|
تقديم
في صباح الثلاثاء 26 / 10، رحل عن هذه الدنيا الاقتصادي والمفكر العراقي
إبراهيم كبة، أحد أبرز المفكرين الماديين والماركسيين في
العراق، بعد صمت دام أكثر من ربع قرن، هي عمر الحكم
الدكتاتوري في العراق، حتى أضاع على الناس أمره، من يظن أنه
ميت، ومن يظن أنه خارج العراق. ولكنه كان حياً، في العراق،
تتنكر له الثقافة التي كان فيمن حلموا بأن يكون لها مستقبل
ديمقراطي حر، مثلما تنكر لمجمل تأريخها وماضيها، بالقسوة
التي علمتها إياها الدكتاتورية.
ولكن، ها هو غياب إبراهيم كبة يعيد إلينا حضوره، فنستعيده عبر هذه الصفحة،
ولا نملك سوى ذلك، ونستعيد معه تأريخاً حيوياً، جاداً،
حازماً، من سجل الفكر العراقي، لم يقيض لنا أن نستعيده بشكل
حق بعد، لأننا ما زلنا ندفع ثمن القسوة التي خلفتها في
أرواحنا الدكتاتورية.
ابراهيم كبة
سيرة
سلام ابراهيم عطوف كبة
ابراهيم كبة غني عن التعريف. من مواليد 1919 في النجف. ترعرع في بيئة وطنية
دينية وتتلمذ على يد خاله الشيخ محمد مهدي كبة الذي لعب
ادواره السياسية في العهد الملكي واستوزر اكثر من مرة الا
انه كان مع كامل الجادرجي قطبي المعارضة المحافظة الوطنية
العراقية ضد السياسات البريطانية والاحلاف، وتزعم حزب
الاستقلال. وكان محمد كبة عضو في مجلس السيادة بعد ثورة 14
تموز 1958.
تشرب ابراهيم كبة بالحس الوطني وتأثر بأفكار جعفر ابو التمن والحزب الوطني
قبل سفره خارج العراق الى حد كبير واكتسب منه دور الجماهير
صانعة للتاريخ وأهمية الدفاع عن النقابات المهنية ورعاية
مصالحها المختلفة واهمية الحياة الحزبية التي كانت قد الغيت
بفتوى ملكية عام 1934.. وهو العام الذي نهض فيه الحزب
الشيوعي العراقي حزباً للوطن الحر والشعب السعيد متمردا على
الارادة الملكية من جهة وعلى الاحزاب الافراد وضيق اهدافها
وابتعادها عن الجماهير من جهة أخرى.... الا ان الحرب
العالمية الثانية وسيادة المبادئ الفاشية في العالم ونهوض
وانتعاش الحركة الديمقراطية العالمية من بعد كانت الفيصل
الحاسم في بلورة وصياغة منهج ابراهيم كبة الفكري الاشتراكي
الماركسي. فقد عاصرها بتماس مباشر متنقلا بين العواصم
الاوربية والعربية وبالأخص باريس ولندن ومدريد والقاهرة
وشارك في عضوية الحلقات العراقية الماركسية في العاصمة
الفرنسية. وفي القاهرة ربطته بـ(حدتو - الحركة الديمقراطية
للتحرر الوطني المصرية) وشائج وطيدة.
تابع ابراهيم كبة وهو خارج العراق اخبار وطنه وسيطرة الروح الدكتاتورية
واشغال الجيش بالسياسة الفردية وتفشي مظاهر الفساد في جميع
أجهزة الدولة، وسيادة الروح القومية الضيقة الشوفينية في
سياسة التعليم والثقافة العامة، والاهتمام بالمظاهر من دون
اللباب في التربية القومية، وتشريع القوانين المعادية
للديمقراطية والاتجاهات الشعبية المثبتة للإقطاع والقوى
الرجعية الأخرى (تعديلات قانون العقوبات المتصلة بجرائم
الأمن العام، واصدار القوانين المتصلة بالصحافة، وتشريع
وتطبيق الأحكام العرفية المختلفة، واصدار قوانين التسوية
والقوانين الأخرى المتصلة بمشكلة الأرض الخ...). كما تابع
بتمعن حركة الطبقة الجديدة التي خلفها الاستعمار الانكليزي
من أبناء المدن من كبار رجال السياسة وابناء العائلات الكبرى
والتي أرتبطت مصالحها الاقتصادية مباشرة بمصالح الانكليز عن
طريق تكوين الشركات المالية الكبرى المرتبطة بروؤس الأموال
الأجنبية، والمعتمدة في نشاطها المالي على الأسواق و روؤس
الأموال الاستعمارية.
عاد ابراهيم كبة الى بغداد عام 1952 وقد ناهضته السلطات الملكية - السعيدية
وطاردته في العمل والسكن. أثناء ذلك ساهم كبة في صياغة ميثاق
جبهة الاتحاد الوطني سنة 1957 وكان على صلة مباشرة بالحركة
الديمقراطية العراقية.
استوزر ابراهيم كبة في اول حكومة وطنية بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة
وتولى حقيبة التجارة كما تولى حقائب وزارية أخرى بالوكالة
كالنفط والاصلاح الزراعي... وكان له الفضل الاول في كسر
القطيعة الاقتصادية مع البلدان الاشتراكية وبالاخص الاتحاد
السوفييتي والمانيا الديمقراطية والصين الشعبية.. واستقبلته
الجموع الحاشدة بشعار (ابراهيم كبة للأمام... ديمقراطية
وسلام). الا ان تردد السياسة القاسمية في حقل الحريات
العامة وبناء أسس المجتمع المدني الحديث وإطالتها الفترة
الانتقالية، وتأخير تشريع الدستور الدائم، وتسييرها ماكنة
الدولة على يد الجهاز الإداري نفسه خريج المدرسة الملكية في
قمع الشعب... دفعت كبة لتقديم استقالته اكثر من مرة وجوبهت
برفض الزعيم عبد الكريم قاسم... حتى اواسط عام 1960. في هذه
الفترة شارك كبة بهمة في حركة انصار السلام والعمل الاكاديمي
التدريسي والبحثي في جامعة بغداد.. وارتبط تنظيميا بالحزب
الشيوعي وكان من دعاة تشديد الصيانة الحزبية وارساء المركزية
الديمقراطية على اسس وطيدة بحكم استقواء اعداء الشعب وبالاخص
زمر البعث والرجعية واتسمت شخصيته بالحزم اللامتناهي
والصرامة التي يشهد عليها القاصي والداني، العدو والصديق.
اعتقل بعد 8 شباط الاسود وتنقل في معتقلاته بين مركز شرطة المأمون حيث شهد
اعدام الشهيد متي الشيخ، وبين الموقف المركزي رقم 1، وسجن
نقرة السلمان، ومعسكر الرشيد... وعرضته شاشة تلفزيون بغداد
في لقاء مقتضب ردا على الحملة العالمية التضامنية لأطلاق
سراحه وبالاخص الوسائل الاعلامية السوفييتية.
دافع ابراهيم كبة عن ثورة 14 تموز امام المحكمة العسكرية بنفسه في وثيقة
تاريخية فريدة من نوعها، نشرت فيما بعد في كتاب (هذا هو
طريق 14 تموز - دفاع ابراهيم كبة امام محكمة الثورة ) وحكم
عليه بالسجن 10 سنوات مع الاشغال الشاقة ثم اطلق سراحه عام
1965 في عفو رئاسي. بعد ذلك عاود كبة التدريس الجامعي في
مادة الاقتصاد السياسي - تاريخ الفكر الاقتصادي في جامعتي
بغداد والمستنصرية. وبادر ابراهيم كبة بنشر دفاعه عن ثورة 14
تموز مجددا عام 1966 بسبب استشراء الفكر الرجعي في العراق
آنذاك وتزييفه جميع أحداث التاريخ القريب، وتركيزه خاصة على
تزييف أحداث ثورة تموز المجيدة في جميع معطياتها وجوانبها
المختلفة، وانبعاث جميع حملات الكذب والمسخ والافتراء، التي
حاول الدفاع تفنيد المهم منها في الأقل.
في ايلول 1966 رفع ابراهيم كبة ومحمد سلمان حسن ومصطفى علي وعبد الوهاب
محمود مذكرة الى ناجي طالب (رئيس الوزراء) ابرزت حقيقة
الحقائق... وهي ان المسألة الأساسية في الوضع العام في
العراق بعد نجاح ثورة 14 تموز في دك النظام الملكي
الاستعماري وإزالة قشرته السياسية، تمحورت حول المسألة
الاجتماعية، أي مسألة الثورة الاجتماعية التي نضجت
مستلزماتها الموضوعية اي ديناميكية الصراع الطبقي
الاجتماعي، وبالتالي، السياسي، بعد ان كان المحور قبل تموز
يدور حول المسألة الوطنية. وفي 3/8/1968 اي بعد ايام قلائل
من الانقلابات البعثية قدم كبة مذكرة للنشر الى صحيفة
التآخي.. لكنها ترددت في نشرها بعنوان (نصيحة للحكام الجدد -
من اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق) عرج فيها الى حكم
البعث الثاني ومسألة الشرعية وعرض مهمات الحكومة الجديدة
والاخطاء التي يجب تجنبها وفكرة المراحل الثلاث: مرحلة الحكم
الانقلابي، مرحلة الحكومة الائتلافية المؤقتة، ثم أخيرا
مرحلة حكومة الاتحاد التقدمي، وان يباشر الحكام الجدد على
الفور ومن دون تلكؤ بأداء مهمات المرحلة الأولى وذلك بإطلاق
الحريات الديمقراطية وعلى رأسها حرية النشاط الحزبي للقوى
السياسية الفعالة في المجتمع، والإقلاع نهائياً عن مفهوم
الحزب الواحد او الحزب القائد، والتخلي عن أسطورة الوصاية
على الجماهير او الانفتاح الصوري على بعض القوى الأخرى، وذلك
تمهيداً لعقد حوار حقيقي ومفتوح مع جميع القوى المعادية
للاستعمار والإقطاع والاستغلال، من اجل صياغة منهاج عام
مشترك يكون أساسا لتأليف (جبهة اتحاد تقدمي ) تنبثق عنها عن
الانتخابات العامة (حكومة اتحاد تقدمي ) تتصدى لحل المشكلات
الأساسية للبلاد وتقود عملية التطور الاجتماعي والسياسي على
وفق المراحل العلمية المعروفة في علوم السياسة والاجتماع.
واختتم بـ(هذه نصيحة خالصة أقدمها للحكام الجدد ليثبتوا
جدارتهم بتحمل المسؤولية وليقدموا ربما الفرصة الأخيرة
لانصار الحل السلمي والمصالحة الوطنية والجبهات العريضة، بعد
أن بلغت التناقضات الاجتماعية في قلب المجتمع حدود الانفجار
الثوري. إن الفرصة مؤاتية فاغتنموها قبل فوات الأوان و( قل
هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين).
حارب البعث الفاشي ابراهيم كبة وأحاله إلى التقاعد عام 1977 وبذل الجهد
لتقزيمه منذ تسلمه السلطة 1968 وأرسل له الوفود أفرادا
وأفواجا لأستمالته في اعادة كتابة التاريخ العراقي المعاصر
من وجهة النظر الصدامية والقومية المتطرفة، واتخاذ مواقف
استسلامية خضوعية، والانصياع لمشيئة البعث الفاشي، وتركيع
افراد عائلته وتشويه سمعته من دون جدوى. وظل ابراهيم كبة
وفيا لمبادئه في الفكر المادي الاصيل والاشتراكي العلمي
والماركسي والديمقراطي... وبقي في شيخوخته حبيس الضغوطات
الدكتاتورية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي
البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقائه الذين رحلوا وغيبتهم
زنازين الاعدام والسجون والنسيان، حتى توفى في الساعة
التاسعة من صباح الثلاثاء 26 /10 /2004، المصادف الثاني عشر
من رمضان اي في الشهر الهجري نفسه الذي شهد انقلاب 1963 وقبل
يومين من موعده.
إبراهيم كبــة
قدم الراحل إبراهيم كبة هذا المقال للنشر في جريدة (التآخي) البغدادية يوم
3/ 8/ 1968، أي بعد 17 يوماً من انقلاب 17 تموز وأربعة أيام
من انقلاب 30 تموز، ولكن الجريدة لم تجرؤ على نشره يومئذ،
وتنشره (المدى) اليوم.
أزمة الحكم في العراق أزمة مزمنة لازمت نظام الحكم فيه منذ تأسيس ما سمي
بالحكم (الوطني) في العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
وقد تطورت هذه الازمة وتعقدت مع تطور وتعقد العلاقات
الاجتماعية. إن ازمة الحكم بعد ثورة 14 تموز تعبير عن ازمة
اعمق واشمل هي ازمة المجتمع العراقي بالذات. وقد سبق لكاتب
هذه الكلمة أن شارك مع الأخوان مصطفى علي وعبد الوهاب محمود
ومحمد سلمان حسن في تقديم مذكرة تفصيلية بتاريخ أيلول /1966
للسيد ناجي طالب رئيس الوزراء حينذاك تضمنت تحليلاً مركزاً
لازمة الحكم هذه في مرحلتها الجديدة، مرحلة بعد تموز،
ووضعتها في مكانها المناسب من ازمة النظام الاجتماعي
الشاملة. كما اقترحت الحلول الضرورية لحل هذه الازمة حلاً
سلميا. ونتمنى لو عمدت (التآخي) الغراء على نشرها مع سائر
الوثائق والمذكرات السياسية العديدة التي وضعت من قبل مختلف
القوى السياسية في السنوات الأخيرة كمساهمة لتوضيح مشكلة
الحكم والقاء الضوء على أبعادها من الزوايا المختلفة ومساعدة
الحكم الحالي في تبيين وجهات النظر المختلفة في هذا الصدد.
الحكم الحالي ومسألة الشرعية
لا يمكن أن يكتسب الانقلاب العسكري الجديد أية شرعية من مجرد نجاحه في
السيطرة على مقاليد السلطة، شأنه في ذلك شأن أي تغيير في
الحكم يأتي عن غير طريق الانتخابات العامة. إن المصدر الوحيد
الذي يمكن أن يضفي الشرعية على الحكم الجديد هو اضطلاعه
بالمهام الأساسية التي تناسب طبيعة المرحلة كبداية لازمة في
طريق إرجاع السيادة للشعب، المصدر الوحيد للشرعية والمالك
الوحيد للسيادة.
إن هذه المهمات تتلخص في تمهيد السبيل وتهيئة الظروف لاقامة النظام
الديمقراطي.وكل تقصير في أداء هذه المهمات او تجاوزها لمهمات
أخرى خارجة عن طبيعة الحكم يدمغه بالخروج على الشرعية
وباغتصاب السلطة. ويمكن تلخيص هذه المهمات المترابطة
والمتكاملة بأربع:-
1. ازالة العقبات القائمة في طريق التطور السياسي الديمقراطي. وتندرج تحت
هذه المهمة عدة إجراءات نشير إلى أهمها فيما يلي:-
أ- ازالة الأوضاع الاستثنائية وإلغاء جميع القوانين والنصوص والمراسيم
والإجراءات المتعارضة مع المبادئ الدستورية العامة، مع إلغاء
المحاكم الاستثنائية.
ب- إصدار عفو عام عن جميع المحكومين السياسيين واطلاق سراح جميع الموقوفين
او المحتجزين لاسباب سياسية.
ج- إلغاء أوامر العزل والفصل والإحالة إلى التقاعد لاسباب سياسية واعادة من
شملتهم من المواطنين - مدنيين وعسكريين- الى وظائفهم
واعمالهم في الدولة والقوات المسلحة.
د- إعادة جميع المغتربين والمبعدين خارج العراق لاسباب سياسية واعادة
جنسياتهم إليهم وإرجاعهم لوظائفهم السابقة.
2. الاعتراف المطلق بحقوق القومية الكردية على أساس الحكم الذاتي ضمن وحدة
التراب العراقي.
3. إطلاق الحريات العامة على اختلاف أنواعها لجميع القوى السياسية
والاجتماعية المحركة للتطور السياسي والاجتماعي، بما في ذلك
حرية الاجتماع والتنظيم الحزبي والنقابي والمهني الى جانب
الحريات الفكرية والمدنية والشخصية. وتحتل حرية الأحزاب
السياسية مكان الصدارة في قائمة الحريات العامة، وهي دون
غيرها المحك الأول لاختبار شرعية أي حكم جديد. وكل تهرب من
هذه المهمة او التفاف حولها او تجاوز لها يدمغ الحكم بالتسلط
والاغتصاب ويدفع به حتماً للمصير نفسه الذي آلت أليه
الحكومات العسكرية السابقة منذ 14 تموز.
4. فتح حوار حر مفتوح مع جميع الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية
التقدمية من دون استثناء ( من الحزب الشيوعي إلى أحزاب الوسط
الوطنية والقومية) إلى جانب ممثلي القومية الكردية، بعد
لاقبل ازالة الأوضاع الاستثنائية القائمة واطلاق الحريات
العامة والسياسية، وذلك لبلورة منهاج مشترك يكون أساسا
لتأليف (حكومة ائتلافية مؤقتة) تتحدد مهماتها أساسا بالأشراف
على الانتخابات النيابية، وهذه هي المرحلة الثانية من
المراحل الثلاث المشار أليها في آخر هذه الكلمة.
مهمات الحكومة المؤقتة
إن مهمات هذه الحكومة التي يجب أن تضم ممثلين عن جميع الأحزاب والمنظمات
السياسية التقدمية والوطنية تنحصر في ثلاثة إجراءات أساسية:-
الأول: إصدار دستور مؤقت وفق مبادئ الديمقراطية الموجهة (او الشعبية او
الثورية او الجديدة كما تسمى أحيانا).
الثاني: تشريع قانون الانتخابات.
الثالث: الأشراف على الانتخابات العامة للمجلسين التأسيسي والوطني الذي
تنبثق عنه (حكومة الاتحاد التقدمي) على أساس التمثيل النسبي،
للاضطلاع بالمهمات الأساسية لحل مشكلات العراق الكبرى التي
بقيت من دون حل منذ ثورة 14 تموز المجيدة، وفق منهاج او
ميثاق وطني عام، ينفذ على مراحل، تتفق عليها الأحزاب
المذكورة.
أخطاء يجب تجنبها
يتضح من الكلمة المختصرة أعلاه والتي يمكن أن تلقي مذكرة أيلول /1966 الضوء
الكافي عليها مدى الخطأ الجسيم الذي يقع فيه بعض القوى
السياسية في الوقت الحاضر بصدد طرح مشكلة الحكم وطبيعة
الحلول اللازمة لها. إن محاولة الحكم الحالي مثلا التصدي
بمفرده لمشكلات البلاد الكبرى بمعزل عن القوى الأساسية في
المجتمع، كمسألة النفط او الإصلاح الزراعي أو تجسيد حقوق
القومية الكردية، تجاوز لصلاحياته من جهة واستحالة مادية
بسبب عجزه من جهة أخرى، إذ أن ذلك من صلاحية ومهمة ( حكومة
الاتحاد التقدمي وحدها) المنبثقة عن الانتخابات العامة. كما
إن محاولة هذا الحكم الانفتاح الشكلي على القوى الأخرى
واشراك بعض ممثليها في الحكم في هذه المرحلة المبكرة وقبل
القيام بالمراحل التمهيدية الأخرى وفي ظل الاحتكار السياسي
القائم هي محاولة عقيمة بالمرة كما أثبتت تجربة الشقيقة
سوريا مثلا، إذ أن تأليف الحكومة الائتلافية الحقة يأتي
تتويجاً لعملية التحول السياسي ولا يكون تدشيناً لها. كذلك
فأن الآمال التي يعلقها بعض الأخوان الأكراد على أية حكومة
غير ديمقراطية ومن ذلك الحكومة الحالية لحل المسألة الكردية
هو سراب خادع لا يضع المسألة المذكورة في موضعها من القضية
السياسية والاجتماعية العامة.
فكرة المراحل الثلاث
والخلاصة إن الحكام الجدد إن أرادوا حقاً تحقيق وعودهم الأخيرة للشعب
والاستفادة من عبر التاريخ القريب والخروج من دوامة
الانقلابات العسكرية المدمرة وتجنب الطريق المسدود تاريخياً
فما عليهم ألا الأخذ بالفكرة التي اعرضها هنا وهي فكرة
المراحل الثلاث لحل ازمة الحكم في العراق:
مرحلة الحكم الانقلابي الحالي، مرحلة الحكومة الائتلافية المؤقتة،ثم أخيرا
مرحلة حكومة الاتحاد التقدمي، وان يباشروا على الفور ومن دون
تلكؤ بأداء مهمات المرحلة الأولى وذلك بإطلاق الحريات
الديمقراطية وعلى رأسها حرية النشاط الحزبي للقوى السياسية
الفعالة في المجتمع، والإقلاع نهائياً عن مفهوم الحزب الواحد
او الحزب القائد، والتخلي عن أسطورة الوصاية على الجماهير او
الانفتاح الصوري على بعض القوى الأخرى، وذلك تمهيداً لعقد
حوار حقيقي ومفتوح مع جميع القوى المعادية للاستعمار
والإقطاع والاستغلال،من اجل صياغة منهاج عام مشترك يكون
أساسا لتأليف (جبهة اتحاد تقدمي) تنبثق عنها عن الانتخابات
العامة (حكومة اتحاد تقدمي) تتصدى لحل المشكلات الأساسية
للبلاد وتقود عملية التطور الاجتماعي والسياسي على وفق
المراحل العلمية المعروفة في علوم السياسة والاجتماع.
هذه نصيحة خالصة أقدمها للحكام الجدد ليثبتوا جدارتهم بتحمل المسؤولية
وليقدموا ربما الفرصة الأخيرة لانصار الحل السلمي والمصالحة
الوطنية والجبهات العريضة، بعد أن بلغت التناقضات الاجتماعية
في قلب المجتمع حدود الانفجار الثوري. إن الفرصة مؤاتية
فاغتنموها قبل فوات الأوان و(قل هاتوا برهانكم أن كنتم
صادقين).
|