اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

دريدا ومسار الشمس لاوجود خارج مسار الشمس

علي احمد الديري

(مع كل استعارة من اي نوع، لابد من وجود شمس في مكان ما، ومتى تسطع الشمس، تكن الاستعارة قد بدأت معها) دريدا.

(دورة الشمس تكون دائما بمثابة خط مسيرة الاستعارة) دريدا.

1-الاستعارة ومسار الشمس:

توجد علاقة حميمة بين الاستعارة والشمس، الكلام عن الاستعارة هو في الوقت نفسه كلام عن الشمس، هل يمكن الافلات من لغة الشمس؟!! هل يمكن ان يخلو نص فلسفي او شعري من استعارة تحيل الى الشمس؟!!

نحن مدينون للشمس بالكثير، جميع النصوص الفلسفية والشعرية تدين الى الشمس من سقراط الى دريدا، ومن فرجيل الى ادونيس.

تستمد الاستعارات والمجازات طاقتها الضوئية (المعنى ضوء) من الشمس، لذلك لايخول نص من هذه الاستعارات: سطوع الحقيقة، واضح كالشمس في رابعة النهار، شمس العرب، الامر جلي، نور الاسلام، عصر الانوار، شروق الحقيقة، انبثاق نور الاسلام، انفلاق النهار، رأد الضحى، نور الهدى، ظلال المعاني، ظلال الاسلام، الخليفة ظل الله، الرؤية ايضا تحيل الى ضوء الشمس، فانت لاترى في الظلام، والعمى ايضاً لذلك نقول كسوف الحقيقة وغروب الحضارة.

2-شمس وظلان:

لكل نص فلسفي او شعري، شمسه وضوؤه وظله وضلاله وظلمته، كان دريدا يتتبع مسار الشمس في هذه النصوص، منطلقاً من ان مسار الشمس لايفرق بين النص الفلسفي والنص الأدبي، وإن ما قام عليه صرح الميتافيزيقا الغربية حول الفصل بين مسار الشمس في النص الادبي ومسارها في النص الفلسفي، وهم ينبغي تقويضه، ومسار التفكيك كان حفرا في هذين المسارين، تتبع لاثار الشمس وعملها وفعلها وتضليلها وتظليلها وتبيينها في النصوص التي كانت تسير حيث الشمس تسير، ودراسة دريدا (الميثولوجيا البيضاء) عام 1974 كانت تتبعاً للتضمينات الرمزية المجازية للضوء والظلمة اللذين يتخللان نصوص الفلسفة الغربية، كانت استراتيجية دريدا التفكيكة للدخول على المفكرين والفلاسفة (سقراط وافلاطون ورسو وماركس وفرويد وغيرهم) تقوم على تتبع مجازات الكتابة التي بها يرون ويقيسون ويحضرون ويمثلون ويشيدون معناهم وعالمهم، فهذه المجازات كانت مسار شمسهم التي يستضيئون بها ويستظلون ويبنون صرحهم او معمارهم للفكر الماورائي الغربي.

ان اهمية تقويض هذا المسار، تكمن في ان عملية التقويض هذه تكشف، وهم ان النص الفلسفي يسير في مسار شمس حقيقية لامجازية، وان مايقوله حقيقة يمكن تلمس حرارة شمسها وحرقتها، ويبدو ان شدة هذه الشمس قد اعمت الفلاسفة عن رؤية ظلها وضلالها، لذلك يذهب دريدا الى ان النصوص الادبية اقل تضليلاً من المعالجات الفلسفية، بسبب تأكيدها واستغلالها طبيعتها المجازية، وعدم نتنكرها هذه الطبيعة او تعاليها عليها.

3-لوغوس الشمس:

لقد اعطت النصوص الفلسفية لشمسها وحدها حق الحقيقة والتعالي والاضاءة والحضور والتجلي والكشف، فصار مسار شمسها مركزاً يخضع المختلف له، ويتدنى دونه ويظلم ويعمى ويضل، فصار كل شيء ملحقاً به وتابعاً له ومضافاً اليه، صار هذا المركز لوغوس (Logos) الوجود والحقيقة، مايحضر فيه يكتسب صفات الكمال والذكورة والنور والنضج والحياة ومايغيب عنه ويختلف يهمش ويرذل ويقصى، التفكيك تقويض لهذا المسار/الشمس/المركز/اللوغوس/الصرح/البناء/الميتافيزيقا، تفويض لتنكره طبيعته التي عليها يتعالى، تقويض لزعمه بان طبيعته تتطابق مع حقيقة طبيعة الوجود تماماًَ، تقويض لما يلزم عن هذا الزعم من امتلاك الماهية والحقيقة، تقويض لحدوده التامة النهائية، تقويض يكشف الطبيعة المجازية لهذا المسار، ويعيد الاعتبار للشمس، شمس الكتابة، لذلك التفكيك تقويض للثنائيات الضدية التي اصطنعها هذا المسار الميتافيزيقي، ليعطي الامتياز لواحد من الاضداد في الغاء الضد الاخر، ثنائيات الكلام والكتابة والطبيعة والثقافة والروح والجسد والجوهر والعرض والعقل والقلب والنور والعتمة والشرق والغرب والمرأة والرجل والدين والمعرفة والحقيقة والمجاز، التقويض يكشف طبيعة هذه الثنائيات المجازية، إن إعادة اعتار التفكيك للمجاز، واعتباره صانعاً الحقيقة، وصانعاً المفهوم، هو تموضع ضمن مسار شمس نيتشه، واستجابة لتعريفه الحقيقة، بانها حشد مضطرب من الاستعارات والمجازات المرسلة والتشبيهات بالانسان (انظر، فقه الفلسفة ص79)

4-شمس وحضوران:

ماالفرق بين الحضور على وفق مسار الشمس كما جسدته ميتافيزيقا الصرح الغربي والحضور كما يجسده مسار الشمس المجازي؟

الحضور كما يجسده لوغوس مسار الشمس حضور كلي حقيقي ملزم للتفكير، مسار الشمس هنا يحضر الوجود والذات والمعنى والقصد والهوية والماهية والحد والعالم، يحضرها في الخطاب والعقل والكلام على نحو التمثيل الكلي المتطابق الواضح المستغرق لكنهها، لذلك يسمى ارسطو الخبر الذي يحضر الوجود القول الجازم، وهو قول ينسب شيئاً لشيء او يفصل شيئاً عن شيء، فهو قول يقول الوجود بعقد علاقة جمع او علاقة تفريق، وبقوله الوجود، يحضره ويجعله ماثلاً واضحا بنور اللوجوس (العقل) المستمد من نور الشمس.

ان شمس هذا الصرح تكشف كل الموجودات وتهبها كينونتها، وتفيض عليها من نورها، ومن لاتصل إليه هذه الشمس يبقى في ظلمته معتماً لايبين، يحضر من تحضره هذه الشمس، ومايغيب عنها ليس موجوداً. التفكيك تقويض لهذا الحضور، لذلك لا تحضر شمس التفكيك (المجاز) هوية الاشياء ولامعانيها ولا مقاصدها ولاحقائقها ولاحدودها النهائية، فهي لاتحتفي الابآثارها، وكتابة هذه الشمس لاتحضر غير الاشباح والاطياف والاثار، الاثار اشبه ماتكون بطبع الاقدام، لكن من هو الذي مشى على الرمال؟ لقد مشى احدهم وخلف وراءه اثار اقدامه في كل مكان، وان كل تلك البصمات الاشارات التي تركها خلفه تذكرنا به الا انه مفقود وغائب.

الكلمات آثار ومعناها غائب، الكلمة تدل على اثر معناه مفقود، الاثر يحمل اختلافات، وكل اثر يتحول الى دال على غائب الا من اثر، وهكذا لاتحضر الا الاثار التي هي اشبه بطبع الاقدام، ان ماهو موجود في العلامة يحمل اثر ماهو غير موجود اي ماهو غائب او كان موجوداً.

ماهو حاضر ليس الوجود، بل علامته، والعلامة طيف منتشر ومختلف، هكذا يكون التفكيك تقويض البناء التام او الصرح المشيد او الحضور المكتمل، والاختفاء بالاثر المشتت والبقايا المنتشرة.

تقويض صرح هذا الحضور المكتمل، يحتاج الى فهم مغاير للمجاز واللغة، لكن ليس فهماً يجعل من المجاز واللغة مركزاً، بل يحتاج إلى فهم يجعل من المجاز لعباً حراً من التقيد باصل يشد ويمسك ويقيد، لعباً يمكن معه ان يتكوثر المعنى ويفيض فينتشر ويتشتت Dissemination حينها يكون المجاز علامة حرة، ضوءاً يلعب في الاشياء شمساً تحيي الاشياء وتحركها.

5-الاصغاء للاثر:

يقول هيدغر (الوجود الانساني حوار مع العالم، والنشاط الاشد احتراما هو الاصغاء وليس الكلام) ليس هناك اكثر حاجة من الاصغاء للاثر، كي يدلك على طيف الوجود، لذلك حين تكون العلامة اثراً فليس امامك غير الاصغاء لها، اما حين تكون شيئاً مكتمل الحضور، فليس هناك مايدعو للاصغاء للعلامة، فكل شيء حاضر وتام ومكتمل، والاصغاء بحث عن صوت غير حاضر، صوت غائب، هكذا يكون الاصغاء حين تكون العلامة اثرا، ويكون الكلام حين تكون العلامة شيئاً.

الاثر يأتي في سياق استبدل دريدا مفاهيم البنية التحتية لصرح الفكر الغربي، باشباه مفاهيم (اثار) لاتملك حضورا كلياً، فتفكك الصرح باستبدال هذه البنية التحتية التي ماعادت تستطيع ان تتحمل ثقل الحضور، لفرط لطافتها وهشاشتها.

ان مسار شمس التفكيك، مسار الاثر الذي يخلفه المحو لا الالغاء، الاثر ممحاة حضور الشيء ذاته لكنه، ليس الغاءه، لاشيء يلغى فليس هناك حضور في هذا المسار يلغي حضوراً اخر اذ لامركز يستبد باسم الاصل والمعنى الاصلي والهوية الحقيقية، هناك الاشياء تلغى فتحذف، وهنا الاشياء تمحى فتخلف اثراً، حين تبدأ الشمس تبدأ الحياة، يبدأ وجود الاشياء الاستعارة- كما يقول دريدا- لاتوجد في النص الفلسفي بل ان النصوص الفلسفية توجد بالاستعارة هكذا الاشياء توجد بالشمس.

لكن هذه الأشياء التي توجد بالشمس، كثيراً، ما تنسى ذلك وتظن أنها الشمس، شمس للوجود، تماماً كما حدث لميتافيزيقا الصرح الغربي حين نسى أنه استعارة شمس، فظنت هذه الميتافيزيقا نفسها، هي الشمس التي تضيء واقع الوجود بثنائياتها ومفاهمها وتمركزاتها. إن مسار الشمس في النص الفلسفي، نسى أصله الاستعاري الذي يجمعه بالنص الشري وراح يتصرف وكأنه الشمس.

6-ترجمة الاثر:

ان مايجعل من نص دريدا شبه غير قابل للترجمة، هو انه يكتب في مسار الشمس، اي انه يبني خطابه ويركبه باستعارات ومجازات، يركبه على وفق نظام لغوي لايحيل الى الخارج الى الوجود في الخارج او كما يقول دريدا (لاشيء خارج النص) ويمكننا ان نفهمها هكذا (لا وجود خارج مسار الشمس)، فمسار النص مسار الشمس.

الشمس ستكف مع تقويض دريدا عن ان تكون مطلقة الحضور، ستكون شمساً مضافة لنص ومشروطة بالنص الذي تنتشر فيه وتتشتت لذلك سيصعب ترجمتها وترجمة نصها، لانها ليست شمسا مطلقة الحضور، يمكنها ان تشرق في اي وجود، واي مكان، وتكون هي هي، يقول دريدا (انني اكتب حقا حين اذهب في اللغة الى الحدود التي تصبح معها الترجمة شبه (اقول شبه) عصية على الترجمة، هذه طريقة في عدم نيسان اننا نكتب دائما داخل لغة معينة).

الشمس/ المجاز تخلق وجودها الخاص في كل ثقافة وتترك اثارها فيها، ويصعب ان نترجم الاثر في غير شمس وجوده الخاص بشمسه.

التفكيك يشتغل على مجازات النصوص كاثار من المعاني المختلفة والمتعارضة والمشتتة والمنتشرة، لا كافكار متعالية على جسد لغتها، افكار ميتافيزيقية تضيء كل شيء وكانها شمس الوجود الخارجي لا شمس نص، اي وجود خاص.

7-تأثيل مسار الشمس:

يعمل التفكيك، جزءاً اصيلاً من استراتيجيته القرائية، على تذكير مسار الشمس الفلسفي باصله الاستعاري المنسي، لذلك لاينفك يلعب على فتح الدلالة مثبتة الاغلاق للكلمات التي تمثل كما يظن هذا المسار المعنى الحرفي الحقيقي، فتح هذه الدلالة على المنسي والغائب والمهمش، وبهذه الاستراتيجية يجعل من الرجوع الى الدلالة الحرفية استذكاراً يعيد لها حيويتها المجازية المنسية، وكأنه يعيد تشغيل طاقتها المعطلة المهملة، هكذا يفتح دريدا مثلا الدلالة الحرفية للتعبير (Porte-Parole) (الناطق بلسان) المؤلفة من الفعل Porte، (يحمل)،و (الكلام) Parole من ينطق بلسانك هو حامل كلامك، وهناك مثال الزهرة والمقتطف وقرعة الناقوس والميثولوجيا البيضاء وغشاء البكارة والفارماكون (انظر: كاظم جهاد، الكتابة والاختلاف) ليست هناك دلالة مهملة او مقصاة او مهمشة في التفكيك، كل الدلالات حاضرة اثارها في العلامة، ودريدا يقتفي مسار شمس هيدغر في هذه الاستراتيجية التي تصغي الى ماتحمله الكلمة اصغاء، يمكن الفيلسوف من الاستماع الى همس مضمونها اللغوي واستخداماتها التداولية ودلالاتها الحسية، وهي استراتيجية يسميها طه عبد الرحمن بالتأثيل الذي هو عملية يتم فيها تزويد المعنى الاصطلاحي للمفهوم بدلالات مضمرة مستمدة من المضمون اللغوي واستخداماته التداولية ودلالاته الحسية والحقلية ومقابلاته البنيوية، وبهذا يتمكن المفهوم من الحياة، وكل مايمكن المفهوم من الحياة يعد تأثيلاً والتأثيل في اللغة يحيل الى جذور الشجرة التي تمدها بالحياة.

ان هذه الاستراتيجية، تقوم على الاختفاء بالمجاز والاشتباه والتعارضات التي تحملها العلامة، والمفاهيم الفلسفية هي اصلا مفاهيم مشتبهة، اي لا حدود مضبوطة توضع لها، حيثما توجد الاستعارة، فثمة يقيناً اشتباه ما، الاستعارة وحدها قول مشتبه لايضر اشتباهه ولايزول. (انظر فقه الفلسفة، ص175).

اذن مسار الشمس هو مسار الاستعارة، هو مسار الاشتباه، هو مسار التفكيك، فـ(متى تسطع الشمس، تكن الاستعارة قد بدأت معها) كما يقول دريدا، والاشتباه هو الغموض، لكنه تكوثر امكانات المعنى والدلالة.

والشاهد على هذا المسار، هو طريقة تأثيل دريدا لاهم مفاهيم بنيته التحتية، وهو مفهوم (Grammatology) الذي هو عنوان اهم كتبه، وقد بلغ الاشتباه بهذا المفهوم حداً جعل من ترجمته شبه مستحيلة، فترجم علم الكتابة والنحوية وثقافة الكتابة (علم يتناول الحرف والكتابة بصفتهما يشكلان معنى الثقافة والفكر) حتى ان بعضهم فضل استخدامه معربا (الغراماتولوجيا)، وقد صاغه دريدا بالرجوع الى دلالة الغراما في التراث الاغريقي واستخداماته وتوظيفاته ومجازاته ومعانيه الحرفية، فالغراما تعني: النقش والحفر والكتابة، وحدة الوزن وحبة القمح ووحدة السلم الفني الموسيقي ووحدة الطيف والزيغ اللوني وهي حرف من  الالف بائية الاغريقية، وهي كناية عن اي شيء صغير.... الخ.

ان كل هذه الاستخدامات تشكل مسار شمس هذا المفهوم، لذلك لايمكن ترجمة هذا المفهوم بالاحتفاظ بكل الممكنات الدلالية التي تتيحها هذه الاستخدامات، لذلك لن تكون الترجمة غير اختلاف، لانها تتطلب تشكيل مسار اخر في ثقافة اخرى، وهذا مايجعل من التفكيك جهداً يهيئ لتكوثر المسارات.

ولان مسار الشمس مسار الحياة، فلن يكف دريدا عن الحياة مادامت هناك مسارات شمس تقتفي اثار اقدامه.

(عندما اكون حياً، يغيب الموت) ان تكون في مسار الشمس يعني ان تكون حياً ويكون الموت غائباً.


الايديولوجيا والهيمنة الاصول الغرامشية لافكار لاكلو وموف(1-2)

مويا لويد

ترجمة: محمد حبيب

تتشابه أفكار لاكلو و موف بطرق عديدة مع أفكار فوكو. هذا لأن لاكلو وموف،  مثل فوكو،  يُسخِّران تبصرات مستمدة من ما بعد البنيوية( بما فيها أعمال فوكو) في تطوير نظريتهما.مع ذلك هناك فروقات بينهما.يمكن اقتفاء بعضها إلى حقيقة أن لاكلو و موف،  بخلاف فوكو الذي تخلى عن الماركسية،  يستمران في الافادة من بعض المفاهيم الماركسية،  وأحدها هو الأيديولوجيا. ولهذا السبب اعتبر لاكلو و موف من أنصار ما بعد الماركسية،  وفُهما كمزيج من ما بعد البنيوية والماركسية. 

يشير لاكلو و موف إلى الأيديولوجيا في ضوء ارتباطها بمفهوم الهيمنة. وقد جاء هذا المفهوم من كتابات الماركسي الإيطالي أنطوني غرامشي. ففي كتابات السجن ( التي كتبت بين 1929- 1935 أثناء فترة سجنه في ظل نظام موسيليني الفاشي). طوَّر غرامشي فكرة (الهيمنة) ليحلل الثقافة والسياسة. فهو يبني على المفهوم الماركسي للأيديولوجيا واقعاً أسير الوصف الماركسي أفكار الطبقة الحاكمة هي الأفكار الحاكمة في كل عهد،  يقدّم غرامشي تفسيراً للطريقة التي تُنتج بها الأيديولوجيا الحاكمة،  يُحافظ عليها ويُعيد إنتاجها. تعمل الهيمنة أو (الزعامة السياسية) بسهولة بالإكراه والفرض المباشر للأفكار الحاكمة على المجموعات الثانوية،  لكن وبشكل حاسم،  أيضا،  عن طريق كسب (القبول) العفوي الفعّال للناس المسيَطر عليهم. في الواقع،  يظن ميشيل باريه أن الهيمنة تُفهم بشكل أفضل باعتبارها تنظيم الإجماع. هذا يعني،  طبعاً،  أنه يمكن فقط تحقيق الهيمنة إلى درجة أن تصبح الكتلة الحاكمة زمراً مختلفة من الطبقة الحاكمة والقوى الاجتماعية الأخرى التي تعمل معا قادرة على صياغة الطريقة التي يتم بها تحديد الواقع بالنسبة لغالبية الناس،  مثل أن سلطة الكتلة تبدو طبيعية وشرعية.والأيديولوجيا كبيرة الأهمية هنا. فقد نأى غرامشي بنفسه،  نقدياً،  عن نسخ الأيديولوجيا الماركسية التي تنطوي على (قيم حكم سلبية) من النوع القائل أن التفكير الأيديولوجي عقيم وغبي وما شابه. لقد انصب اهتمامه على (الأيديولوجيات التاريخية العضوية)الضرورية تاريخياً. ويعلن عن أن هذه( سارية المفعول) نفسياً،  إذ تقوم بتنظيم مجموعات هائلة من البشر وتوجد الحقل الذي سيتحرك فيه الرجال،  يحوزون الوعي بموقعهم،  ويناضلون.يعتبر الأيديولوجيات منظومات أفكار،  معانٍ وطرائق سلوك،  توفر الأحكام العملية التي يُعاش بها؛ ويسميها (الحس العام). يمكن أن تتجلى الأيديولوجيات بأشكال مختلفة من الممنهج إلى الجماهيري. هذا يقتضي أنه في أي وقت ستكون هناك أيديولوجيات متنافسة على الإجماع العام. (كان غرامشي مهتماً على نحو خاص بالطرق التي تنشأ فيها المعرفة والثقافة الجماهيرية- الأقل منهجيةً- وكيف تعمل على تأمين الكتل الجماهيرية اللازمة في استراتيجية الكتلة الحاكمة).ويرى غرامشي أن الصراع الطبقي يُدار بطرق عديدة إحداها الطريقة الأيديولوجية.إنها قصة كتلة تحاول أن تجعل الآخرين يقبلون عفوياً نسختها الحقيقة باعتبارها طبيعية وشرعية. وعندما يحدث ذلك تكون الكتلة قد حققت هيمنتها. هذا لا يعني قبولاً سلبياً من قبل الجماهير بل مشاركتهم الفعلية والفعالة. وغير المدهش في الأمر هو أنه نفسه كشيوعي مهتم على نحو خاص في كيف يجب أن تبني الطبقة العاملة أيديولوجيتها المهيمنة.ومن المهم التشديد على أنه ليست هناك أية أيديولوجيا محصنة لا بل جميعها غير مستقرة دائما.ويجب الحفاظ عليها بشكل دائم: إنها عملية تشكيل مستمرة  واستبدال عمليات توازن غير مستقرة. بين مصالح المجموعة الأصولية وبين المجموعات الثانوية...التوازنات التي تسود فيها مصالح المجموعة المسيطرة،  لكن إلى حد معيّن فقط.

هناك العديد من النقاط التي تجدر الإشارة إليها في ضوء مقاربة غرامشي. أولاً إن الانتباه الذي أولاه غرامشي إلى القيادة الثقافية كان إشارة إلى الحاجة لإعادة التفكير في الفكرة الماركسية عن البنية الفوقية. ذلك أن العديد من الماركسيين تبنوا مساجلات ماركس في مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي يمكن رسم خط فاصل بوضوح بين القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقية(مملكة الآراء السياسية،  الثقافة،  القانون والأيديولوجيا).لقد اعتبرت القاعدة محدداً.كل ما جرى في مستوى البنية الفوقية مجرّد تعبير عن مستوى التطور في القاعدة. عند هذه القراءة الاقتصادية( هذا يعني،  حيث تُعطى العوامل الاقتصادية الأولوية)،  كانت السياسة والأيديولوجيا ظاهرتين ثانويتين. لقد فُهمتا كتعبيرين عن تغيير اقتصادي أساس.غير أن تفسير غرامشي للهيمنة تحدى هذا التفسير الحتمي.لم يعد بالإمكان التنظير للبنية الفوقية باعتبارها مرآة تعكس بنية التنظيم الاقتصادي-الاجتماعي.فقد كانت أبعد من ذلك بكثير. فكانت الأنشطة في هذا المجال قادرة بحد ذاتها على أن تؤثر في ما حدث على ذلك المستوى الاقتصادي. ولم يكن بالإمكان النظر إلى علمي السياسة والاقتصاد كعلمين منفصلين تماماً: كانا متداخلين. ينطوي هذا التفسير الغرامشي على نظرية أيديولوجية لا حتمية أي أن الأيديولوجيا لم تكن مجرد انعكاس لعلم الاقتصاد.

هذا يقودنا إلى النقطة الثانية. فقد تحدى غرامشي أيضا الادعاء بأن علم السياسة كان يتعلق بالسيطرة على الدولة.فللبنية الفوقية بعدان أساسيان : الدولة والمجتمع المدني،  كل منهما يعمل على وفق طرائق مختلفة. يقصد غرامشي بالدولة،  ببساطة متناهية،  المؤسسات الاجتماعية كالحكومة،  الجيش،  الشرطة و النظام القضائي. وهذه تعمل بالإكراه أو السيطرة المباشرة. بالمقارنة،  إن مرجعية المجتمع المدني هي المنظمات الخاصة مثل المدارس،  الكنائس،  وسائل الإعلام الجمعيات الثقافية والتطوعية( كالنوادي) والأحزاب السياسية.هذه الأخيرة تساهم في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي،  في إنتاج أيديولوجية الهيمنة. كان المجتمع المدني المنطلق الرئيس للنضال السياسي. الطبقة المهيمنة،  بالنسبة لغرامشي،  هي التي جمعت بين قيادة كتلة القوى الاجتماعية في المجتمع المدني كما القيادة في دنيا الإنتاج والدولة.هذا الاهتمام الأكبر بالمجتمع(على حساب الدولة)،  كما سنرى،  ينبئنا بدقة عن أفكار لاكلو و موف. 

ينصب اهتمام غرامشي الرئيس ( وإن يكن ليس حصراً) على الأيديولوجيا والطبقة. كما هي الحال عند فوكو. فقد خضع التركيز على الطبقة في الماركسية إلى نقد لاذع من مختلف القطاعات.اللافت للانتباه أن أفكار غرامشي عن الهيمنة قد انطوت( حتى إن لم يبينوا ذلك) على أن الأيديولوجيا قد ترتبط بالضرورة بالطبقة. كانت السمتان الأساسيتان في هذا العمل: الفكرة،  بأن الهيمنة تتألف من سلسلة من التحالفات بين الطبقات والقوى الاجتماعية الأخرى،  ثانياً،  أن الأيديولوجيا هي الرابطة التي تربط بين هذه الطبقات والقوى.  وهذا يفترض بأنه إن كانت الأيديولوجيا ستهيمن فلا يمكن أن تكون،  ببساطة،  أيديولوجيا طبقة،  بل يجب أن تتعاون مع عناصر أخرى غير طبقية لتنتج (حساً سليماً) جديداً يستجيب لطيف واسع من التجميع الاجتماعي. لقد تبنى لاكلو و موف نظرية غرامشي حول الطبقة. وبدلا من تطويق فكرة الأيديولوجيا،  كما فعل فوكو،  حاول لاكلو و موف أن يعيدا تشكيلها،  في عملية الشعشعة الحادة لعناصرها ذات الارتباط الطبقي ( وربما ماركسيتها).

وفي بداية كتابهما الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية أعلن لاكلو و موف عن موقفيهما من مستقبل الاشتراكية،  فأعلنا:

إن مفهوم الاشتراكية برمّته في أزمة حرجة،  هذا المفهوم الذي يقوم على أنطولوجيا مركزية العمل الطبقي،  على دور الثورة،  وعلى الموقع المتخيّل التكامل التام وعلى الإرادة الجمعية المتجانسة التي ستجعل اللحظة السياسية كليلة.

فالماركسية بناءً على قراءاتهما تقوم على مخيلة سياسية خاصة،  رؤية ترى الطبقة مركز الصراع السياسي والطبقات شيئاً معطى مسبقا ويعتبر التاريخ ( في المفرد) أي حيث يُفهم التاريخ باعتباره يمتلك هدفاً أساسياً و هدفاً نهائياً- تحقيق الشيوعية في هذه الحالة. تستدعي هذه المخيلة اليعقوبية،  كما يسمونها،  مفهوماً خاصاً جداً بالمجتمع.يزعم لاكلو و موف أن الماركسية تعتبر المجتمع (بنية مفهومة). أي تزعم الماركسية أن طبيعة مجتمع يمكن أن تُعرف و تُفهم. المجتمع في القراءة الماركسية بنية طبقية تُحكم على أرضية الموقع الطبقي( مثل الطبقة الحاكمة التي  تحكم المجتمع) الذي يمكن تحقيقه بفعل إرادة سياسية. هكذا تخلق البروليتاريا بإرادة الثورة مجتمعاً جديداً،  مجتمعاً اشتراكيا أو في أقصى حالاته شيوعياً. 

 وفقا للاكلو و موف،  تقف هذه المخيلة الاشتراكية (أو اليعقوبية) السياسية على مفترق طرق لسببين.أولاً،  كان هناك العديد من الأحداث التاريخية لتي ألقت بظلال الشك على فاعلية الاشتراكية والنضال الاشتراكي.،  من بودابست إلى براغ والانقلاب البولندي،  من كابول إلى عقابيل الانتصار الشيوعي في فيتنام وكمبوديا. تتحدى كل هذه الأحداث طبيعة الاشتراكية والطريقة التي تحققت بها. ثانياً،  لقد وضعت النظرية الماركسية موضع التمحيص مع ظهور مختلف أنواع النزاع الاشتراكي الذي لا يعتمد على الطبقة: ظهور النسوية الجديدة،  حركات الاحتجاج العرقي،  الأقليات القومية والجنسية،  النضالات الإيكولوجية ضد- المؤسساتية.الحركات ضد-النووية الخ. تنطوي هذه العوامل مجتمعة على حاجة الماركسية،  كما يرى لاكلو   و موف،  إلى إعادة صياغة: عليها أن توجّه التحدي الذي أفرزته الحركات الاشتراكية الجديدة من أجل مجتمع أكثر غيرية وديمقراطية كما تحتاج إلى دراسة الشكل الذي سيكون عليه هكذا مجتمع وأية ديمقراطية راديكالية يمكن تحقيقها.وهذا بدوره يحتاج إلى إعادة تفكير في طبيعة المجتمع. وهكذا كيف تبدو تفسيراتهم المنقحة للأيديولوجيا والسياسة؟

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة