|
ماذا يبقى في فلسطين
ماذا يبقى
من القضية الفلسطينية!؟
كريم مروة
ماذا يبقى من
فلسطين.. ماذا يبقى من القضية الفلسطينية! هذا الكلام ليس
سؤالاً حاسماً ينتظر جواباً حاسماً من نوعه.. ولا هو،
بالتأكيد، تقرير يستبق الاعلان عن نهاية قادمة لحلم قديم.
إنه، ببساطة، يختصر حالة من القلق الحقيقي عند المواطن
العربي، ويلخص المشاعر الانسانية المليئة بالمرارات عنده.
وكل من هذين القلق والمشاعر انما يقربان صاحبهما من اليأس،
من دون ان يدخلاه فيه، بالضرورة، بل ان هذا المواطن المقهور
الحائر القلق يظل يتمرد على اليأس ليبقى على مسافة، ولو
بعيدة، من مشوب الحذر، أمل حصنه في الوعي تراكم التجارب ضد
الوهم القديم، الذي كنا نشارك حكومتنا بواسطته في تغطية
هزائمنا المتكررة بالحديث عن انتصارات كلامية، كنا نزينها،
بعفوية ومن دون وعي، بالشعارات الرنانة وبالهتافات بحياة
ابطالنا العظام الخالدين!
هذا الكلام هو جزء
من الحقيقة المرة، وليس كلها، اما باقي الحقيقة فموزع في
اماكن ومواقع شتى، وهذا الجزء من الحقيقة الذي يشير اليه
الكلام المذكور آنفاً، انما يوحي به الى المواطن العربي مشهد
المأساة، الصارخ في قطاع غزة، والهادئ، احياناً، والصاخب
بحدود، أحياناً خرى، في الضفة الغربية، وما الهدف من سوق هذا
الكلام، كجزء من الحقيقة، إلا للاعترافـ من دون مكابرة، بأن
ما كنا نحلم بتحقيقه، قبل اربع سنوات- وهو كان حلماً بقيام
دولة فلسطينية، أو شبه دولة على جزء من ارض فلسطين العربية-
قد تأجل إلى زمن لاحق. اذ لم يعد ممكاناً تحقيقه اليوم. الا
تشير إلى ذلك حرب الابادة الجماعية والتدمير الشامل اللذان
تمارسهما إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وضد اراضيه وممتلكاته؟
الا يشير إلى ذلك الجدار العازل الذي لم تأبه اسرائيل بقرار
محكمة العدل الدولية المدين له؟ الا يشير ذلك إلى التراجع
المثير للقلق في موقع القضية الفلسطينية على الصعيدين العربي
والدولي؟ والاعتراف بالحقيقة المرة، او بجزء منها، هو اليوم،
واقعياً، المدخل الصحيح للبحث عن اسباب ما حصل، وعن نتائجه،
وعن الآفاق الباقية المحتملة والمتخيلة من القضية
الفلسطينية.
يعيدنا هذا المدخل
تلقائياً إلى خمسين عاماً ونيف مضت، يوم فرض علينا القبول
لمنع ذلك التقسيم، وهيأت بهزيمتها غير المبررة كل الشروط
لقيام دولة اسرائيل، وعطلت وحطمت هي وانظمتها، بالهزيمة
ذاتها وبالمكابرة القومية الجوفاء، وبقدر غير قليل من التآمر
والتواطؤ والعجز، الشروط كلها لقيام دولة فلسطينية، بموجب
قرار التقسيم الذي رفضناه وعجزنا عن منع تطبيقه، برغم انه
كان قد اصبح، عملياً، جزءاً من الشرعية الدولية التي كنا
بحاجة اليها ولا نزال، ولو ان انظمة ذلك الزمان وحكوماتها
بادرت، بعد الهزيمة التي تتحمل هي المسؤولية عن وقوعها
بالكامل، إلى القبول بقرار التقسيم وساعدت الشعب الفلسطيني
في اقامة دولته على الارض المتبقية، لكانت حققت جزءاً من
الحلم التأريخي للشعب الفلسطيني، الحلم الذي ما ينفك يتراجع،
منذ ذلك التاريخ، ويتأجل، ويتعثر مع مرور الزمن ومرور احداثه
وتحولاته ومصادفاته ووقائعه. لكن ذلك لم يحصل. وحل محله تحول
القضية الفلسطينية الى قضية قومية لكل الشعوب العربية، وضعف
دور الشعب الفلسطيني في حمل قضيته بيده، في ظل ذلك التطور،
الذي تمثل، بتصاعد وتعاظم الموقف القومي في القضية
الفلسطينية، من جهة، وبفداحة المأساة التي وضع فيها الشعب
الفلسطيني في الداخل الفلسطيني، وفي بلدان الشتات العربي، من
جهة ثانية، إذ صار صاحب القضية ملحقاً في قضيته بأصحابها
الكبار الجدد، قادة الدول العربية وانظمتهم وحكوماتهم
ومصالحهم، كما صار ملحقاً بالحركة القومية العربية بمكوناتها
السياسية والحزبية المختلفة. ودخل -الشعب الفلسطيني- طوعاً
او كرهاً، أسوة بأشقائه الشعوب العربية، في دوامة الوهم،
الثوري وغير الثوري، لتحقيق التحرير، تحرير فلسطين، ولإجراء
التغيير، تغيير الاوضاع القائمة في بلداننا في اتجاه الوحدة
والحرية والاشتراكية، وصارت القضية الفلسطينية جزءاً من
سياسات الانظمة وسلطاتها ومصالحها. وتحولت إلى حالة انتظار
لا تنتهي عند الشعوب العربية وعند حركاتها الوطنية، والى
معارك خاسرة والى حائط مبكى، وتعطلت، بفعل هذه التحولات
كلها، في بلداننا العربية، جميعها، قضايا التقدم الاقتصادي
والاجتماعي، وقمعت الحرية الفردية والعامة، وديست حقوق
الانسان، وغيب بالكامل بناء الدولة الحديثة. وبقي الشعب
الفلسطيني، داخل اضه، التي حولتها الحروب الخاسرة إلى مناطق
احتلال، عرضة للقهر القومي. وبقيت أقسام كبيرة منه في الشتات
العربي عرضة للقهر والاذلال كذلك. وتعمقت، بفعل ذلك كله،
العاهات والامراض في بلداننا، وفي مجتمعاتنا، وفي وعينا. ولم
تسلم من ذلك فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، وفصائل الحركة
الوطنية العربية. واستمر الشعب الفلسطيني، في كل تلك الظروف،
يكافح بشجاعةـ بحسب قدراته ويقدم التضحيات الجسام من دون
حساب.
حصل كل ذلك، ولا
يزال يحصل، والتاريخ، تاريخ فلسطين وتاريخ شعبها، لا ينتهي
ولا يتوقف عن الحركة. وكان ذلك، ولا يزال امراً طبيعياً. لكن
المسألة هنا لم تعد مسألة تخص الفلسطينيين واشقاءهم العرب
وحدهم. ولم تعد تتعلق باقرار من قبل المجتمع الدولي بأن حركة
التاريخ مستمرة، متواصلة، ولا نهاية لها. المسألة تتعلق
اساساً بالجملة وبالتفاصيل، في جعل قضية تقرير المصير -كحق
طبيعي لجميع الشعوب- تطول الشعب الفلسطيني ولا تتجاوزه في
صورة استثنائية ظالمة، غير مسبوقة، في تاريخ العالم الحديث.
ولن ندخل في جدال هنا حول القضية الكردية التي لها خصوصيات
وتعقيدات من نوع آخر.
ويتمثل هذا الحق
في السماح للشعب الفلسطيني بإقامة دولة له على أرضه، أسوة
بكل شعوب العالم، وتنفيذاً لواحد من اقدم قرارات الشرعية
الدولية الرقم 181. وهي مسألة، في القانون الدولي، في مستوى
البديهيات. فلماذا يحرم هذا الشعب، إذن من هذا الحق البديهي؟
ولماذا لا تنفذ القرارات الشرعية الدولية التي تعبر عن هذا
الحق وتجسده بوضوح لا التباس فيه؟ ولماذا يعجز المجتمع
الدولي عن منع اسرائيل من الاستمرار في سياسة الابادة لهذا
الشعب، والاستيلاء على اجزاء كبيرة من اراضيه، والتدمير
المنظم لممتلكاته ولسائر مقومات حياته؟
ثمة مسؤوليات عما
جرى، وعما يجري، وعن الواقع المأساوي الذي يعيش فيه الشعب
الفلسطيني وتعيش فيه قضيته. وقد حان الوقت، حان منذ زمن
طويل، لكي يتم تحديد هذه المسؤوليات بوضوح، ويتم تحديد
المسؤولين عنها بأسمائهم، من دون تمويه، ولا حاجة بنا إلى
الوقوف طويلاً عند التاريخ القديم، تاريخ نصف قرن ونيف، فهو
تاريخ سابق، غطى عليه التاريخ الحديث وفاض، فلنتحدث، إذن، عن
هذا التاريخ الحديث. وهو تاريخ الحقبة التي حمل فيها الشعب
الفلسطيني قضيته بيده، أو هكذا تصور هو ذلك، وصدقناه، وقبل
به بعضنا ورفضه بعض آخر، وبقي فريق ثالث منا إزاءه على
الحياد، ولا يزال.
ولانني انتمي إلى
الجيل القديم، جيل الحقبة الاولى، ولانني مرافق للقضية
الفلسطينية ومهموم بها، منذ البدايات ولا ازال، فإن بمقدوري
ان أساهم، اليوم، ربما من دون تعسف كما أزعم، في تحديد هذه
المسؤوليات والمسؤولين، من دون ان استثني الجهة السياسية
التي انتمي اليها -وهي الاقل مسؤولية من سواها بكثير- ومن
دون ان استثني نفسي، كـأحد المسؤولين عن القرارات التي صدرت
والمواقف التي اتخذت في حزبي، الحزب الشيوعي اللبناني، في
الصواب والخطأ، ثم كمواطن فرد.
المسؤولية الاولى
تقع، في نظري، على الحركة الوطنية الفلسطينية، قديماً،
وعليها في الحقبة التي تمتد من عام 1967، العام الذي تشكلت
فيه المقاومة الفلسطينية في أشكالها السياسية العسكرية
والثقافية وحتى الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن المقاومة
النفسية، أي المقاومة التي جعلت الفلسطيني يشعر انه صاحب
القضية، والمسؤول المباشر عن الالتزام بها والنضال من اجل
انتصارها، وتتحدد مسؤولية الحركة الوطنية الفسطينية في
الامور الاتية: أولاً، في انها لم تستطع ان توضح الاهداف
التي تناضل من أجلها، لا سيما ما يتعلق منها تحديداً بالدولة
الفلسطينية.واختلفت فصائل هذه الحركة حول هذا الهدف، ففي حين
ارتفعت شعارات تدعو إلى استعادة الارض الفلسطينية كاملة،
وإزالة اسرائيل من الوجود، طرحت افكار تدعو إلى اقامة دولة
فلسطينية ديمقراطية للعرب على كامل اض فلسطين. تلتها فيما
بعد. افكار تحولت إلى برنامج مقر من قبل منظمة التحرير
الفلسطينية يتبنى النضال من اجل اقامة الدولة الفلسطينية على
الارض التي احتلتها اسرائيل في عام 1967، وتعايشت ولا تزال،
هذه الافكار والمشاريع المرتبطة بها، في ظل التغييرات الكبرى
التي طرأت على الوضع العالمي، وعلى الوضع في منطقتنا، بعد
انهيار الاتحاد السوفييتي، ثانياً: ان الحركة الوطنية
الفلسطينية لم تستطع ان تعبئ الشعب الفلسطيني، على قاعدة هذا
البرنامج، من اجل تحقيق الاهداف القابلة للتحقيق اثر هدف،
ومرحلة اثر مرحلة، لكي يشهر بأن كفاحه الصعب المليء
بالتضحيات ليس كفاحاً بدون نهاية، بل هو كفاح قادر على
ايصاله إلى آفاق ملموسة محددة، ولم تستطع منظمة التحرير
الفلسطينية في الشتات، ولا السلطة الوطنية التي قامت داخل
ارض فلسطين، بعد مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، ان توحد الموقف
الفلسطيني، في السياسة، وفي ادوات النضال، وفي التحالفات وفي
كل ما يتصل بالقضايا اليومية والمستقبلية للشعب الفلسطيني.
ثالثاً: في ان الاوهام التي نشأت منذ البدايات، حول دور
السلاح في النضال سرعان ما تحولت في السنوات الاربع الماضية،
إلى كارثة حقيقية، بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني والى
تحالفاته العالمية، وكانت العمليات الانتحارية العشوائية احد
اكثر تلك السياسات ضرراً بالقضية الفلسطينية، رغم كل ما كانت
تشير اليه قدرة هائلة عند هذا الشعب، وعند شبابه بالذات،
لبذل التضحيات من دون حساب. رابعاً: في ان الحركة الوطنية
الفلسطينية، مجتمعة، ومن خلال تنظيماتها المختلفة، لم تستطع
ان تحدد، بوضوح، وبواقعية، أين ومتى وكيف يكون قرارها
مستقلاً عن الاشقاء العرب، انظمة وحركات وطنية، وأين ومتى
وكيف يكون هذا القرار جزءاً مكملاً من قرار عربي عام. ثم
انها لم تستطع بالجمع وبالمفرد، ان تقيم علاقة صحيحة مع
الحركات الوطنية في البلدان العربية، ولا سيما في الاردن
ولبنان، اذ هي حلت جزئياً، في مرحلة أولى، ثم كلياً، في
مراحل لاحقة، محل تلك الحركات، وعطلت دورها، والحقتها بها،
وقبلت تلك الحركات بذلك، ودفعت القضية الفلسطينية والشعب
الفلسطيني وحركته الوطنية الثمن الباهظ لتلك السياسات. كما
دفعت الحركات الوطنية في تلك البلدان الثمن الباهظ ذاته لتلك
السياسات. خامساً، في انها لم تستطع ان تقيم علاقات صحيحة مع
المجتمع الاسرائيلي، لكي تستند إلى قوى الديمقراطية فيه في
مقاومتها لسياسات القمع من قبل السلطات الاسرائيلية، كما لم
تستطع ان تصوغ سياسة مرنة تجاه المجتمع الدولي، لكي تكسب
عطفاً غير مشروط، بدلاً من العطف المشروط، والذي لا يزال
مشروطاً.
المسؤولية
الثانية، تتحملها البلدان العربية، انظمة حكم وشعوباً وحركات
وطنية، بمكوناتها المختلفة وبمشاريعها المختلفة، يميناً
ويساراً.
وإذا كانت الانظمة
قد جعلت من القضية الفلسطينية غطاءاً خادعاً لاستمرار
هيمنتها والاستبداد بشعوبها وإغراق بلدانها في التخلف، فإن
الحركات الوطنية في هذه البلدان لم تكن في مستوى المسؤولية
التي تمكنها من الربط الصحيح بين قضايا بلدانها وبين القضية
الفلسطينية. فوقعت هي، وأوقعت الحركة الوطنية الفلسطينية. في
متاهات النضال من دون آفاق حقيقية تحقق الهدف الاساس، سواء
في ايصال الشعب الفلسطيني إلى إقامة دولته الوطنية المستقلة،
أم في ايصال بلدانها إلى الحرية والتقدم، أي إلى بناء دول
ديمقراطية تحترم فيها حقوق الانسان وحرياته، وتتم فيها عملية
تقدم تلحق شعوبنا بركب الحضارة العالمية، وتمكنها من الاسهام
في جعل هذه الحضارة حضارة انسانية، بدلاً من ان تكون هذه
الحضارة مرتعاً للرأسمال المعولم ولأهدافه وغاياته المتوحشة.
وإذا كان الفكر القومي الغيبي هو الذي ساهم، وساهم اصحابه
ومفكروه، عن وع او عن غير وعي، في تعطيل مسار حركة التاريخ
في الاتجاه الصحيح، فإن الفكر الاشتراكي، بتنويعاته
المختلفة، بما في ذلك ما يتصل منه بالحركة الشيوعية احزاباً
ومفكرين، لم تنتج، برغم مرجعيته الاكثر علمية، الماركسية،
برنامجاً اكثر وضوحاً واكثر عقلانية من الفكر القومي، ولم
يقدم طرائق نضال افضل واكثر جدوى، بل ان معظم الاحزاب
القومية والشيوعية، اندمجت، في لحظات تاريخية معينة، في
الحركة الفلسطينية، والتحقت بها، بدل ان تقام لها المساعدة
في تسديد فكرها وفي جعل برنامجها السياسي والنضالي والعملي
اكثر عقلانية واكثر واقعية، أي اكثر ارتباطاً بالوقائع
المحلية والعربية والدولية.
المسؤولية
الثالثة، يتحملها المجتمع الدولي. ذلك ان القضية الفلسطينية
خصوصيته تجعلها، برغم شرعيتها كقضية قومية لشعب حقيقي، اكثر
تعقيداً من القضايا المعاصرة، مثل قضيتي فيتنام وجنوب
افريقيا، ومصدر التعقيد في القضية الفلسطينية هو ان قيام
الدولة الفلسطينية يتطلب إقراراً من دول اسرائيل بحق الشعب
الفلسطيني في الوجود، وحقه في إقامة دولته على جزء من ارض
فلسطين، الارض المشتركة منذ التاريخ القديم، بين الشعبين
العربي واليهودي.
وبمعزل عن الاخطاء
التي ارتكبت خلال النضال الفلسطيني الطويل، وآخرها العمليات
الانتحارية ضد المدنيين في اسرائيل، فإن المجتمع الدولي ظل
يتسامح مع جرائم اسرائيل اكثر من تعاطفه مع حقوق الشعب
الفلسطيني، والا لكان الوضع اختلف في شكل التضامن مع الشعب
الفلسطيني، ولكان هذا الشعب اقترب من تحقيق اهدافه، ولكانت
حكومة اسرائيل شعرت بالحاجة إلى تغيير سياستها، ولكانت
الولايات المتحدة الامريكية مارست ضغطاً اكبر ضد الحكومة
الاسرائيلية بوقف عمليات الابادة المنظمة ضد الشعب
الفلسطيني.
أقدم تحديدي لهذه
المسؤوليات باختصار -ومنها مسؤوليتي الشخصية عندما كنت في
موقع قيادة حزبي الشيوعي اللبناني- من اجل الوصول إلى
الاستنتاج الذي أريد ان اخرج به حول الوضع الذي وضعت اليه
القضية الفلسطينية اليوم. فالسؤال الذي بدأت به مقالي هذا
يرمي إلى فتح باب الاجتهاد والتفكير حول ما ينبغي عمله
لمواجهة مفاعيل الوضع المأساوي الراهن. ذلك ان خطة شارون
للانسحاب من قطاع غزة -بعد افراغ هذا القطاع من قوى المقاومة
بالقمع والقتل والاغتيال والتدمير، وأضعاف السلطة الوطنية-
لن يشكل حلاً للقضية الفلسطينية، ولن يضع حداً للصراع القائم
في فلسطين وحول قضيتها، والصراع العام في المنطقة برمتها،
بين العرب وحلفائهم الملتبسين وبين اسرائيل وكثرة حلفائها،
بل ان هذا الانسحاب، اذا ما تم -وقد لا يتمكن شارون من
إتمامه بسبب مقاومة المستوطنين- سيخلق، ولو بعد حين- هذا اذا
توقفت المقاومة فعلاً- شروطاً جديدة لقيام حركة من نوع جديد،
لن تجعل عنصريي إسرائيل يرتاحون، ولن تتيح للأنظمة العربية
فرصة المساومة مع سادة العالم الجدد، في اطار مشروع الشرق
الاوسط الكبير، أو خارجه. بل هي ستجعل الفوضى سائدة في
المنطقة، الامر الذي سيقدم للقوى السلفية المتطرفة كل الشروط
لتوسيع حركتها العبثية التدميرية.
لا بد، في ضوء كل
هذه الوقائع، من مراجعة عميقة وشاملة من قبل الحركة الوطنية
الفلسطينية بكامل فصائلها، ومن دون استثناء، مراجعة لكل
سياساتها في الحقبة الماضية لاسيما في السنوات الاربع
المنصرمة وظيفة هذه المراجعة النقدية، الاساسية، في خلق
وظيفتها الاساسية، هي خلق الشروط لوضع خطة عمل جديدة، مختلفة
بالكامل عن السابق، محددة الاهداف بوضوح. وأهم ما اعتبره
أساسياً بين هذه الاهداف هو الاتفاق الصريح والواضح بين
مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية على التمسك بإقامة الدولة
الفلسطينية على الارض التي احتلتها اسرائيل في عام 1967،
كمهمة استراتيجية، والوصول إلى هذا الهدف بالتدريج، مرحلة
بعد مرحلة، واختيار اشكال النضال بواقعية، بهدف توسيع قاعدة
الحلفاء بدءاً بالداخل الاسرائيلي وصولاً إلى آخر نقطة في
الكرة الارضية. ففي اعتقادي ان العمل لعزل عنصريي اسرائيل،
في السلطة وخارجها، هو مهمة بالغة الاهمية والجدوى، ولها
اولوية قصوى. أضيف إلى ما سبق ان المراهنة على الانظمة
العربية قد صارت من الماضي، فكل نظام من انظمتنا الاستبدادية
القائمة مهموم بترتيب اوضاعه بما في ذلك، اذا اقتضى الامر،
بالتخلي سراً او علانية، عن دعم الشعب الفلسطيني، من أجل
الحفاظ على سلطته، والمساومة على كل شيء في سبيل هذا الهدف.
ولا يستثني من هذه
الانظمة أي نظام، بما في ذلك النظام اللبناني الذي يبالغ
اركانه وحلفاؤهم في الحديث عن خطر التوطين إلى حد المساهمة
في بيع اللاجئين الفلسطينيين إلى الشيطان عند الضرورة! أما
الحركات الوطنية الديمقراطية في البلدان العربية فهي احوج من
الحركة الوطنية الفلسطينية للقيام بتلك المراجعة العميقة
والشاملة لسياساتها وافكارها ومشاريعها ووسائط وادوات
نضالها، ليس فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحسب، وانما فيما
يتعلق ببلدانها الذاهبة إلى الكارثة بسرعة فائقة.
وفي يقيني فإن مثل
تلك المراجعة العميقة والشاملة من قبل الجميع، لا سيما من
قبل الحركة الوطنية الفلسطينية، المراجعة التي أدعو اليها،
والخلاصات التي ينبغي ان يخرج منها الفلسطينيون، خصوصاً، حول
النضال لتحقيق الدولة الفلسطينية في الظروف الدقيقة والصعبة
الراهنة، إن ذلك يشكل اساساً جديداً، أكثر جدوى وفاعلية،
لتضامن الاشقاء العرب مع الشعب الفلسطيني، واعادة احياء
القضية الفلسطينية في شكل أكثر وضوحاً، أي أكثر تحرراً من
اوهام الافكار السلفية والغيبية السابقة، وعندئذ لا يعود
السؤال عن فلسطين، وعن القضية الفلسطينية، أقرب إلى اليأس،
بل سيصبح اكثر ارتباطاً بالمستقبل، واكثر تفاؤلاً بحل عادل،
ولو بالتدريج، وعلى مراحل، وفي زمن اقل، وفي تضحيات اقل
جسامة واكثر جدوى، للوصول إلى الدولة الفلسطينية.
لماذا كان (البيان الأممي ضد
الارهاب) ولماذا جاء الآن؟
شاكر النابلسي
-1-
هاتفني الصديق
الدكتور مأمون فندي الكاتب والأكاديمي البارز ورئيس تحرير
المجلة الجديدة المتميزة (قضايا عالمية) التي تصدر في
واشنطن، وبارك لي ولمعدي (البيان الأممي ضد الارهاب) الذي
تمت ترجمته الآن إلى الانجليزية، وسيرفع بعد أيام إلى رئيس
وأعضاء مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، وسألني
سؤالين مهمين:
- لماذا كتبتم هذا
البيان؟
- ولماذا الآن؟
وهذان السؤالان لم
يكونا فقط على لسان مأمون فندي، ولكنهما كانا حال معظم الذين
هاتفونا وناقشوا معنا هذا البيان وأفكاره، وما جاء به من
أمثلة الفتوى المحرضة على الارهاب وخطورة هذه الفتاوى ودورها
في زيادة وتائر الارهاب وتشجيع الشباب على ترك مقاعد الدراسة
وطلب العلم، وترك مكاتب العمل وهجر طرق طلب الرزق وهذه قلة
قليلة، ولكن هذه الفتاوى المحرّضة على الارهاب تشجع بالدرجة
الأولى الشباب العاطل عن العمل والمحروم من التعليم
والمُعطّل العقل والارادة والمتماهي مع الزعماء الروحانيين
من أمثال ابن لادن والقرضاوي والظواهري والزرقاوي والغنوشي
والترابي وغيرهم، والمنتشر على مقاهي الرصيف.. تشجيع كل
هؤلاء للالتحاق بصفوف الارهاب في العراق وأفغانستان، واليوم
سيناء المرشحة لأن تكون ساحة ثالثة من ساحات الارهاب الديني
الأصولي بعد عمليات التفجير الأخيرة في طابا التي باركها
فهمي هويدي في مقالاته القريبة في جريدة "السفير"، وأحمد
مجدي حسين الأمين العام لحزب "العمل" المصري الذي قال في
جريدة ("الشعب" ، 8/10/2004) ان هذه الأعمال الارهابية قد
ردت لمصر كرامتها وعزها ومجدها!
-2-
لماذا كان
(البيان الأممي ضد الارهاب)؟
لنا في ذلك أسباب
كثيرة منها:
1-أن هذا البيان
جاء صدى لقرارات مجلس الأمن الاربعة بخصوص الارهاب: رقم 1267
في 15/10/1999، والقرار رقم 1373 في 28/9/2001، والقرار رقم
1540 في 28/4/2004 ، والقرار الأخير رقم 1566 في 8/10/2004.
2-أن هذا البيان
جاء خلاصة لمواقف الليبراليين الجدد السابقة من الارهاب ومنذ
سنوات، ولا جديد فيه الآن. فشاكر النابلسي أحد معدي (البيان
الأممي ضد الارهاب)كان كتابه ("ابن لادن ما زال حياً"، عام
2002) من الكتب الأولى في المكتبة العربية التي درست الارهاب
الحالي وتاريخه ومنشأه وعناصره ومكوناته.. الخ. كما كان هذا
الكتاب سجلاً راصداً لكيفية تفكير العرب من اليسار والوسط
واليمين في كارثة 11/9/2000. وتتابعت كتابات النابلسي عن
الارهاب منذ ذلك الوقت حتى الآن. ومنذ العام 1996 والعفيف
الأخضر أحد معدي (البيان الأممي ضد الارهاب) يكتب سلسلة من
المقالات يحذر فيها من فتاوى الارهاب، ومن فقهاء سفك الدماء.
وكانت احدى المقالات (هل من رد على فتوى التحريض على
الجريمة؟) سبباً في ايقافه عن الكتابة لمدة شهرين في جريدة
"الحياة" 13/2/2002.
3-أن هذا البيان
قد جاء بعد أن لاحظ الليبراليون العرب أن الفوضى الدموية
المُشرّعة من قبل بعض الأشياخ المفتين قد اتسعت وتعاظمت، إذ
استمر هؤلاء الأشياخ يفتون واستمر الإرهابيون يقتلون. وأنهم
بهذا البيان يودون ايقاف هذه الفوضى الدموية بعد أن تحول كل
شيخ من شيوخ الافتاء الدموي إلى محكمة من "محاكم التفتيش" في
القرون الوسطى. وهذا البيان عندما طالب باقامة محكمة
للإرهاب، فإنه بذلك كان يرد على "محاكم التفتيش" التي أقامها
هؤلاء الأشياخ.
4-أصبح خطر
الفتاوى العسكرية الدينية لصالح الارهاب خطراً عاماً يمهد
لحرب أهلية زاحفة في الفضاء الإسلامي وللحروب الدينية
العالمية التي هي الهدف النهائي للارهاب الأصولي الديني.
وأصبح المطلوب هو تجريم فتاوى التحريض على الارهاب والقتل
وكراهية الآخر إذ هي الشكل الأكثر خطراً للعنصرية وتقديم
مقترفيها للمحاكمة. ولم يعد هذا التجريم نافعاً على المستوى
العربي أو الإسلامي، وكان لا بُدَّ لهذا التجريم من نقلة إلى
المستوى الدولي لكي يصبح فاعلاً وفعّالاً، وهو ما قام به
معدو (البيان الأممي ضد الارهاب).
5-لقد أصبح خطر
الفتاوى الدينية المتتابعة لا يتأتى من احتمال تطبيقها فحسب،
ولكن أيضاً من ترسيخ كراهية الآخر واحتقار الحياة في الوعي
الجمعي الديني الذي بدأ بالكاد ينهجى أبجدية الحداثة. فلا
خيار لنا إلا أن نكون حديثين أو لا نكون. كما كتب العفيف
الأخضر في جريدة "الحياة" 13/2/2002 في مقاله (هل من رد على
فتوى التحريض على الجريمة؟)
6-أن المثقفين
العرب التقليديين في غالبيتهم كانوا إلى جانب الإرهاب القائم
الآن. بل كان بعضهم داعماً له وحتى الآن . ومن يقرأ مقالات
هؤلاء في الصحف الرسمية وغير الرسمية والحزبية وغير الحزبية
يخرج بانطباع واحد وهو ما قاله أحمد مجدي حسين الأمين العام
لحزب "العمل" المصري في جريدة "الشعب" في 8/10/2004، من أن
هذه العمليات هي التي أعادت الكرامة والعزة والمجد للأمة
العربية. وأننا بجب أن نفخر بذلك، ولا ننكر مثل هذه العمليات
علينا أو على ابنائنا ممن يقومون بمثل هذه العمليات.
7-لقد لاحظ
الليبراليون الجُدد بأن السلطات العربية عاجزة عن اجتثاث
الارهاب من جذوره وأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو تسكين
الخلايا الارهابية التي لا تلبث أن تنتفض ثانية. وبلغ الضعف
والخوف بالسلطات العربية حداً أنها لم تعد قادرة على اهمال
طلب الارهابيين بايقاف مسلسل تلفزيوني كمسلسل ( الطريق إلى
كابل) الذي تم وقف بثه في كثير من محطات التلفزيون العربية
بعد تلقي هذه التلفزيونات انذارات ارهابية. فكيف نطالبها وهي
ذات اليد القصيرة والعين غير البصيرة أن تقيم محاكم لدعاة
الارهاب والمفتين له؟
8-لقد لاحظنا أن
ستين بالمائة من الموقعين على هذا البيان هم من أبناء الخليج
العربي. ولهذا تفسيره. فالحاجة تنتج الظاهرة ونقيضها. بمعنى
أن الخليج قد انتج ابن لادن ولا بُدَّ أن ينتج نقيضه. وانتج
القرضاوي ولا بُدَّ أن ينتج نقيضه، ورعى واحتضن الغنوشي
والزنداني وفكر سيد قطب وينتج الآن نقيضه، ورعى واحتضن جماعة
الإخوان المسلمين في الستينيات والسبعينيات ولا بُدَّ الآن
أن ينتج نقيضهم. انه نوع من التكفير عن ذنب عظيم. فالأموال
الخليجية والفقه الخليجي قد ساهم مساهمة كبيرة في رفع وتيرة
الارهاب دون شك. واليوم نرى هذا التوقيع على (البيان الأممي
ضد الارهاب) من قبل الخليجيين وبهذه النسبة المرتفعة بمثابة
انتاج لنقيض ظاهرة الارهاب.
9-ولقد لاحظنا
كذلك، أن أقل نسبة من الموقعين على هذا البيان كانت من
الفلسطينيين والأردنيين على وجه الخصوص. ومرد ذلك في رأينا
أن الشارع الفلسطيني والأردني قد تمت تعميته تماماً بفضل
سيطرة الأحزاب الدينية الأصولية، وبفضل الأموال التي أغدقها
نظام صدام حسين على هذين الشارعين.
10-وأخيراً، فإن
السؤال الذي كان يجب أن يُسأل ليس لماذا هذا البيان الآن،
ولكن لماذا تأخر صدور هذا البيان إلى الآن، بعد أن غرق
العالم العربي بدماء الارهاب وحُجب ضوء الشمس العربية بلمعان
سيوف الارهابيين، وأصبح العربي لا يعني للعالم الرازي
والكندي والفارابي وابن رشد وابن خلدون وابن سينا، ولكن ابن
لادن والظواهري والقرضاوي والزرقاوي والزنداني والترابي
والغنوشي وغيرهم.
|