المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ام الروايات

محمد سعيد الصكار

تعبني الوقوف وراء حشد طويل من الناس بانتظار دوري في تسلم راتبي التقاعدي، وانا في خلال ذلك استعرض التزاماتي المالية وانسق وجوه صرف هذا الراتب الهزيل الذي لا يكاد يفي بحق الايجار ونفقات المعيشة البسيطة وقسط البدلة التي ورطت نفسي بخياطتها: فلعنت نفسي وشهواتي التي حملتني على اجتراح هذه الحماقة التي لا مبرر لها.
ما انا والبدلات الجديدة وفي سوق الملابس المستعملة ما يغني عن ارتكاب هذه المغامرات. وما هذه البدلة اللعينة، ولأية مناسبة اريدها وانا لا ابرح البيت إلا إلى المقهى او اتحاد الادباء، حيث أبقى لساعة او لساعتين، واعود منكسراً تحصدني الهواجس بشأن روايتي الجديدة التي قدمت مخطوطتها منذ اشهر إلى اتحاد الادباء ولم أحظ بجواب عما آلت اليه.
في المساء حملت نفسي إلى اتحاد الادباء فرأيت الشباب منخرطين في مناقشات حارة وحوار يتقاطع بمداخلات وافتراضات لم اعرف منها ما يحملني على المشاركة. فبقيت انصت وأتعجب:
ثلاثة ملايين دولار!
أهي حقاً دولارات امريكية؟ وثلاثة ملايين؟!
وبطبيعة الحال لم اصدق ذلك: فاية رواية هذه، واي روائي هذا الذي سيحظى بها؛ وكيف سيتصرف بهذا المبلغ الخرافي وهذه الثروة المفاجئة؟!
والمسألة، باختصار، ان دولة قطر وفقها الله، أنشأت جائزة أدبية قدرها ثلاثة ملايين دولار امريكي لأحسن رواية عالمية، وهي اكبر من جائزة نوبل بثلاث مرات.
في الطريق إلى البيت، قلت في نفسي: "مرحى، ها هم العرب يوجهون ثروة النفط السلمية إلى ميدان العقل والمعرفة، في حين وجه نوبل ثروة البارود تكفيراً عن اختراعه القاتل".
كنت اسير ورأسي مزدحم بالافكار عن هذه الجائزة المدهشة التي لم تعرف بعد ابعادها وشروطها ودلالاتها، ولكنها جعلت عيني تغيم وتختلط امامها المرئيات، فعثرت، وطريق بيتي يحفل باصناف من الحفر والمطبات التي تلزم العيون بالانتباه تجنباً لمشاكل السير؛ فلعنت الاتحاد الذي لم ينشر روايتي فحرمني من امكانية الحضور في عالم الادب، والرواية خصوصاً.
ولكن ما هم: لقد حظيت روايتي الاولى بثناء النقاد وتأويلاتهم التي لم تكن تخطر في بالي، فالمسألة اساساً مسألة حظ وصدفة، هذا اذا صفينا النية وقلنا انها مسألة ابداع. اما ما خلف ذلك فلا طاقة لي عليه.
***
دارت الدنيا في رأسي فلم أنم: وفكرت بسحب روايتي من الاتحاد واعادة النظر فيها لتلائم شروط الرواية المرشحة لهذه الجائزة العجيبة، ولكنني كشخص عقلاني، رأيت ان من المستحيل ان انفرد بهذه الجائزة من بين الآلاف الذين سيرشحون لها، فما الحل؟
مع ساعات الليل الاخيرة قدح في رأسي سيناريو لا اقل خرافةً من مبلغ الجائزة، فنمت قرير العين بانتظار الصباح.
***
في المقهى حيث انطلقت مبكراً، وجدت، كما توقعت سيد الرواية في بلادنا، ذا الروايات التسع التي شغلت نقادنا المعاصرين، ولم يأبه بها احد خارج البلد؛ ولكنه، ولا مناص من الحق. سيد الرواية فعلاً؛ واذ كان من المعجبين برواياتي، أدخلته في السيناريو الذي قدح في رأسي.
وكان من المنطقي ان يستأثر موضوع الجائزة بحديثنا في المقهى؛ فرحنا نستعرض الشروط واسماء الروائيين، والمنهج الذي سيقوم عليه التحكيم، واغرقنا في الضحك عندما افترضنا ان الدكتور (ج)، ديناصور الجوائز الادبية ومهرجاناتها في كل مكان، سيكون، حتماً، رئيساً للجنة التحكيم.
واسترسالاً مع هذا الافتراض حدسنا بان الجائزة ستتدحرج إلى (...)، ولكننا سرعان ما تراجعنا عن ذلك معتبرين ان القيمين على الجائزة اذكى من ان يمنحوها إلى اديب عربي! ولكن ما البأس في المحاولة؟!
ولكن استاذي، سيد الرواية، تحدث بمرارة عن صعوبة البت بامتياز رواية عن اخرى على وجه الاجمال، اذ قد تمتاز رواية بجملة من عناصر الابداع، وتفتقر إلى جملة منها، وليس بيننا من الاعمال الروائية رواية جامعة مانعة ببنائها وشخوصها ودلالاتها واسلوبها وحضورها في التاريخ الادبي والانساني تستحق هذا المستوى من التكريم.
هنا انفتح القول عن السيناريو الجهنمي الذي قضيت الليل ساهراً عليه.
قلت: يا استاذي الكريم، ليس من المعقول ان تجتمع كل عناصر الابداع في رواية واحدة لشخص واحد.
قال: فماذا تقول؟
قلت: اقتراح لا تؤاخذني عليه، ودع مجالاً للمناقشة، لا أنت ولا أنا ولا أحد غيرنا يستطيع ان يجترح معجزة واحدة.
انتبه سيد الرواية، واتسعت حدقتا عينيه، وقال: ماذا تعني؟
قلت: يا سيدي، نحن في زمن العولمة، حيث كل شيء متاح، وكل تأويل له تمويل، كما ان لكل تمويل تأويلاً يسنده ويقويه، فما رأيك في ان نتفق انت وانا، وربما ثالث تقترحه، ونكتب رواية محكمة معززة بتجاربنا كلنا، ونعهد بها إلى ناقد او اثنين من نقادنا المبدعين ليكشفوا عناصر الابداع ومواطن الروعة في عملنا المشترك الذي سيقودنا بيسر إلى الملايين الثلاثة التي ستنقذنا من هذه الزريبة التي قضينا حياتنا فيها حيث سنستبدل بها جنينة حيث شئنا، وحياة كما نحب.
ولا تنس ان الموضوع لن يتوقف عند الملايين الثلاثة، فهناك ما سنجنيه من وسائل الاعلام وفوائد التوفير والمقابلات الرسمية والتكريمات اللاحقة والاسفار بالدرجة الاولى والاقامة لفترة مفتوحة في فنادق الدرجة الممتازة ودور النشر وعقود الترجمة والمعجبين والمعجبات، وما إلى ذلك من من لذائذ لا اعرفها ولكنها موجودة بالتأكيد.
غرق سيد الرواية في صمت طويل، ثم صحا فقال:
"ولكننا سنفقد كل ما بنيناه في هذا العمر الطويل".
قلت: "يا سيدي. سنشتري غيره: فالثلاثة الملايين ستجعل الدنيا طوع ايدينا".


المؤرخ د. كمال مظهر احمد: لا أزال مؤمناً بالفكر الاشتراكي ومدارسه الواقعية حسب قناعاتي

  • دخلت السنوات الاخيرة من عمري وفي جعبتي اشياء فكرية غير قليلة

حوار / مازن لطيف علي

ولد الدكتور كمال مظهر احمد عام 1937 في مدينة السليمانية وحصل على شهادة البكلوريوس بمرتبة الشرف في جامعة بغداد عام 1959، وحصل على شهادة الدكتوراه في معهد الاستشراق - اكاديمية العلوم السوفيتية - عام 1963، ودكتوراه ناوك D.S.C. من الاكاديمية نفسها عام 1969.. صدر للمؤرخ كمال مظهر احمد اكثر من 50 كتاباً، واشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه واشترك في مناقشة الكثير من الرسائل الجامعية وقد كان لنا معه هذا الحوار.
* في الدراسات التاريخية والماركسية بالذات اظهرت التجريد الشخصي والقومي وبدون إنحياز إلى طرف على حساب آخر، وهذا ما ظهر في دراسات ماركس في الثامن عشر من برومير وكومونة باريس 1848 فضلاً عن المحاضرات القيمة التي لخصها المؤرخ الانكليزي هوبز بوم في كتابه القيم "دراسات في التاريخ".. لماذا لم تظهر دراسات تاريخية تظهر الجانب الحيادي والموضوعي لكتابة التاريخ؟
- الماركسية علم عميق جداً ومن افضل المدارس الاشتراكية، وماركس احد كبار العمالقة الذين ظهروا في النصف الاول من القرن التاسع عشر وانا دائماً ارجع في هذه المناسبة إلى الاستاذ المرحوم مسعود محمد فهو لم يتفق مع الفكر الماركسي اذ كانت لديه بعض الاراء والطروحات الفكرية العميقة، فلم انس مقالته التي نشرها تحت عنوان "يا حكام العالم اتحدوا ويا عمال العالم تفرقوا" عكس ما قاله ماركس..
فعلاً عمال العالم لم يستطيعوا ان يتحدوا وعندما اتحدوا على صعيد القارة الاوربية لم يفعلوا شيئاً مؤثراً، ولم يؤد ذلك إلى تحقيق الحلم الكبير الذي بشر به كارل ماركس، ومع ذلك كان المرحوم مسعود محمد يقر بأن كارل ماركس احد عمالقة الفكر في التاريخ البشري وكان يكرر قوله دائماً لو خيروني ان اختار عشرة من كبار الفلاسفة والمفكرين في التاريخ البشري فدائماً اختار واحداً منهم، كارل ماركس، ولو خيروني ان اختار ثلاثة فلاسفة ومفكرين فسأختار ماركس واحداً منهم.. فالماركسية اكرر واقول علم عميق اختلفنا معها ام اتفقنا واضيف لو قدر لماركس ان يحيا ويعيش مخترعات القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين فأنه حتماً كان سيعيد النظر في طروحاته الفكرية وربما في العديد منها، اهتمت الماركسية بالتاريخ واعتبرته علما قائماً بذاته وادت دوراً كبيراً في شيوع التحليل الفكري للاحداث وليس مجرد سرد لها وعلى المؤرخ ان يكون حيادياً فانا لا استطيع ان انكر كرديتي ولكنني لا أترك لمشاعري الكردية ان تتدخل في عرض القضايا التاريخية. الحقيقة التاريخية تبقى ثابتة.. اليوم قد تكون الحقيقة التاريخية غير معروفة لكن في الغد هذه الحقيقة سوف تكون معروفة، فمن الافضل ان نقول الحقيقة التاريخية كما هي وان نبحث عن الدوافع والاسباب ونحللها..
من الصعب فهم الماركسية دون الرجوع إلى مؤلفات لبنين التي تبلغ 55 مجلداً باللغة الروسية.. وماركس لم يفكر في روسيا مكاناً يتوقع ان تنتصر فيه الثورة الاشتراكية بل كان يتوقعها في المانيا أوانكلترا فالخلل ليس في الاشتراكية بل في هذا الجمود وعدم محاولة تجاوز نقاط الضعف التي كانت في الفكر الماركسي اولاً وعدم الرجوع إلى مؤلفات لينين ثانياً والتركيز على الجوانب السلبية في الاتحاد السوفيتي لان هناك في المقابل إضافة إلى الجوانب السلبية جوانب ايجابية غير قليلة لاننا عايشنا هذا الشيء.
*ألا تزال مؤمناً بالفكر الاشتراكي؟
- كنت في شبابي اميل للفكر الاشتراكي لاعتقادي بان هذا الفكر يضمن سعادة الانسان ويساعد على حل المشكلات القومية حلاً عادلاً جذرياً.. هذه العاطفة دفعتني وانا طالب في المدرسة الثانوية إلى ان انتمي إلى اتحاد الطلبة الذي كان منظمه شيوعية تعمل وتجتمع في الخفاء (1952) وأتذكر جيداً الاجتماع السري الذي عقده الاتحاد لمناسبة وفاة ستالين في ذلك الحين في احدى المقابر القريبة من ثانوية السليمانية، وكان معظم اصدقائي من الوطنيين الماركسيين وعندما دخلت الجامعة اصبحت مرشحاً في الحزب الشيوعي العراقي ونلت العضوية في عام 1958، ولكن ابتعدت عن الحياة الحزبية نهائياً عام 1961 وكنت طالب دكتوراه في الاتحاد السوفيتي.. ومع ذلك فأني لم أزل مؤمناً بالفكر الاشتراكي ومدارسه الواقعية حسب قناعاتي.
*المعروف عنك إنك مؤرخ وباحث نزيه وجريء في كل ما تقول وتكتب.. ترى كيف استطاع الدكتور كمال مظهر ان يتكيف ويتأقلم مع السلطة البعثية؟
- كنت انوي البقاء خارج العراق بعد ان فصلت عام 1963 مع مجموعة من الطلاب العراقيين الذين كانوا يدرسون في الاتحاد السوفيتي بحيث فرضوا علينا اما ان نترك الدراسة ونرجع إلى العراق او ان نذهب إلى بلد غربي، انا رفضت ذلك لاني كنت على وشك مناقشة اطروحتي الاولى فقبلوني كلاجئ سياسي وكنت انوي البقاء خارج العراق لكن بيان آذار هو الذي حركني وبعد صدور البيان حزمت امتعتي ورجعت إلى العراق وكنت متحمساً للعمل وكنت مؤمناً بالوحدة الوطنية وهذا البيان كان خطوة مهمة للامام وفعلاً عندما عدت.. اختاروني عضواً وأميناً عاماً في المجمع العلمي الكردي إلى ان حدثت الانتكاسة وتبين بان هذه خطة مناورة لئيمة من صدام حسين يحاول فيها ان يحتوي القضية الكردية باسلوب كهذا اذ لم يستطع ذلك عن طريق السلاح فحاول ان يلتف على القضية الكردية فانتهت الامور في عام 1974 و1975 حيث بدأت الانتكاسة فصرت ارغب في ان اذهب إلى بلد اوربي.. انا لم تكن لي أي علاقة او صلة مباشرة بهم، هم حاولوا ان يتقربوا لي وكنت دائماً اتحدث بلغة علمية وانني واثق بانهم كانوا واثقين من انه ليس لدي أي ارتباط سري.. كنت القي محاضراتي باسلوب علمي ومنهجي واعرف ماذا اقول وفي بداية انهيار النظام عثروا على بعض الوثائق السرية المتعلقة بي، أنا اعتز بهذه الوثائق وهم وعدوني بأن يزودوني بها، لكن إلى الآن لم أحصل عليها، والوثائق السرية حتماً كلها موجودة، أروي لك شيئاً: كان هناك مركز البحوث والمعلومات تابع لمجلس قيادة الثورة وكان فاضل البراك مدير الامن العام في ذلك الوقت معجباً بي وسبب اعجابه هو انه كان يدرس الدكتوراه في الاتحاد السوفيتي وكان المشرف على رسالته "كاتلوف" الذي كان مثل اخي علاقتنا قوية جداً وحتى عندما ناقشوا الاطروحة الثانية في الاتحاد السوفيتي عام 1969 اقام احتفالاً خاصاً لاعضاء لجنة المناقشة ولي ولاصدقائه المقربين في بيته وهذا شيء ليس سهلاً في اوربا وفي الاتحاد السوفيتي في بيت "كاتلوف" وهو المشرف على أطروحة الدكتور فاضل البراك..
وعن طريق مدير مركز البحوث والمعلومات ارسلوا لي بحثاً علمياً للتقييم فانا قيمت البحث واذا بمدير المركز يزورني في البيت ومعه ظرف يحتوي على مبلغ قدره 200 دينار في ذلك الوقت حوالي 1000 دولار فلم يكن لي استعداد لأخذ فلس واحدٍ وارجعت المبلغ مع الشكر..
*تطرقت إلى المجمع العلمي الكردي.. ترى لو تم اختيارك رئيساً للمجمع العلمي العراقي وبنفس الوقت تم اختيارك رئيساً للمجمع العلمي الكردي ماذا يكون اختيار د. كمال مظهر احمد؟؟
- اخبرني زميلي الدكتور عبد الرحمن معروف ان هناك توجهاً لاختياري رئيساً للمجمع العلمي الكردي القادم لكنني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً وبالبداهة يكون موقفي من المنصب الآخر مشابهاً له في كل شيء مع العلم انني ارى في المنصبين مهمة علمية نبيلة خطرة دون حدود لكني دخلت السنوات الاخيرة من عمري وفي جعبتي اشياء علمية وفكرية غير قليلة... ينحصر حلمي الاول والاخير في ان انجز ذلك.


قصيدتان

هاينريش بول
ترجمها عن الالمانية: خالد المعالي

دق ناقوس الخطر

دق ناقوس الخطر
جمع اصدقاءك
ليس
عندما الضباع تعوي
ليس
عندما يحاصرك ابن آوى
او
عندما تصر الكلاب
ليس عندما يرتكب الثور
خطأً وهو تحت النير
او عندما يتعثر البغل بالسكراب
دق ناقوس الخطر
جمع اصدقاءك
عندما تصر الارانب على اسنانها
وعندما تعلن عطشها للدماء
عندما العصافير تتدرب على الانقضاض
وتنقض
دق ناقوس الخطر
 

ملهمتي
تقف ملهمتي في الزاوية
وتعطي بدون كلفة كل احد
ما لا اريده
وحينما تكون مرحة
تهديني ما اريده
ويا قلما ما كانت مرحة.

ملهمتي راهبة
في بيت معتم
وخلف سور معدني مزدوج
ولأجلي تتوسط
عند عشيقها!

ملهمتي تعمل في المصنع
وحينما ينتهي عملها
تريد ان تذهب للرقص معي
نهاية العمل
بالنسبة لي ليست وقتاً

ملهمتي مسنة
تحذرني
تصرخ بفم جلدي
مجنون بلا ثمن
بلا ثمن مجنون

ملهمتي ربة بيت
لا كتان لديها
انما كلمات في خزانة
ونادراً ما تفتح الابواب
لكي تعطيني بعضها


ملهمتي مصابة بالجذام
مثلي
نقبل الثلج على شفاه بعضنا الآخر
على الفم
ونعلنه طاهراً.

ملهمتي المانية
لا تحميني
الا عندما اسبح في دماء التنين
تضع يدها على قلبي
وهكذا ابقى عرضة للجراح.


"الظاهرة العراقية" للمفكر اللبناني كريم مروة .. تحليل عميق للمشهد السياسي العراقي، وتفاؤل بمستقبل مشرق
 

ابراهيم حاج عبدي - دمشق

منذ أن نشبت الأزمة العراقية ظهرت الكثير من الدراسات والأبحاث التي تحاول قراءة هذه الأزمة، ومقاربة التغييرات الدراماتيكية التي صاحبتها، واستشراف مستقبل العراق، والملاحظ أن معظم هذه الدراسات وقع في فخ الارتباك والتشويش، فغلبت على بعضها الانفعالات والمشاعر التي أوصدت الأفق أمام التحليل الموضوعي، بينما سلك بعضها الآخر سبيل الشعارات والخطابة السياسية المجانية التي لا طائل من ورائها، ووسط هذا الفيض من التنظيرات ظهر القليل من الدراسات التي سعت إلى قراءة الحدث العراقي برؤية علمية منهجية تنهض على وعي عميق بتاريخ هذا البلد، وبحاضره المعقد، واستشراف المستقبل بحذر وبعض التفاؤل، ولعل كتاب "الظاهرة العراقية" الذي صدر عن دار المدى (دمشق ـ 2006) للمفكر والباحث اللبناني البارز كريم مروة يندرج تحت هذا الإطار.
الكتاب يضم مجموعة مقالات للكاتب نشرت في أوقات مختلفة تمتد من الأشهر الأولى التي سبقت سقوط النظام الاستبدادي، مرورا بالسقوط المدوي له في العام 2003، وصولا إلى الانتخابات التي جرت في العراق ومحاولة قادته السياسيين الخروج من المحنة والتأسيس لعراق ديمقراطي برلماني فيدرالي موحد، وما يجمع بين هذه المقالات هو أنها تتعلق بالأزمة العراقية، وما يميزها هو أنها واضحة وجريئة كما يقول فالح عبد الجبار في مقدمته للكتاب "يكتب مروة بجرأة صعبة، ضد كل الأسمال الفكرية في عالمنا العربي"، وإضافة إلى الجرأة فان الكتاب يعبر عن مواقف للكاتب لا يجد حرجا في تسجيلها مهما بدت متطرفة أو جارحة، فضالته الحقيقة فحسب، تلك الحقيقة المترفعة عن المصالح والأوهام والحسابات الضيقة.
الفكرة التي يؤكد عليها مروة في مواضيع هذا الكتاب هي أنه يسجل موقفا جوهريا وحاسما ومبدئيا من النظم الاستبدادية، إذ لا يتوانى عن فضحها وتعريتها، وتحميلها مسؤولية ما آل إليه الوضع في العراق، ويقول مروة في هذا السياق بان "الشعوب العربية تعاني من الاستبداد منذ عقود، ومن دون أدنى فسحة للراحة والحرية...ويشكل الوضع في العراق واحدة من أقسى حالات الاستبداد هذه، التي اتصلت فيها الأزمنة القديمة بالأزمنة الحديثة..."، ويلمح مروة، في أكثر من موقع، إلى أن حالة القمع والاستبداد والتسلط التي مارسها النظام العراقي المخلوع ضد شعبه، والتي أدت إلى إخراج القوى الحية من دائرة العمل السياسي، وتعطيل طاقات الجماهير، وإقصاء التعددية والتنوع والرأي الآخر...هي التي مهدت للحرب الأمريكية على العراق التي يرى مروة بأنها حرب تتجاوز أهدافها الآنية المعلنة، فيقول "صحيح أنها (أي الحرب) أسقطت نظاما استبداديا من ابشع وأشرس أنظمة الاستبداد التي عرفها تاريخ البشرية الحديث والقديم، وأكثرها إجراما، إلا أنها أرفقت ذلك الإنجاز، الذي عجز العراقيون عن تحقيقه، بتدمير مؤسسات الدولة ومؤسسات الحياة العامة للعراقيين".
وعلى عكس معظم القراءات المتشائمة التي قاربت الشأن العراقي، فان مروة لا يخفي تفاؤلة إزاء مستقبل العراق، هو الذي خبر هذا البلد وشعبه في الأربعينيات، وقضى هناك سنوات في الدراسة والتعمق في الحياة العراقية برعاية عمه المفكر الراحل حسين مروة، وشارك العراقيين في إسقاط معاهدة بورتسماوث نهاية الأربعينيات، فهذا التفاؤل الذي يبديه مروة لا يأتي بصورة اعتباطية بل نابع من معرفته بتاريخ الشعب العراقي، إذ يقول ان هذا التاريخ "غني بالتجارب، غني بالمآثر، غني بالتضحيات"، ويضيف بان "المأساة التي خلفها في حياة العراقيين نظام الاستبداد الذي سقط، والمأساة التي يجسدها وقوع العراق تحت الاحتلال بعد سقوط ذلك النظام، لن تستطيع أن تسد الأفق أمام عراق المستقبل، الذي لن يكون إلا عراقا حرا سيدا مستقلا ديمقراطيا موحدا، خاليا من كل أنواع الاستبداد، وخاليا من كل اثر للغزاة الآتين إليه من مطامعهم من خارج حدوده".
ولعل من المؤشرات الكثيرة التي تبرر هذا التفاؤل والتي يركز عليها مروة هي الانتخابات التي جرت في العراق مرات عدة، فيرى بان العراق بعد الانتخابات الأولى "دخل في منعطف تاريخي مختلف بالكامل عن كل تاريخه السابق"، ويكتب مروة معلقا على هذا الحدث "لا أراني بحاجة للحديث عن الدلالات الكبرى التي يشير إليها إجراء الانتخابات، على قاعدة قانون ديمقراطي عصري، وعن الدلالات التي يعبر عنها زحف الملايين الثمانية من العراقيين إلى صناديق الاقتراع، متحدين الإرهاب الوحشي، محددين خياراتهم بحرية، مقررين، بوعي، أو بنصف وعي، أو بدون وعي، أو حتى بوعي غريزي مستنفر، لمن يمنحون أصواتهم، وقد دلت التجارب التي أسفرت عنها تلك العملية الديمقراطية على أن العراقيين، الذين لم يعتادوا خلال تاريخهم الطويل ممارسة حريتهم في اختيار ممثليهم، كانوا في ذروة الرقي، حتى وإن كانوا قد اختاروا بنفس ديني ومذهبي، أكثرية شيعية. وهي أكثرية مؤقتة، تقابلها قوى علمانية كبيرة، مشكلة من كل مكونات المجتمع، ومهيأة في الظروف الجديدة لأن تزداد حجما وتأثيرا، ولو بالتدريج، ولكن بجهد ضروري من قبل تلك القوى".
وإذ ينتقد مروة تعاطي معظم المثقفين العرب مع الأزمة العراقية، ويشير إلى قصور الرؤية لديهم في تحليل هذه الأزمة بصورة موضوعية، فانه يدعو إلى التفكير المتأني، إذ يرى بان هذا التفكير هو "حاجة ضرورية في كل الظروف والأحوال، حتى في أشدها صعوبة وقسوة، ذلك أن غياب العقل أو تغييبه في زمن الحرب لمصلحة المشاعر وحدها هو أخطر ما يمكن أن يكون عليه حال الناس جميعا، وغني عن التأكيد أن وظيفة العقل، الذي منه يأتي التفكير، لا ترمي إلى قمع المشاعر وقتلها بل إلى ترشيدها". وهو ينتقد وبشدة، في فصل مستقل، العمليات الانتحارية التي تودي بحياة المدنيين والأبرياء العراقيين مطلقا صرخة تحذيرية: "لقد آن الأوان لكي نتحرر ونحرر شعوبنا من هذا النمط من العمل الانتحاري".
ويضمن مروة كتابه رسالة وجدانية مؤثرة، جاءت على شكل مقال سياسي، يوجهها إلى صديقه فخري كريم رئيس تحرير صحيفة المدى العراقية، وفي هذه الرسالة ـ المقالة نتبين علاقة مروة بالعراق، وحبه وارتباطه بالشعب العراقي، وحزنه العميق على ما يجري فيه، والألم الذي يجتاح كيانه وهو يرى صور الدمار والخراب على شاشات التلفزة، لكنه يؤكد ان المحنة التي يمر بها العراق الجديد هي "محنة لن يطول الزمن الذي سيستطيع فيه الشعب العراقي التغلب عليها"، ويختم الرسالة بتوجيه الشكر إلى أسرة صحيفة المدى التي بذلت جهودا جبارة وفي ظروف أمنية خطيرة حتى جعلت من هذه الصحيفة الجديدة الناشئة ـ بحسب مروة ـ صحيفة من الدرجة الأولى في عالم الإعلام العربي.
ويخصص مروة الصفحات الأخيرة من كتابه للأكراد وقضيتهم، وهو هنا يدرج مقالة مطولة له تعود إلى العام 2000 م، والتي كتبها بعد عودته من جولة قام بها مع عدد من المثقفين العرب إلى كردستان العراق حين كان صدام حسين لا يزال يجثم على صدور العراقيين، وفي هذا المقال يظهر مروة مشاعر الحب والود التي يكنها للشعب الكردي، ويتحدث عن علاقاته التاريخية برموز الحركة التحررية الكردية في العراق وعلى رأسهم جلال طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يشغل اليوم منصب رئيس الجمهورية العراقية، وهو يتناول في هذا المقال، كذلك، لقاءاته مع القيادات الكردية، ومع المثقفين والإعلاميين، ويخوض قليلا في تاريخ وجغرافيا هذا الشعب، ويسلط الضوء على جانب من واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ويتحدث عن بداية تعرفه إلى القضية الكردية والتي تعود إلى الأربعينيات، كما يستحضر رمزا بارزا من رموز الحركة الكردية وهو الزعيم الراحل الملا مصطفى البرزاني، ونجله رئيس إقليم كردستان الحالي مسعود البرزاني، وهو يسوق هنا موقفا مبدئيا يتمثل في قوله: "لا يحق لأي قومية أن تحرم القوميات الأخرى في البلد الواحد من حقوقها المشروعة في الاحتفاظ بخصوصياتها الثقافية وغير الثقافية"، ويعرب مروة عن استغرابه من الموقف المزدوج لبعض القوميين العرب الشوفينيين إذ يصوغ إشكالية عميقة على هذا النحو: "يبدو غريبا كيف أن هذين التيارين العربيين، أي الحكام، من جهة، وأصحاب الأفكار والمشاريع "الثورية" العربية من جهة ثانية، قد وقفا مع حق الشعب الإرتري بالانفصال عن أثيوبيا، في الوقت الذي حاربا فيه كل نزعة لدى القوميات الأخرى في البلدان العربية للمطالبة بحق تقرير المصير، في إطار الوطن الواحد، خصوصا في العراق بالنسبة للأكراد..."، ليصل إلى استنتاج صريح بان "القضية القومية لأي شعب من الشعوب لا يمكن أن تزول بالقسر مهما طال الزمن".


الشاعر والقسوة
 

فاضل السلطاني
يظل الإبداع من الأسرار الإنسانية الكبرى التي لا يمكن للمرء، حتى المبدع نفسه، فهم آلية عملها، بالرغم من آلاف الدراسات التي كتبت عن الموضوع عبر التاريخ. ولكن يبقى السر الأكبر، والمأساة الكبرى أيضاً، هو ذلك الإنفصام المروع بين الإبداع والمبدع.
وللأسف، لا نعرف، نحن العرب، الكثير عن الحيوات الخاصة لمبدعينا، ما عدا نتف لا تسمح بتكوين صورة كاملة، نعثر علينا هنا وهناك في الكتب التراثية المتناثرة، وخاصة في الفترة العباسية. إنها نتف تنتمي إلى صنف الأخبار، ولا تسمح بتكوين صورة شاملة بكل أبعادها الاجتماعية والفكرية والنفسية. أما في عصرنا الحديث، فكتب السيرة نادرة جداً، حتى إذا لم نتحدث عن السيرة الذاتية الأندر. ويبدو أن هذين الفنين الجليلين هما وليدا المدينة، بمعنى إنهما نشآ مع تطور البرجوازية الصناعية، والتقدم الحضاري اللاحق في القرن التاسع عشر، وهما تطوران لم نصلهما بعد. وعلى أية حال، إنه موضوع آخر.
مناسبة هذا الحديث، صدور كتابي سيرة في بريطانيا. أولهما، عن روائي وشاعر رحل في بداية القرن العشرين( 1928) هو توماس هاردي، والثاني عن زوجة شاعر رحل في نهاية القرن العشرين، هو تيد هيوز( 1998). وهما أشهر من أن يعرفا، محلياً وعالمياً. ولكن ما ليس معروفاً، حتى للمتابع المختص، هو التناقض الصارخ بين إبداعهما وحياتهما الخاصة، والقسوة التي لايمكن تصورها في التعامل مع المرأة- الزوجة، التي كتبا عنها، في الوقت نفسه، قصائد هي من الأجمل في الأدب الإنجليزي.. لكن بعد الموت!
نعرف من كتاب سيرة هاردي ، الذي صدر بداية هذا الشهر في العاصمة البريطانية، تفاصيل دقيقة عن الحياة الشخصية لصاحب" جود الغامض" و" عودة المواطن" تتناقض مع صورته المرسومة في أذهاننا.
لقد هجر هاردي، الروائي لحد الآن، زوجته أما لافينيا غيفورد، ولم يكن يطيق الإقتراب منها رغم إنهما بقيا يعيشان في بيت واحد. ولم يكن أمام الزوجة المجروحة سوى معاقبته بالصمت. وكان قد تعرف في هذه الفترة على فلورنس دوغليد، التي كانت تصغره بأربعين عاماً.
في عام 1912، ماتت أما لافينيا غيفورد، فانبعث حب هاردي لها من الرماد. عاد في لحظة إلى عاشق من طراز فريد، وكان أنذاك في الثانية والسبعين من عمره. لازم جثة زوجته، التي لم يكن يطيق رؤيتها وهي حية، لثلاثة أيام رافضاً دفنها باكياً كطفل تيتم فجأة. ثم هجر الرواية إلى الأبد إلى الشعر، ليترك لنا قصائد حب لا تزال تنبض حرارة لحد الآن، وتدرج إلى جانب أفضل القصائد في ديوان الشعر الإنساني، حتى لنكاد ننسى هاردي الروائي. أي شعور بالذنب رهيب كان يعانيه توماس هاردي؟
تيد هيوز هو مثال أكثر قسوة. ففي الستينيات، أحدث انتحار زوجته الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث بالغاز، دوياً هائلاً في الأوساط الأدبية والثقافية. وسرعان ما اتهم الرجل بأنه وراء انتحارها التراجيدي، خاصة من المنظمات النسوية التي لم تترك صفة مذمومة في صنف الرجال إلا وأطلقتها عليه، وليس أقلها الشوفينية الذكورية، و" الوحش البشري" ". كانت سليفيا بلاث في الثلاثين من عمرها حين انتحرت عام 1963، وفي بداية تفتحها الشعري غير العادي.
في هذه الفترة، تعرف هيوز على امرأة أخرى هي آسيا ويفيل ، التي كانت زوجة لشاعر كندي، ويقال أنه ترك بلاث من أجلها بعد زواج استمر سبع سنوات ونصف.
لم نكن نعرف شيئاً عن هذه المرأة، سوى انها انتحرت، بعد ست سنوات، بالغاز أيضاً مثل سيلفيا بلاث، ولكن بوحشية أكثر، فقد أخذت معها إلى الموت ابنتهما شورا، ذات الأربع سنوات.
والآن نعرف من خلال سيرتها، التي نشرت قبل حوالي الشهرين، أي بعد ثمانٍ وثلاثين سنة من انتحارها، واستغرقت خمس عشرة سنة من البحث الدؤوب، أي شقاء تحملته هذه المرأة التي عشقت هيوز وعشقها ايضاً يوماً ما، وتركا كل شيء من أجل بعضهما الآخر. لقد اخضعها هيوز لنظام حياتي لا يقل قساوة عن أي نظام ديكتاتوري في العالم الثالث، سرعان ما قاد إلى نهايتها الرهيبة.
لم يكتب هيوز عنها شيئاً يذكر، كما لم يكتب هاردي شيئاً يذكر عن المرأة الثانية.
بعد صمت استمر خمساً وثلاثين سنة، أصدر هيوز مجموعته "رسائل يوم الميلاد"، الذي أقام الدنيا بها ولم يقعدها. ثمانٍ وثمانون قصيدة حب لا أجمل ولا أبهى عن تلك المرأة التي قادها إلى الانتحار بالغاز، زوجته الاولى: سيلفيا بلاث. وكانت مجموعته الأخيرة، وكأنه يقدم اعتذاره الأخير للمرأة التي أحبها أكثر من أي مخلوق آخر، وعذبها أكثر من أي مخلوق آخر، تماماً كما فعل قبله توماس هاردي، وكما فعل ويفعل شعراء آخرون، حائرون ربما بين الواقع والحلم، أو أوغاد فعلاً.


بعد فوزه بجائزة نوبل للأدب : أورهان باموك:الحضارة تعني مزيجاً من الأشياء من أصول أخرى
 

أجرى آدم سميث رئيس تحرير موقع جائزة نوبل على الأنترنت مقابلة بالهاتف مع أورهان باموك مباشرة بعد إعلان فوزه بجائزة نوبل في الأدب في 12 تشرين الأول 2006 .
*أنا آدم سميث أتصل من الموقع الرسمي لمؤسسة نوبل في ستوكهولم.
- نعم
*لدينا تقليد أن نجري حديثاً قصيراً مع الفائز الجديد بجائزة نوبل مباشرة بعد أعلان فوزه بها.
- حسن
*بداية ، تهانينا على فوزك بالجائزة..
- شكراً جزيلاً . يا له من شرف كبير
*أظن أنك في نيويورك. فماذا فعلت حين سمعت بنبأ الفوز ؟
- أوه كنت نائماً ، معتقداً بأنهم من المحتمل في غضون ساعة أن يعلنوا الفائز بجائزة نوبل. عندئذ سيخبرني شخص ما عن الفائز لهذا كنت أفكر عما سأفعله وما عمل اليوم ؟ كنت نائماً قليلاً ثم رن جرس الهاتف ، حينها قلت :" أوه ، إنها السابعة والنصف" وأنت تعرف نيويورك فأنا لا أميز الضوء لهذا لم أشعر بالراحة .. وأجبت فقالوا لي أني فزت بجائزة نوبل.
*إنها مكالمة رائعة تسلمتها. وكان هناك فرح كبير في المؤتمر الصحفي حين أعلنوا الجائزة.
- حقاً إني سعيد لسماع ذلك. هذا شيء عظيم
*لقد سجلناه على الموقع لهذا بإمكانك بعد إنهاء المكاملة أن تستمتع بها من جديد.
- كذلك رأيت العديد من الصحفيين يريدون مني أن أجري اللقاءات وأنا سعيد بذلك. سعيد بكل هذه التفاصيل. شكراً جزيلاً لك سيدي.
*إنك أول كاتب تركي يفوز بجائزة نوبل للآداب. هل يعطي هذا مغزى خاصاً للجائزة بالنسبة لك ؟
- حسن. من سوء الحظ أن ذلك يجعل الأمر ثميناً جداً في تركيا فالفوز بهذه الجائزة شيء جيد بالنسبة لتركيا لكنه يجعل الأمور أكثر حساسية وسياسية ويجعله إلى حد ما كنوع من العبء.
*نعم. لقد كان عاماً بارزاً بالنسبة لك.
- نعم.
*أتصور أن هذا سيضاف لذلك. وقد أشير في وصف الجائزة بالأخص إلى "رحلتك في البحث عن الروح الميلانخولية لمدينتك" وهناك عرف طويل جداً في الكتابة عن اسطنبول وإطرائها. فهل بالإمكان إعطاء وصف موجز لماهية المدينة التي قد تصرفت كجذب قوي لخيال الناس عبر السنوات ؟
- حسن. إنها على حافة أوربا لكنها مختلفة. لهذا فهي كانت " الآخر" الأقرب ، إنها قريبة و "آخر" إذا صح القول. غامضة ، غريبة ، راسخة وغير أوربية تماماً في بعض الأوجه ، على الرغم من أنها في روحها كان ثمة مكان كبير لأوربا الكلمات غير واضحة.
*وبالإشارة إلى عبارة " الروح الميلانخولية" ، كيف تصف اسطنبول لأولئك الذين لم يرونها أبداً ؟
- أقول أنها واحدة من تلك المدن الحديثة المبكرة حيث ذوت فيها الحداثة مبكراً أكثر من المتوقع. أقول أن حطام الماضي أعطى المدينة ميلانخوليتها ، برفقة فقرها. لكن سأقول أيضاً أنها الآن تصحو من ميلانخوليتها بشكل مشجع.
*ووجه آخر من كتاباتك التي أكدت عليها خصوصاً وصف لجنة الأكاديمية هي الطريقة التي تتعامل بها مع التفاعلات بين الحضارات المختلفة. وبطبيعة الحال إنها عبارة جاهزة القول أن تركيا تقع عند نقطة التقاء الشرق بالغرب لكنها تقدم
فرضاً النقطة المثالية التي منها يمكن عرض أوجه التقاء الثقافات؟
- إن التقاء الشرق والغرب هذا وصدام الحضارات هو من سوء الحظ أحد أشد الأفكار خطراً ورعباً التي جرى طرحها في السنين العشرين الأخيرة . هذه الفكرة الغريبة من سوء الحظ أنها الآن تصبح حقيقة وهذه النظرية تشجع على صدام الحضارات وموت الاعداد الكبيرة من الناس.
*لأنه تاريخياً كان هناك الكثير جداً من التمازج بين الثقافات أكثر مما هو مفترض ورائج.
- الحضارة هي تمازج. إنها تعني مزيجاً من الأشياء من مصادر أخرى. ومدينتي أسطنبول كان فيها هذا النوع من التمازج. في الحقيقة إن أسطنبول ومؤلفاتي هما شهادتان على حقيقة أن الشرق والغرب يرتبطان ثقاقياً على نحو منظم وأحياناً يجتمعان سوية بطريقة فوضوية وهذا ما يجب أن نبحث عنه. بالمناسبة ، ستكون هذه مقابلة جيدة.
*شكراً لشخصك الكريم. يمكن القول أن العديد من شخصياتك تجسد المؤثرات الثفافية المزدوجة. أعني أن كتاباتك تبدو أنها بعيدة عن التجانس الشرقي أو الغربي. إنها مزيج.
- نعم.
*هل تكتب بالتركية وحدها ؟
- نعم. واعتقد أني كتبت ست أو سبع مقالات بالإنكليزية في مجلات عالمية ، في ملحق التايمز الأدبي و "فيلج فويس".
*إذن يفترض أن هناك ...
- لكن بطبيعة الحال أنا كاتب تركي في الأساس وإحيا في اللغة ، اللغة هي أنا. في الواقع إني أحسها.
*حسن. كما أفترض ، هناك أفكار تستطيع أن تعبر عنها بالتركية فمن الصعب فهمها بلغات أخرى ؟
- بالضبط. لأن التفكير يتكون من شيئين : اللغة والصور ، ثم أن نصف التفكير هو اللغة. أنا اتفق معك ، سيدي ، تفضل.
*حسن. هل بإمكانك إعطاء مثال عن مفهوم .....
- ووه ! بالطبع أستطيع لكن ليس في اليوم الذي فزت به بجائزة نوبل.
*مفهوم جداً. إنك لا تستطيع في الواقع أن تجيب عن الأسئلة في يوم فوزك بجائزة نوبل.
- نعم. حسن
*هل لديك شيء ترغب أن تعبر عنه؟
- حسن. أشكرك جداً سيدي.
*إذن سؤال بسيط. أعني أن الجائزة ستشجع عدداً كبيراً من القراء الجدد على الانغمار في قراءة مؤلفاتك لأول مرة. بم توصيهم أن يبدأوا ؟ هلا تقترح للناس و أيضاً ......
- أوه .. إن هذا يعتمد على القارئ بطبيعة الحال. إن القارئ الذي يشتري كتبي لأني فزت بجائزة نوبل عليه أن يبدأ برواية " اسمي أحمر" . والقارئ الذي قرأ من قبل تلك الرواية عليه أن يستمر بقراءة رواية " الكتاب الأسود" . والقارئ الذي يهتم بالسياسة والقضايا المعاصرة يجب أن يمضي قدماً في قراءة رواية "ثلج" وهلم جرا.
*مدهش. مدهش. لكن إن كان القارئ محظوظاً في القراءة بلغتين لكن لا يستطيع أن يجيد التركية ، فماذا توصيه وبأي لغة يمكن أن يجيد فهم روح رواياتك ؟
- إنها الإنكليزية بطبيعة الحال. فهي لغة العالم الآن وهي اللغة التي دققت بها كتبي وأنا فخور بمترجم كتبي وأثق به أيضاً. لهذا أوصي بالترجمة عن الإنكليزية أساساً.
*حسن. شكرا جزيلاً
- شكراً ، كما رأيت فانا رجل طيب مجتهد أديت واجبي البيتي كما ينبغي.
*حقاً ! لقد سرني تعاونك. شكراً جزيلاً.
- عليّ أن أتوقف الآن وكيلي يتصل الآن وهناك العديد من المسؤوليات في الانتظار
*طبعاً. شكراً لتخصيصك وقتاً لنا. نراك قريباً .وداعاً
- وداعاً.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة