المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الجمال بين اللاشعور والادراك الحسي

عبد الله الخطيب

كثير من نقاد الفنون بصورة عامة لا يميزون بين طبيعة الادراك المطلق للجمال الفني والمعرفة الحسية او الادراك الحسي له، الذي يعتمد المنطق والذي يعبر عنه النقد الحديث بمصطلح (الاستطيقا) اللاتيني، اي (علم الجمال) فأصبحت (الاستطيقا) بفعل التطور التأريخي للفلسفة تابعة من نظرتها للاشياء وعلاقاتها الظاهرية، للفلسفة الوضعية التي تهتم بالشكل من دون المضمون، اي اصبح  ميدانها العملي (المدركات الحسية). اما الجمال فهو ذلك (الشعور الغامض) المنبعث من العمل الفني الذي يحس به (المتلقي والناقد المرهف الحس في لحظة تفاعله مع ذلك العمل الفني بصورة شاملة (كعلاقات الالوان والاشكال في العمل التشكيلي او التكوينات الفنية في النحت او العلاقات الفنية التي تقع خلف حدود معاني الكلمات من الشعر الجيد) والتي تحدد الانفعالات وصور خيال الشاعر في فضاء لا محدود خارج عن حدود الزمان والمكان التي تحمله الكلمات.

الجمال لا يخضع (للتنميط) بعكس المدركات الحسية، والتنميط يمكن اعتماده في علم الجمال (الاستطيقا) لأنه يمكن اخضاعه لمنهج منطقي شكلي الذي تعتمده الفلسفة الوضعية بعكس (الجمال) لأن التنميط عبارة عن منهج في للتغلغل في جوهر الاشياء عن طريق ظواهرها لكشف علاقات تلك الجواهر او توحيدها ومنهج لترديد الحياة و لأفكار والمشاعر الانسانية في صور فنية حية، وانه عملية  مركبة تمثل الوحدة المتغلغلة المتبادلة بين جانبين نباينين في العمل (الابداعي)- كالتصميم الفني والتفريد الفني للمضمون الموضوعي (انظر الموسوعة الفلسفية ص/145) وهنا هو ما يظهر للعيان من الاعمال الزخرفية (الارابسك) وفن .. (الركوكو والباروك) والاعمال التزيينية كافة، التي تعتمد (تفاعل العلاقات) الهندسية في الاعمال الزخرفية (بين الخطوط والدوائر والمثلثات.. الخ، بينما (الجمال من الفن هو عبارة عن  شعور يتملك المتفاعل مع العمل الفني في لحظة استشراق باطني، وهذا الشعور يعضد (التفرد النفسي) لذلك لا يمكن تنميطه واخضاعه لقوانين تعتمد المنطق والادراك الحسي (الاستطيقا، لإختلاف الافراد اختلافاً جوهرياً بذلك الاحساس الغامض (الذي هو خلاصة التأريخ اللاشعوري للافراد، وهذه الحقيقة نقضت نظرية (المثل الافلاطونية) في  فلسفة الجمال المثالية، لعدم وجود مثال عام لجمال عام متكامل عن شعور الانسان بصورة عامة، ان الجمال من طبيعته (فردي التكوين) لأنه يعتمد شعور الانسان الفرد لا شعوره التأريخي، في تحبسه الغامض له.

وعلى هذا حاول بعض المختصين (بالاستطيقا) ان يخضعوا التفكير الفلسفي  الى نوعين من العلوم الفلسفية العلوم الوضعية التي تدرس الظواهر  الطبيعية لتفسيرها بإرجاعها الى الشروط التي تعينها (الاستطيقا) المدركات الحسية والعلوم (المعيارية) التي تدرس (القيم) كالحق والخير والجمار وتعتمد الاولى على المنهج التجريبي حيث تستخدم الثانية (المعيارية) النظر العقلي وبينما تصدر الاولى احكاماً تقريرية تصدر الثانية احكاماً تقديرية او قيمية.

ان لفظ (الاستطيقا) اطلق في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ليدلى على العلم الخاص بالمعرفة الحسية ، معناه من الناحية اللغوية هو دراسة المدركات الحسية، اي ما يدرك بالحواس واول من اطلقه بهذا المعنى و(باومجارتن) فأصبح على علم يوازي ويكمل المنطق (الشكلي) واستقل عن الفلسفة واصبح فرعاً من فروعها (انظر شارل لالور مبادئ علم الجمال ص/58.

وعلى هذا اصبحت لفظة (استطيقا) تدل على لون من الادراك يختلف اختلافاً جوهرياً عن التفكير الصرف للعقل، بل يتعارض معه.

فن التفكير (باومجارتن) هناك ادراك حسي وتفكير صرف، في الاول كثير من الغموض، على حين ان التفكير الصرف واضح كل الوضوح، وبسبب ذلك (الغموض) هو ان (الجميل) يكون من الاجزاء الغامضة من الوعي (الفترة التي تقع بين اللاوعي والوعي) وبذلك اصبح هناك نوعان من المعرفة. معرفة حسية (استطيقا) ومعرفة عقلية (منطق).

تختلف الحقيقة او المعرفة المنطقية عن المعرفة التي تعتمد الادراك الحسي اي (الاستطيقا) في ان الحقيقة الميتافيزيقية والموضوعية تتمثل حيناً في القتل عندما تكون حقيقة منطقية بالمعنى الضيق، وحيناً من ما يشبه العقل وملكات الادراك البسيطة عندما تكون (استطيقا)، (فكروتشه) يعرف الاستطيقا بأنها (الحدس المباشر) او (الوجدان) (intuition) و (كيرت جون ديكاس) يعرفها بأنها كل ما له صلة بالمشاعر الحاصلة خلال التأمل (contemplalion) وعند (ديوث هـ. باركر) ان الغرض من (الاستطيقا) او فلسفة؟ الفن هو كشف الخصائص النوعية للفن الجميل، وتحديد العلاقة بين الفن والمظاهر الحضارية الاخرى كالعلم والصناعة والاخلاق والفلسفة والدين (انظر عز الدين اسماعيل الاسس الجمالية في النقد العربي ص/15).

و(الاستطيقا) بهذا المفهوم تتميز تمييزاً تاماً عن الدراسة التأريخية للفن، التي تهتم بتتابع المدارس والاساليب ونحوها، اي بتطور مضمون الفن الحضاري، وان (الاستطيقي) ليس هو الجميل، والعكس كذلك صحيح بل ان الجمال ذاته اصبح ميداناً للاستطيقا ، فأختلفت عنه كما يختلف علم الاخلاق عن السلوك الانساني سواء بسواء) (عز الدين (م. ن . ص/20) كما انتهى الى ذلك (سوريو) بأنها علم الاشكال وعلاقاتها الهندسية (كما في فن الارابسك).

فمن السهل ان نغرق بين الجمال كما يبدو في الطبيعة وعند الفنان الحساس الذي يتركز الجمال من خياله المبدع الذي يخلعه على الطبيعة من دون وعي منه، فالابداع الفني يخلق صورة جديدة تتوافر فيها الصفة الجمالية التي تعتمد الاختيار والتفسير والتنظيم لأشياء غير متفاعلة في الاشكال الطبيعية، وهذا عكس النقل الحرفي الآلي لجمال الطبيعة، وجمال (الاستطيقا) هنا هو دراسة اثر ذلك الاختيار والتفسير والتنظيم للاشياء، العمل الفني اي (المدركات الحسية) التي دخلت مضمون العمل الفني.

ان الفن لا يكون تقليدياً، فالعمل الفني يفسر الاشياء ولكن بإسلوب خاص فهو التعبير بطريقة الصورة الفنية عن محتوى فني بيّن، وليس من شك في ان اي معنى يمكن ان يكشفه الانسان في الطبيعة يختلف من حيث النوع (kind) عن الجمال المعبر عنه في الفن.

الجمال في الطبيعة، اقل (حيوية) من الجمال في العمل الفني الذي يبدعه الفنان، ومجال (الاستطيقا) هنا هو (تحديد) العلاقات الجديدة التي اوجدها الفنان بين الاشياء المفردة وخلق منها (كوناً) موحداً، الحيوية والحركة اي خلق شكلاً مضموناً ممتعاً بغموض، هذا هو الجمال الذي يقع خارج الطبيعة والذي ادركه الفنان بعبقريته، واحس به الناقد والمتلقي عن طريق (الادراك الحسي) لذلك جمال الاشياء لا يتم مستقلاً عن (الفهم) الانساني، وهذا الفهم الانساني (اي اكتشاف العلاقات الجديدة، هو مادة (الاستطيقا) وبما ان هذا الفهم يخضع للتطور والتبدل عن طريق تفاعل الانسان مع الطبيعة والمجتمع، فأصبح جزءأً من ذلك الفهم من اختصاص التحليل الاستطيقي وبذلك اصبحت (الاستطيقا) علماً نظرياً يبحث في مشكلات العلاقات الفنية التي تخلق الجمال في الفن. تلك العلاقات المتجددة التي تضمن للاستطيقا عملاً مستمراً وتطوراً دائماً، اي اصبح من اختصاص (الاستطيقا) البحث عن تأثير الاشياء التي تقع ضمن تجربة الفنان في اثناء ابداعه الفني، الذي (يمور) من مضمونه الجمال، والذي يظهر بشكل غامض في علاقات (شكل) لك العمل الفني والذي يلتقطه المتلقي بصورة (خطف) بإدراكه الحسي، والناقد المبدع ببصيرته النافذة عبر اشكال الاشياء وعلاقاتها المتفاعلة تفاعلاً عضوياً بشكل حيوي متحرك.

وعلى هذا فرق الناقد (جارلس برنارد) بين (الاستطيقا) و(الفن) من حيث ان (الاستطيقا) تكون مذهباً فلسفياً يعتمد شكل الاشياء في حين ان الفن تجربة شخصية تعتمد (اللاشعور) في اغلب الاحيان بذلك فشلت المحاولات في جعل الاستطيقا هي مجال دراسة الجمال في الفنون، وظل طابعها هو دراسة المدركات الحسية التي تحدد قيمة الجمال، وعلاقات الاشياء الخارجية التي تتفاعل مع العمل الفني لإظهار الجمال شكلاً منظوراً.


ليل حزامة حبايب الأحلى

ياسين النصيِّر

لهذه الشابة القلقة طعم خاص في القصة العربية، عندما تقرأ قصصها لا تبدو أنها من جيل معين. تكتب قصصا تجريبية عندما يغلب الخيال على صرامة الواقع، وتحسبها شابة تبدأ لتوها. وتكتب قصصا واقعية عندما تشعر أن اجتماعية الحياة تعطيها طاقة على التعبير كما لو كانت آتية ألينا من زمن الخمسينات. وتكب قصصا رومانسية كما لو ان سلالها تمتلئ لأول مرة بالحب، وتحسب ذلك من فطنة تفرضها الحكايات عليها. فلا ثوب لمدرسة ولا اتجاه يقنن تجربتها وتبقى بعد ذلك تطوف في سفينتها بانتظار موانئ مجربة. القاصة حزامة حبايب صاحبة أربع مجموعات قصصية على مدى اثنتي عشرة سنة كل مادة قصصها حكايات رويت،و أحاديث سمعت و مواقف تداولها الناس وأصبحت من عاديات الزمن تعيد الألسن صياغتها وتضيف عليها، فمجتمعاتنا القروية وإن كانت في المدينة لا أسرار كبيرة فيها، ثم لتخلق بعد ذلك كرنفالا من الحكي حول ما سمعت وما رأت ولكنه (كرنفال) بثوب سردي جديد وهذا هو جوهر نجاحها. قاصة تعيش في  مراحل مختلفة من كتابة القصة العربية وكأنها تعيش في كل مراحلها. لا تعوزها الجرأة كي تقول حتى لو كان القول منافيا، ولا الفطنة كي تعبر عما تراه، ولا الأسلوب عندما تقرر ذلك. ثمة روح ساخرة تستبطن لغتها ومنهجها الفني مكنتها من أن تصنع مستويات من السرد. فعندما تقترب من البوح العاطفي تحوله إلى سخرية أو نكتة، وهي بين أن تسرد وأن تقول تترك للقارئ فرصة أن يقول وأن يضيف.

الملاحظة الأولى التي تتبار إلى ذهن قارئ المجموعة أن القصص كتبت كلها ضمن فترة زمنية واحدة دون أن تنشغل بعمل آخر. ربما لا يكون ذلك دقيقا، ولكن مناخ القصص وإيقاعها وهيمنة مفردات مثل (ثقافة البيوت الصغيرة) و (الأفول) و(الشد إلى الأرض) على مناخ القص، يجعلنا نقرر أنها كتبت ضمن فترة  زمنية محددة، رغم عدم وجود تواريخ محددة للقصص.

الأفول هذه المفردة التي تلازم ليس الشخصيات، بل منهج الكتابة نفسه، واحدة من الثيمات التي بدأت تفرض حضورها على الثقافة العربية في مرحلة الانهيارات الكبيرة. ففي السنوات الأولى للتجربة الإبداعية لأي منا تقفز إلى أذهاننا المواضيع الذاتية الأكثر شبابا ومن بينها الجنس والسياسة، ولكن بمرور الوقت في الكتابة والتدريب تبدأ السفينة بالخطو المدروس ويلوح الميناء من بعيد دون أن نصل إليه بعد ويزداد الفنار ضوءا وتقترب سفن الأدلاء عندئذ نقرب الطريق بحذر، فنكتب عن الترحال والآخر والسفر والبيوت والغربة والقضايا المبهمة والغامضة والأسرار والمصائر والإنسان ومشكلات الزمن والفكر. ثم إذا ما ازددنا قعودا على كرسي الكتابة والتفكير وفتحنا أعيننا على ما يحيط بنا بعد أن طعمنا واقع البيت بالواقع الوطني والعمل بالبطالة والفرد بالعائلة والأوضاع المحلية بالدولية التي بدأت تدخل البيوت والنفوس لا نفكر بالبحار ولا بالسفن ولا بالحب ولا بالجنس ولا بالسياسة، بل نبدأ التفكير بجيراننا وبما يحيط من حولنا، وبالأرض التي نمشي عليها فالعالم صغير والعين لا تتسع لأكثر من منظر والقراءة في الكتب بحث في المصائر لاحتذاء قافية جديدة. عندئذ نكتشف بقعتنا الجغرافية الخلاقة فنجدها كما وجدها السهروردي في رحلة الطير أنها بيوتنا وبقعنا اليومية، والرحلة عنها رحلة إليها. عندئذ تبدأ مفردة (الأفول) بالظهور ليس كحال سلبية يمكن مقاومتها والتطعيم ضدها، بل حال قائمة تستطيع أن  تمنحك أفقا معرفيا لأدق التفاصيل اليومية وأكثر رسوا في العادي والمألوف والإنساني.ويصبح الماضي قرينا للحاضر كل الأحداث التي كتبت عنها في هذه المجموعة في الحاضر لكنها تروى بضمائر ماضية.

وأول ما يؤكد الأفول في مجموعة حزامة حبايب هو العنوان ( ليل أحلى) فالليل هو أفول النهار والأحلى فيه هو ماضيه،وعندما تقرأ القصص لا تجد إلا الأفول وقد هيمن على كل الأحداث ثم يتسع التأكيد داخل القصص فيتحول الحلم الممتزج بالواقع إلى حال آفلة،قصة (حلم واقعي إلا قليلاً) وفي قصة (ليل أحلى) الجو نفسه يعود ثانية ولكن هذه المرة برجال الحي ونشأتهم وأحاديثهم اليومية المتكررة منذ مئات السنين وعن الحالات التي تقفز من الألسن كما لو كانت تهيأ بمطبخ زمني الكل يقتاتون منه، ثم في قصة (حزينان) لا يفترق الماضي عن الشخصيتين المرأة الجالسة في مؤخرة السيارة وسميحة والرجل الذي يقود عربة الجميع التي لا ينزل منها أحد بل دائما يصعدون إليها، هذه النقلة في المكان عودة الى زمن مفقود آفل من الحياة ويحاول الجميع استعادته، سميحة بالحب السمج وبروائحها الكريهة، هو بمراقبته لحال فقدها وأخرى يستعيدها والمرأة بدموعها خلف حاجز الرؤية الزمني عندما تنتظر جودو الذي لا يأتي تاركا الفرصة للرجل بأن يأتي ولا يأتي. والجو نفسه نجده في قصة (برك) حينما يغطي الثلج كل مظاهر الحياة فيصبح التمثال رؤية بيضاء لمشاعر غائرة في المجهول. لنقف على حقيقة أننا نعيش في مرحلة الفقدان وبدأنا بالإبحار حول بيوتنا كما يقول أنس الحاج ونحسب ذلك سباحة في المانش.

المفردة الثانية في المجموعة هي هيمنة (البيت) على سياق القص كله، غالبا ما نرى خروجا عنه إلا في حالات الذهاب للوظيفة، فالبيت العش هو الهناءة التي تجعل الألسن تنطلق فهو وحدة مكونة من الأسرة وأشيائها وتصبح مكونات ثقافته هي العلاقة بين الإنسان وأشيائه، بالنسبة للفلسطينيين والأردنيين يتحول البيت إلى ثيمة الوطن وهذا ما نشاهده من رفض عندما يهدم الكيان الصهيوني بيوت الفلسطينيين فقد عاشوا الاغتراب والشتات وعندما يبنون بيتا لهم يؤثثونه بمشاعرهم وعواطفهم ولغتهم وكل ما يمت بصلة للرسو الأكثر على أرضه. لا تكاد قصة تخلو من سرد البيوت.

المفردة الثالثة في قصص حزامة هي (الشد إلى الأرض)، فللزمن ثقله ووجوده تحسسك به كأنه كائن خرافي يعيش مع الشخصيات ولا يفارقها تشعر وأنت تقرأ المجموعة أن كل شخصياتها منحنية الظهر أو تعبه وأعينها مسمرة بالأرض، كجلساء المقهى الستينيين والسبعينيين  وإما حاملات المقشة أو المكنسة التاريخية لتزيح ما تراكم من غبار الزمن على بيوتها،أو من على الفراش، أو تروي لجارتها  العانس حكايتها، أو لتغسل قدمي الأب بينما هي تستمني،أو تجلس في المقعد الخلفي للسيارة منتظرة أفق الله المجهول، أو تعيش في الحلم المشبع بواقعية صادمة. هذا الإنحاء والشد لا تفرضه طبيعة الأرض الجبلية بل تكوين الحال النفسية والاجتماعية للشخصيات وهي تعيش في مرحلة النضج والمسؤولية وأنت تقرأ تجد أن القاصة مهتمة جدا بمصائر الشخصيات الغائبة عن مدار الحكاية كل الحضور يتحدثون عن الغائبين وأولئك الذين  يشكلون امتدادا للزمن الحاضر. والقاصة تجبرنا دائما على تتبع الخيوط الخفية التي تشد النساء خاصة نحو مصائر البنات اللواتي لم يتزوجن بعد قصة (خيط لا ينقطع).

المفردةالرابعة في هذه المجموعة هي السخرية وهي طريقة فنية استطاعت القاصة أن تكسر بها ثلاثة أشياء

الأولى هي صرامة الواقع وغالبا ما تكون الضائقة المالية سببا لذلك فالقاصة تستل قصصها من الواقع الشعبي الفلسطيني والأردني وأجواءها من المألوف المعاش فأبن البيئة لا يخجل منها ومثل هذا المناخ الذي يبدو شديد الواقعية حد الانغمار فيه يولد سخريته مريرة وكما يقال لا تخلو تعزية من ضحك. السخرية عند حزامة ليس موقف ملصقا بالقصة ولا هو تسرية لموقف بل جزء من الشخصية ربطة عنق عبد القادر الرافعي الموظف بالبنك، والدقائق التي يحسبها للوصول إلى الوظيفة، دخول الأبريق في فرج المرأة وفي مؤخرة الطفل، فرح أم شوكت وهي ترزل كناتها اللاتي يدخن جهارا أمام أزواجهن المنايك ،وغيرها من المواقف. فالسخرية رغم قلتها في القصص كانت بنية تحية للقص، عندما نجد أنفسنا في لحظة تتشعب فيها السياقات السردية فتلجأ للسخرية كي تجمعها.

الثانية هي تنوع السرد وهي أسلوبية مفيدة عندما تجد القاصة أن سياقها بحاجة إلى كسر مفيد، وهو غالبا ما يريح القارئ ليقربه من الطبيعة الداخلية للشخصيات. ولأن القاصة في هذه المجموعة مرتبطة حد الهوس بالأرض وان كل شخصياتها منحنية على بقعة بيتها، ينحو السرد مناحي مختلفة علانية عندما يكون هناك حوار وسرية عندما تخلو الشخصية لنفسها وضاجة عندما تكون مع الأطفال وهامسة عندما تكون مع النساء ومحايدة عندما تكون مع الآباء أو ممن هم كبار السن، أن السرد تسيره الحالات وليس الحدث.

الثالثة أن كل النساء يتعاملن مع أجسادهن تعاملا ساخرا فهن عندما يدسسن الثياب في السروال للعمل أو للزينة إنما يكشفن عن طريقة شخصية في التحسس بالجسد المخفي وراء هذه الثياب الفضفاضة وثمة نغمة دفينة لو أنهن خلعن هذه الثياب. كل الشخصيات مهملة للجسد ولكنه عندما ترتبط الرغبة  بالغائب ، زوجا أو حبيبا يتحول الجسد إلى كيان شعري تستنهضه اليد وهي تمر على مفاصله.

شعرت وأنا أنهي هذه المجموعة القصصية قراءة أنها لم تكن مميزة إلى الحد الذي يجعلنا نفرح بها كثيرا، ولم تكن عادية إلى درجة يمكن إهمالها. أن هذا النمط من القص  عصي بعض الشيء عندما لا نجد أداة نقدية تكشف عن أعماقه. فالقاصة بحاجة إلى تغيير في مسارات الأحداث، إذ لابد من غرائبية لتغيير المسار، والبيوت والشخصيات ممتلئة بمثل هذا المناخ. ولابد من تكسير لبنية السرد بتداخل الأزمنة والأمكنة فالشخصيات متحولة ومتنقلة وسكنت بلدانا وهاجرت وهجرت ولها بعد ذلك ذاكرة حملت نتفا من كل أرض. ولا بد من إيقاع أكثر حرارة من سرد ممل في بعض جوانبه خاصة في قصتي ( صباحات وتفاصيل وحبل سري" لاسيما ان معظم الشخصيات نساء ولابد من أن تجاري القاصة تحديث المشاعر بما يتناسب وحجم المعلومات التي تضخها وسائل الإعلام حول الجنس والمرأة والسوق والجسد. والملفت للنظر أن القصص لم تقل كلمة سياسية واحدة ولم تتعكز كالبقية على الأحداث الكبيرة التي تمر بها المنطقة لكن قصصها مشبعة بالسياسي وبما يجري تراه وتشعر به وتقوله الألسن وتفرزه الحالات وهذه النغمة الدفينة لوحدها تجعل هذه المجموعة متميزة.

 وبعد يمكنني القول أن أفضل قصص المجموعة ثلاث)(حلم واقعي.. إلا قليلا و الليل أحلى وحزينان).

 

 

 


في ذكرى صديق غائب معنى ترويض التاريخ

جمعة الحلفي

إذا مات العراقي، لأي سبب كان، في هذه الأيام، هل سيعتبر ذلك من سوء حظه أم من حسن طالعه؟ سألتُ صديقاً هذا السؤال، على سبيل المزاح، وكنتُ أقصد به، ذلك القدر المأساوي، الذي عاشه ويعيشه العراقيون، وما ينتظرونه اليوم،  كما ينتظر الأعمى من يأخذ بيده، وهو لا يدري هل سيساعده، فاعل الخير ذاك، على قطع الشارع أم سيدفع به إلى الهاوية.

لم يجبني الصديق عن سؤالي الساخر والمرير، واكتفى بابتسامة غامضة، هي الأخرى، لكنني سرعان ما اكتشفت أن ذلك السؤال العابر، إنما كان حدساً مشؤوما بموت صديق عزيز وكاتب مدهش في دأبه وبحثه عن الحقيقة.  لقد مات علي كريم سعيد في لحظة رمادية من حياة العراق، وكان عليه أن ينتظر قليلاً لكي يرى ما سيؤول إليه عراقه المثخن الجراح، الذي حاول كثيراً وطويلاً، بعدّة المناضل حيناً والباحث حيناً آخر، أن يداوي بعضاً من جراحه القديمة.

مات علي كريم سعيد، الذي قضى آخر سنوات عمره المغدور، وهو (يبحّوش) في تلا فيف نصف القرن الماضي من حياة العراق السياسية، عن كل ما أوصل هذه البلاد، المسكونة بالخوف والرعود والمنايا، والآمال أيضا، إلى حالتها الراهنة، لكي يثبت لأصحاب الشأن، ممن أورثونا لوثة الأحقاد والضغائن والكآبات وأمراض التعصب والقناعات المغلقة، أن تلك العقود المريرة، التي ذهبت هباء من حياة العراقيين، كان يمكن لها أن تكون عقود رخاء ورفاهية واستقرار، لو أنهم كانوا أقل عنفاً ودموية  في صراعاتهم، وأكثر مرونة وواقعية وتفهماً لاختلافاتهم وتنوعاتهم ومذاهبهم الشتى.

وإذ لم يلتفت كثيرون لمعنى ترويض التاريخ وإعادة كتابته بروح مخلصة لنقده تاريخياً، وتخليصه من ركام الشوائب والحزازات وسوء الفهم، باعتباره ماضي المستقبل، فقد تولى علي كريم هذه المهمة العسيرة عن رهط طويل من صناع تلك الأحداث الدامية وضحاياها معاً. وكان أكثر أقرانه جرأة على إعادة نبش القبور ووضع الشارات المناسبة على صدور الموتى، شهداء كانوا أم جلادين. وكان يحاول، كلما دخل حقل ألغام من حقول ذلك التاريخ، القابع كالذئب الجريح في عقول ونفوس الكثيرين منا، تشريح ما يمكن تشريحه برهافة جرّاح أكثر حرصاً من المريض على حياته الباقية، وأكثر حذراً على تجنب ما قد يعيد إنتاج الكارثة بلبوس جديد.

مات علي كريم سعيد ولا أعرف ماذا أقول بموته، فأنا لم أعده أبداً بإن أكتب عنه مرثية، بل كنتُ وعدته فقط أن أكتب عن كتابه الجديد (البيرية المسلحة وحسن سريع) الذي شعرت، عندما صدر، وكأنه كتبه نيابة عني، ليس لأنني كنتُ أستبعد موته ـ موتنا، في أية لحظة، بل لأنه كان نشطاً وحيوياً وفعالاً إلى درجة لا يمكن أن يتصور المرء معها أن هذا الإنسان يمكن أن يموت هكذا بكل هذه البساطة والعفوية والسرعة.

كان علي كريم من عشاق الحوار والتحاور، مع أي كان وفي أي موضوع، ولذلك كان يقترح علينا، كلما زارنا في المنتدى الثقافي العراقي بدمشق، دزينة من الندوات والطاولات المستديرة وجلسات البيوت، لمناقشة الكتب الجديدة والأفكار والتطورات، بمناسبة ومن دون مناسبة، وكأن لا همّ لديه غير هذا.

مات علي كريم سعيد، إذن، بعدما أتعبه الحوار وأرهقه البحث عما أوصل العراق والعراقيين إلى هذه النهاية الكئيبة والعجيبة، المفتوحة على كل ألوان الاحتمالات. مات وهو يحاول أن يجمع شظايا الحقائق من حقول الألغام ومستنقعات التناحر والتعصب، فكان أشبه بأولئك الذين يغربلون مياه الأنهر الراكدة، بحثاً عن ذرات الذهب. وكان يقول لي، وهو مؤمن بما يقول: لو أن العراقي ينصت جيداً إلى منلوغاته الداخلية اليومية، لوجد فيها حواراً قد لا يقبله مع الآخر، أو من الآخر، فالإنسان، كما يقول علي كريم، مختلف في ذاته ومع ذاته، وهو دائم السؤال مع نفسه ودائم البحث عن أجوبة وعن حلول وعن توصلات، فكيف به مع اللآخر، أو ما أجدى حواره مع الآخر.. وكان يختم وهو يتأفف.. كيف أوصلونا إلى هذه الهاوية؟

عندما أنجز كتابه الأول (أصول الضعف) كان حريصاً على أن يناقش من يقرأ الكتاب وأن يشرح له فكرته الأثيرة والمستحيلة، التي كان يريد بها تلطيف علاقة الإسلامي بالعلماني والجمع بينهما في كفاحهما المشترك ضد الدكتاتورية، وإثبات أن الشورى هي الديمقراطية ولكن برداء آخر، لكن فكرته كانت تصطدم دائماً بعصبوية الطرفين.

وعندما أنجز كتابه عن ذكريات طالب شبيب، وزير خارجية حكومة شباط63 ، مقلباً معه صفحات ذلك التاريخ، الأكثر التباسا واختلافا ودموية، في حياة العراق والعراقيين، كان مضطراً لمزيد من الشروح والإيضاحات، لأن ما أثاره، في ذلك الكتاب، لم يعجب أطراف ذلك التاريخ المشؤوم، ضحايا كانوا أم سافكي دماء. بيد أن علي كريم كان أميناً للحقائق أكثر من أمانته للصداقات والإخوانيات والعصبويات. ولأنه كان يغرد خارج الأسراب، فقد اختار، قبل رحيله بسنوات، موضوعاً لم يجرؤ أصحابه على الغوص فيه. فمن يخطر على باله أن يكرّس سنوات من عمره وجهده للبحث عن أصول وفصول وحياة واحد من الأبطال المغمورين في حياة الشيوعيين العراقيين ؟

هكذا كان كتابه عن حسن سريّع، قائد انتفاضة معسكر الرشيد (1963) أسطع برهان على نزاهة البحث التاريخي لدى علي كريم سعيد، وأبهى دليل على تخلصه من عصبوية السياسي وروحه الثأرية المقيتة.


حيوات مؤجلة

سهيل ياسين

معافى كالآخرين، أخطو بساقين اثنتين، متهادياً دونما عكاز أو عصا معقوفة عند كفي، هكذا أبدو لمن يصادفني وأنا أحث خطاي الوئيدة الموقرة، إلا إن الحقيقة هي ليست كذلك، فإني غالباً ما أسعى إلى التمويه والتضليل، في دأب وحركة لا تكاد تكون حسبما اعتقد، لافتة للانتباه وللمتلصصين، من ذوي الفضول، تجاه ساقي المخفية بعناية فائقة، تحت بنطالي الفضضاض أتحاشى المرور بالكثيرين، أمثال صباغي الاحذية. لأنهم من الوحيدين الذين ينظرون إلى الاسفل، أسفل يميني الذي أخشى الكشف عنه، إنها ساقي الحديدية أول رجل صناعية، أجنبية، وطأت أرض البلدة في أرجح الظن، لا يمكنني الاستغناء  والتخلي عنها فهي وسادتي في الليل احياناً كما في النهار، حينما يطرحني جانباً فرط المسافات، متعباً الوذ في احيزة، منزوية يملؤها السكون المشوش دوماً.

تحسباً للطوارئ وتحوطاً للأمان، استعرت عكاز جاري الخشبي، الليلة البارحة بعد ان سمعت صريراً خافتاً في أعلى ساقي، وها أنذا أغد السير على ثلاث غير مبال بافتضاح أمري أو شاعراً بالضيق والحرج من ساقي الجديدة الثالثة، نهار آخر يكاد ينتهي في البحث عن اشياء تتعلق باصلاح ساقي المعدنية القديمة المقلقة، نهار يتضاءل بعد ايام كاملة، مضاعة في اسواق الخردة، أفتش عما ينقصها وحاجات قد تغدو بين عشية وضحاها صعبة المنال، أو ما يمكن أن تفتقدها لاحقاً، أتقفى اشياء قد تبدو بالغة التفاهة لغيري، معدات بسيطة، فواصل وحلقات دقيقة، نوابض ومشدات خاصة. الاسواق تعج بباعة ومشترين بتبادل بعضهم حاجات شبه محطمة، أذرع واكف بلاستيكية كراسٍ ذات عجلات، فروات رأس مستعارة، أطقمة اسنان مكشرة، فرادى احذية ملمعة، فجأة انطلقت اصوات غريبة، تعالى صداها طاغياً، اعقبها صياح ونواح نسوة، هرع كثيرون، اقحاح من اهالي البلدة زوار وغرباء عابرين.. في ارتباك كائن نطاط اضطربت في اعقابهم خطاي بفعل لواحقي المثقلة، بالكاد وبلغت الباحة الضيقة، المكتظة، توقفت منصتاً عند حافة الزحام، هدأ العويل والصياح ليسري انيناً خافتاً ومفجعاً بين النساء والرجال، بكى الجميع، منسلين واحداً إثر آخر من عنق الباحة، همست في أذنى أمرأة:

"ما أتعسها.. مسكينة.. ولقد وضعت طفلامشوهاً..!!"

كدت أقول بعلانية: "ليس غريباً هذا في بلدة لم تعد تنجب سوى المعاقين أمثالي.."

أصوات مدوية مسموعة في الجانب الآخر، اعيرة نارية، خفيفة ثقيلة هل بدأت فعلاً.. ماذا لو حانت.. كل شيء سيتداعى بعنف حتماً، لن انجو منها بساق واحد هذه المرة.. غالباً ما كنت أول الملتحقين بجمهرة المنطلقين.. قريباً أو بعيداً، منقاداً بدوافع ورغبات حمق أو فضول طفولي إلا أن الأمر إختلف كثيراً، خاصة بعد الذي حدث.. فلمجرد أدنى نأمة، لا أدرك كيف انقل خطاي، أدور على نفسي، مدفوعاً بتوجسات واتجاهات شتى، لا أعرف ماذا أصنع، كما هو الآن، أنا الذي ينبغي ألا أخشى شيئاً، فليس هناك أسوأ مما حدث، لا داعي للخوف والقلق ما دمت لا أمتلك ما افتقده سوى ايام خاويات، ملفوفة بانتظارات مملة، مريعة، وكل ما تبقى محض أوهام وخيالات هذا هو رأيي، لن اكتمه على احد وإن لم يجعلني أكف تماماً عما أفعله، بين فترة واخرى ناقلاً كياني المختل بساق من حديد، حاملاً ملفاتي الطبية، دائم التردد والزيارات، بين عيادات الاطباء والمستشفيات، في أمل متعام، بما تبقى ويقين شاحب يتنازعني في كل لحظة، كأي مخلوق موشك على نهايته العاجلة، من دون أدنى شك كالشيوخ المعاقين، المسنين على عجل.. الاصوات القديمة ذاتها تلاحقني، تختلط بالاصوات الثقيلة الدانية، أتداعى منهمكاً بين محوى وصحوي، دوي مدافع واصطخاب طائرات ينمو ويعلو بانين قذائف لانفجارات وشيكة في ذاكرتي، أهدأ بعض الشيء، أراني انهض هناك، أسير دون أرجل، اعدو، أطير بلا أجنحة، تأخذ بيدي أطياف بأردية بيض، عابراً خلاءات موحشة باردة، بدعوتي رجل، كأنه يعرفني:

(-أهلاً بك وإن جاءوا بك سهواً.. ما زال الوقت مبكراً..)

(-لا أظنني أنا المقصود.. اليس كذلك؟!)

(-على اية حال، قدرك أن تكون هنا وهناك، في آن واحد معاً.)

اصحو على دوي حقيقي عال يتجدد، ارتجاجات هائلة تفزعني. ينبغي أن اثق هذه المرة، ها هي الاصوات تستبق رجعها المتكرر، تمحو السكون، اصوات شديدة تتلاحق، تمتزج اكثر فاكثر في ضجيج الذاكرة، يا الهي لقد عادت حقاً، ليس ثمة مجال للشك أو الفرار، طالما ستكون شاملة، على اية حال ستدركني، ستأخذني دون صراخ وأنين، اعدو بقوة وخفة لم اعهدها من قبل، عاجلاً أم آجلاً ستنالني بلا رحمة، تلك الحقيقية الوحيدة التي كنت اخشاها فعلاً، ارفع صوتي منادياً، اسقط مغمياً على نفسي، استرد بعض صحوي، اياد حانية توقظني، لغط غامض يحيطني، اكاد اسمع ما يشبه النداءات القريبة البعيدة!

-أفق يا شيخ.. إنهم يطلقون النار ضد من يمشي على اربع.

-انهض يا حاج انهم يبيدون الكلاب السائبة.


بمناسبة الترجمة الجديدة لعدد من أعمال هيرمان هيسه الى الفرنسية ذئب السهوب يعوي وحيدا

ترجمة جودت جالي

كان عمل هيرمان هيسه هذا بمثابة كتاب صلوات لجيل الهيبيز (جيل الستينيات والسبعينيات رفضوا الأخلاق والتقاليد الغربية السائدة وآمنوا باللاعنف - المترجم) هو و(سدهارتا) وميوله البوذية، اضافة الى (لعبة الكريات الزجاجية ) وهي رواية تنبؤية ونقدية لمجتمع غربي مقيد بترفه المذل. لأن الرواية قد أعتبرت  كأي مادة للأستهلاك، من نوع صناعة الجاهز الذي يمكن أن يعتق كتنورات وودستوك الطويلة، فهذه الترجمة الجديدة لذئب السهوب هي اليوم مناسبة لإعادة اكتشاف هذا النص ولتحرير المؤلف من التصنيف الذي حبس  فيه.

ولد في ألمانيا عام 1877 وأصبح سويسريا عام 1923 وتوفي في لوغانو عام 1962. مؤمن بالسلام ومعارض للنازية نفى نفسه دون أن يتنكر لألمانيا ولا أعفى نفسه من تعاستها وجرائمها .كان شاهدا واضحا ومبدعا صريحا ومحترما وقد كوفيء بجائزة نوبل للآداب عام 1946 .

أراد والداه أن يصبح كاهنا ولكن قدره وحبه كان الكتابة فهرب من المدرسة الأكليريكية وهو في سن الخامسة عشرة ، وبعد مزاولته لبضعة أعمال صغيرة وكتابته لمحاولات شعرية مقطوعة عن الرومانسية بشكل سيء أكتسب شهرة في سن السابعة والعشرين بروايته (بيتر كامينزيند). البطل الذي أتخذ الكتاب أسمه عنوانا له شاب جبلي يهجر مناظر طفولته الى المدينة المنتزعة من الطبيعة ويسكنها أناس بأرواح كسيحة وعذابات لايمكن فهمها. هذا الكتاب (المهم جدا بنظري) حسب كلمات فرويد قد وازن في صفحاته بين أزدواجيته الممزقة وأزدواجية جيرترود عام 1910.

جعل منه رفضه الذي لايلين لتفجرات الحقد المتمثلة بالحربين العالميتين سلطة أخلاقية على مثال رومان رولان وأندريه جيد وستيفان تسفايج وقد تبادل معهم رسائل معبرة عن آلام ويأس مثاليين ومراقبين على هامش عالم يتمزق، وبوصفه قارئا لأضمحلال الغرب وفكر شبينغلر بحث عن حكمة أخرى فمد بصره نحو آسيا التي كان يمت اليها بقرابة ما أذ أن أمه ولدت في الهند لأب تبشيري ومستشرق واسع الأطلاع. أن نزعات الزهد في نصوصه على مثال دميان في الرواية التي تحمل أسمه تنبذ مجتمعا ماديا تماما كما فعل هاري هالر بطل ذئب السهوب التي ظهرت عام 1927.

هذا الشخص الذي في سن النضج و المستغرق في نشاطات أدبية مبهمة يستقر في مدينة ليس لها أسم . هناك يدون في دفاتره الصغيرة كل تناقضاته، بعده عن مجتمع غارق في المادية يصطدم بميله الى الترف البرجوازي في مزيج من ضعف الأرادة والتصميم (في داخلنا ذئب سهوب ضل طريقه، في مدن حيث الناس يعيشون حياة القطيع، لايمكن لأية صورة أن تمثل الأنسان تمثيلا أكثر توفيقا من هذه الصورة، وهوفي عزلته القاسية وشخصيته المتوحشة، وقلقه، وحنينه الى وطن ضائع).       

هذا المتذوق للجمال والمتقشف والعقيم في الوقت نفسه يقرر تحديد يوم أنتحاره للهرب من الشخصيات التي يشتمل عليها، الشخصيات المتنافرة والمفترسة. عندها قابل عاهرة تسخر من غرور أدعاءاته وتحاول التوفيق بين متضاداته وأن تقوده الى حقائق جسدية وروحية أقل مانوية. تظل قضية الصراعات التي تحصد روح هالر غير محددة. الروائي يختار الإضمار. (ذئب السهوب جعلتني أتعلم القراءة من جديد) هذا ما قاله متحمسا صديقه توماس مان في رسالة الى المؤلف عام 1928.

في الحقيقة أن النص يمازج بين نبرات ومستويات شديدة الأختلاف، يوميات هالر، ذكريات الراوي، واقعية في وصف التلميعات البرجوازية الداخلية أو واقعية في هلسنة بصرية ليلية أو تهربية لختام ينفجر مثل لوحة لجورج غروتس (1893-1969 رسام ومصمم ألماني سخر من الحرب وصور بشاعتها في تصاميمه ورسومه، عاش في الولايات المتحدة مهاجرا -المترجم). أذا كانت تحليقات شعرية حياتية معينة تبدو أنها ذابلة زمنيا، أو مراهقة، فأنها جميعا تقريبا شيء من قبيل حلقات دخان مؤفينة، نوع من اللاواقع، رفض ليس ببعيد عنا. موزارت ينصح هالر (لابد لك أن تدرك جزء الدعابة التي تحتوي الوجود ، جانب دعابته السوداء ) في الختام الهذياني للكتاب.

من هذه التمزقات التي أفقدت البعض حياتهم  حاك هيرمان هيسه عمله. هكذا كتب الى والد شاب أنتحر بعد أن قرأ (ذئب السهوب) قائلا (لايكفي أن نشدد على تفاهة القيمة التي تربطنا بأشياء كالحرب والتقنية وحب المال والقومية... الى آخره. بل يجب أن نكون قادرين على أستبدال عبادة الأصنام المعاصرة بأيمان ما).وهذا الأيمان عند هيرمان هيسه هو الأدب دون شك .

عن الفيغارو الأدبية


الصوفي وتجاوز الانتماءات العرقية أو العقدية

أن طرح موضوع التصوف هو ضمنيا استجلاء إنسية الإسلام واستخلاصها بالنسبة للمثقف وهو يشق طريقه لقراءة تراثنا الروحي.بهذه الكلمات دعا حسن اوريد مدير مركز طارق بن زياد ، في كلمة له استهل بها ليلتي (24 و25 من رمضان للتفكير في موضوع "ماهية الصوفية" نظمهما مركز طارق بن زياد ومؤسسة كونراد أديناور،وقال أن على المثقف أيضا في معركته ضد الخرافة أن يعتمد العقل أداة لقراءة التراث قراءة نقدية مستشهدا بقولة فولتير "الخرافة هي أم التعصب وأداة الغلو". واعتبر أن الإسلام موضوع اهتمام متباين لا بصفته دينا فقط بل لحام حضارة أو إيديولوجية، يرى عن صواب أو خطأ، أنها والحضارة التي يتزعمها الغرب على طرفي نقيض مشيرا إلى أن الإسلام فاعل في العلاقات الدولية، أو هكذا ينظر إليه، وهو مؤثر في الديناميات الداخلية للدول الإسلامية.

ويحدد الإسلام أيضا - طبقا  لحسن أوريد - "هويات جماعات مقموعة، مثلما يلهب شعوبا مهضومة فيكون حافزها للنضال والمقاومة... وهو الإسلام، في غمرة هذه الصور النمطية التي يصوغها الآخر، من يدفع إلى أعمال همجية لا ترعى للكرامة الإنسانية ذمة.. إن الإسلام لدى الآخر أو الآخرين يبعث على الرهبة والخوف..إن الإسلام أو المسلمين متهمون إلى أن يثبت العكس ..". وأبرز أن "هذه الصور النمطية السائدة تظهر بين حين وحين نزوعا إلى التميز ورغبة في المعرفة.. ترى أنها من الحيف أن يحكم على الإسلام من خلال أعمال أقليات هي أبعد ما تكون عن التوجه العام للمسلمين، مثلما لا يسوغ أن نحكم على المسيحية وعلى المسيحيين من خلال محاكم التفتيش..". واعتبر مدير معهد طارق بن زياد أن هذه النظرة المميزة - من الغرب - ترى أن "الحضارة الإسلامية، شأنها شأن كل الحضارات، أفرزت وجها إنسانيا متألقا، وأفرزت كذلك جانبا كالحا متعصبا".

وأوضح الباحث أن هذه النظرة تدعو إلى التمييز بين "وجهين للإسلام" - وهو عنوان كتاب صدر قبل سنة ونيف لستيفان شفارتز- ترى أنه عبر تاريخ الحضارة الإسلامية تعايش اتجاه ذو نزوع إنساني يعتبر التصوف جانب منه، واتجاه متعصب متشدد هو الذي ألهب الحركات المغالية من الخوارج إلى القرامطة إلى الإسماعيلية . وخلص حسن أوريد إلى أن هناك فكرة مسبقة إيجابية حيال التصوف، وهناك اهتمام لتجلياته الإبداعية: نصوص أقطابه، وموسيقى أصحابه، وأذكار مريديه ورقصات دراويشه مشيرا إلى أن هذه النظرة السمحة قد تقترن بقراءات اختزالية تبسيطية. ودعا السيد إلى عدم الركون "إلى الآخر لصوغ ذاتنا وأن نعتبر تصوره علينا محددا لهويتنا..إن ذاتنا هي ما نصوغه نحن، من خلال تفاعلنا مع محيطنا دونما تنكر لجذورنا". وقال "إنها لعملية شاقة، طويلة، إذ تحفها عقبات عدة، من واقع لا يزال الجهل والفقر والظلم جاثما عليه ولا تزال الخرافة مهيمنة عليه، من نظرة مختزلة للآخر تصاغ من خلال حروب وصور وتصورات تدعمها آلة دعائية رهيبة، من هروب مثقفين من أبناء جلدتنا وتنكرهم لهوياتنا ومحدداتها وقيمها، فتراهم يدعون إلى أن هناك مرضا لصيقا بالإسلام إلى دعوة غريرة لإيجاد حل سحري بالدعوة إلى الملائكية".

وشدد أوريد على الحاجة إلى أن "نقف عند هذه التجربة الرائعة، تجربة السالكين والذاكرين والمريدين، الذين صاغوا في الماضي تراثا عالميا وتجربة إنسانية يعتد بها.. كانوا في عمق المعارك التي اعتورت مجتمعاتهم لم يتنكبوا عنها أو يتنصلون..". وأشار المحاضر في هذا الصدد إلى مقاومة الأمير عبد القادر وذوده عن أرضه وحوضه وحمايته لمسيحيين بدمشق من تهديد الدهماء بالقتل، ونهج المصلح الفذ والمتصوف محمد عبده، التي تهيؤ الذكرى المائة لوفاته، لطريق السالكين، وكذا وقوف المختار السوسي وهو الدرقاوي في لب المعارك التي عرفها المغرب في فترة الاستعمار.. وختم حسن أوريد بقوله "وقس على ذلك سابقة الحسن اليوسي، وقس على ذلك أعدادا لا تعد ممن يسمون بأهل الله" في تراثنا الشفوي، وقس على ذلك أعمالهم التي لا تحصى في أعمال البر والإحسان .. أو ليس الإحسان هو مدار التصوف.. أو ليس هو أسمى مراتب الإسلام..". ويذكر بأنه شارك في الليلتين، اللتين احتضنتهما دار المريني، عدد من الأساتذة والمفكرين والباحثين في مجال التصوف من ضمنهم نزهة برادة وزكية زوانات وفوزي الصقلي وجعفر الكنسوسي وعادل حجي ومحمد الرحماني بنشارف.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة