استراحة المدى

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فرحة العيد مؤجلة في الرمادي

احمد عبد القادر

العيد هذه الكلمة الساحرة التي تبعث في النفوس نشوة لا مثيل لها، ولا تكاد امة تخلو من اعياد، هي بمثابة استراحة جميلة من متاعب الحياة واحزانها.

للعالم الاسلامي اعيادٌ كثيرة اشهرها عيد الفطر المبارك وعيد الاضحى، حيث يأتي الاول بعد ايام صيام رمضان والثاني بعد الحجّ، فماذا يمثل العيد للناس في هذا الوقت المشحون بالفوضى، المثقل بالموت والخراب والدمار، بعد ان كان الناس يرون في العيد مناسبة للقاء الاحبة والزيارات المتبادلة بين الاصدقاء لابسين ابهى حللهم، متفائلين بالغد المشرق، وتاخذ الاطفال فرحة غامرة بملا بسهم الجديدة وعيدياتهم الممنوحة من الاهل والاقارب حيث مدينة الالعاب تشكل الحلم  السعيد لاي طفل بريء لا يرى في الحياة الا لهواُ ولعباً يشكلان القاسم المشترك في دنيا الاطفال.

في مدينة الرمادي، الممتدة على ضفة القرات ببساتين نخيلها، وبيوتها الحجرية، المطوقة بالصحراء الممتدة جنوباً وشمالاً وغرباً، كان الناس في سالف ايامهم يرون في العيد مناسبة بهيجة وينتظرون قدومه بشغف كبير، حيث تتهيأ كل عائلة لإستقبال هذا الزائر الجميل، يذهب الآباء والامهات الى سوق المدينة لشراء الملابس الجديدة لهم ولأطفالهم، واحضار مستلزمات المائدة التي تقيمها العائلة لإستقبال الزائرين والاحبة فما ان تبزغ الشمس وبعد اداء صلاة العيد تبدأ الزيارات بجو مشحون بالمحبة والتسامح ويتبادل الجميع القبلات ويحتضن بعضهم بعضاً مرددين عبارة (ايامك سعيدة) فيقوم الاصحّاء بزيارة المرضى حاملين لهم الهدايا والدعاء بالصحة والسلامة، الازواج يأخذون زوجاتهم الى بيوت آبائهن للتهنئة بالعيد بينما اطفالهم يرقصون فرحاً املاً في عيدية من الجد او الخال.

الابناء البارون، يتذكرون آباءهم الراحلين فيذهبون الى المقابر حاملين مصاحفهم لقراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن الكريم على ارواح آبائهم وامهاتهم مقدمين العطايا للمحتاجين ثواباً وطمعاً في المغفرة لذويهم الذين رحلوا، متوسمين في ان يفعل ابناؤهم المثل، انطلاقاً من المثل القائل (من برّ اباه بره ابناؤه).

هل العيد الآن له نفس الملامح التي كان يملكها بالامس؟ هذا السؤال طرحناه على عدد من الناس من اجل معرفة ما يدور  في مشاعر الآخرين.

توجهنا بالسؤال الى السيد محمد وهو مدرس في احدى الاعداديات، اجاب ونظرة ساهمة تشي  بقلقه وحزنه: انا الآن في الخامسة والخمسين من العمر، اتذكر اعياداً مرّت علي في طفولتي وشبابي وشيخوختي، كان العيد في الطفولة بسيطاً وعفوياً، لناس على براءتهم متحابّون، متسامحون يزور بعضهم بعضاً، على ضيق الحال في تلك الايام كنا نتلقى (العيدية)، كانت لا تتجاوز الـ (عانة) واحدة اي اربعة فلوس، كنا نحملها فرحين، منطلقين الى دكّان الحاج (وسمي) الذي يبيع الحلويات التي ما زال طعمها اللذيذ في فمي الى الآن، وهكذا كانت الطفولة، ويوم كبرت واصبحت موظفاً اصبح العيد لدي مناسبة لإرتداء افخر الثياب التبختر امام حبيبة القلب التي هي زوجتي الآن وام اولادي.

لم تكن آنذاك حروب ولا مآسٍ استلت من العيد فرحته وجعلته مجرّد تقليد بارد يؤدي الناس فيه روتينا بروح منطوية كئيبة، حيث بدأ الآباء والامهات يفقدون فلذات اكبادهم دون ان يجرأوا على الشكوى، استمرت الامور هكذا الى ان القت الحرب الاولى اوزارها فتنفسنا الصعداء، لكن الامور سرعان ما عادت الى سيرتها الاولى، دخلنا حرباً اخرى، وحصاراً امتد لأكثر من عقد من السنين لم يعد هناك طعمٌ للعيد، فالملابس غالية والحياة قاسية لجأنا الى محلات البالات لشراء ملابس العيد بأسعار اكثر تهاوناً، بعد سقوط النظام فرحنا بالوضع الجديد، تحسنت الرواتب، لكن الوضع الامني اصبح سيئاً فلزمنا بيوتنا، خوفاً من رصاصة طائشة او عبوة ناسفة، نحن الآن ننتظر مستقبلاً اكثر امناً واستقراراً.

على مشارف عيد الفطر المبارك. ذهبنا الى مدينة الالعاب في الرمادي، التقينا بصاحبها الحاج (رحيم) سألناه عن رأيه بما حصل من تغيير، وتأثير ذلك على مسار عمله اجاب: قبل حلول العيد اقوم بإدامة المعدات، وتنظيف ساحات المدينة ومرافقها بإنتظار الزبائن من الاطفال برفقة ذويهم، لكن الذي يحصل الآن ان الاقبال ضئيل، الوضع الامني المضطرب يجعل الناس مترددين في المجيء خوفاً على سلامتهم وسلامة ابنائهم لكن رغم هذا، فالاقبال ما زال معقولاً والواردات بحمد الله تسد التكاليف، وتوفر لي دخلاً لا بأس به، واني اطالب السلطات المحلية بتوفير الحماية للجموع الوافدة عن طريق الشرطة لردع اصحاب النفوس الضعيفة الذين يستغلون هذه المناسبات للعبث بالامن وايذاء الناس.

الحاجة (صبرية) اجابت بعد سؤالها عن رأيها بما يمثله العيد لها: كان العيد مناسبة حلوة لعمل (الكليجة)  ايام زمان، بعد تهيئة المستلزمات من عجين، وقوالب وحشو، نتعاون مع نساء الجيران لأعداد قطع (الكليجة) النيئة، نضعها في (صوانٍ) كبيرة، نحملها الى القرن قبل يوم من حلول العيد.

يقوم الفرّان يشيّها حيث نحملها الى البيت مسرورين موزعين كمية لا بأس بها على الجيران والاصدقاء وما تبقى منها نقدمّه للضيوف صباح العيد مع الشاي والشربت، اين ذهبت تلك الايام، النساء الآن مائعات لاهيات عن هذه الاعمال، صارفات جل وقتهن امام التلفاز، اما متطلبات العيد فيحصلن عليها من محلات المعجنات بأسعار باهظة يدفعها الازواج والآباء دون اعتراض، اني اتحسر على تلك الايام واتمنى ان تعود، فهذه الاوقات التي نحياها سلبت المحبة والطيبة من قلوب الناس، وجعلت الاخ بنكر اخاه والابن لا يتذكر والديه الا في الاعياد وكأنه يؤدي واجباً مكروهاً، لكن رغم هذا فأنا اؤمن بالمثل القائل (لو خليت لقلبت).

كلٌ ينظر الى العيد من زاويته الخاصة، بعض الشباب والشابات يرونه مناسبة للفرح والانطلاق، بينما يراه آخرون مناسبة دينية خالصة، لا يجوز فيها الخروج عن التقاليد الاسلامية التي وردت في المأثور من الاحاديث والسير، من وجهة النظر هذه حدثنا الشيخ (مروان) وهو شيخ جامع يؤم الناس، ويخطب فيهم صلاة الجمعية والعيد،  رغم كونه شاباً لا يتجاوز الثلاثين من عمره، قال مجيباً عن سؤالنا حول العيد: انه مكافأة للصائمين وهدية من الله سبحانه وتعالى بعد ثلاثين يوماً من الصيام والقيام، وقد امر الله المسلمين بالتزاور وتفقد بعضهم بعضاً، وزيارة المرضى منهم، هذه الامور حللها الله شرعاً.

في محل الصديق (ابي عمر) للكماليات كان العشرات من الزبائن رجالاً ونساءً، يتبضعون حاجياتهم، والوجوم باد على وجودهم، فقبل قليل من هذا الوقت، كانت اصوات الاطلاقات والمدفعية تهز المدينة مما خلق حالة من الذعر. فالناس في حيرة من امرهم. العيد على الابواب. وهم بحاجة الى شراء ملابس العيد لأطفالهم بينما الدخول الى المدينة بأن اشبه ما يكون بدخول ساحة حرب. القناصون الامريكان على اسطح العمارات والمسلحون متغلغلون في الشوارع الخلفية والازقة، قلت لابي عمر: كيف حال البيع وانتم على مشارف العيد وارى اكداس البضائع تملأ المحلات وتسد الارصفة؟

اجابني بصوت خفيض: ما ان نفتح محلاتنا حتى يتعالى ازيز الرصاص وهدير المدافع مما يخلق حالة من الذعر لدى الناس، فيلزمون بيوتهم او يبحث من هم في السوق عن طريق للهرب مما يضطرنا الى غلق محلاتنا باحثين عن طريق آمن يوصلنا الى بيوتنا. وكما ترى اكثر البضاعة مازال على الرفوف والخسارة واضحة، لكن ما في اليد حيلة.

هكذا  فقد الناس ايّ شعور تجاه هذه المناسبة الجميلة التي كانت في يوم من الايام مبعث سعادة وسرور، لكن الامل ما يزال كامناً في اعماق النفوس، بإنتظار غدٍ افضل تسوده الطمأنينة  والامان.

 


سلام على النجمة

عامر القيسي

خطان متوازيان لا يلتقيان .. ولن يلتقيا، الاول: ينطلق من الظلام محملاً بالخرافة والموت والحقد الاسود محولاً في طريق سيره اللئيم، شذرات الحياة الطيبة الى نثار من اللحم الآدمي الممزق والدم الحار المطبوع على الجدران، سارقاً من الاطفال ابتسامة الصباح المدرسية البريئة.. ومن الحبيبة لهفة لقاء مفترض على ارصفة التوتر والموت السّري - ومن الام صلاة الامان لعودة فلذة كبدها وهو يحامل في قلبه برتقالةً وخبزاً وقبلة وفاء . ومن الزوجة، دفء قلبِ راكمته سنوات القحط والحرمان والامل المشترك.

الثاني: ينطلق من لحظات الشمس الاولية للحياة، مشبعاً برغبة غريزية دفينة لإعادة انتاج الوجود الانساني في تحدٍ فريد لإنفلات الوباء الاسود من كهوف تشوهات الماضي.. اطفالٌ ونساءٌ ورجالاً وطلابٌ وبناةٌ وحماة يغذّون السير في سباق مدهش مع الزمن لحمل حجارة الخراب المفتتة ، ورصفها قطعة قطعة ونثاراً نثاراً، لتأمين حدود الاستمرار وانبثاقه في توالد زكّته الحياة منذ ان ادرك الانسان انه يختلف عن بقية الكائنات، وان له مهمة مقدسة في الانتقال النوعي للحياة. فكان متوازيان لا يلتقيان.. ولن يلتقيا.

فطوبى لكم ايها الاطفال وانتم تنهضون مع ضياء الصباح الاول لتصطفوا في روضتكم اغنية احلى روضة روضته.. حب الوطن وفي مدارسكم ايها التلاميذ وانتم ترددون بحماس وجلال نشيد (موطني.. موطني).

وطوبى لكم يا من تنهضون من احلام وكوابيس السيارات المفخخة وتنطلقون دون وجل الى الدوائر والمعامل والمزارع والمدارس، لتؤسسوا من جديد هذا الوطن الذي خرّبته الحروب والحماقات.

وطوبى لكم يا رجال الشرطة والحرس الوطني وانتم تتساقطون شهداء من اجل ادامة البسمة على شفاه طفل بريء.

وطوبى لكم يا رجال الدين الشرفاء وانتم تلملمون جراح بيوت الله، وتزرعون المحبة والسلام والتآخي في قلوب شعب يراد له ان يخوض في الدم حتى الغرق.

لأن صلاة الله للجميع، ولأن انكيدو حين رافق كلكامش بحثاً عن خلود  الحياة لم يسأله من اي دين انت.

وطوبى لكم، شجعان الكلمة الطيبة وانتم تتساقطون شهداء من طراز رفيع ، تدفعون ثمناً لكلمة تعيد الامل والقوة ورغبة التحدي الى عقول ونفوس الشعب الذي انتج اول ملحمة شعرية في الكون الم يقل في البدء كان الكلم.

وطوبى لعمال المساطر والبلدية والكسبة وهم ينزفون عرقاً من اجل لقمة شريفة صعبة، بالكاد تسد رمق العائلة المنتظرة عودتكم بسلام.

طوبى لكم جميعاً ولهذا الوطن الذي ينبثق رغم بطء العلاج. وسيقال في زمنٍ قريب..

هنا نهضت سومر وبابل واكد وآشور من جديد فسلام علينا يوم نفضنا ركام الموت والدم.

وسلام علينا ونحن نعيد اخراج هذا الوطن الجميل من الخراب.

وسلام علينا يوم عبورنا القريب من حافات الموت الى ضفاف الحياة.

وسلام على نجمة ترقب هذا الانبثاق.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة