|
رؤية في
وظيفة المكان ..
سايكولوجيــــا
الحــــواجــــز والأســــلاك الشـــــــائـــــكة
في مــديــنـــة
بغــــداد
لؤي
خزعل جبر
بدأتْ في الشوارع
الرئيسة في مواضع متفرقة محدودة، ثم أخذت بالاتساع، فامتدت
إلى الشوارع الفرعية، حتى أصبحت تغطي غالبية منافذ ومسارات
المساحات الكبيرة والصغيرة في انتشار طوفاني يمكن لأي فرد
تلمسه، إلى الحد الذي أصبحت فيه (صيغة تعريفية) لمدينة
بغداد، تلك هي (ظاهرة الحواجز والأسلاك الشائكة).
تمثل
هذه الظاهرة هماً يومياً يعيشه الإنسان العراقي يضاف إلى
أكداس من الهموم التي تجثم على صدر واقعه المأساوي، وتثير
في نفسه عدة تساؤلات عن مبررات وجودها وأهدافها ومدى
فاعليتها وما تضفيه من طابع على البيئة التي يعيش فيها، إذ
أن ظاهرة بهذا الحجم لابد أن تؤسس لتصورات ذات ابعاد
متعددة على مستويات عدة ذات طابع سلبي، أول آثارها تشويه
البيئة وأحاسيس الإنسان.
وانطلاقاً من واقع الإحساس بعمق الظاهرة، نعكف في هذه
الدراسة على تشخيص بعض ابعادها على نحو الإجمال،
وانعكاساتها على البنية المعرفية والانفعالية الجمعية، من
خلال طرح عدة مقاربات سايكولوجية قد تسهم في اغناء الوعي
بهذه القضية.
مقاربة سايكو-
بيئية- جمالية
تؤثر (البيئة)
التي يعيش فيها الإنسان على مختلف ابعاد حياته ولاسيما
النفسية منها، وهذا ما أكدته العديد من الدراسات في ميدان
علم النفس البيئي. وعلى هذا الصعيد يمكن أن نرصد جانبين في
ظاهرة الحواجز والأسلاك الشائكة: الاول (جمالي)
والثاني(اجتماعي).
فكل إنسان يحب بيئته ويشعر بالارتياح فيها عندما تتوافر
على النظافة والترتيب والتنظيم والجمال، والعكس صحيح. ومن
الواضح أن بيئة تغطيها الحواجز والاسلاك الشائكة تفقد كل
معنى للجمال خصوصاً إذا لاحظنا أن وضع هذه الحواجز لايستند
إلى تخطيط واع لتحقيق أهداف ملموسة، بل هي موضوعة بشكل
عشوائي (اكداس من الكتل الكونكريتية أو السكراب أو
الاحجار)، والتي تجذب بمرور الزمن أكواماً من الاوراق
والاتربة ما يعطي لمدينة بغداد (العاصمة!!!) طابع البيئة
اللاعقلانية، والعشوائية، والقذرة!
كما يكرس شيوع هذه الظاهرة الازدحام بوصفه مرضاً مزمناُ في
شوارع هذه المدينة، وهو ظاهرة ذات نتاجات متعددة على
المستوى السايكولوجي، منها أنه يؤدي إلى تضييق(المسافة
الشخصية) بين الافراد ما يسهم في تهديد احساسهم بالهوية،
كما أنه يعزز نزعة (التغالب) بين الافراد، ويهيئ الاجواء
المناسبة لهيمنة العقل الجمعي الذي يمكن أن يؤدي إلى
تصرفات غير مسؤولة في حالة تعرض الجميع إلى استثارة معينة.
وبهذا نجد أن هذه الظاهرة تسلط
–
على المستوى البيئي
–
ضغطاً نفسياً مضاعفاً على
الانسان العراقي كل يوم.
مقاربة سايكو-
معرفية –
اجتماعية
لايمكن للانسان أن يتحرك في الواقع دون أن يكون لديه جملة
من (التوقعات) المتعلقة بنتاجات تحركاته في المستقبل، وذلك
بناءً على مقارنات واستدلالات مرتكزة على الوضع الماضي.
فالتوقعات تستند إلى ثبات الواقع وعقلانيته، فالطالب مثلاً
يتوقع النجاح إذا ما بذل جهداُ في الدراسة، وتوقعه هذا
مبني على خبراته السابقة وملاحظة الآخرين، وإذا لم يتحقق
هذا التوقع فأنه سيصاب بالاحباط والتشوش.
والواقع العراقي بتخبطه وهيجانه الجنوني يعمل على تفتيت
(خارطة التوقعات) للافراد وترسيخ (خارطة لا توقعاتية) أو
(خارطة فوضى)، إذ اصبح الفرد العراقي لا يستطيع أن يمارس
التوقع على أي صعيد.
وتمثل ظاهرة الحواجز والاسلاك الشائكة جزءاً من هذا
الواقع، إذ تسهم بشكل فاعل في تأصيل الفوضى. فالناس
لايعرفون ما إذا كان الشارع (س) الذي مروا به منذ لحظات
سيكون مفتوحاً بعد لحظات أم أنه سيكون موطناً للحواجز التي
تسده كلياً أو جزئياً. كما إن الازدحام الناتج عن تراكم
الحواجز يجعل الافراد لايستطيعون تنظيم مواعيد العمل
والارتباطات الاجتماعية، إذ قد يصل الفرد إلى المكان الذي
يقصده بـنصف ساعة أو بسبع ساعات أو لايصل نهائياً، ما يسبب
إرباكاً هائلاً في آلية تنظيم الوقت لدى الأفراد. وبدل أن
يكون ثمة ثبات في حركة وارتباط الافراد يوجد قانون الفوضى
واللا توقع، وهو قانون يعمم ليشمل كل ابعاد حياة الافراد.
فماذا تتصور أن يكون واقع ومستقبل مجتمع يسير على وفق
قانون الفوضى؟
مقاربة سايكو-
رمزية
يمثل (الرمز)
مكوناً اساسياً من مكونات الفعل والتفاعل الاجتماعي، من
خلال استدماجه السايكولوجي القائم على المقاربة بين واقع
وآخر لاستشراف العناصر المشتركة بينهما، ثم بناء أواصر على
هذه العناصر تجعل التأثير متبادلاً والنتائج موحدة بين
الواقعين.
ويمكن أن نقارب رمزياً بين ظاهرة الحواجز والاسلاك الشائكة
وبين (السجن) بوصفه موضوعة بشرية ومادية متميزة أسست
لتمارس ضغطاً عقابياً على أفراد معينين من خلال إحاطتهم
بحواجز تحد من حركتهم لإشعارهم بالعزلة والقهر، وهذا هو
عين ما تمارسه الحواجز في حياة الانسان العراقي. إلا أن
الثانية تتميز بانها تتعامل مع (شعب) وليس مع(افراد)، إذ
نجد (شعباً مسجوناً)، والمفارقة أن هذا الشعب عاش سجيناً
على المستويين الفكري والسياسي لعقود طويلة إن لم نقل
قروناً، لكنه انتقل الآن إلى المستوى المادي من السجن
متمثلاً بالحواجز والاسلاك الشائكة لتكتمل بذلك دورة سجنه.
والافراد المسجونون نمطان: الاول مسجون مذنب، والثاني
مسجون بريء، ويشكل واقع السجن ضغطاً على كلا الفردين، إلا
أنه محدود على الاول ومطلق على الثاني، لوضوح أن الاول
يدرك استحقاقه للعقاب، كما أن شخصيته عادة ما تكون باردة
الاحساس، بينما يدرك الثاني لاعدالة الواقع، وتكون شخصيته
حساسة إزاء العزل، وهو ما يجعله عرضة لكم ٍ هائل من الضغط
الذي يصعب تحمله. والنمط الثاني هو الملاحظ في الشعب
المسجون في بغداد، إذ أنه جمهور وضع في هذا الموقف دون أن
يكون قد ارتكب جرماً. وبهذا تكون بغداد في خضم هذه الفوضى
السياسية، قد غدت رمزاً لمساحة مكانية
–
حضرية شاسعة يُسجن فيها
الإنسان!
***
يتضح من هذه
المقاربات الطابعُ السلبي لهذه الظاهرة وكونها مشوهة
للبيئة والانسان، وهذا يصل بنا إلى صياغة ثلاث توصيات
موجهة إلى المسؤولين:
* العمل على الحد من انتشار هذه الظاهرة، والتقليل منها،
وصولاً إلى جعلها أقل مقدار ممكن، وإزالة الآثار الثانوية
والمتخلفة عن الحواجز المزالة، وايجاد خطط امنية بديلة
أكثر فاعلية.
*العمل على تطوير البيئة وتجميلها، فهذه القضية ليست قضية
ذوقية وشخصية بل ذات مساس مباشر بالكيان النفسي والاجتماعي
للإفراد وبالتالي بالبناء السياسي والاقتصادي للمجتمع.
*ينبغي على أصحاب القرارات التي تمس قطاعات واسعة من
الجمهور أن يمتلكوا وعياً سايكو- سوسيولوجياً رصيناً
يمكنهم من صياغة مواقف لا تؤدي إلى نتائج هي عكس ما صيغت
لأجله؛ أو بتعبير آخر لكي يصوغوا مواقف تؤدي إلى البناء
وليس إلى التدمير!
|