|
منجز
العمارة الاسلامية (6) ..
عمارة مسجد قرطبة ..
التأسيس المفاهيمي للعمارة
د. خالد السلطاني*
معمار واكاديمي
أطلق
العرب اسم الأندلس على الأراضي التي تم فتحها في شبه جزيرة
إيبريا، وقد ظل هذا الاسم الجغرافي عائماً ومتغيراً تبعاً
لمد النفوذ العربي وجزره في اسبانيا طيلة بقاء العرب هناك.
ولتاريخ حملة العرب على شبه جزيرة ايبريا وما رافق ذلك من
سرعة خاطفة في التقدم والنجاح الباهر الذي لاقته مكانة
فريدة في تاريخ الحروب في العصور الوسطى. فقد سير موسى بن
نصير، عامل بني أمية على أفريقيا، مولى له، وهو طارق بن
زياد سنة (711م) على رأس حملة سوادها الأعظم من البربر،
فعبر البرزخ الذي يفصل أوروبا عن أفريقيا، ونزل بهم قرب
جبل " الفتح " الذي اقترن باسمه منذ ذلك العهد فعرف باسم "
جبل طارق " واشتبك بعدئذٍ مع جيش القوط في وادي " لكه "
فدارت الدائرة على القوط رغم انهم كانوا اكثر عدداً وعدة
من جيش المسلمين. ومن بعد هذا النصر الحاسم تقحم المسلمون
الأندلس وتغلبوا عليها، بحيث كاد يكون زحف الجيش في البلاد
أشبه بالنزهة، وهكذا استطاع طارق وقد قصد الأندلس ربيع سنة
(711) على رأس حملة بسيطة للغزو أن يحتل في صيف السنة
نفسها نصف أسبانيا ويصبح سيدها المطاع، وهكذا قضى في بضعة
اشهر على مملكة بأسرها.
وما كادت أنباء انتصارات طارق تصل الى موسى بن نصير حتى
قرر العبور بنفسه الى شبه الجزيرة مستصحباً في هذه المرة
جيشاً يكاد يتكون من العرب فقط، فعبر المضيق في صيف سنة
(712)، وقام بقسط كبير من فتح البلاد والقضاء على مقاومة
القوط ثم التقى بجيـش طارق قرب طليطلة وتعاونا معاً على
إكمال إخضاع البلاد، الى أن دعي القائدان للسفر الى مركز
الخلافة دمشق لتقديم تقاريرهما حول الفتح الجديد.
ولقد كون هذان الجيشان نواة القوة الإسلامية التي شادت صرح
الدولة الإسلامية في الأندلس، ومن المؤكد أن هؤلاء الجنود
استقروا في البلاد التي فتحوها ولم يعودوا الى أوطانهـم،
بل إن قسماً كبيراً منهم تزوج بنساء من أهل البلاد فقرروا
بذلك ارتباطهم بالأرض الجديدة وركزوا أقدامهم فيها.
واستمرت هجرة المسلمين سواء كانوا بربر شمال أفريقيا أو
العرب النازحين من الشرق الى شبه الجزيرة بدون انقطاع طيلة
الفترة التي دعيت " بعهد الولاة " والممتدة زمنياً من
الفتح حتى دخول عبد الرحمن الأول الى الأندلس سنة (755).
ولقد وصل النفوذ الإسلامي في هذا العهد مدىً واسعاً، امتد
الى حذاء جبال البرت، وأحياناً خلفها وخلال هذه الفترة
ذاتها، وقعت أهم المعارك مع الإفرنج في سنة (732)، وأعني
بها معركة بواتييه، أو كما يسميها المؤرخون العرب " بلاط
الشهداء "
بيد أن صفحة جديدة ومهمة من تاريخ الأندلس كتبت غداة أن
وطئ عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الشاطئ الاندلسي، فهو
ليس مؤسس إمارة ثابتة ومستقلة وحسب، وانما اقترن اسمه أيضا
بتشييد أثر معماري ضخم وفريد يعد واحداً من عيون الكنوز
المعمارية العالمية وروائعها : ذلك هو مسجد الجامع الكبير
في قرطبة. وفي كتابه " اشبيلية في القرن الخامس الهجري "،
يتكلم الدكتور صلاح خالص بإسهاب عن دور النخبة (أو كما
يسميها الارستقراطية) في المجتمع الاندلسي، ونفوذها الواسع
في مختلف الميادين وبضمنهـا في مجالي العمـارة والبنـاء "
فمظاهر العمارة ـ كما يقول ـ ورقيها لا تبدو إلا في القصور
الباذخة والجوامع الفخمة والقلاع الشامخة وما فيها من
زخارف دقيقة وجهود لا ينهض بأعبائها إلا أولو الثراء فلا
يمكن تصور وجود فن للعمارة آنذاك لا تشمله الأرستقراطية
برعايتها ولا يستجيب لذوقها ".
شيد مسجد قرطبة الكبير في منتصف النصف الثاني من القرن
الثامن الميلادي، وهو زمن شهد في مضمار العمارة نجاحات
كثيرة ومتشعبة، تجلت على الأخص في بناء المساجد الجامعة
الضخمة ذات التكوينات المعمارية المعبرة المميزة في جميع
الأقاليم العربية والإسلامية. فقبل ذلك الوقت بكثير كان قد
تم بناء مسجد البصرة (635) ومسجد الكوفة (636) ومسجد عمرو
بن العاص بالفسطاط (642) ومسجد عقبة بن نافع في القيروان
(670) والمسجد الأقصى في القدس (685) الذي أنشأه الخليفة
عمر بن الخطاب وأعاد بناءه الوليد سنة (706) والمسجـد
الجامع بواسط الذي بناه الحجاج بن يوسف الثقفي سنة (704 ـ
706)، والجامع الأموي بدمشق (706 ـ 714) وهو فخر العمارة
العربية ورمزها، والمسجد الجامع في حران (744 ـ 750)،
ومسجد المنصور في بغداد (762)، ومسجد الرقة (772)، وغير
ذلك كثير من المساجد الأخرى التي انتشرت في جميع المدن
التي مصرها العرب المسلمون، ناهيك عن المنشآت المعمارية،
ذات الطابع غير الديني كالمساكن والقصور والأبنية العامة
الأخرى وكذلك الأعمال الهندسية المهمة في مجال الري، وغيره.
عندما أصدر عبد الرحمن الداخل أمراً بتجديد الجامع الكبير
في قرطبة واعادة بنائه سنة (786) كانت الأعمال المعمارية
الغنية والتجارب الهندسية الفذة التى حققها المعماريون
العرب المسلمون قد اعتبرت يومها إرثاً ثقافياً له حضور
مميز،. وقد تواءمت أهمية التقاليد المعمارية العربية /
الإسلامية وغناها مع توق الأمير الداخل نفسـه الى إكساب
المبنى الجديد الألوان والمعالم المعمارية المعروفة ذاتها
التي صاغها مهندسو العهد الأموي لأسباب ذاتية غنية عن
الإيضاح، فقد كان الأميـر يتوق الى رؤية الأندلس كأحد
أقاليم الشام، بلد آبائه وأجداده، مدفوعاً بشعور الحنيـن
الدائم والمتواصل الذي كان يكنه لموطنه الأصلي، وليس من
قبيل المصادفة أن يطلق على القصر الذي ابتناه شمال غرب
قرطبة اسم " منية الرصافة " نسبة الى رصافة جده هشام
الأثيرة لديه، وان يغرس حديقته بالأشجار الوافدة إليه من
الشام.
إن شعور الغربة الذي انطوت عليه نفسية الداخل ومزاجه تجاه
الأرض الجديدة، كان لا بد من أن ينعكسا معمارياً على جميع
المنشآت التي أمر بتشييدها، ولقد عبر هو، ذاته، بأجمل
الكلمـات وأرقها وألطفها عن هذا الإحساس عندما شاهد نخلة
مغروسة في منية الرصافة فتذكر وطنه وقال مرتجلاً :
تبدت لنا وسـط الرصافة نخلــة
فقلت شبيهي في التغـرب والنـوى
نشأت بأرض أنت فيها غريبـــة
تناءت بأرض الغرب عن بلـد النخل
وطول التأني عن بنـيّ وعـن أهلي
فمثـلك في الإقصاء والمنتـأى مثلي
* * *
ولهذا فان منشآت عصر الداخل ـ وبضمنها طبعاً الجامع الكبير
ـ لم تكن تقتصر على القيام بوظيفتها المجردة، كمبان تم
تشييـدها لتلبي متطلبات نظام الحكم الجديد الذي أسسه
الأمير، وانما كانت مشوبة دائما بإحساسات الاغتراب المتعمد
عن البيئة المجاورة، وقلما نجد في تاريخ العمارة العالمية
تغاضيـاً وتجاهلاً مقصودين للمحيط المجاور كما نجده في
منشآت العمارة العربية بالأندلس، ذلـك لأن هم العرفاء ـ
وهـي لفظة دارجة تشير الى المعماريين في الأندلس ـ كان
تكثيف هذا الجانب الإبداعي وتضخيمه في أثناء تخطيطهم مجمل
الأبنية التي شيدوها هناك كي يرقوا بها الى مصاف الولع
العميق والشغف والحنين الذي تكنه النخبة، وعلى رأسها
الأمير تجاه منبتهم الأول.
تقترن بدايات تأسيـس مسجد قرطبة الكبير، كما أسلفنا، وكما
هو معروف، باسم عبد الرحمن الداخـل، ولقد دأب العرب
المسلمون على بناء المساجد الجامعة غب تأسيس المدن
وتمصيـرها ـ هكذا كانت الحال في الكوفة ودمشق والفسطاط
والقيروان وبغداد وغيرها من المدن الأخرى، ولم تستثن قرطبة
ـ بطبيعة الأمور من هذا التقليد، واعني به تشييد المسجد
الجامع. وتشير بعض الدراسات الى أن المسجد الجامع الذي
أقامه المسلمون بعد الفتح مباشرة كان في ما يبدو بسيطاً في
بنائه ولعله أقيم من اللبن لسهولة استخدامه. أما مكانه
فكان يقع على الجانب الأيمن من نهر " الوادي الكبير "
قبالة القنطرة وبمحاذاة الطريق الروماني المبلط القديم
الذي دعاه العرب بطريق المحجة الكبرى أو السكة العظمى.
إن تكاثر عدد المسلمين في قرطبة، وخصوصاً بعد نزوح بقايا
الأمويين ومواليهم الى الأندلس إثر سقوط دولتهم في الشرق
نجم عنه عدم اتساع الجامع لأعدادهم الكثيرة، الأمر الذي
جعلهم يعلقون فيه سقيفة اثر سقيفة يستكنون تحتها. على أن
ارتفاع هذه السقائف كان يقل تدريجياً لارتفاع مستوى الأرض
كلما اتجهنا شمالاً وهو الموضع الوحيد الذي يمكن الزيادة
من جهته، لارتفـاع الجزء الشمالي من المسجد وانحدار أرضه
من جهـة الجنوب نحـو النهـر (28) وقـد سبـب تطامن الأسقـف
وانخفاضهـا مضايقـات عديدة للمصلين، الأمر الذي حدا بعبـد
الرحمن في سنـة (168 هـ ـ 786 م) الى الإيعاز بتهديـم
المسجد العتيـق بغيـة تأسيـس مسجد جامع كبيـر يليق بمقامه
كمؤسـس للدولة الأموية في الأندلس.
ولقد شرع في بناء المسجد سنة (786م) وكان حينئذ على شكل
مستطيل طوله (75) م تقريباً وعرضه (65) م وكان بيت الصلاة
فيه يمتد (65) م في موازاة جدار القبلة و (37) م فيما بين
الجدار والصحن، وكان بيت الصلاة هذا يتكون من اثني عشر
اسكوبا ينقسم الى تسع بلاطات (29) وقد عهد الأمير عبد
الرحمن الى عبدالله بن صعصعة بن سلام صاحـب الصلاة بقرطبة
الى أن يغـرس صحن المسجد بالأشجار، فغرسها بأشجار الليمون
والبرتقال والنارنج، وأضحى ذلك بعدئذ تقليداً لكل مساجد
الأندلس الأخرى.
وزاد هشام بن عبد الرحمن في المسجد قبل سنة (796) مجنية
لبيت الصلاة على الصحن. ثم ما لبث المسجد أن ضاق بالمصلين
فأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بزيادته، وزيد فيه مرتين
الأولى تمت سنة (833)، إذ أضيفت الى بيت الصلاة بلاطتان
واحدة في شرقيـه والأخرى في غربيه وأضيفت الى الصحن
مجندتان واحدة من الجهة الشرقية والأخـرى مقابلة لها في
امتداد البلاطتين الجديدتين، وتمت الزيادة الثانية بعد ذلك
بست عشرة سنة ففي سنة (848) أمر عبد الرحمن الأوسط بهدم
جدار القبلة وزيد المسجد من جهتها ثمانية اسكايب وبني
للقبلة جدار جديد وبني به محراب آخر بدلاً من محراب عبد
الرحمن الداخل وبهذه الزيادة فان جوف بيت الصلاة اصبح يمتد
سبعين متراً من جدار القبلة الى الصحن.
بيد أن المسجد زيد مرة ثالثة أيضاً في عهد الحكم المستنصر
سنة (961)، وذلك بتهديم جدار القبلة مرة أخرى ونقلها الى
بعد (35 مترا) الى الجنوب بحيث اصبح بيت الصلاة يتكون من
اثنين وثلاثين اسكوباً، وبالرغم من هذه الزيادات كلها فقد
ضاق المسجد بالمصلين، الأمر الذي حدا بالحاجب المنصور بن
أبي عامر، الذي كان يحكم خلف واجهة الخليفـة هشام بن الحكم،
الى زيادة المسجد سنة (987). على أن الزيادة في هذه المرة
تمت شرقي بيت الصلاة والصحن، إذ مد جدار القبلة خمسين مترا
شرقا، وزيد بيت الصلاة ثماني بلاطات امتدت على امتداد
بلاطات بيت الصلاة السابقة، وبلغت مساحة المسجد 125 × 180
م وهي مساحة تزيد عن خمسة فدانات لا يزال المسجد العظيم
يشغلها الى اليوم.
وعلى هذا النحو فان مسجد قرطبة هو المسجد الثالث ترتيباً
من ناحية المساحة الإجمالية بعد مسجدي المتوكل في سامراء
(848 ـ 852) وجامع أبي دلف في سامراء أيضاً (860)، في حين
أن بيت الصلاة فيه يعد من أكبر بيوت الصلاة في المساجد
الإسلامية حجماً وأكثرها اتساعاً، ويتكون سقف بيت الصلاة
في الأصل من لوحات خشبية مثبتة على عوارض تمتد عرضا بأعلى
البلاطات وتعلوها بامتداد البلاطات أسطح منشورية الشكل
مكسوة بالقرميد، ويستند السقف الى أعمدة مربوطة بأقواس
مزدوجة تمتد عموديا على جدار القبلة، ولقسم من هذه الأعمدة
قواعد مختلفة الأحجام بغية الحصول على منسوب موحد لسقف
الجامع الذي قدر ارتفاعه بـ (60, 8 م).
تنطوي التكوينات المعمارية ـ الفنية لجامع قرطبة الكبير
على قيم ومبادئ متميزة ومنفردة تعكس بوضوح التطورات التي
حصلت في تصاميم المساجد الجامعة الأخرى والتي شيدت في
الأقاليم المختلفة، وتجسد هذه التكوينات في قرطبة، نقاء
الإرث الثقافي المعماري العربي / الإسلامي وأصالته وتسعى
الى تركيزهما. فالتكوين العام للجامع يتألف من قسمين
أساسيين هما الصحن المكشوف المليء بالضياء والمغروس بأشجار
النارنج التي غرسها يوماً ما عبدالله بن صعصعة، صاحب
الصلاة بقرطبة. وأمست تقليداً أندلسياً منذ ذلك الحين ـ
وبيت الصلاة المسقف الذي يكتنفـه الظلام الخفيف ويحيط بهما
معاً (أي بالصحن وبيت الصلاة) جدار يحدد الفضاء الداخلي
ويفصله عن البيئة المجاورة. وكما أشرنا، فان معماري المسجد
لا يكترث بالبيئة المجاورة، بل يحاول جهد الإمكان أن
يتجاهلها ويتغاضى عنها، فهمه وهاجسه الكبير هو ما يجري ضمن
الحيز الذي خلقه محاطاً بالجدار ـ السور. وفي تحديده
الفضاء، تتجلى قابليته الفذة في ايداع معايير وقيم خاصة به
مستقرأً ً جميع التجارب الهندسية التي مـرّ بها أسلافه،
ومستحضراً هموم معاصريه وتطلعاتهم، ففي داخل مسجد قرطبة
نشاهد ونتحسس ذلك التوق الفني الذي يلازم جميع المهندسين
والمعماريين العرب، في خلقهم التكوينـات المعمارية ـ
الفنية لمنشآتهم، هذا التوق الذي يتمثل في سيادة الفضاء
وسيطرته على أقسام المبنى المادية، بيد أن هنا في مسجد
قرطبة، يصل على أيدي عرفاء الأندلس ومعمارييه الى ذروة
الاكتمال والنقاء فالاهتمام داخل المسجد منصب اولا، على
إضعاف أهمية الجدران الفاصلة والمحـددة للفضاء المحصور.
والمشاهد يحس هنا بان بيت الصلاة المسقف غير مفصول وغير
معزول عن الصحن المكشوف وانه بفضل ترتيب عقود البلاطات
عمودياً على جدران القبلة، (هذا النظام الذي قد اتبع سابقا
في المسجد الأقصى بالقدس " 706 " ومسجد سيدي عقبة بن نافع
بالقيروان " 670 ") فان الضياء المنعكس عن الصحن يخترق
الظلة لمسافات بعيدة اكثر بكثير مما لو وضعت هذه العقود
موازية لحائط القبلة.
يلاحظ في عناصر مسجد قرطبة المعمارية التطور اللاحق لمبدأ
" تهشيم " الكتل داخل الحيز المحصور بغية خلق فضاء يتسم
بالأبعاد البصرية الممتدة والشعور باللانهائية، إذ يوظف
المعماري عناصر تكويناته الفنية متوخياً منها، دائماً،
إدراك غايته ومراميه بصورة مجسدة ونقية وواضحة. فارتفاع
الجدار الداخلي لمسجد قرطبة يعتبر بمثابة ارتفاع بسيط إذا
قورن بالامتـدادات الأفقية الكبيرة لقاعة بيت الصلاة التي
" زرعت " بأعمدة كثيرة، فضلا عن أن الفضاء المؤشر الذي
تشغله هذه الأعمدة هو من السعة بحيث أن المشاهد لا يرى من
أمامه إلا فضاء ممتدا بكل الاتجاهات. وباستطاعته أن يسير
طويلاً من دون أن يعرقل سيره حاجز أو قاطـع ما في هذا
الفضاء الفسيح. وبعد تحرك طويل ومضنٍ في داخل المبنى، سواء
كان ذلك بحركة العين بصريا أو بحركة فعلية، فانه أخيرا
يصطدم بالحاجز ـ الجدار الذي يبدو له صغيرا وضئيلاً جداْ
نسبة الى فضاءات القاعة الواسعة فضلا عن هذا فان الجدار ـ
كان عادة مغطى بأنواع الزخارف ذات الأشكال الدينامية،
الأمر الذي يساعد على ذوبان كتلة الجدار ـ الحائط ويضفي
عليه صفة الستارة أو القاطع الشفاف.
ينطوي التكوين المعماري ـ الفني داخل الجامع على تقسيم
ظاهر وواضح لجزأين أساسيين، اسفل وأعلى، فالجزء الأسفل
تشغله الأعمدة، والأعلى مشرب ومملوء بالعقود والأقواس. إن
الجزء الأسفل يخلق حيزاً لاستيعاب أشخاص المصلين، والأعلى
يوحدهم نحو هدف واحد، وتتوزع أعمدة الجزء الأسفل بنظام
صارم في جميع الجهات، أنها مؤشرات فضائية، إيقاعها المنتظم
يحدد مدى الفضاء وسعته. ويتوخى المعماري من خلال الأعداد
الكثيرة والهائلة من أعمدة حرم المسجد تثبيت حقيقة يسعى
دائما الى تجسيدها، وهي غياب تابعية أعمدة معينة لاخرى
غياباً تاماً، أو مرؤوسية أقسام الفضاء الداخلي بعضها
للبعض الآخر.. انه شغوف، حتى الأعماق، بخلق انطباع جلي
بانعدام المركزية. ولا تؤلف الأعمدة " المغروسة " تشكيلات
لمجامع معينة، بل إننا لا نلمس أية نزعة تشير الى ذلك،
فجميع الأعمدة متساويـة، يشبه بعضها بعضاً، أو في الأقل،
هذا ما يرغب المعماري في تأكيده، من هنا يبدأ تأثير
الإحساس المراد خلقه وهو انطباع اللامركزية في التكوين
المبدع.
وعبر تفريق الأعمدة وتشتتها عن المشاهد في جميع الجهات
بغية حضور الاحساس بالانتشار اللانهائي لـ " لامادية "
الفضاء الناجم عن عدم تكثيف الأشكال المعمارية وتركيزها،
إذ لا يوجد ثمة تباين أو اختلاف لتشكيلات منفردة وخاصة
لاتحاد العناصر المعمارية. يتأسس مفهوم جديدً لأهمية
العمود في العمارة العربية / الإسلامية ، هو مفهوم يكتسي
بنوع من الخصوصية المتفردة الناجمة عن الانعكاسات المادية
لشعور الإنسان المسلم وقيمه الثقافية وأحاسيسه الوجدانية
…
من هنا يمكن تفسير
الولع بالمغالاة في نشر الأعمدة الكثيرة جداً، التي يلجأ
إليها المعماري في خلقه فضاءات حرم المسجد.. ففي جامع
قرطبة ينصب الاهتمام ليس على الركيزة الرافعـة أو الدعامة
الحاملة، وانما على التشابه الرياضي الكلي لموقع الأعمدة..
ففي أثناء حركة المشاهد في قاعة حرم المسجد تتآلف وتتكون
صفوف موحدة ومتشابهة من المساند (القوائم) سواء كانت في
المحاور الأساسية أو في صفوف الأوتاد. أنها قطعاً لا تقود
المشاهد نحو نقطة ما، ولا توجهه ولا تهديه، إذ ليس ثمة جزء
معين ومقدس في الجامع، وإنمـا مهمتها تكثيف الإحساس
باللامركزية في التكوين وكذلك تأكيد مفهوم ملموس بأن توزيع
المؤشرات الفضائية يخضع لنظام واضح وصارم معبر عنه بالعنصر
العددي أو الرياضي، وبعبارة أخرى فان المسقط المبتدع ينفي
بالضرورة وجود محور وسطي وهذا كله ينعكس على واجهات المبنى
فالجـدار الذي يحيط بالمسجد يتسم بمعالجات مماثلة تنحصر في
امتدادات أفقية تقطعها فتحات متناسقة لمداخل عديدة (وليس
لبوابات) على طول الجدار المحيط بغض النظر عن أهمية أجزاء
الجدار المحيط واتجاهاته، كما ذكر سابقاً.
وتشغل العقود " فرتكالياً " في حيز الجامع فضاءً أكبر
بكثير من الجزء المخصص للأعمدة، ويشكل عددها الكثير
والمزدوج في الأعلى " موتيفاً " لتقاطعات معقدة ومختلفة،
مهمتها خلق إيحاءات الفضاء الواسع المفتـوح وشد الانتباه
اليها وتوجيه نظر المشاهد أو الزائر نحو الأعلى دائماً.
وسعياً الى جذب الانتباه نحو العقود، وبالتالي نحو الأعلى،
فان المعمار يلجأ الى زيادة ديناميتها بصرياً بفضل التضاد
الذي خلقه مع وضعية الأعمدة الثابتة والهادئة تحتها،
فبجانب العناصر العمودية الملساء للسيقان البسيطة الموجودة
في الأسفل، فان الخطوط المعرجة والملتوية التي تنكسر فوقها
الأقواس، تولد انطباعاً لتكوين معماري فريد غايته، أساساً،
تهشيم الكتل المعمارية وتعقيد القوائم الإنشائي وابهامه،
كي يسهل الحصول على انطباعات الفضاء الواسع وغير المحصور
واللانهائي.
إن تآلف الأعمدة والعقود داخل مسجد قرطبة يخلق تداعيات
عينية لما يشبه أشجار نخيل الواحة، فالجذوع العارية في
الأسفل تنمو وتتشعب نحو الأعلى بواسطة السعفات المتشابكة.
والمشاهد في حركته داخل الظلة يظل متوجساً ومحترزاً دائماً
في مسألة التوجه الفضائي فيها، عبر سيقان الأعمدة بيد أن
نظره ينحو نحو القسم الأعلى : المعقد والمشوش الذي يتلاشى
ويضيع في الفضاء الواسع الفسيح. وعلى العموم فان " انترير
" المسجد ينقسم ويتجزأ بصورة أساسية الى مؤشرات عددية
بسيطة في الأسفل، تؤلفها صفوف الأعمدة المستقيمة والصارمة،
والى تكوينات معقدة ودينامية لهذه المؤشرات من خلال
تجميعات مختلفة بواسطة الأقواس الرابطة في الأعلى.
لقد كرست عمارة مسجد قرطبة الكبير المفاهيم الجديدة
للعمارة ضمن رؤى خاصة اتسمت بها العمارة الاسلامية، ومن
تجليات هذا المفهوم تأسست مفاهيمية جديدة حددت بدورها قيم
العمارة الاسلامية ورسخت مبادئها. فعمارة المسجد الكبير
مافتئت تقرأ كونها تمرينا ابداعيا ، تمريناً يرتقي بمعنى "
المفهوم " نحو رحاب " المفاهيمية ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مدرسة العمارة
/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
|