأيام أعادنا إلى الوراء قليلاً. فتذكرنا ما كانت تقوم به الوزارة أيام النظام السابق. ولا ندري أين هم رموز الثقافة العراقية الذين قضوا أعمارهم في خدمة هذه الثقافة. لمَ لم تنفتح الوزارة على أسماء عربية ناصرت القضية العراقية وأزماتها أيام النظام المباد، ولا نعرف ما هي الضرورة من تعيين ممثل للوزير أو الوزارة في اليونسكو، مع ان المستشار الشاعر لم يعش في العراق ولو لايام ليعرف ما يحدث في الداخل. ليتحرك مع الجهات الدولية لتأمين بعض الظروف أو الحاجات الأخرى. إن استحداث هذه الوظيفة لمن عاش أغلب عمره في الخارج وبراتب ومخصصات تبلغ مئة ألف دولاراً سنوياً، وربما أكثر .أمر يدعونا لفتح حوار جدي وشفاف في هذا الصدد. فقد كتبت الكثير من البيانات في هذا الصدد ورأى بعض أدباء الخارج الذين عدوا هذا العمل كارثة ثقافية وتبذيراً لأموال الدولة في ظرف فيه الوزارة تشكو من قلة الموارد. لذا نأمل من الوزارة أن تعرض هذه المسألة للنقاش للتوصل إلى قرار يشارك فيه معظم المثقفين لتعلق الأمر بمستقبل الثقافة العراقية تحديداً، ففي الوقت الذي يتقاضى فيه أدباء كبار من الذين عانوا الأمرين راتباً مقداره مائة دولار شهرياً تستحدث وزارة الثقافة وظيفة في اليونسكو بخمسة الآف دولار شهرياً. الا يحق للأدباء أن يعرفوا حقيقة هذه الوظيفة وأهميتها حتى تجتهد الوزارة بعمل كهذا يكلفها الكثير من الأموال؟ ـ وسنتناول في مقال منفصل دور اليونسكو وبعض الشخصيات العراقية في اختلاق هذا المنصب ـ ولاندري ايضا ماهي مهمات ( 10 ) مراكز ثقافية في بريطانيا وفرنسا وايطاليا ومصر ولبنان والمغرب والامارات والاردن وغيرها ، تحدث الوزير عن استحداثها بزعم رعايتها الشؤون الثقافية للعراق مع مختلف دول العالم ؟ إنها مجرد أسئلة نضعها أمام الحكومة التي وعدت بالكثير لكننا لم نر إلى الآن ما يشير إلى تلك الوعود الكبيرة التي قطعتها على نفسها.
فبعد أن تحولت الوزارة مضيفاً لغير شؤون الثقافة ، فرضت اشخاصا لا شأن لهم بالثقافة وعينتهم مدراء لدوائر ثقافية لها موقعها في الوعي الثقافي العراقي، وعين الوزير أفراد عائلته في مواقع مهمة في دوائر الوزارة، فلم يتردد في تعيين ابنه مديرا عاما لدار الأزياء العراقية، فضلا عن أفراد اسرته الذين يتوزعون في أماكن عدة من غرف الوزارة. ولم يكتف بذلك ، فوضع على رأس مؤسسة مثل السينما والمسرح تاجراً لا علاقة له بالمسرح أو السينما، ولم يعد بإمكان المبدعين أن يجدوا موطئ قدم لهم في وزارتهم ومؤسساتها.
جمع غفير من المسرحيين عبروا عن غضبهم من هذا الاستخفاف بمؤسسات السينما والمسرح، وحاولوا عدة محاولات الا انها اجهضت امام اصرار المحيطين بالوزير.
يمكن القول ان هذه الوزارة على تكرار ترؤس وزيرها المؤتمرات والزيارات الثقافية. وبعض الوجوه التي لم تحسم علاقتها بالثقافة وادارة امورها تعكس صورة مشوهة عن الثقافة العراقية لمواقفها السابقة من الشعب العراقي. فضلا عن عدم قيمتها الفكرية والثقافية. وبسبب عملها في قمع المثقفين العراقيين ابان الوضع السابق. ولا ندري كيف استطاعت وزارة الثقافة ان تأتلف مع هؤلاء الذين مارسوا ويمارسون دور الشرطة في الحكم على هذا وذاك. والا كيف نفسر حرمان ادباء المحافظات من كل هذه الايفادات. وعدم اشراكهم في اية فعالية . وكأنه كتب على هؤلاء ان يعانوا من القمع سابقا وحالياً؟!.
مجموعة من الأدباء والمثقفين ممن يعملون في مؤسسات وزارة الثقافة يتعرضون لقمع عنيف ، ومصادرة رأيهم في عمل الوزارة ، يعترضون على الفوضى الإدارية و التبذير العشوائي على نحو يكشف جهلاً فاضحاً في التصرف في أموال الدولة فضلاً عن الاخطاء الكبيرة على مستوى التخطيط والإدارة.
وانطلاقا من ذلك فإن (المدى) تدعو هؤلاء وغيرهم لتشكيل وفد ينأى عن أية وصاية ومؤسساتية للقاء الحكومة والجمعية الوطنية والمراجع السياسية لشرح المأزق الثقافي العراقي وتحرير الفعل الثقافي من هيمنة الدولة ومؤسساتها ، بما يضمن للثقافة دورها وفعلها الحقيقيين في ظل العراق الجديد الذي يجب أن نفكر جميعا في أعادة بناء ثقافته ، وتحريرها من العنف والاختناق والتبعية والضغط . بعدما تعرضت لمشكلات التغييب والتدمير طيلة عقود.
ولعل أول ما يجب ان تتوقف عنه الوزارة هو مسلسل ابعاد المثقفين والمبدعين عن مواقعهم بدعوى انهم مختلفون معها سياسيا ، والكف عن التعامل مع الوزارة بوصفها ارثا وحقا شخصياً.
نتساءل هل وصل وضع الثقافة في العراق إلى هذه المأساوية ؟ هل خلا العراق من رموزه ومثقفيه ليستبدلوا بأناس يتعاملون مع الثقافة كميدان لتصفية الحسابات الشخصية ؟ هل الثقافة العراقية بحاجة إلى تدمير جديد بعد كل ما مرت به من كوارث وويلات؟ اننا نضع هذه الصورة أمام كل من ضحى بكل ما ضحى من قمع واسكات ونفي وسجن وتعذيب من أجل ثقافة العراق. هل بدت أحلام التغيير وهما في ظل ما يحصل الآن ؟
لو تم النظر للثقافة بوصفها محركا للحياة الجديدة لما سمحنا لثقافتنا أن تتعرض لهذا الاستهزاء، لو تم التعامل مع وزارة الثقافة بوصفها وزارة حساسة ومهمة لما آل الوضع الى ما هو عليه الآن، لو وضع النشاط الثقافي في موقع يتناسب ودور الثقافة وحاجتنا اليها لما حكم على حركة الثقافة بالأوامر العسكرية. لو كنا نؤمن بأن ما يحصل في الواقع العراقي هو مشكلات ثقافية أصلا لما منحنا وزارة كاستحقاق طائفي.
ان المنطق الذي اعتمدته الحكومة في توزيع مثل هذه الوزارات هي القاعدة التي يعمل بها الوزراء معتقدين ان من حقهم أن يوزعوا مناصب الوزارة على أفراد أسرهم وأصدقائهم ومعارفهم. وهو ما حصل في وزارة الثقافة ، التي يشن وزيرها حملة عنيفة على كل من ينتمي لحزب يختلف معه، وكأن هذه الوزارة ليست للعراقيين، وانما لطائفة وجهة واحدة مادام قد تسلمها كنتيجة لفعل المحاصصة، لم يتوقف الوزير عن احالة مثقفين الى التقاعد وابعاد آخرين، وانما استبدل الاكفاء منهم بأميين ينسجمون ومقولته البوليسية، وآخر ما تسرب عن أخبار الوزارة ان الوزير رزق بحفيد يقترح البعض من المثقفين أن يسلمه الوزير مسؤولية دار ثقافة الاطفال.
 


من سارتر إلى بابا سارتر في الثقافة العربية

علي بدر

تحتفل الثقافة الفرنسية هذه الأيام بمناسة مرور مئة عام على ولادة سارتر، فماذا نعني حين نقول سارتر؟ حين نقول سارتر، نعني الثقافة الحسية والشعبية المجنونة التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى ثورة الستينيات، يعني نمط وأسلوب الحياة الجديدة الذي صدره الحي اللاتيني والسان جرمان دوبريه، يعني عالم المقاهي والملاهي ودور النشر والمكتبات علي إيقاع موسيقي الجاز والشانسون الفرنسي الذي بلغ ذروة تجليه مع الصوت الساحر لإديث بياف، ولشارلز آزنافور الذي غنى أغنية La Bohème نشيد الفنانين والشعراء في المونمارتر، حين نقول سارتر نعني البوهيمية الروائية بعد أن أطلق الكتاب مشاعرهم وغرائزهم، غارقين في الملذات والأحساسيس والمتع بنهم كبير، نعني الفلسفة التي هبطت إلى الشارع، إلى الحياة، إلى المنزل، إلى المقهى كي تعتق الفرد من العوائق الاجتماعية والسياسية وتعيش معه متبطلة في المقاهي والشوارع والملاهي. حين نقول سارتر نعني صورة نجم الثقافة الذي يحيط به عباده الأطلنطيون من المولعين بالفكر والإبداع والالتزام والحرية، نعني الإمبراطور الثقافي الذي جلس على عرش السان جرمان دوبريه محاطا بجوقة من المعجبين والمعجبات من ممثلين وممثلات ومطربات وعارضات أزياء وكاتبات مبتدئات وطالبات، نعني سارتر الساحر بمفاهيمه الشاملة وحركاته الإغوائية بالرغم من دمامته، سارتر الامتثالي بالرغم من مبادراته السياسية، وتعليقاته الملغمة، ونشاطاته الثقافية الكثيرة، سارتر الفنان الساحر بالرغم من العدمية المتشائمة والسوداوية التي طبعت كتاباته، سارتر المرح والساخر بالرغم من كفاحه السياسي الجاد، سارتر ساحر الجميلات، زير النساء الذي يغوي الفاتنات بفضل جاذبيته الفكرية.
ولكن من أين كان للثقافة العربية أن تدخل عالم سارتر؟
من الإلتزام الشرس، من الحرية المطلقة، من رجل الغليون ...من الفيلسوف الذي يمشي على الأرض، يدخن ويكتب الأغاني ويزعج الكثيرين بشهرته وصداقاته مع النساء؟
من البوهيمي الذي يشكل خطرا على القيم الأخلاقية، من المناضل السياسي المؤمن بالاشتراكية، والمتعاطف مع الشيوعيين، أم من معادي الستالينية وقاهر الشيوعيين. من سارتر المفكر الأوربي الصاخب، أم سارتر العالم ثالثي في مقدمة (معذبو الأرض) لفرانز فانون. من سارتر الدوغمائي في نقاشه مع عبد الكبير الخطيبي حول المسألة اليهودية أم من سارتر المتمرد في تطبيع أفكار ألبير ميمي عن تحول الثقافات واكتساب الشفرات. من سارتر المتشائم في نقاشه مع المسيو نافيل عن الوجودية أم من سارتر المتعدد، والمتغير في أفكاره وحياته. من سارتر النص الحر غير الخاضع إلى قيود أم من سارتر الملتزم. من سارتر المقيد بالنص أم من قديس النظرة الليبرالية الذي رأى في وجود الفرد غاية بذاتها. والذي جعل من حد الحرية المطلقة شرطا للإلتزام. من الطفل البرجوازي الذي عاش لحظة اللافعل بشكل أبدي أم من سارتر الأزمنة الحديثة، المختبر الفكري والأدبي في الخمسينيات، من سارتر المدافع عن الجزائر مع كاتب ياسين ومحمد ديب، المناضل في دعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية واستعداده لإيواء المناضلين الجزائريين الذين تطاردهم الشرطة الفرنسية، أم من سارتر المنخرط المحموم مع الصهيونية. من سارتر المنظر السياسي في عمله النظري الضخم نقد العقل الجدلي أم من سارتر المتضامن البسيط والشعبي مع فيتنام في الحرب الإميركية. من سارتر الرافض لجائزة نوبل أم من سارتر المطبع للوجودية كتيار متقدم في الحياة الثقافية. من سارتر الغثيان الذي فضح الحياة البرجوازية الزائفة والمصطنعة أم من سارتر الباحث عن الجمال وهو ينزع عن الجسد قدسيته؟
من هذا المفتتح كان علي أن أستهل روايتي بابا سارتر وأنا أبحث عن سارتر المعادي لسارتر في الثقافة العربية، أو بالأحرى في جزء من الثقافة، وهي ثقافة استلابية عبرت طوال الخمسينيات والستينيات عن عجز ونكوص كاملين في فهم سارتر أو تقديمه، كان علي أن أبحث عن سارتر المضاد لسارتر في جزء من الثقافة المعاصرة التي تخلت عن شفرتها مع أول إطلالة لهذه الشخصية الساحرة دون تمييز شديد بين الفكرة وبين إمكانيات تحققها، أو في الأقل بين الفكرة وبين ظلالها، ولدى مثقفين مهمين لا يتعلق الأمر لديهم بمهزلة عالمثالثية، أو بخداع ماكر، إنما بمواقف وقناعات وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية، وأنا أجادل هنا: إن سارتر في نسخته العربية لم يكن في حقيقته نهاية لعرض خطير من الأفكار المشوهة، والمواقف المختلقة، والقناعات دون تمثيل حقيقي أو استيعاب صريح فقط، إنما كان نوعا من عدم الكفاءة الأخلاقية والاجتماعية والفكرية لدى بعض المثقفين، حيث دخل سارتر إلى الثقافة العربية بقدر كبير من الاختلاق، والكذب والتزييف...والأمر لم يكن عرضا على الإطلاق، فهناك صراع رمزي على سارتر ذاته وعلى أفكاره بين أعتى تيارين ثقافيين في الخمسينيات والستينيات بين جماعة الآداب وجماعة شعر.
فجماعة الآداب الممثلة بسهيل إدريس وعبد الله عبد الدايم وأميل شويري وغيرهم كانت تعبر عن ربط عضوي بين القومية والوجودية كشرط لازم للإلتزام السياسي الأخلاقي والاجتماعي في الممارسة الأدبية، وبالرغم من أن هذا الربط كان ربطا اعتباطيا بطبيعة الأمر، إلا أن جماعة الآداب خاضت صراعا ضاريا مع جماعة شعر الممثلة بيوسف الخال وآدونيس والذين وجدوا في المفهوم الوجودي للحرية الفردية، وتحرر الكائن من الغائية الشرط اللازم للممارسة الأدبية، وهكذا أنتجت الوجودية تيارين متناقضين ومتصارعين، وأصبح سارتر هو الرأسمال الرمزي الذي تتدافع القوى الثقافية والسياسية لتملكه والاحتياز عليه، فما هو الالتزام السارتري نسبة للقوميين؟ وما هي الحرية الأدبية والثقافية والفكرية نسبة للليبراليين؟
كان مفهوم الإلتزام السارتري أكثر تعقيدا مما طرحته الآداب مثلما كانت الحرية السارترية أكثر تعقيدا مما طرحته مجلة شعر...فماذا تبقى من سارتر في الثقافة العربية؟


تجربة اللاسرد في (اصداء السيرة الذاتية) لنجيب محفوظ

د. قيس كاظم الجنابي

-1-
العلاقة بين الكاتب الروائي والسيرة علاقة حميمة من حيث الكشف عن اسرار الحياة، ومن حيث اسلوب السرد ومعالجة الموضوعات، ولهذا كثيرا ما تبدو السيرة نصا روائيا أو كتابا سرديا بعيدا عن ادب الاعترافات والمكاشفات التي يتوقعها المتلقي.
وهذا ما يلاحظ على كتاب نجيب محفوظ "اصداء السيرة الذاتية" الذي يتكون من مجموعة نصوص سردية متناثرة. ومكثفة تبدو وكانها مجتزأة من بعض اعماله الأخرى، فلا تتبين منها ملامح سيرته الذاتية أو شخصيته الثقافية، وهذا يعني ان إضافة لفظة "اصداء" جعل السيرة الذاتية نصا مفتوحا مثله مثل النصوص المفتوحة التي كتبت باسلوب قصصي وهي اشبه بمقالات تغترف من هوامش حياة المبدع تقوم على استخدام عنصري السرد والحوار وبعض الملامح القصصية القادرة على كشف نزعات الذات وتجلياتها الخاصة. لان السيرة الذاتية ترتبط بالرواية ارتباطا حميما بالسيرة لان للسيرة "طريقة مشاركة خصوصية اخرى مع الرواية ممتزجة بالغبطة التي يمنحها النظر في تفاصيل مخترعة بفعل اللعبة التي تقلب الواقع. كذلك فهي غبطة لا يوفرها لنا الامثل هذا الكاتب المتميز وسيرته الذاتية الضخمة التي هي من روائع الفن".
-2-
تشكل صورة "رمز الرجل الحكيم" الشيخ دلالاتها الكتابية الواضحة التي تشير إلى شخصية نجيب محفوظ يلمح من خلالها إلى العديد من الاشكالات والملابسات التي تعرضت للاختلاط في حياته وظروفه. فالحكيم كناية عن الحكمة والعقل المتفهم القادر على تحليل الواقع ماضيا وحاضراً، فقد جاء رأيه بالذاكرة تعبيرا عن علاقة الذاكرة بالسيرة الذاتية لقوله: قوة الذاكرة تتجلى في التذكر كما تتجلى بالنسيان" ولكن هذه "الاصداء" يمكن ان تعد نصا سرديا قائما بذاته تجد فيه الملامح العقلية وافاقها الفكرية للشخصية التي كتبت العمل وحاولت ان تعرضه بطريقة اخرى، لان الكتابة عن الذات تبدو محرجة وغير مغرية بالنسبة لكاتب مثل نجيب محفوظ، لهذا جعل من هذا النص الفكري المرتبط بسرد الحكمة وتكثيفها نوعا من التماهي عن الذات والانطلاق نحو ما هو مؤثر وعميق ويعمل على تكثيف السرد ليكون بؤرة وللتفلسف والاحالة نحو جوانب غير مباشرة لانه يطمح إلى النقد وتعرية الواقع الذي يعيش فيه، كقوله في نص "التحدي" على لسان الوزير، بعد ان سأله احد النواب بالقول:
هل تستطيع ان تدلني على شخص طاهر لم يلوث؟
فاجاب الوزير متحدياً ـ اليك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الاطفال والمعتوهين والمجانين.
فالدنيا ما زالت بخير.
ان هذا النص يقوم على تبني المفارقة الساخرة التي تضمر اكثر مما تكشف، وتعري الواقع السياسي بكثافة مرصودة جعلت من الكاتب يكشف امكاناته الفكرية للتعبير عما هو كامن، وعما وصل اليه الموقف بحيث لم يعد أي بريء باستثناء الاطفال والمجانين، فاي بلد هذا؟ مما يشير إلى كيفية اعطاء هذه المفارقة شكلا ما في الذهن، لان حس المفارقة لا يقتصر على القدرة على رؤية الاضداد.
نصوص كتاب "اصداء السيرة الذاتية" تلمح وتكشف بوضوح إلى ان الكتاب ليس سيرة ذاتية كما هو حال أي سيرة وثائقية بقدر ما لمفردة "اصداء" علاقة بشخصية الكاتب "وقد جاءت نصوص نجيب محفوظ هذه مشحونة بطاقة فنية عالية، وبلغة سردية مكثفة ممكنة بالاحالات والاشارات التي تهدف إلى الكشف عما هو غاطس في داخل الواقع. وهذا ما يجعلها تشاكس السيرة الذاتية وتتقاطع معها لان نص السيرة هو نص مفتوح ممتلئ بالمكاشفات التي تفتح الذات على فضاءات الكتابة بقوة لخلق رؤية متجددة قادرة على توثيق الصلة بين الذات وتاريخها الشخصي باعتماد بنية سردية خاصة. وما يلاحظ على هذه "الاصداء" بانها سرد غير تبريري يعلن فيه الكاتب عن تنصله من مواقفه وما يتعلق بشخصية الكاتب خلال تاريخ حياته، بقدر ما هي توغل فكري نحو الاعماق البعيدة القادرة على رسم صورة حية لمسيرة العقل الكتابي لنجيب محفوظ.
-3-
يتساءل القارئ كيف يمكن ترصيف هذه "الاصداء" في حقل السرديات؟ هل هي سرد سيري؟ هل هي سرد لنصوص فلسفية/ فكرية متفرقة؟ هل هي اقاصيص قصيرة؟ هل هي رواية نص مفتوح؟
اظن ان إطلاق مصطلح "اللاسرد" الذي يتبنى سمات السرد، ولكنه يخترق بانتظام منطق السرد وتقاليده، كما في رواية بيكت "مولوي
MOLLOY" الذي يجري فيه الخروج عن ضوابط السرد، والانتقال من فكرة إلى فكرة، ومن لمحة إلى اخرى، وذلك باستخدام العنوانات الداخلية"، المعبرة عن الموقف الذي يريد التحدث عنه، ولهذا تبدو بعض النصوص النثرية مكثفة بشاعرية مضمرة ، كما في نص "هيهات" التي يعبر فيها عن منطق السرد.
ما ضنت علي بشيء جميل مما تملك،
فنهلت من ينبوع الحسن حتى ارتوت.
ولكن البطر بالنعمة قد يرتدي قناع الضجر
ومن امارات خيبتي اني فرحت بالفراق.
وعلى مدى طريقي الطويل لم يفارقني الندم
وحتى اليوم يرمقني هيكلها العظمي ساخراً.
يهيئ ها الخروج عن منطق السرد للكاتب فرصة التنفس خارج ايقاع السرد وهيمنة الهاجس الكتابي المنظم وكان نجيب محفوظ اخذ على عاتقه اختيار اسلوب سردي خاص يقوم على استثمار كتابة نصوص سردية متفرقة يجمع بينها مناخ واحد هو مناخ الكتابة المفتوحة التي ترتبط بصوت الكاتب المعتمر وهو يوصل العديد من الافكار من خلال صورة الشيخ "عبد ربه" الذي اصبح بديلا عن صوت الكاتب وهو سرد ينثال على لسان محملا بالصور العلمية والاقاصيص القصيرة والومضات الشاعرية التي تبدو مثل دفقة ابداعية سريعة تقوم على استخدام ايقاع زمني متسارع ينتهي بضربة مغرية قائمة على استئثار المفارقة مثل قوله في نص "تعريف":
سالت الشيخ عبد ربه
ما علامة الكفر؟
فاجاب دون تردد:
- الضجر.
وقد ترددت على هذا المنوال العديد من العبارات المشوهة بطاقة فكرية عالية، وبصور ذهنية مركزة، كقول هذا الشيخ.
ـ في الكون تسبح المشيئة، وفي المشيئة يسبح الكون.
ـ بعض اكاذيب الحياة تتفجر صدقا.
ـ الحب مفتاح اسرار الوجود.
ـ من خسر ايمانه خسر الحياة والموت.
ـ اشمل صراع في الوجود هو الصراع بين الحب والموت.
ـ الغناء حوار القلوب العاشقة.
ـ الحياة دين ثقيل، رحم الله من سدده.
ـ اقوى الاقوياء من يصخون.
يرتبط هذا الميل نحو الحكمة وتكثيف النص بتاسيس نجيب محفوظ الفلسفي وميله إلى العبارة المركزة التي تشع بالحكمة ليعبر عما تكنه ذاته من رغبة خاصة لانتاج افكار ذات قوة لفظية خاصة تجعل المعنى قويا ومؤثرا، اكثر من اهتمامه بقوة السرد، وهو ما يعبر عنه منطق التمسك بالسرد ومحاولة تجاوز منطقته الحرجة إلى منطقة "اللاسرد" وثمة العديد من الأعمال تم ان تنتسب إلى هذا التجنيس الكتابي كما في "مجنون زينب" لجمعة اللامي.
 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة