|
شعر/ موفق محمد
هذا رأسي
لا يصلح إلا للموت
وترويض جهنم قبل قيام الساعة
وبإمكانك أن تسكن في أعلى قمة رعب فيه
وستسكر حتماً من ضيم يتعتق في واديه
فأخلع نعليك
وخذ قبساً من جبهته
وبشر الملثمين
إن لهم في هذا الرأس ثوابا
واختر سكيناً أعمى
يحفر في العينين وفي الشفتين ويأتي الرقبة
وما أدراك ما الرقبة؟
فاكهة الجلادين
دمها خمر
وفي لوزتها مزة للذابحين الصائمين
الفاطرين على طبر
فإذا ما قامت الساعة وانشق القمر
حشروا في الدرك الأسفل
يزدانون بالخزي فقاءتهم سقر
********
خرج الشاعر من رأسي وما عاد إليا
أين ولى؟
ذلك الوحش الذي أشبعني رعباً
وموتاً أبدياً
أتراه اليوم في خمارة الموتى يراني
واضعاً رأسي على شاهدة عبت من
الخمر كؤوساً
هو ذا يدخله في ضجة الحان عبوسا
إنه يشرب نخبي
وأنا أشرب نخبه
ثم نزداد عناقاً ونحيباً
هكذا بدلت الخمر الرؤوسا
ودخلنا في قبور ينفخ الصور بموتاها
فلا يلقى مجيباً
اللهم
إن موتانا أكثر أمناً منا
فقد حددوا يوماً لزيارة الأحياء
وهم يقيمون لنا المناقب تحت شعار
أذكروا محاسن أحيائكم
ويبعثون لنا ببرقيات التعزية
ويتمنون لنا الموت بكامل أجسادنا
*******
حسناً
هذا رأس آخر
مكتوب في جبهته هذا قبر المرحوم
وفي شفتيه غناء مر لبقايا جثث مشتعلة
من ترى يجرؤ أن يفقأ عين السنبلة
وهي تبكي
غارزاً خنجره المسموم في حبل الوريد
يا إلهي
إن الوحوش عطرت أنيابها
ولونت من دمنا أسمالها
وحوقلت ناثرة رصاصها
ولا ابن دين كي يقول من لها؟
اللهم
أمتني
كما مات أبي برصاصة قناص
لتراني أمي كاملاً قبل أن يوارى جثماني
الثرى
********
هذا رأس
يتمنى نومة أهل الكهف
وقد واعدوه بذلك
فابن له كهفاً
ونم حياً
ولا تخبر برؤياه الوحوش
********
هذا رأس يتدحرج في الطرقات
لا أعرف صاحبه
عيناه نابضتان ويسمع
خذ منه ما يصلح للبيع
وأرم الباقي في أقرب صندوق قمامة
حفاظاً على نظافة مدينتك
*********
هذا رأسي آخر رأس يتأرجح فوق الرقبة
إنه يشرب قبل الحرب صرفا
بعدها
صار لزاما مزجها
من دموعي
عندما يختطف الموت الندامى
إن هذا الرأس قد مرمرني
حضر له سيفاً ولثاماً
وضع لافتةً خلفك
واقطعه
وبلغ لي إلى الأهل السلاما
******
نعيم عبد مهلهل
آكاكي بطل قصة المعطف. هو الاستلاب الذي سنظل نعاني منه لعدة
قرون قادمة.
"غوغول"
تعودت أن ألجأ في كل رغبة لحل معضلة حياتية على مستوى الفكر
والمجتمع أن أعود إلى ثقافتي المتواضعة التي صنعت من رغبة
حلم فقير أيام كانت الناصرية تئن تحت ذعر الحنطة المكسيكية
المسمومة التي طليت بأوكسيد الزئبق كي تزرع ولا تؤكل. لكن
الفقراء بسبب جوعهم ورغبتهم باليوم وليس بالأمس جعلوها
طعاماً لهم فحدث الذي حدث. لتعيش المدينة واحدة من نوادر
الموت في التاريخ:
الرغيف يقتل البشر وليس الرصاص.
وكانت الماركسية نمطاً متفوقاً من التفكير، إنها توصلك إلى
يقين بأن الحياة من دون مشاركة عادلة تجنح لتكون حياة ظالمة،
لهذا كانت تؤوي تحت معطفها كل راغب ليكون له في هذا الوجود
فردوس بمستوى طموحه وأن لا ينحني لشرطة أو إقطاعي أو ملك.
فكارل ماركس يقول: أن السعادة نمط مثالي تصنعه رغبتنا بصناعة
حياة يسود فيها العدل والمساواة بدون مثالية أفلاطون وغيره
من الدعاة الذين كرسوا للملكية قيمها الظالمة.
وقيل أن ماركس كان يقصد من الدعاة: المسيح. لأن هذا الرائي
السماوي اشتهر بسماحة عجيبة كلفته أن يعلق بمسامير خشبية على
صليب الخشب وأنه في عشائه الرباني الأخير ما كان ينزل عينيه
عن من سيوشي به من تلامذته الذي قد لا يستحق أن يذكر اسمه
هنا. آخذين بنظر الاعتبار مقولة الثائر البوليفي أرنستو تشي
غيوفارا: الخائنون لا ينبغي ذكرهم في دفاتر الذكريات مطلقاً
لأننا بذلك نضع لهم مهابة ما في كتب التاريخ.
استعار ماركس من الفلسفة ومثالياتها ما أراد أن يحقق به
فنتازيا لعالم تتوحد فيه الرغبات بشكلها المادي أكثر من
روحانيتها، لأنه يعتقد أن المادة هي الشكل الذي يتكون منه
الوجود وأن الحياة عبارة عن فعل يدام باستعمال شيء وهذا
الشيء مكون من عنصر مادي. الكاتب مادته القلم. الفلاح
المنجل، الحداد المطرقة، العالم دورقه، أما الروح فيعتبرها
ماركس رغبة ميتافيزيقية قد تذهب بالأمل المادي إلى ما لا
نهاية. لهذا قال: أنا أقرأ الروحانيات. ولكني معهم في خصام
دائم.
وهكذا عاشت هذه النظرية مثلما يعيش الحلم في ذاكرة الطفل
الذي بدأ للتو يدرك أنه ينمو. وكان هذا الحلم ينمو مثل
يقطينة هائلة غير أنا في سعينا للتعلق بالأمل الماركسي بقينا
نمسك بروحانيات المذهب ونحاول جاهدين أن لا نجعل بين
الرغبتين صراعاً على مستوى الظاهر الاجتماعي بالرغم من أن
صراعهما الداخلي كان قائماً على قدم وساق، ولكننا في النهاية
كنا نجنح إلى قناعة أن لمحمد دينه ولماركس نظريته. وأتذكر من
طرائف علاقة المذهب بالنظرية: أن فلاحاً من فلاحي بستان حاج
عبود الواقع في شمال مدينة الناصرية وكان بدينا جداً ولا
يعرف القراءة والكتابة قد نظموه في صفوف الحزب الشيوعي في
خمسينيات القرن الماضي، وكانت اجتماعات الحزب السرية تقام في
البستان. وذات يوم داهمهم أمن نوري سعيد، فهرب كل واحد إلى
جهة حتى صاحبنا الذي وصل في ركضه إلى نهر صغير يسمى (كرمة
الحجية) الكل عبرها ولأنه سمين لم يستطع العبور، فصار مثل
طارق بن زياد يتلفت يميناً وشمالاً: البحر من ورائكم والعدو
من أمامكم، غير إنه حسمها قائلاً: نتوكل على علي وعساها بحظ
لينين وبخته.. ودفر في الطين وعبر الكرمة.
هذا نموذج من العلاقة بين المذهب والحزب وبرغم هذا كان عشق
تلك الرؤى التي تقودنا إلى حلم قتل الجوع والسلطة القاسية
يتفوق على الكثير من الأحلام حتى فيما يهم الرغبة بامرأة
ساحرة، لأن سياسة الأمس كانت في طبيعتها الفطرية والمثالية
تمثل نمطاً متقدماً من الثقافة والتحضر ونكران الذات، غير
إنها كغيرها من خيبات الدهر مرت بأخطاء أيدلوجية قاتلة كانت
سبباً في مجيء الحروب والدكتاتوريات وتغير نمط الشخصية
والتفكير وقتل كل تلك المثاليات الرائعة التي كانت تخلق
لدينا القناعة بأن الرغيف الأسمر أطيب ألف مرة من وجبة
ماكدونالد التي لم نكن حتى لنسمع بها.
ظلت الماركسية طوال قرنين من الزمن تمثل ذروة الحلم عند
الكثير من شعوب العالم الثالث ولكنها في أكثر ولادتها
العسيرة يجهز عليها العسكر بطرق مجنونة وقاسية، وما حدث في
سنتياغو أيام سلفادور الليندي لدليل على أن اليسار الحالم قد
يترك من قبل العراب وحيداً بسبب خضوع أولئك الذين صنعوا من
النظرية دولة كبيرة اسمها الاتحاد السوفيتي إلى منطق المصالح
وصراع القوى العظمى. وهكذا ذهبت أحلام لينين وماركس وبلاشفة
أكتوبر إلى قدرية أن التاريخ يدار بلحظته وليس بحسابات اليوم
وغداً وأمس كما كانت تريد به الماركسية أن تقود خيول أحلامها
في مراعي الأرض المضطهدة من ألاسكا وحتى هور الجبايش في
الجنوب العراقي.
وهكذا عبر عالم تداخلت فيه انهيار الفلسفات والقيم. بدت
الماركسية ليست سوى نظرية لحلم يفترض أن يقود الفقراء إلى
حقل الرز ليشبعوا. هذا الحلم الذي تنال منه ضبابية التكوين
الجديد للعالم الشيء الكثير والذي خضع مثل بقية الأنشطة
الكونية إلى المتغير الجديد والمسمى العولمة، ولكي نقارن
العولمة بالماركسية فالأمر يحتاج إلى جهد فلسفي صعب، إن
الأمر كما يصفه أدوارد سعيد: يقترن بثقافة البيئات ومدى
تقبلها ورفضها، ثم فجأة تحول هذان الهاجسان إلى خضوع.
هذا الخضوع، يتراءى لي في صورة ما يحدث اليوم، وما يجري
بالضبط.
انتهاكات، مدن تحترق، سيارات مفخخة، محفل يبدو أن زمام الأمر
ما عاد يخضع فيه إلى إشارة من عراب، رؤساء لجمهوريات تتدمقرط
على حساب تصفيق الوزير، إلى الحد الذي قال أحد رؤساء
الجمهوريات المتوسطية: لماذ آل فيصل والهاشميون وحكام
الخليج، لهم ولاية عهد لأبنائهم. فليكن ابني رئيساً من بعدي.
وسيكون، ويأتي من بعده حفيده، وهكذا يقاد الوطن بسلسلة
حلقاتها من رحم منزه واحد، ولو قرأ هذا الرئيس همسات لينين
تلك، لما تمنى أن تكون العشيرة في أرض الكنانة هي الأثيرة:
لينين في بدء الثورة البلشفية تعرض إلى عملية اغتيال بمسدس
من قبل توأمتين، وأصيب في صدره، وهو يعاني من الجرح قال لمن
يسعفه: كان الأجدر بكم أن تخبروهن، إنني لست القيصر. أنا
مواطن من الشعب. الأختان ذهبتا إلى السجن واحدة ماتت في
السجن بالسل بعد فترة والأخرى شهدت انتصار الروس على النازية
وماتت.
القصد هو ما يحدث الآن وعلى الصعيد الوطني لبلدي المسمى
(العراق).
وطن استظل بظل واحدة من أشجار السدر فيه آدم. ونوح صنع الفلك
فيه، وايوب صبر وتعذب ونال المنى فيه، إبراهيم ولد فيه،
ويونس المهاجر لإصلاح نينوى، قبره فيه.
لا أبغي تأكيد أن ماركس قد يكون منقذاً، لأن الأمر لم يعد
ممكن الحدوث إذ خضع الوطن بفضل سني القهر إلى عملية أدلجت
الذات إلى الركون بزاوية النأي عن الحدث الساخن، وما يأتي هو
ما يأتي به الله. فحتى الذين قدموا مع دبابة التغيير تفاجأوا
بأن الذات المركبة لهذا المبجل ابن الرافدين نالها قهر عجيب.
ولأنهم أرادوا أن يدخلوا المعترك بأية صورة، نالهم ما نالهم
مما يجري الآن.
غير أن محبي ماركس نأوا بقدرية وجودهم إلى حكمة أن التغير
سيقوده ديالكتيك التاريخ، هكذا مثلما نطق به هيجل قبل قرون:
الحدث ابن الحداثة، والحداثة وليدة التغيير، وما يكون سيكون
لصالح التاريخ، ولا تراجع في نمو الفكرة التي أريد بها لتقود
العالم إلى حلمه الأزلي بالحياة الكريمة.
هذا الأمر طبقه الروس بعد أكتوبر، لكنه تحول بفعل النزعة
الذاتية إلى شبه ديكتاتورية على مستوى التنظيم في فوقيته
وأقصد المكتب السياسي، الذي وصفه روجيه غارودي: بأنهم يقودون
مثالية ماركس إلى حديقة غاب في الجانب الغربي. وكان يقصد
بحديقة الغاب: أمريكا. وصدق الحاج (رجا غارودي) في نبوءته.
هنا كيف نرى الأمر؟ الماركسية ما زالت تحمل إرثها الوطني
المشرف. وما زالت قمم كردستان تعلن عن تأريخ عدد لا بأس به
من صانعي الأمل لتكون الحياة كما تخيلها ماركس: إلى حد
القناعة بأن العالم لا يتغير بسيف بقدر ما يتغير بوردة. غير
إن الحدث الوطني اليوم حدث عاصف، وسدنة قمم الثلج، صامتون
ينتظرون فرج الديالكتيك الذي اعتقد أن شمسه لن تظهر وسط حرب
الشوارع.
لهذا فإن تلك القدرية الموروثة من تعاميم الكراسات والقائلة
لننتظر: قد تقع في المأزق نفسه الذي وقعت فيه جبهة
السبعينيات.
وما يحدث ينبغي أن ينظر إليه بعراقية حميمية وفق متغير اليوم
الوطني. فلكي نصنع الأمل، علينا أن نتأمل الأفق، فهناك فسحة
من خيال عاشق ربما هو أكثر كفاءة من السياسي ليدير العملية.
أيها الطيب ماركس.. ما الذي يحدث بالضبط؟
هذا تساؤل مدرك بضبابية الناتج والنتيجة.
عباس بغدادي
رؤوف الجبوري المحامي المتوفى عام 1948 عاش ونشر أفكاره في
مدينة الحلة، حصل على شهادة الحقوق عام 1944، استخدم الصحافة
والمجلات لنشر أفكاره التنويرية، أصدر مجلة الحكمة عام 1936
وجريدة العدل وشارك في إصدار الصحف والمجلات في الحلة حتى
وفاته، درس العلوم الدينية في النجف الأشرف ولقب (بالشيخ).
شكل مع أستاذه عبد الكريم الماشطة والشيخ يوسف كركوش ثلاثي
التنوير في الحلة خلال العقدين الثالث والرابع من القرن
الماضي، كان معتمد الحزب الوطني الديمقراطي في الحلة.
أفكاره من خلال مشروعه التحديثي
عند مطالعة عشرات المقالات والقصائد التي نشرها الجبوري نجده
يعتقد بأن العقل هو أداة الفهم، هادفاً إلى خلق مجتمع يتصف
ويعتمد العقلانية في التعامل مع الوجود والكون، جاهد في نزع
الذهنية الخرافية مقدماً البديل العقلاني، حارب النكوص
الحضاري الذي يعيش فيه مجتمعه محاولاً وضع أسس للنزعة
النهضوية التي اتسم بها مع زملائه، متمسكاً بروحانية المجتمع
مزاوجاً إياها مع المنجز العصري في الفكر وأن لا تقاطع بين
التراث والعلم، واطلع على مشاريع النهضويين العرب كالأفغاني،
الكواكبي، محمد عبده. وركز على جانب التعليم واعتبره حتمية
اجتماعية وحضارية تفرضها طبيعة المرحلة وبالتعليم يتخلص
المجتمع من الجهل وكشف عن مميزات التعليم ومكاسبه العقلية،
وبث كل ذلك عبر المجلات والصحافة وهو ما يتيسر أمامه في
حينها، ناضل من أجل إظهار العقلية العلمية وإيجاد منهجية
لنشر العلم رافعاً شعار أن الأمم تكمن قيمتها في منجزها
المعرفي. وأشار إلى أن الأنظمة السائدة تهدف إلى تدمير
الإنسان وحريته وهي في مشاريعها تدعم سلطة الدولة لا نهضة
المجتمع، فهاجم سياسات الحكومة وكلفه ذلك السجن وتضييق
الحرية عليه وغلق مجلاته وصحفه وقد أشار إلى ذلك متألماً.
ودافع الجبوري عن المرأة وحقوقها وطالب بإزالة العقبات أمام
تحررها وهو يعيش في مجتمع يضيق على المرأة في حقها في
التعليم، والعمل، وأكثر من استعماله كلمة العلم قاصداً بها
العلوم الصرفة منبهاً إلى أن هذه المفردة لا تعني العلوم
الدينية حصراً، ونادى بإعمار الكون والارتقاء به موجهاً
كلامه إلى مراكز الفكر الروحي التي تحاول حصر التطور في باب
واحد، وانطلق في أدائه الفكري والمعرفي محاولاً جعل رؤاه
وأفكاره موضع التنفيذ مخاطباً المجتمع وهو يزرع قيماً جديدة
داخل بنية التخلف، وصاغ مشروعه الثنائي الذي اعتمد التراث
الروحي ركناً والمعاصرة والانتماء للحاضر ركناً آخر، فمشروعه
النهضوي لا يدعو إلى التماهي في الحداثة ولا إلى الذوبان في
الماضي، إنها مزاوجة مبكرة كلفته الكثير من المتاعب بين
الموروث والمعاصرة.
ومن أفكاره التي ركز عليها موضوع الترجمة، ففي العدد الأول
من مجلة الحكمة الصادر عام 1935 بشر القراء بأنه سيسعى إلى
ترجمة عيون الأدب العالمي ومنجزات العلم الحديث لتكون بين
أيدي قرائه وقام فعلاً بالترجمة عن الفرنسية والإنكليزية على
صفحات الحكمة في أعدادها اللاحقة عام 1936.
ودافع عن الصحافة في العراق داعياً إلى حريتها مقارناً الأمر
بصحف مصر ولبنان معتبراً الصحافة لسان حال الناس في كشف
مساوئ ومطامح المجتمع، واعتبرها أسرع السبل لنشر الوعي فكان
في عمله هذا إعلامياً متنوراً، وفي عدد الحكمة الأول أشار
الجبوري إلى أنه يهدف إلى إشاعة الفكر الحر وإنه سينقل تجربة
وأفكار أوروبا المادية مع الاحتفاظ بروح الشرق الدينية،
متجاوزاً الوضع السائد حين بشر بنظرية دارون في النشوء
والارتقاء، ومن خلال كتاباته نعرف أن الجبوري تأثر بنظرية
فرويد السيكولوجية فهو يرجع كل الأنشطة الموسيقية والفنية
والتشكيلية إلى دوافع غريزية كامنة في الإنسان، وهاجم
الجبوري في عدة أماكن القراء الذين يعتمدون اسم الكاتب ولا
يعتمدون المادة المطروحة للقراءة مهاجماً الشهرة الزائفة
منادياً بأن الصحافة ليست مجالاً لقتل الوقت بل سلاح فكري
تنويري للمجتمع.
وفي مقابلة شخصية مع ابنته الفنانة التشكيلية (رؤيا رؤوف)
أكدت أن مكتبة والدها كانت تحتوي على كل ما تيسر له من كتب
فرويد، ماركس، والمترجمات لعيون الأدب العالمي خاصة الأدب
الروسي الكلاسيكي إضافة إلى مكتبة عامرة بالكتب الدينية
والأخلاقية مع اهتمامه الخاص بكتب الفلسفة، وإشارة إلى دفاعه
المستمر عن المحكومين المظلومين في محاكم الدولة مجاناً،
وسبق الجبوري صحيفة المدى، ففي عام 1936 أعلن عن تقديم كتاب
هدية مجانية شهرية لمن يشترك في مجلة الحكمة مركزاً على
الكتب التنويرية والمترجمة كهدية، ووعد بتقديم كتابات عن
أدسون ودارون وسبنسر ومكسيم غوركي، وأعلن الجبوري عن أن
الانقلابات لا تعني ولا تخص السياسة فقط بل تشمل المجتمعات،
وتوقع للمجتمع العراقي ثورة عارمة ستعصف به مزيلة كل أنواع
الاستغلال مذكراً بأنها ستكون مشابهة للثورة الفرنسية، وأكد
أن العراق محتاج لمثل هذا الانقلاب لينقل البلد إلى مصاف
الدول المتحضرة، أو ليس ذلك تنبؤاً بسلسلة الانتفاضات
الوطنية التي مرت على المجتمع العراقي وأدت في النهاية إلى
ثورة 14 تموز الوطنية التحررية، لم تتوقف أحلام الجبوري عند
هذا الحد فراح يحلم بأنه لو كان نبياً، لحطم الأوثان الفكرية
وقيود الإنسان، ولكنه سرعان ما يصاب بالإحباط حيث يجد أحلامه
بعيدة المنال فتراه يسخر من الصحف المضللة للناس ونراه يحلم
لو كان فلاحاً لغرس أشواكاً رمزاً لتعبه الذي لا يجني منه
غير الأشواك.
أشعاره والتجديد
كان الجبوري شاعراً ترك عشرات القصائد في مختلف المناسبات،
أسلوبه كان عفوياً بالغاً في البساطة، تعليمياً في أكثر من
موقع متعلقاً بكل جديد وبشكل كبير، قال الجبوري:
فلم أعرف التقليد نظماً وإنما
تضلعت بالتجديد أقوى تضلع
وفي قصديته المعنونة (رجوع للطبيعة) المنشورة في الحكمة، عدد
3، 1936، يعرض حلمه الرومانسي متمنياً العيش في غابة هادئة
ويشدو أناشيد الطبيعة متمنياً حياة حرة بسيطة بلا قيود وبلا
جواسيس محذراً من وحوش المدن الذين هم في نظره أخطر من وحوش
الغاب، وتتجلى رومانسية الطبيعة عنده وهو يحلم بالعيش بين
الورود والجداول. كان الجبوري حالماً كبيراً وهذا الحال يعكس
الوضع النفسي الذي يحياه من حصار اجتماعي وسياسي وسلطوي.
قال يرثي الزهاوي
قد تزول الأوتار من بعد عزف
غير إن الأنعام ليس تزول
ليس ترضى العقول تصديق شيء
قيل ما لم يقم عليه دليل
وهي دعوة صريحة لخلود الفكر الذي يقوم على الأدلة المقنعة
وإن العقل النير لا يقبل المفاهيم جزافاً إلا بعد توافر
القناعات.
خاتمة
عبر الجبوري من خلال أزمته عن أزمة المثقفين التنويريين
الذين بدأت أفكارهم تظهر وتنضج بعد قيام الدولة العراقية
ونشوء الأحزاب والأفكار الحديثة ومساهمة هذه الأحزاب في نشر
فكر ووعي لم تألفه الناس سابقاً، دعا الجبوري للتعلم من
قنوات الفكر الأصيلة وليس الفكر الذي يمر عبر السلطة وساءته
طريقة رجال الدين التقليدية في نشر الفكر، ودعاهم إلى توسيع
معارفهم لمختلف العلوم، كما نادى للقضاء على الفساد السياسي
واهتم بالإنسان أولاً وأخيراً واعتبر الناس مادة صراع بين
المستبدين والأحرار، وحرض المجتمع على انتقاد ما هو سيء وعدم
السكوت عنه، معتبراً محاكاة التمدن في العلوم أمراً لازماً.
الجبوري لم يملك مشروعاً متكاملاً للنهضة ولكنه كان مستودعاً
لمختلف الاتجاهات الحرة وتبلورت أفكاره في الميدان الثقافي
والسياسي أكثر من غيرها معتبراً المطبوعات والإعلام أداته
للوصول إلى الناس، كان صاحب قلم صحفي بارع وحماسة شديدة،
تمحور حول نظرية التجديد والتمرد على القديم، لقد كتب من
داخل مجتمع متصلاً به غير منفصل عنه، حمل ثقافتين: ثقافة
روحية دينية أول الأمر ثم ثقافة عصرية حديثة وزاوج ببراعة
بين الثقافتين تاركاً آثاراً ذات قيمة تأثيرية في ميدان
السياسة والأدب. الجبوري كان مفكراً عقلانياً تنويرياً
متحمساً للتجديد والتغيير التهم معارفه من فلاسفة اليونان
وحتى فلسفة ماركس واستفاد من مفكري النهضة الأوروبية والنهضة
العربية، كان متأملاً للبحث عن براهين العقل الاستدلالية
لدعم مفاهيمه عن الحرية.
رحم الله رؤوف الجبوري فقد كان رائداً من رواد التنوير في
الحلة نضجت أفكاره مبكراً ورحل عنا مبكراً.
قراءة في شعر محمد الماغوط
زيد الشهيد
يتداخل النص الشعري اعتماداً على تداولية ما يجري في الفضاء المحيط،
والدواخل الغائرة لمنتج النص.. ولا ينتج النص كتداولية حرفية
تفتقد الحميمية وتنأى - في عديد الأحيان - عن الصدق الروحي؛
إنما كحاجة يتطلبها السؤال السرمدي للإنسان: لماذا أنا
هنا؟!.. ومن هذا السؤال تنبري جموع الاستفهامات المتلاحقة
بحثاً وتفصيلاً؛ وقوفاً وتعللاً لأن النص تمخض روحي ينتج
روحاً لها قابلية الإرهاص والتأجج، وفيها حتمية الاستمرار
وزهرة البقاء.
وإذا كان شعرنا العمودي القديم والمتقدم عبر الحقب قد جاء بمعظمه انثيالاً،
وتدفق سيلاً من صور وتعابير يقولها من أراد القول؛ ويبوح
بمفرداته من هوى البوح؛ ورأينا شعراء يتجيشون - نقلت الذاكرة
الجمعية أسماءهم ونصوصهم فيما اندثر الكثير منهم ومن
إفاضاتهم - فإن شعر اليوم ليس كذلك. ليس من اليسر قوله، ولا
من البساطة الكتابة بكلمات سيقال عنها شعراً.. إنه أقسى من
ذلك وأعقد. دروبه أكثر مطبات؛ والتواءاته أكثر شراكا. يدخلها
المستسهل فيتعثر في اول الخطى؛ ويلجها المستهين فينكفئ
مطعوناً بالتلكؤ والخيبة، فقد "أصبح الشعر صراعاً لا هوادة
فيه مع الكلمات والمعاني؛ كما أصبح جهاداً وتعذيباً للقوى
العقلية من أجل الوصول إلى مرحلة الإدراك". كما يشير إلى ذلك
جيمس مكفارلن، هذا إذا تناولنا شعرنا المتوارث الذي بنى
صروحه على هيكلية الوزن والقافية، وراكم وجوده قروناً
متعاقبة؛ فما بالك بالوافد الجديد الذي لا يتجاوز أكثر من
نصف قرن وأقصد به الشعر المنثور، من تجمعت الأصوات واقتربت
من التوافق على تسميته بقصيدة النثر وهو بحاجة إلى ذائقة
خاصة. ذائقة تخرج عن إطار المتوارث بقصيدة التعلم الذي هو
حاجة. حتى لو كان ذلك صعباً بدعوى أن الذائقة مجبولة على
متوارث مهيمن له رنينه وموسيقاه الغائران في أعماق طبقات
التذوق. والمتلقي في مسعاه لارتشاف واغتراف ما يشيع الرغبة
ويحقق فعل الشغف لابد أن يهيئ ذائقته لتحويل المشهد النثري
إلى صرح قصيدي شعري يتساوق وتكيف الذائقة؛ يتماهى وغرض النص،
إذ ينبغي أن يكون في داخل كل قارئ شعر، قارئ نثر. والجهد
المبذول في جعل نص شعري قصيدة يتطلب زيادة في الطاقة تفيض عن
إفشال التأويلات النثرية. وإذا لم يجهد القارئ نفسه في مشهد
نثري فلن تحضر القراءة الشعرية. والمهارة التي يتطلبها
التأويل الشعري تتضمن اهتماماً قوياً بالمعنى النثري مقروناً
بالاستعداد للاندفاع وراء المعنى الشعري لتوليد معان جديدة".
وفهم توجهات خالق النص الشعري في التعبير حيث القراءة لا
تنظر إلى الشاعر مرتب مفردات وباني آجرات، إنما هو عارض
كيان، وملهم أفكار، ووسيط أزمان عبر نصه الذي يمكن أن نطلق
عليها "الميتاوسيط".
وحين يقف الشاعر ليمسك بعنف اللحظة كي تمنحه التأمل تتهاوى كل سدود
القوافي، وتهرب من إزائه البحور والتفاعيل.. يتوارى الجلد
فيلجأ إلى المفردة يستحثها لجلب قريناتها من المفردات بحالة
أشبه بالدمع الدفيق، أو النحيب الصارخ؛ فتتجلى - أي المفردات
- مداً أبدياً من بوح وسواق جرارة من صور حسب لها حساب
الرفض، وخشي منها خشية الارتداد هروباً من تهمة التساهل التي
قد يوصمها المتلقي القارئ به؛ ذلك أن "أعظم خيانة يرتكبها
الكاتب هي أن يصوغ الحقيقة الصعبة في عبارة رخيصة "كما يقول
(راندل جاريك). فالتساهل هو ما ولد الهباء الذي نلمسه في
كثير من النشريات سواء على مستوى الصحف والمجلات أم على
نواصي الكتب التي يعلن عن إصدارها، فتتدفق هشة خاوية مبتلاة
بالفراغ وإن جاهرت بامتلائها. يلاحقها التقزم وإن أظهرت
اعتداداً بارتفاع القوام. إذ ما يبقى هو ما يهز دواخل القارئ
ويهشم لديه استقرارية البحرية الراكدة في قضاء روحة
المتشوقة، المنتظرة لحجر الرجرجة والانتباه. إن الشعر ممارسة
وجدانية لا يبقى أثر فعلها وتأثير حفرياتها إلا عندما تكون
فاعلة وذات تأثير جاءت من منهل الأعماق المتلظية بشواظ العنف
الذاتي المتوالد إما من (سادية) محتدمة أو (مازوشية) مؤثرة
تدفع بالذات إلى الهتاف صراخاً ليخرج صداها متسللاً من
منعطفات الأعماق إلى فضاءات الذوات المتصالبة عيونها تطالع
الآتي بما يحمله على اكتافه من إفضاءات.. هكذا يترك الناص
أثره ويطبع مؤثراته، فيأتي النص محملاً بالدلالات.
لقد قدم (بودلير) قصائد نثره بنفس سردي؛ رأى فيها قدرة على تقبل الابتغاء،
وحاضنة حنونة تشبع الفضول.. سرد ينتج حكاية نثرية
(بإكسسوارات) شعرية، عطر (رومانسي) يقاتل المألوف ويخرج عن
نطاق التقبل المعهود. حتى أن أغلب نصوصه صفعت بقرارات الرفض؛
ووجهت بشتائم الاحتجاجات.. انطلق من رغبة استقلال الخيال دون
ترك الواقع والتنكر له. دون احتساب الواقع مرفوضاً لا وجود
له في ذات الشاعر. أي أنه مزج الداخلي المتألم الجريح
بالخارج الرمادي المرهق، التعيس. ورأى "أن نتاج الخيال يتأتى
عن نوع حقيقي من الألم؛ وهو ليس ألم الحياة اليومية المؤقت
العابر، الناتج عن فقدان الطمأنينة، أو الحرب والحب بقدر ما
هو العذاب الداخلي العميق الدائم الذي نكبته عادة ونخفيه تحت
ستار النسيان المقصود.. وإذ نعرج على نصوص محمد الماغوط
نستشف عدم انفصالها عن هذا التوصيف. فهي تقدم - ترجمة
المعاناة والإرهاصات، والتأجج الجواني المحتدم الدفين بسرد
أقرب إلى الحكاية، رفقة أبجدية الواقع المتجسد باقيانوساته
التي تشي ببارقة أو بصيص من لهب سيطلق ضوء البهجة وإشعاع
انشراح النفس.. إزاء هذه التهالكات ينكفئ الشاعر صوب العودة
إلى مناشئ البراءة؛ لكنها براءة مريضة عليلة يرهقها إصفرار
الحال، وبعد الأمل، وسدود اليأس التي تمنع أية موجة للفرح من
الوصول إلى بيت البراءة.
كان بيتنا غاية في الإصفرار / يموت فيه المساء / ينام على أنين القطارات
البعيدة / وفي وسطه / تنوع أشجار الرمان المظلمة العارية /
تتكسر ولا تنتج أزهاراً في الربيع / حتى العصافير الحنونة /
لا تغرد على شبابيكنا / ولا تقفز في باحة الدار..
مقتطع من نص "الليل والأزهار" لا يكتمل إلا بتجسيد ماهيته كحل لأحجية
الحال، ولغز الموقف.ز مقتطع يحسب في القراءة التأويلية كخطاب
موجه إلى المتلقي، أو إلى الذات. إنه يلم فحوى الروح ليعطي
معنى للبوح، ويمنح تغريدة لحنجرة غريد؛ لكنها مبحوحة بفعل
الألم وتأثير الفحوى. يتوجه بعد منتصف النص نحو "ليلى"
فنكتشف إننا خدعنا بحسباننا أنه يهمس لنا بإفضاءاته، وإن
"ليلى" هي المتلقية الوحيدة التي يقرع لها طبول نثر أسراره:
وكنت أحبك يا ليلى / أكثر من.. والشوارع الطويلة / وأتمنى أن أغمس شفتيك
بالنبيذ / وألتهمك كتفاحة حمراء على منضدة / ولكنني لا
أستطيع أن اتنهد بحرية / أن أرفرف بك فوق الظلام والحرير..
إنهم يكرهونني يا حبيبة / ويتسربون إلى قلبي كالأظافر /
عندما أريد أن أسهر مع قصائدي في الحانة..
إن بوح الشاعر يعرض الحصار الذي يحسه. فهو محاصر بكل المعوقات والمعرقلات،
وأرضه ملغمة بالمطبات وشعور بأن من يضاددونه يكرهونه ليس
بدافع المنافسة والمواجهة الحرفية، بل بدافع البغض المبرمج.
فهم يدخلون إلى قلبه متسللين، بأظفار غيضهم ومخالب الأضرار
به حتى إن آثر الاختلاء بنفسه، وابتغى الاستحمام بقصائده في
حانة التماهي مع رضاء ونقاء الروح. حتى وهو يلج نص "تبغ
وشوارع" ففيه بقايا شكوى، وتقديم لوم وخطاب من عتاب لا
ينقطع.
إن النص الذي يسفح كلماته على رخامة تتبع القارئ لابد من أن يبث بخور القلق
في مسارات التلقي، ويثير في فضاء المتلقي تخلخلاً وإرباكاً
يهز الجدران، ويدفع أرض الرخاء إلى الإمادة؛ وعندها يؤدي هذا
النص فعلته في استقرار القارئ.. القارئ الذي يحس إنه إزاء
شيفرات سحرية إن وضع أصابعه على مجساتها قادته أصابع السحر
إلى مدلولات ستزعزع لديه قناعة كانت متكرسة، وسيقوده النص
إلى حتمية بناء قناعة جديدة. أي أن نصه الذي قرأه وأجرى
مقارباته المتداخلة معه آل إلى نص آخر سيتمخض كنتاج للقراءة
وفعل للتداول. إن نص البوح والشكوى والعتاب يبقى مكرساً
لـ"ليلى" الأنثى التي قد نجدها شيفرة للمفردة أو القصيدة أو
الروح، أو هالة الوهم ودوائر الحزن؛ وقد تكون فم احتجاج على
الذات المبتلاة (بالمازوشية) والجلد المتواصل.. ولنقر
افتراضاً كما هو الزبد الراغي على السطح أن النص موجه لأنثى
اقترن اسمها بـ"ليلى" - ليلى قيس بن الملوح، أو قيس بن ذريح،
أو قيس الرقيات - جاءت لتأخذ حيزاً في جسد النص، فيتقابل في
مضمار النص وجهان أحدهما يطلق الصوت بالكلمات، والآخر يغترف
الكلمات بالصمت. وإذا كان الوجه الأول ظاهراً يمثله الشاعر /
الباث فإن الثاني لا وجود له إلا في مخيلتنا. وكل قارئ يخلق
قسمات ذلك الوجه، ويمنحه صفة الحياة ليتلقى سمعاً ونظراً:
شعرك الذي ينبض على وسادتي / كشلال من العصافير / يلهو على وسادات غريبة /
يخونني يا ليلى / فلن اشتري له الأمشاط المذهبة، بعد الآن.
إن الخيانة في عتاب الباث ليست في ضمير ليلى ودواخلها إنما ظاهرها، وهو
الشعر الذي كان يتباهي بانسيابيته كشلال من عصافير، ينتفض
عليها فلا يخضع لإرادتها. وبجراء المؤثرات الخارجية يمارس
اللهو والعبث على وسادات غيره. هذا ما انجزه المرسل ويغمر
سهوب أعماقه بالأسى فيرثي زمن العفاف والحب العذري، لاسيما
أن المخاطب هو "ليلى" معلم الحب الغذري وبيرق النزاهة..
والشاعر يقدر برغم الألم المحفزات والأسباب التي حدت بالشعر
"شلالا العصافير" إلى اختيار غيره:
سامحيني أنا فقير يا جميلة / حياتي حبر ومعلقات وليل بلا نجوم / شبابي بارد
كالوحل / عتيق كالطفولة / طفولتي يا ليلى.. ألا تذكرينها؟
كنت مهرجاً / أبيع البطالة والتثاؤب أمام الدكاكين / ألعب
الدحل / وآكل الخبز في الطريق / وكان أبي لا يحبني كثيراً /
يضربني على قفاي كالجارية / ويشتمني في السوق / وبين المنازل
المتسلخة كأيدي الفقراء / ككل طفولتي / ضائعاً.. ضائعاً /
أشتهي منضدة وسفينة.. لأسرتيح / لأبعثر قلبي طعاماً على
الورق.
إذاً هذا هو الفقر الذي ولد عدم التكافؤ فأنتج انحراف شعر ليلى لغير وسادته
الراقصة على أديم جفافها أشباح الفقر وضعف الحال واستحالة
تحقيق المراد.. إن الشاعر فقير؛ فهو لا يملك غير الحبر الذي
يثير امتعاض من يمتلك عين التطلع لاغتراف ملذات المحيط
وحيازة البذخ والأبهة والمظهر المثير والأناقة الباعثة على
تصالب العيون اندهاشاً وإعجاباً له ولحاشيته.. نعم ماذا تجني
الذات الراعشة باتجاه كسب الضوء والإشعاع من ليل بلا نجوم،
وشباب معتم وبارد كالوحل. ناهيك عن طفولة خرساء عتيقة هربت
من دروبها حوريات الانطلاق وبنات الحبور وملائكة الفرح.. وفي
الشباب كانت البطالة والتثاؤب من لا عمل، ولا إنتاج، ولا
أبواب تنده بكف الحنان، في عائلة نشأ ربها على أبجدية الوصف
الذي يستعرضه الابن.. أب مقموع ومعاقب بالفقر والتهميش؛ مليء
بالغضب؛ أين يصب الجام المحتشد.. مرة كتبت قصة ولم تنشر، ثم
ضاعت بين محطات الترحال عن أب تضطهده الأيام في مجتمع يقسو
عليه بسياط البطالة والفقر وعار عهر ورثه عن أم ارتكبت
الفواحش فكان أن اشترى فأساً وجذوع أشجار يابسة، رماها في
الفناء الخلفي لبيته. وحين يعود متألماً، وتثير غضبه الزوجة
البائسة أو الأولاد المقموعون؛ ومن أجل ألا يرتكب جريمة
بحقهم لحظة الغضب يتجه إلى حيث الجذوع اليابسة. يمسك بالفاس
ويروح يبدد حنقه وانفعالاته الجامحة بتكسيرها حتى يسقط
منهكاً ولكن مرتاحاً. فيعود إلى الزوجة والأولاد ببساطة رب
الأسرة الحنون.
ويمكننا تخيل الماغوط - بل نحسبه - أب الكلمات يضاجعها كما يشتهي، ويجلدها
بسياط حزنه كما يروم.. كلماته بيده وموهبته لا تقبل
التحجيم.. إنها تبغي الانفجار؛ وهي دوماً في إرهاص، لذلك وفي
كثير من المواقف النصية تتمرد عليه وتنتثر فتتبعثر نصوصاً لا
قدرة له على كبحها أو إيقافها، أو حتى تأخير اندفاعها. ومن
هنا نرى نصوصه كما لو كانت لا تمت لشخصه: بسلوكه وعلائقه
والتزاماته.. هكذا يغدو الحال في عديد التجارب الإبداعية
لخلاقين دخلوا حومة الإبداع باعتزاز وجودهم كماسكي صولجانه؛
ثم خرجوا من حلبته وهم كما لو كانوا غرباء عنه. ألم يقل
"ماتيس" رائد تيار الوحشية في الفن التشكيلي: "نحن لا نستطيع
أن نكون أسياد إبداعنا. إن الإبداع هو الذي يوجهنا."..
بقلم / جون إيزارد
ترجمة / عادل العامل
تبين قصة قصيرة للكاتب الأمريكي أرنست همنغواي اكتشفت مؤخراً أن صورة الرجل
الفائق التي عرف بها الكاتب تعود بجذورها إلى مشهد من مسرحية
هزلية في حلبة لمصارعة الثيران في شبابه.
وهمنغواي نفسه الذي أثار الحادثة، وهي من المناسبات القليلة التي أظهرته
قليل الجدية بشأن هذا اللون من الرياضة الذي بات يعتبره
مشوباً بالغموض.
ويبلغ الأمر بهذه القصة المكونة من خمس صفحات، وعنوانها (حياتي في حلبة
مصارعة النيران مع دونالد اوغدن ستيوارت)، أن تصل للمزاد في
نيويورك كريستي، حيث يتوقعون لها أن تجلب ما لا يقل عن
18.000 دولار، لكن من غير المحتمل أن تنشر، بسبب المنع الذي
فرضته غربة المؤلف، التواقة إلى حماية سمعته من تأثير ما
يعتقد البعض أنه يعتبر أمراً صبيانياً يتسم بالصخب.
وقال متحدث من كريستي أنهم، بسبب موقف الغربة هذا، لا يمكنهم أن ينشروا
مقتطفات من القصة، التي كتبها همنغواي عام 1924، عندما كان
في الخامسة والعشرين من عمره، وفي بداية جيشان العمل الذي
رسخ أسمه، بما في ذلك مجموعة القصص القصيرة (في عصرنا)،
وروايتا (الشمس تشرق أيضاً) و(سيول الربيع) ومجلد آخر من
القصص، (رجال بدون نساء).
وكانت قصة (أوغدن ستيوارت) هذه بدافع من مهرجان البامبلونا نفسه الذي أوحى
له برواية (الشمس تشرق أيضاً). وكان دونالد أوغدن ستيورات،
وهو رجل مجتمع ثري وكاتب سيناريو (قصة فيلادلفيا)، وأفلام
أخر، واحداً من طاقم همنغوي آنذاك.
ويتذكر أوغدن ستيوارت ذو النظارة هذا، في السيرة الذاتية عام 1975، (بضربة
حظ)، ما تلقاه من عون لدخول حلبة مصارعة الثيران وتسليمه
عباءة حمراء. وقد تلقى من ثور رفسة شديدة، "فطارت نظارتي في
اتجاه، ورداء الكتفين في اتجاه آخر، وانقذفت أنا في الفضاء
وسط صيحة مرحةً عظيمة".
وقد وجد أوغدن ستيوارت نفسه أنه لم يعد خائفاً. "وليس ذلك فقط. لقد أصبحت
مجنوناً. فصحت بالثور آمراً: هيا يا ابن العاهرة الغبي!
وكانت النتيجة الشيء نفسه، لسوء الحظ. ولكن أرنست ربت على
ظهري، فشعرت كما لو أنني قد سجلت لحظة فوز".
في قصة همنغوي هذه، التي تباع مع رسالة، إذن، تتقاذف الحلبة زميله الأمريكي
وكأنه دمية بالية. وقد قال المتحدث من كريستي: "إن القطعة
تنتهي بستيورات المضروب وهو يبوح لهمنغواي برغبته الأخيرة في
أن يحدث العالم عن بطولاته". فزين همنغواي الحادث لصحافي
صديق. ونشرت شيكاغو تربيون القصة، التي اظهرت لنا الآن
همنغوياً مثخناً بالجراح وهو يصارع ثور أوغدن ستيورات على
الأرض.
وقد صرحت كاتبة سيرة همنغواي، كينث لين، أن هذا كان أمراً مهماً في خلق
شخصية المؤلف الرجولية الفائقة. "فقد أشرت القصة لبدء إدراك
الرأي العام لهمنغواي الرجل. وكان الكسب الذي خرج به من قصة
مهرجان البامبلونا مؤثراً تماماً".
لقد أطلق همنغواي النار على نفسه عام 1961، فآذى عقله وجسده بمحاولته العيش
وفقاً لصورته. وقصة عام 1924 هذه، التي يفترض إنها أرسلت إلى
بطلها أوغدن ستيورات، يبيعها في المزاد اليوم ابنه، صحافي
سباق السيارات، دونالد ستيوارت، الذي يعيش في روما. وقد صرح
الاختصاصي في مزاد كريستي مؤخراً في معرض حديثه عن القصة،
قائلاً: "إنها خفيفة، وقصيرة وهزلية. وكان يصحح بروفات
مجموعته القصصية (في عصرنا) حين كتبها. ومن المحتمل أنه كان
يعطي نفسه فرصة للراحة".
عن الغادريان
التغريبة الفلسطينية مسلسل تعرضه قناة
MBC
منذ بداية شهر رمضان يتناول الجانب الإنساني للقضية
الفلسطينية بما يحمله من تهجير وتشريد وإبعاد وتضحيات ونفي
ونضال.
ويشكل هذا المسلسل الذي ألفه الكاتب الفلسطيني وليد سيف وأخرجه الفنان
السوري حاتم علي تجربة ريادية في تسليط الضوء على القضية
الفلسطينية من خلال توظيف التلفزيون بعد أن كان الموضوع شبه
حكر على أجناس إبداعية أخرى كالسينما والمسرح والأدب.
وبالتركيز على البعد الإنساني للقضية بسرد تفاصيل حياة الفلسطينيين على
امتداد أكثر من خمسة عقود وما تحمله من تفاصيل تجمع بين
التراجيدي والمأساوي يقدم المسلسل وثيقة مرئية تعيد الذاكرة
الجماعية الفلسطينية خاصة والعربية عامة إلى منبع الجرح الذي
لم يندمل بعد.
وتكمن أهمية المسلسل في كونه يقدم المأساة الفلسطينية في صيغة حكائية قريبة
من أفهام شرائح واسعة من الجمهور العربي تعجز وسائل تعبيرية
أخرى عن إيصالها وهو ما من شأنه أن يزيد من صون الذاكرة
الفلسطينية من التلاشي وسط سيل من الإحباطات والمؤامرات
والمغالطات التاريخية التي يغذيها الإعلام الإسرائيلي خاصة
والغربي عامة.
وفي أحد أحاديثه عن التغريبة الفلسطينية يوضح المخرج حاتم علي -الذي سبق أن
تعاون مع وليد سيف في مسلسلات ذات طبيعة تاريخية حظيت
باهتمام ومتابعة واسعين في الساحة الفنية العربية- أنه فضل
التوقف على المخيم الفلسطيني باعتباره الحاضنة التي حفظت
الذاكرة الفلسطينية من الضياع لمعرفة مسار القضية
الفلسطينية.
يروي المسلسل قصة الانتداب البريطاني مع ما قدمه من تسهيلات للأيادي
الصهيونية لاختراق الجسد الفلسطيني واجتثاثه وإبادته وسلب
أرضه وممتلكاته لكن دون النفاذ إلى روحه وهويته التي تغذيها
الدماء والتضحيات باستمرار.
في الحلقات الأولى يصور المسلسل، بموسيقى ذات قوة إيحائية عالية أضفت على
العمل مسحة ملحمية، الشرارات الأولى للمقاومة الفلسطينية ضد
المؤامرات التي بدأت تحاك ضده وذلك بروح وطنية عالية بعيدة
عن كل مصلحة ذاتية وأية اعتبارات شخصية آنية.
وتعكس شخصيات المسلسل، التي جسدها نخبة من الممثلين من فلسطين وسوريا
ولبنان والأردن كجمال سليمان وخالد تاجا وجولييت عواد
والممثلة الواعدة نسرين طافش، شرائح المجتمع الفلسطيني
الملتئمة حول الثورة إضافة لبعض الفئات الاجتماعية التي
حاولت ركوب قطار الثورة طلبا للسلطة والجاه.
وانطلاقا من معرفة دقيقة بتفاصيل القضية يقدم صاحبا المسلسل اللذان اكتويا
كل بطريقته بتجربة النزوح والإبعاد توليفة تقدم للمشاهدين
طرحا موضوعيا للقضية بعيدا عن الاعتبارات السياسية التي تكاد
تلويناتها المتنوعة تطمس بعض الجوانب من تاريخ القضية الحافل
بالتضحيات.
كما يقدم المسلسل وقائع تاريخية تفيد أن معاناة الفلسطينيين لم تكن كل
مصادرها أجنبية إذ أنه بعد اشتداد ثورة الفلاحين لاذ
البريطانيون بالقيادات العربية آنذاك للتدخل لإيقاف الثورة
والإضراب فصدر بيان عن اللجنة العربية العليا يدعو لوقف
الثورة والإضراب على خلفية تلقي الزعماء العرب وعوداً من
الحكومة البريطانية، وهي الصورة التي ما زالت بعض ملامحها
تتكرر في الحاضر.
اعلن رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي اليوم الثلاثاء ان مصر ستتمثل
بثلاثة افلام في المسابقة الرسمية للمهرجان الذي يبدأ في 30
تشرين الثاني وذلك للمرة الاولى منذ سنوات كانت خلالها ادارة
المهرجان تشتكي من انها لا تجد ما يصلح لتمثيل مصر.
وقال شريف الشوباشي ان الافلام التي تم اختيارها للمشاركة في مسابقات
الدورة 28 للمهرجان هي "انت عمري" لخالد يوسف بطولة هشام
سليم وهاني سلامة ونيلي كريم ومنة شلبي و "خالي من
الكولسترول" لمحمد ابو سيف وبطولة اشرف عبد الباقي والهام
شاهين.
والفيلم الثالث هو "الباحثات عن الحرية" للمخرجة الاكثر اثارة للجدل في مصر
والعالم العربي لجرأتها بتناول بعض المواضيع التي تمس المراة
ايناس الدغيدي التي مثلت افلامها مصر اكثر من مرة وفازت في
الهرم الذهبي عن فيلمها مذكرات مراهقة قبل 4 اعوام.
وكانت ادارة مهرجان القاهرة قد تعرضت خلال السنوات الست الاخيرة التي شهدت
انطلاقة افلام الكوميديا الجديدة الى معاناة حقيقية في
محاولة ايجاد فيلم حتى ولو كان متواضعا يمكن له ان يمثل مصر
في المسابقات الرسمية وكانت تحل المشكلة في اللحظات الاخيرة
قبيل انطلاقة المهرجان.
وقد اضطرت ادارة المهرجان العام الماضي الى عرض فيلم "حب البنات" لخالد
الحجر بطولة ليلى علوي وحنان الترك واشرف عبد الباقي لتمثيل
مصر في المهرجان مع معرفتهم المسبقة بانه لا يستطيع ان يدخل
في المنافسة الرسمية.
وكانت مصر تتمثل في المسابقة الرسمية بفيلمين كحد ادنى في اواسط الثمانينات
ومطلع التسعينات،
واشار الشوباشي الى ان المخرج نادر جلال والفنانة بوسي سيمثلان مصر في لجنة
التحكيم كذلك فان ادارة المهرجان قررت تكريم كل من الفنانتين
اللبنانية صباح والمصرية ليلى فوزي والمصريين المخرج يوسف
مرزوق وكاتب السيناريو عبد الحي اديب.
يذكر ان نشاطات المهرجان تستغرق 12 يوما يحتفى خلالها على هامش المهرجان
بالسينما الايطالية كضيف شرف الدورة الحالية.
|