|
إسرائيل والولايات المتحدة وعصر
الإرهاب
بقلم- روجر كوهين
خلال فترة ولايتها
الاولى آمنت إدارة (بوش) ان الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد.
وحتى قبل احداث الحادي عشر من ايلول وان كان الأخص ان نقول
بعدها ضربت هذه الادارة مما اصطلح عليه العملية السلمية عرض
الحائط حيث نظرت إلى تلك العملية على انها مصطلح مرادف او
رديف لثرثرة شرق اوسطية عقيمة. وكان المنهج الجديد صارماً:
ان التحول الديمقراطي الاقليمي الذي يبدأ منه العراق ويمتد
للسلطة الفلسطينية الموحدة بالفساد والارهاب وحده الكفيل
بفتح باب السلام، امام تسوية اسرائيلية فلسطينية.
ولكن مع رمز هذا
الفساد (ياسر عرفات) الذي يرقد الآم فاقداً الوعي في مستشفى
في باريس ومع غوص العراق في الصراع وضغط الاوروبيين لصدور
بادرة من (بوش) الجديد وصور العنف في غزة التي تغذي مشاعر
معاداة الامريكان في العالم الاسلامي كل هذا ادى إلى طرح
سؤال الاسبوع الماضي كما يلي: ألم يحن الوقت بالنسبة للإدارة
لتعديل موقفها أو اسلوبها تجاه اسرائيل وان نضع السلام في
القدس اولاً؟
يبدو ان هناك
مناسبتين حصلتا في آن واحد. مرحلة ما بعد عرفات والولاية
الثانية لـ(بوش). ووعود كليهما بشأن الشرق الاوسط وما خلفه
من حرب على الاهاب قد تتلاشى وتزول ان لم تؤد الازمات
المختلفة إلى سياسات مختلفة.
وعلى العموم ومن
الناحية التاريخية فان احتضان (بوش) غير المتحرج لاسرائيل
(إرييل شارون) يمثل شذوذواً. فانبثاق الدولة الصهيونية في
1948 صاحبته ازدواجية في القبول في واشنطن حيث وقف وزير
الخارجية (جورج مارشال) ضد الاعتراف الفوري الذي اعطاه
الرئيس (هاري ترومان)) لاسرائيل.
ثم جاء الدعم
السوفييتي للانظمة العربية الراديكالية اثناء الحرب الباردة
فأزال بصورة بطيئة عدم التيقن الامريكي حيث حلّ محلّه دعم
فعال لاسرائيل. غير ان المساعدات لم تكن غير مشروطة.
وبعد حربي عام
1967 و 1973 اصبحت الولايات المتحدة الوسيط الاكثر صدقية في
مسـألة "الارض مقابل السلام" وهو موقف تطور خلال فترة رئاستي
(بوش الاب) و(كلينتون) ليشمل اجراءات تستنهض الطرفين كليهما.
وربما يكون من المحتم ان تعود عقارب الساعة إلى الوراء
لتكرار تلك الحالة.
غير ان حجج الوقوف
ضد أي تغيير في السياسة تظل قوية وتستند اول ما تستند إلى ان
المنهج الحالي ناجح وان هجمات الحادي عشر من أيلول غيرت
العالم وعرضت الولايات المتحدة بصورة مشتركة للهجوم والضرر
والى ما اطلقنا عليه هما مشتركاً لتحطيمه.
وبعد ثلاث سنوات
قام رئيس الوزراء (شارون) وبدعم شديد من (بوش) بكبح العنف
الفلسطيني فأهلك معظم قادة حماس واوضح ان طريق الحل العسكري
يقود الفلسطينيين إلى طريق مسدود. وحتى قبل انهيار صحة عرفات
فقد ادى حكمه إلى نفس النتيجة وهو ما أثار جدلاً داخلياً حول
اسلوب حكم وقيادة الفلسطينيين.
اما المؤيدون
المحافظون (بوش) فقد استهزأوا بالاقتراح الذي احتضنته
العواصم الاوروبية والعربية والذي يقول ان أي انحدار باتجاه
اسرائيل والفشل في التحرك نحو تسوية قد يشكلان عوامل فريدة
لإذكاء التطرف المناهض للأمريكان الذي يولد في النهاية
الإرهاب.
ويقول (ماكس بوت)
باحث كبير في مجلس العلاقات الخارجية في (نيويورك): أنه من
الوهم التصور، ان ثمة تغييراً في سياسة الشرق سيؤدي إلى
احداث اثر على الارهابيين" ثم يضيف قائلاً: السنوات عديدة
ركّز (بيل كلينتون) وكأنه ناعور على التسوية الاسرائيلية
الفلسطينية فهل منع ذلك بن لادن من تخطيطه لتدميرنا؟
ان هؤلاء الناس
يريدون إزالة اسرائيل من الوجود وعليه فليس من سبيل للتكيف
معهم".
وفي ضوء وجهة
النظر هذه ربما ضرب (بوش) و(شارون) عرض الحائط بالعملية
السلمية ولم يقيما لها وزناً غير انهما حققا قدراً من السلام
أو في الاقل هدوءاً سلمياً نسبياً. ويذهب المحاججون إلى
القول إن (بوش) بتركيزه على تغيير الانظمة التي جعلت من نزعة
كره اسرائيل غطاءً تبعد به الانظار عن مشكلاتها الداخلية.
ومهما كانت
التعديلات التي سيجريها (بوش) على طاقم حكومته بولايته
الثانية فإن هذه الحجج ستظل ذات ثقل ليس أقل من انها وجدت
لها صدى في اعراف ومصطلحات السياسة الداخلية.
وقد يُخامر (بوش)
ميل شخصي للاستجابة إلى اصرار رئيس الوزراء البريطاني (توني
بلير) في رسالة التهنئة بعد الانتخابات بأن السلام
الاسرائيلي الفلسطيني "وهو التحدي الفريد الاكثر الحاحاً في
عالمنا اليوم". غير ان مشهد (بوش) السياسي الخاص به- الذي
اكتمل بالتبشيريين المسيحيين لاسرائيل واليهود الذين صوتوا
له في (فلوريدا) يختلف تماماً عن المشهد السياسي لحليفه
البريطاني.
ومع ذلك فإن تصادف
قيام إدارة ثانية لـ(بوش) مع تغيير حتمي في القيادة
الفلسطينية على ما يبدو قد جعل من تعديل دور امريكا في الشرق
الاوسط محتماً.
وقال (بوش) في
الخطاب الذي ألقاه في الرابع والعشرين من حزيران وهو يطرح حل
الدولتين الذي اصبح يعرف بـ(خارطة الطريق) من اجل تحقيق
السلام ومن اجل اقامة دولة فلسطينية لا بد من قيادة مختلفة.
وإني ادعو الشعب الفلسطيني لاختيار زعماء لا يساومون على
قضية الارهاب.
ويبدو ان الحل
لمسألة القيادة هذه او في الاقل اجراء تغيير قد اصبح وشيكاً.
أما على مدى
السنوات القلائل الماضية فقد اعاق الولايات المتحدة تناقضان:
هما عدم الاعتراف بياسر عرفات كزعيم دولة وفي نفس الوقت
القيام بالدور النهائي لزعيم الدولة- وهو التنازل لمصلحة
قيادة اصغر سناً.
وعليه فليس من
المدهش ان لا يحدث أي شيء في رام الله.
ويقول (جوناثان
إيال) خبير بريطاني في السياسة الخارجية" لاح الآن في الافق
طريق جميل امام الولايات المتحدة لترتبط ثانية وعلى (بوش) ان
يحاول التأكد من ان الفلسطينيين الصحيحين يتسلمون السلطة وان
الاصلاحات الاقتصادية والادارية في الضفة الغربية وغزة تدفع
نحو الامام".
اما من هم هؤلاء
الفلسطينيون فلم يتضح بعد. ويحتمل ظهور فوضى بصورة محتّمة إذ
قد تسير كل من غزة والضفة الغربية في طريقين مختلفين ويمكن
ان يصبح للجماعات المتطرفة اليد العليا. وقد تكون بداية هذا
الهرج والمرج مع ظهور السؤال المحير حول أين يدفن عرفات
(وتباً له من ثمن يا قدس!).
غير ان هنالك
احتمالات غنية ومتنوعة في جعبة رئيس الوزراء (أحمد قريع)
ورئيس الوزراء الاسبق (محمود عباس) ومدير الامن السابق
(محمود دحلان) والفلسطيني المعتقل المفضل (مروان البرغوثي).
كما ان الحاجة لمساعدة امريكية لتنظيم انتخابات فلسطينية
السنة القادمة تبدو ملحة. وبدون تصويت كهذا تظل شرعية القائد
الفلسطيني منقوصة تماماً كما هو حال شرط الاستقرار لاي
انسحاب اسرائيلي مخطط له من غزة.
غير ان انخراطاً
كبيراً في السياسة الفلسطينية لن يحقق الكثير دون اجراء
مراجعة للسياسة تجاه اسرائيل. وعندما بدأ (شارون) عام 2003
وكأنه عثر على محاور فلسطيني معتدل وهو السيد (عباس) الذي
احتضنه (بوش) فإنه (أي شارون) لم يبذل الا القليل او لا شيء
بالكامل لمساعدة رئيس الوزراء الجديد وهو ما اظهر تفضيلاً
لسياسة تحدها الاجراءات الاسرائيلية (كبناء الجدار الفاصل
مثلاً) على المفاوضات.
ويقترح السيد (عبد
المنعم سعيد) مدير مركز الاهرام للدرسات الاستراتيجية في
القاهرة ان يتوجه (بوش) إلى (شارون) ويطرح القضية بهذا
الشكل: لقد وقفنا يا (أرييل) وحان الوقت لك الان ان تساعدنا
فالمعتدلون الفلسطينيون لن يفوزوا ما لم تهيأ لهم الفرصة
الحقيقية للتفاوض على تسوية وهذا في مصلحتك حيث دفعنا دعمك
في هيئة مقت تخلل العالم العربي وعليه فمن مصلحتنا ايضاً
اعطاء دفعة لذلك نحو الامام.
غير ان السيد سعيد
أضاف قائلاً: عندما اتبصر في احتمال كهذا اشعر احيانا وكأني
في حلم يقظة ولا اعتقد ان (بوش) يدرك ان 50% في الاقل من
الكره لامريكا مرتبط بـ(اسرائيل) فليس لامريكا من تاريخ
استعماري في هذا الجزء من العالم. انه دعمها المشروط
لاسرائيل ذلك الذي يضر. ان الدعم الامريكي (لاسرائيل) يظل
سراً غامضاً بالنسبة للعرب كما يجدص الان في اوروبا جانحة
اكثر نحو احتضان مأساة الفلسطينيين من الحرب لمصلحة شعب
يهودي متجاسر او متطاول يعيش على ارض فضية في ديمقراطية شرق
اوسطية عزلاء. والحقيقة انها لميزة مثيرة في تاريخ الصراع ان
تبدأ بفرنسا باحتضان اسرائيل في الخمسينيات حين احجمت امريكا
ثم انحسر دعم فرنسا حين اشتد دعم امريكا.
ويكمن وراء التحول
عوامل عدة من بينها المغزى الذي لعبته المحرقة النازية في
الحياة الامريكية وتركه الحرب الباردة ثم تأثير الجالية
اليهودية المتزايد في امريكا ثم يأتي أحدث هذه العوامل وهو
احساس برص الصف في وجه صراع مشترك في اعقاب صدمة هجمات
الحادي عشر من أيلول.
ان هذه الاسس التي
شكلت دعم امريكا لـ(اسرائيل) ستستمر في اغلب يقين بما يفوق
حسابات الثمن حتى مع محاولة اسامة بن لادن الشهر الماضي
تبرير هجمات بالاشارة إلى "ظلم وطغيان التحالف الامريكي
الاسرائيلي ضد اهلنا في فلسطين".
وبعد ان قلنا ذلك
يبقى السؤال المطروح اليوم: "كيف يقاس حجم الدعم إلى
اسرائيل؟ هناك اشارات صغيرة تراقب عن كثب في هذا المنعطف
المحوري. وعلى افتراض ان عرفات سيتوفى فإن هناك قضيتان
حاسمتنا: ما الموقف الذي تتخذه الولايات المتحدة حول رغبة
ياسر عرفات في ان يدفن في القدس؟ ومن ترسل الولايات المتحدة
لحضور جنازته؟
هنالك الكثير من
خبراء الشرق الاوسط في طاقم (بوش) ومن بينهم (أيليون ابرامز)
في مجلس الامن القومي الذين يميلون إلى معاملة عرفات بما لا
يختلف الا قليلاً عن السيد (بن لادن). واذا صارت الغلبة
لوجهات نظر هؤلاء فإن مرحلة ما بعد عرفات ستبدأ في الاغلب
بدون الاشارة إلى ما يسعى اليه (بلير) كبداية جديدة.
ان بغداد ستكون
لها الغلبة على القدس في ضوء احتمال عدم نجاح نقطة للبداية
لسلام اقليمي.
ترجمة- كاطع
الحلفي
عن - نيويورك
تايمز
|