|
احمد عبد القادر
في المدينة الثكلى بأحلامها، النائمة على أوهامها، يصبح كل
شيء قابلاً للتأويل، محكوماً بانشوطة الموت والخراب، لم تعد
الاشياء مضاءة باليقين، بل هي أقرب ما تكون إلى الفوضى
وانعدام الوضوح.
مدينتي الرمادي، تنزف الآن دماء براءتها، فالذين أرادوا لها
أن تنوء بأوجاعها حملوها ما لا يطاق، وجعلوا منها مدينة
خائفة، ما إن يمر في احد شوارعها أحد، حتى يصبح فريسة لرصاصة
قناص امريكي أو اشلاء لعبوة ناسفة يدسها مجهول على رصيف كان
بالامس ملاءً آمناً لعابري السبيل. اختلطت الاوراق، تشابكت
الامور، لا احد يدري ماذا يفعل؟ موظفون، طلاب مدارس، اصحاب
محال منظفو شوارع، شرطة مرور، حرس وطني، أطباء، مرضى كل
يتأهب للذهاب إلى عمله، لكن سرعان ما يعلو هدير المدافع، دوي
الرصاص، عويل سيارات الاسعاف، عندها تتراجع الهمم، تموت
العزائم من يريد أن يفقد حياته مجاناً في هذا الصباح الجميل؟
أليست الحياة هبة الله وعطاءه الممنوح للكائن البشري؟ في هذا
العصف المهول يؤوب الناس إلى بيوتهم، موصدين الابواب منتظرين
ما تسفر عنه الأحداث، وما يحمله الهدهد من اخبار عن سبأ
المنكوبة بالموت والدمار.
الذين شاء حظهم المنكود أن يشهدوا الواقعة وينجوا منها عادوا
مذعورين من هول ما رأوا. طلقات طائشة تستقبلها الأحياء برعب
هائل مبان شاهقة سرعان ما تتحول إلى ركام خلفه
TNT،
زرعته يد آثمة جل غايتها ان تجعل هذا الوطن قاعاً صفصفاً،
سيارة مفخخة ضحاياها الاطفال والنساء والشيوخ وأغصان الزيتون
والحمامات المشغوفة بالحب والسلام.
أنتم تقولون أنكم تقارعون الاحتلال، وتشحذون خناجركم لذبحه،
لأنكم وطنيون مخلصون، تأبى شهامتكم، ودينكم أن تهادنوا،
وتلاينوا، إن حجتكم هذه غير قابلة للنقاش، ونحن معكم إن كانت
كلمة حق اريد بها حق. لكن من سوغ لكم تفجير عبوة ضحيتها
أبناء وطنكم؟ من أباح لكم هدم بناء هو ملك لهذه الارض. بذل
الكادحون جهداً عظيماً في تشييده، وصرفت ملايين الدنانير من
اجل جعله ذا نفع للناس الذين هم اخوانكم وبنوكم وشركاؤكم في
هذا الوطن.
في مدينتي الرمادي، اكثر المدارس بلا طلاب، والدوام مؤجل إلى
حيث المجهول من الآتي، التهديد والوعيد علامتان فارقتان
لهؤلاء الذين يريدون ايقاف عجلة الحياة. ونحن نسألهم، لماذا
تمنعون الاطفال من التعليم؟ اتريدون جيلاً أميا لا يقفه
شيئاً؟
اتقارعون أعداءكم بالجهل؟ أتكفي الشعارات والخطب الرنانة
لمواكبة الامم، وديمومة التقدم في عالم يهرول نحو غده بقوة
لا متناهية؟
إن من يرد أن يقهر أعداءه لا يتخذ من القمع والترهيب رسالة
لابناء جلدته. إن ما يصنع الحياة هو القانون ومراعاة مصالح
الآخرين، والحوار، وعدم الغاء الآخرين والدوس على رقابهم او
قطعها، فذلك طريق ضل من سلكه قبلكم. وسوف تثبت الايام ان
تجارتكم خاسرة لأن الزبد يذهب جفاءً، وما ينفع الناس يمكث في
الأرض.
محمد شريف ابو ميسم
الصروح العمرانية تبقى رموزاً ثقافية تعبر عن غنى المحتوى
الثقافي وعمق جذوره فالانتماء للارض يقتضي ثقافة انتمائية
وهذه الثقافة وعلى مدياتها التاريخية، القديمة منها
والحديثة، تتجلى في افضل حالاتها، في المحافظة على الصرح
الثقافي. واليوم يقف (بهو البلدية) في مدينة الناصرية بشموخ
في وسط المدينة، برغم الخراب والتصدع الذي اصابه من جراء
الحرب، إلا انه كجدته الزقورة، مصمم على البقاء معبداً لطقوس
الثقافة في هذه المدينة.
صرح ثقافي مصمم على شكل (مضيف كبير). ارتبط تاريخه القصير
الممتد من ايام حكم الراحل عبد الكريم قاسم بصله قربى مع
تاريخ المدينة الثقافي الطويل.. فهو قاعة عرض مسرحي تجسدت
على خشبتها شخصية كلكامش الباحث عن الخلود، وشخصية هاملت
بعقدته الاوربية، وروميو وجولييت، وشايلوك البخيل وشخصية ابن
الهور يفالته ومكواره وشخصيات أخرى متنوعة وعديدة... مسرح
اعتلى خشبته اكثر الفنانين المسرحيين الذين انجبتهم المدينة
السومرية (عزيز عبد الصاحب، محسن العزاوي، عزيز خيون، بهجت
الجبوري، عبد الرزاق سكر، فوزية حسين، ستار خضير، منير
العبيدي، محمد سيف، والقائمة تطول). وهو ايضاً قاعة للترانيم
تعالت على خشبته اطوار الابوذيات والسويحلي والصبي والشطري
والزهيري.. الخ من الاطوار الغنائية التي ابتدعتها امتدادات
هذه المدينة السومرية، بحناجر الاجيال التي انجبتهم، ابتداءً
بجيل داخل حسن وحضيري ابو عزيز وناصر حكيم مروراً بجيل حسين
نعمة وستار جبار وانتهاءً بالاسماء الغنائية الشابة.. وهو
قاعة سينمائية متميزة، كانت ترتادها العوائل لمشاهدة الافلام
العالمية المتميزة في مضامينها وانتاجها (ذهب مع الريح،
الشيخ والبحر، الجريمة والعقاب، زوربا اليوناني.. الخ من
الافلام الخالدة في تاريخ السينما العالمية).. كان ذلك قبل
ان يتحول ذلك الصرح الثقافي قسراً، إلى قاعة لخدمة السلطان
وزبانيته، ليسخر للندوات والاجتماعات وتجمعات الجيش الشعبي،
ومن ثم جيش القدس ثم انتهى ان اصبح مقراً لما يسمى (بفدائيي
صدام) إبان الحرب فأصابه ما اصابه ووصل إلى هذه النهاية
المؤلمة.. ما من احد تسأله عن (البهو) إلا ويعصر قلبه الندم
لما اصاب (المضيف الكبير) من تصدع وخراب،. ما من احد من
اهالي المدينة لم تكن له ذكرى جميلة في هذا الصرح الجميل.
الجميع ينتظر اليوم الذي يتم فيه البدء بإعادة الحياة لهذا
الرمز الثقافي الشامخ في وسط المدينة برغم جراحه البليغة..
فبقاؤه بهذا الشكل المحزن يثير في النفوس المزيد من الوجع
علاوة على اوجاع الناس من جراء سقوط الابرياء يومياً في
ساحات وشوارع بغداد والمحافظات الاخرى.
ان مجرد المباشرة باعمال الصيانة واعادة الحياة، سيعيد الامل
والبهجة لخريطة الذكريات الجميلة التي يرتسم على اساسها
المستقبل الذي يحلم به الجميع.
|