|
بغداد / معتصم زكي السنوي
يتميز اللون الأبيض عن سائر الألوان في وظيفته وطبيعته ورمزه ودلته، وهو
مرتبط منذ أقدم عصور التاريخ حتى عصرنا الحديث بشتى الوظائف
والطقوس السحرية، فهناك شبكة من العلاقات بين البياض وسلوك
الإنسان وإحساسه اللا واعي.
وإنا لنلمس في لغة حياتنا اليومية صوراً ومضامين يبلغ عمرها آلاف الأعوام،
وهي إنما تشهد بجلاء على ما يشعه اللون الأبيض من طاقة
رمزية، إذ تجرى في الحديث مثل هذه التعبيرات: (مواضع بيضاء
على الخارطة) ويقصد بها المناطق التي لم تكتشف بعد (أيادي
بيضاء)، (قميص أبيض في أبيض).
وقد أضيفت حديثاً بعض المفاهيم الجديدة كالباليه الأبيض و(الحلية البيضاء)
إشارة إلى سلم النغمات الصافية في الموسيقى الالكترونية. كما
استغلت صناعة مواد التنظيف ما في اللون الأبيض من قوة رمزية
في الدعاية لمنتجاتها بعبارات موحية مثل (بياض يشع نشاطاً
وحياة)، (أبيض من البياض). وإن سر نجاح العبارة الأخيرة، على
سبيل المثال، يعود إلى رغبة الإنسان في اللحاق بمثل بعيدة
المنال. على إن ما يوحي به اللون الأبيض متعدد متشعب الوجوه.
فهو من ناحية يعكس ما يترتب على التقدم الصناعي والتكنولوجي
من قلق ناجم عن طبع الآلة لسلوك الإنسان، ورغبة الأخير
المتزايدة في تحقيق الكمال، فضلاً عن الاحتفاظ بالتعادل
والتوازن في آن واحد. وإن الطموح إلى التعادل إلى الرمز غير
المباشر لما لا سبيل لتحديده لمن شيمة الإنسان منذ بداية
التاريخ. أما وقد برزت هذه الغاية بوضوح في عصرنا الحديث،
فإن ذلك يدل على حاجتنا إلى إعادة تأمل الرموز السحرية
المتوغلة في التاريخ حتى عصور ما قبل التاريخ. وثمة صيغة من
صيغ التأمل استوحاها الغرب من حضارات آسيا قد صارت تشكل فيه
فناً مصاغاً أو فناً مفرغاً من الفن، في مقابل الجزع من
الفراغ، وحتى مطلع القرن العشرين نجد رساماً علماً من مصوري
الغرب - باول كلي
Paul Klee
- يحس بالخطر يطل عليه من مساحة بيضاء غير ملونة في قماش
لوحة، كما يزاوله القلق أمام فراغ مقبض موحش. أما اليوم
فباستطاعتنا أن نتحدث ببساطة عن لوحات فنية (مليئة
بالفراغ..)، ويطلق على (ألحان الصمت) التي يبتدعها - جون كيج
John Cage:
(السكون الأبيض). وبالبياض يشار إلى الفراغ المجهول والعذارة
البكر، بل إلى القداسة التي لا يحكمها عقل، ومن ثم تشع
بالخطر، فهو يوحي من قديم الزمان بوحشة ووهدة وفناء. وأن
صدرنا عن قوانين الطبيعية لوجدنا أن البياض هو اللالون في
إطلاقه، أي القاعدة التي ينطلق منها التلوين، أو هو كما تبين
لجوته - إيقاف التلوين. ويرتبط البياض في علم النفس بالصفر،
وباستهلال ونهاية سلاسل الأرقام، مثل صفر وواحد وعشرة الخ.
ومن ثم فاللون الأبيض هنا يعد قاعدة ومنطلقاً لسائر الأرقام.
ويحدثنا هانس آرب
Hans Arp
- في قصيدته التي أنشأها عام 1925 تحت عنوان (معزوفة الصفر)
عن (ميلاد جليل لبياض سنى مهيب). هو عنده البياض الذي يمثل
نقطة البدء نقطة الصفر. وهذا يتفق مع الأسس الحديثة للفنون
الشعبية والعلوم الباحثة عن الأصل والبداية، وعن الحرية
الجديدة في جميع الاتجاهات. والعودة الجذرية إلى منابع الخلق
الفني على وجه العموم.. وهناك علاقة بين اللون الأبيض وعلاقة
الإنسان الأولية بالواقع. كما إنه في عديد من الحضارات -
كتلك المنتشرة في جزر (بولينيزيا). بالمحيط الهادي - يعتبر
البياض لوناً مقدساً.
وفي كمبوديا تقدس الأفيال البيض، وكان عباد النار في فارس يؤلهون شعلة
تنطلق في لسانين أبيضين. ويوضع اللون الأبيض في وسط أفريقيا
موضع التقديس. فهو يلعب دوراً مهماً في شعائر التدشين وفي
النضال. كما تجد أن (مورونجو) - أرفع إله في كينيا - يوصف
بانه (مالك البياض) ويبين لنا - كارل ماير
Karl Meyer
- في كتابه الذي أصدره عام 1927 حول دلالة اللون الأبيض عند
الرومان والإغريق، مدى تشابك معاني البياض في الحضارات
القديمة العريقة. وفي العهد الجديد من الكتاب الإنجيل يرمز
الفرس الأبيض - في سفر البشارة - إلى المسيح. ودلالة الأردية
البيضاء واضحة كذلك في قول عيسى المسيح (ولسوف تجولون معي في
أردية بيضاء) فهي ترمز إلى الطهارة البعيدة عن ألوان الحياة
بل أن البياض ليشمل الرموز الأساسية في المسيحية كالحمامة،
والحمل، والزنبقة، والخبز المقدس. ولقد اندفع الأوروبيون في
منتصف القرن التاسع عشر باحثين عن أصول ومصادر حضارتهم، حيث
راد هذا المجال بحار طواف يدعى = هرمان ملفيل
Hermann Melvlle شغلته أساطير الشعوب التي رسا على شطآنها - فتوفر على درسها
والتشبع بها. حتى لنلحظ آثار ذلك متجلية في أول إثاره
الروائية التي أصدرها عامي 1846 و1847 تحت عنواني (تيبي)
Typee
و(اومو)
Omoo
- وهما يعكسان تجاربه التي اكتسبها في جزر بوليتيزيا. أما
لغته الرمزية التصويرية فبلغت ذروتها في روايته
Moby Dick
التي نشرت عام 1851 - وهي تدور حول حوت أبيض. وقد حاول
المؤلف في مقطع نظري أن يحلل علاقته الرمزية الخاصة باللون
الأبيض. وكيف استمدها من تراث العصور القديمة موطناً إياها
في صياغة عصرية. وعنده يلعب البياض دوره في صورة دب أو حوت
أو سمكة قرش.
ثم صار يبعث اللون الأبيض بعد (ملفيل) إحساساً بالرهبة الممزوجة بالقلق
والإحساس بالخطر: (فوق أبعد أعماقه يربض شيء زلق يستحيل
تحديده - حتى لترتعد من جرائه النفس أكثر مما تقشعر لدم
أحمر).
وقد تعرض الروائي الكبير (إدجار الان بو)
Edgar Allan Poe
في قصته
Edward Gordon Pym
لعلاقة الزنوج باللون الأبيض. فهم يقشعرون لمرآه حين يشهدون
مسحوق دقيق أبيض أو منديلاً أبيض ألخ.. وترى ماريانه كيستنج
Marianne Kesting
- الأديبة الناقدة الألمانية - أن ذلك يرجع إلى الرعب الناجم
عن مواجهة الفراغ، (فراغ عالم لا رب فيه ولا إله).. ويمكن
القول... إن الجذور الجماهيرية في القرن الماضي نابعة من تلك
الفترة التي أكثر فيها اهل الفن والدوريات الفنية من استخدام
اللون الأبيض باعتباره لون الأرواح الطيبة، كما اعتبرت
الحمامة البيضاء رمزاً لطير الروح الصافية وكذلك رمزاً للصلح
كانوا يضحونها لآلهة السماء الرحيمة، وكان الجرمان القدماء
يتفاءلون بصوت صهيل الحصان الأبيض وهو حصان الإله السماوي.
ومن طرف آخر أشار اللون الأبيض إلى الأصالة، كما قيل (أبيض
الوجه) وكذلك كان (البياض) صفة المرأة الشريفة الأصيلة،
وأحياناً لون الموتى - لأنهم يفقدون الدم الأحمر والحيوية
الحمراء وهم أرواح - لم يبق لهم أثر من ألوان الأجسام الحية
- وتجد (المرأة البيضاء) وهي نوع من الجن تسكن بعض القصور
التي قد سفك فيها دم غير مذنب في الماضي. هذا ما حكاه
الألمان. والبياض كذلك لون الطهارة وفي صفته هذه، لون
البتولية تلبس العروس في الغرب، ثوباً أبيض وسترة بيضاء
إشارة إلى طهرها وبكارتها.. وإن رجعنا مرة أخرى إلى المعنى
(السماوي) للبياض، أي إنه لون النور الإلهي، نجد في العنعنة
الإسلامية حكاية مولد محمد (ص) الذي غطاه رداء أبيض عند
ولادته. وكان النور المحمدي على ما يصفه المتصوفون أبيض
وكأنه (من لؤلؤة بيضاء) وقيل عندما شرحت الملائكة صدره وضعوا
فيه (اللؤلؤة بيضاء) في منديل من الحرير الأخضر.. وهنا نجد
ذكر اللونين المخصوصين والمحبوبين عند الرسول والمسلمين وهما
الأبيض والأخضر.
قال احد الشعراء الإنجليز وهو (Andrew Marvell)
في القرن السابع عشر في أحد أبياته.
No white nor red was ever seen
So am'rous as this lovly green
(لم ير بياض أو حمرة أحب ولا أكثر جمالاً من هذه الخضرة اللطيفة).. وعبر
بهذا البيت ما احسه أهل الشرق على العموم والمسلمون على
الخصوص عند حبهم للون الأخضر - لون الجنة، لون الحياة
والقيامة، على ما قال تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء
ماء فتصبح الأرض مخضرة) (الحج 63) ووعد المسلمين المتقين
الجنة وهم (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) (الرحمن 76)
و(عليهم ثياب سندس خضر والاستبرق..) (الدهر 21).
حتى أنه جرى على لسان الألمان مثل (الخضرة لون النبي) أي محمد الرسول (ص)
لأنه كان أحب الألوان إليه الخضرة على ما جاء في الحديث..
وكان المتصوفون قد عرفوا كذلك ألوان الكواكب على ما وصفها - ابن عربي وعبد
الكريم الجيلي - وهم يستعملون تسلسل الألوان للإشارة إلى
الأحوال الروحية التي يعبر عنها المرء عند سلوكه في الطريق،
ومنهم من رأى هذا التسلسل مبتدئاً بالأزرق فالأحمر ثم الأصفر
فالأبيض ثم لا يبقى لون معين. وقد قال بعضهم (الأبيض يوافق
الإسلام، والأصفر الإيمان، والأزرق القاتم الإحسان والأخضر
الاطمئنان والأزرق المائي الإيقان والأحمر العرفان والأسود
الهيمان ونور الذات.. ولا عجب إن كانت الأمم بأجمعها قد عنت
بمعنى هذه الألوان، وظنوا أن لكل لون معنى مخصوصاً يؤثر في
الإنسان، وإن كل تعبير عن أحد المعاني يختلف باختلاف ذهنية
الأمم.
وما زال اللون الأبيض عنصراً يستخدم في جميع مجالات الإبداع الفني. والشعر
المعاصر يرى في البياض قيماً تعبيرية كبرى. انظر إلى (صمويل
بيكيت) حين يقول (الحق أنه طالما أثر في اللون الأبيض بقوة،
كل ما هو أبيض، المملحات الجدران ألخ.. بل وحتى الزهور ثم
الأبيض المجرد، التفكير في البياض، لا أكثر..) ويحدثنا
الشاعر هايسنيول تل
Heissenbuttel
في قصيدته: (في انتظار البقعة الحمراء) عن (السكة البيضاء
التي لا يتغير فيها شيء..).
في الشعر والموسيقى والرقص والتمثيل الصامت توضح النقطة البيضاء في الوقت
الحاسم، والفراغ الذي طالما كان مصدراً للرعب والفزع خلال
آلاف الأعوام قد صار اليوم منطلقاً لمختلف الاتجاهات البناءة
المثمرة. لقد صار في الإمكان فهم لغة الصمت..
في صفحة "ثقافة شعبية" التي ظهرت في جريدتنا (المدى) هذه وفي هذا المكان
نفسه صباح الأربعاء 27 تشرين الأول الماضي وجهنا نداء إلى
أمانة بغداد والجهات المعنية في الوزارات والمؤسسات الأخرى
التي يهمها أمر بغداد الحبيبة، وأشرنا إلى وجود عمل (ما)
ومخطط (ما) لتغيير منطقة القشلة والسراي وجديد حسن باشا
بإنشاء عمارات سكنية في هذه المنطقة بدلاً من المعالم
التاريخية الموجودة فيها وقلنا إننا نتمنى أن يكون الأمر
(شائعة) ليس إلا وطلبنا من الجهات المسؤولة التوضيح في:
*هل ستشوه بغداد التاريخية مرة أخرى؟
*هل ستزال بنايات أثرية وتاريخية فيها بحجة (التحديث) و(التطوير)؟
ثم نبهنا إلى خطورة موات المدينة التاريخية وضياعها وسط غابات من الاسمنت
البارد واقترحنا أن تكون أرض معسكر الرشيد وأرض مطار بغداد
القديم (المطار المدني) مقابل السكك الحديدية هي البديل لهذا
المشروع المشكوك في مقاصده الذي ينوي (لو صحت النية على
تنفيذه) إزالة جزء هام بل هو الأهم من بغداد التاريخية.
ها قد مر أسبوعان على مقالتنا هذه ولم نتلق رداً من الجهات المعنية في
أمانة بغداد ووزارة الثقافة ووزارة الإسكان على هذا الكلام
الذي نجده حيوياً ومهماً ونجد أن نفيه يشكل ضرورة ملحة أما
السكوت في هذا الموضوع فليس من ذهب لأننا سنحرص أن نقول
المزيد ولن نتهم أحداً بشيء ولن نسيء الظن بأحد أو بجهة
لكننا نرجو الإيضاح وكشف الحقيقة: هل ستزداد بغداد جراحاً
بعد العبوات الناسفة والسيارات الملفوفة وأكداس النفايات
والبطالة؟ هل ستشوه مرة أخرى وتهدم آثارها التاريخية لتحل
محلها غابات الأسمنت المشوهة؟ إننا ننتظر ونرجو أن تتضح
الصورة وأن يكون لبغداد من ينصفها ويحفظها بعد ما ملئت
جراحاً.
|