|
حقوق المواطن وحرياته في مشروع
دستور كردستان
تيلي أمين الدوسكي*
*محام وكاتب عراقي
من
أهم الأحكام التي توجبها حق المواطن في الحرية هي ما وردت
في المادة (65) من مشروع الدستور التي تكفل حرية المواطن
في الفكر والدين والعقيدة و (لا اكراه في الدين) كما ينص
المشروع، وقد ضمنت المادة نفسها حرية مواطني كردستان من
المسلمين والمسيحيين والازديين وغيرهم ممارسة عباداتهم بكل
حرية واحترام، وقد أبدع المشرع في إضفاء الاحترام على طقوس
عبادة الله وبأي شكل كانت. وهذا هو جوهر الحرية في كردستان
وجوهر التآخي والتلاحم بين مواطنيها.
يتناول الباب الثاني من مشروع دستور كردستان حقوق مواطني
الإقليم من الكرد والتركمان والكلدان والأشوريين والأرمن
والعرب الذين يتكون منهم شعب كردستان العراق حسب نص المادة
السادسة من المشروع. وتأتي الحقوق المدنية والسياسية في
مقدمة الحقوق التي اقرها مشروع الدستور وهي تؤكد في
البداية مبدأ أساسياً من مبادئ حقوق الإنسان التي وردت في
المواثيق الدولية وهو مبدأ المساواة بين المواطنين أمام
القانون في الحقوق والواجبات وهو يتضمن عدم التمييز بين
فئة من المواطنين وفئة أخرى أو بين مواطن وأخر بسبب العرق
وتعني الانتماء القومي أو الجنس (ذكوراً وإناثاً) أو اللون
أو بسبب لغة المواطن أو معتقده الديني أو الانتماء السياسي
أو الوضع الاجتماعي، بصورة عامة يمنع هذا المبدأ التمييز
بين المواطنين أمام القانون لأي سبب كان فالكل متساوون
أمامه ويجري التعامل معهم وفق قاعدة المساواة. ويتبع هذا
المبدأ مبدأ آخر اقره مشروع الدستور في المادة العشرين منه
وهو تكافؤ الفرص لجميع مواطني الإقليم ومنها فرص العمل
وفرص التوظيف وفرص التعليم وفرص الترشح للمجالس المنتخبة
وفرص المشاركة في الحياة السياسية أو الاقتصادية وفرص
الاستفادة من الثروة الوطنية والخ. في المادة (19) يولي
المشروع أهمية استثنائية لحق المواطن الكردستاني في الحياة
والأمن والحرية ويمنع حرمانه من احد هذه الحقوق إلا بموجب
القانون وبقرار من جهة قضائية مخولة، ويعني أن المشروع
يمنع الجهات التنفيذية من حرمان المواطن من حق الحياة أو
الأمن أو الحرية وان المحاكم حصرا هي التي تتولى تطبيق
القانون.
ما يلاحظ على مشروع الدستور أيضا هو أن(المشرع)، وأقول
المشرع مجازا لان الدستور لم يشرع بعد، لم يكتف بالأحكام
العامة التي تحظر عدم المساواة بسبب جنس المواطن، إنما
أولى وحسنا فعل ذلك أهمية إضافية لحقوق المرأة فنص في
المادة(21) على تمتع المرأة بالمساواة مع الرجل ومنع
التمييز ضدها وأكد تمتعها بجميع الحقوق المدنية والسياسية
المنصوص عليها في الدستور وفي العهود والمواثيق الدولية،
وألزم الدستور سلطات الإقليم إزالة كل العقبات التي تحول
دون مساواة المرأة بالرجل. وكان على المشرع بيان رأيه في
تحفظات الدولة العراقية على بعض حقوق المرأة عند مصادقتها
المواثيق والعهود الدولية وبالأحرى إعلان عدم التزام دستور
كردستان بتلك التحفظات. انطلاقا من هذه الأهمية لحقوق
المرأة يمنحها مشروع الدستور في المادة(23) تمييزا ايجابيا
إذ تنص المادة على ضمان نسبة لا تقل عن (25) % لمشاركة
المرأة في انتخابات برلمان كردستان والمجالس المنتخبة
الاخرى. هذا الحق الاضافي لا يتعارض مع مبدأ المساواة كما
قد يتوهم البعض لان المواثيق الدولية تحبذ التمييز
الايجابي في فترات محددة وحتى يتم إقرار المساواة عمليا.
وقد منح (المشرع) هذا التمييز الايجابي أيضا للقوميات غير
الكردية في كردستان وهي خطوة قد تحقق عدالة أكثر وتلبي
المعايير العادلة للتعامل مع الأقليات القومية والدينية في
كردستان وأقول الأقليات لأنه المصطلح الرسمي الذي يرد في
الصكوك والمعاهدات الأممية وإلا فان مشروع الدستور يعترف
بالأقليات كقوميات.
تأكيدا على حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق الدولية ينص
الدستور على جملة مبادئ مقتبسة من لوائح حقوق الإنسان ومن
مبادئ قانونية استقرت في الفقه والقضاء منذ أمد طويل ومنها
(أن العقوبة شخصية) أي لا تطول العقوبة الا شخص من ارتكب
الفعل الموجب للعقوبة وان (لا عقوبة ولا جريمة الا بنص) و
(المتهم برئ حتى تثبت إدانته) و (حق الدفاع مقدس) و (عدم
رجعية القانون الجنائي) وغيرها، ويأتي إقرار هذه المبادئ
ايفاءا لالتزامات دولية إذ تشجع العهود الدولية الخاصة
باحترام حقوق الإنسان الدول الأعضاء إقرار هذه المبادئ في
منظومة التشريعات الوطنية وبشكل خاص في الدساتير.
يضمن المشروع في المادة(23) منه حق مواطني كردستان في
المشاركة بإدارة الشؤون العامة وتسييرها بأنفسهم أو بواسطة
ممثلين منتخبين من قبلهم بحرية، ويمنحهم حق المشاركة في
الانتخابات والاستفتاءات العامة وتقلد الوظائف، وكان من
الأفضل أن ينص المشروع على حق المواطن في المشاركة
الانتخابية ناخبا أو منتخبا أو أن ينص على حق المواطن في
الترشيح للهيئات العامة التي تجري الانتخابات بشأنها ووفق
القانون ومن غير قيود أو ضغوط، ان عبارة المشاركة تعني أن
يكون المواطن ناخبا أو منتخبا لكن حق الترشيح من الحقوق
الاساسية وتسمية هذا الحق في الدستور امر ايجابي وكما ورد
في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
في الفصل نفسه وتحت أحكام المادة (42) حظر مشروع الدستور
كل الكيانات التي تنتفي عنها الصفة الديمقراطية مثل
الكيانات الشوفينية أو الارهابية أو الطائفية، وهي خطوة
ضرورية لإقامة مجتمع ديمقراطي وحر وضرورية أيضا لتشييد
مجتمع قائم على أسس من العدالة وإبعاد شبح الحروب
والصراعات العنيفة عنه، الديمقراطية لا تعني الخروج عن
المبادئ الأساسية التي يمتثل لها الشعب ويؤمن بها ويصوغها
في دستور دولته، واعتقد أن مكان هذه المادة غير مناسب وكان
من الافضل ضمها فقرة إلى المادة (67) التي تتحدث عن حرية
اقامة الأحزاب والجمعيات والشروط الواجب توفرها فيها.
في الفصل الثاني من الباب نفسه يتناول مشروع دستور كردستان
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومنها حق المواطن
في العمل وهو أهم الحقوق الاقتصادية، ونص على الحق في
التعليم المجاني وحق الرعاية الصحية وأولى عناية خاصة
لحقوق المعاقين وهي فئة تستحق الرعاية كما نص المشروع في
المادة (48) منه على أن (الملكية الخاصة مصونة) ومنع
انتزاع هذه الملكية وبشكل عام إلا لاغراض المنفعة العامة
ومقابل تعويض عادل وسريع، وكان من الأفضل أن ينص على عدم
نزع الملكية إلا لاغراض عامة وبعد التراضي على مقدار
التعويض أو تقديرها من قبل جهة قضائية، خاصة ان المشروع قد
حسم الجدل ونص صراحة على اعتماد نظام الاقتصاد الحر في
المواد التي تتناول المبادئ الأساسية وهو النظام الذي اثبت
جدارته وأفضليته للتوصل إلى تنمية حقيقية ومجتمع مزدهر
اقتصاديا وقوام هذا النظام هو الملكية الخاصة. تضمن
المشروع حقوق الأسرة وحظر استغلال الأطفال واوجب أن يتم
عقد الزواج برضا الطرفين ومن غير إكراه وهو موضوع في غاية
الأهمية أحسن المشرع الدستوري في تضمينه بندا دستوريا.
وأولى مشروع الدستور وضمن فصل حقوق المواطن أهمية لمعالجة
تلوث البيئة والمحافظة عليها، ونعتقد انه قد أصاب الهدف
فمن حق المواطن العيش في بيئة سالمة وصحية وعلى السلطات
حماية المواطن من التلوث ومخاطره. كما نص المشروع على
الاهتمام بالطاقات الشابة صاحبة المستقبل ووجوب رعايتها
وتنمية قدراتها وتوفير احتياجاتها التي تمتلك خصوصية.
اقترب المشرع من القوانين الاوروبية التي تضمن حق المواطن
في الضمان الاجتماعي فنص المشروع في المادة (50) على: (لكل
مواطن الحق في الرعاية الصحية وعلى حكومة الإقليم توفير
وسائل الوقاية والعلاج وعليها وحسب إمكانياتها ضمان حق من
يفقد مصدر معيشته لظروف خارجة عن إرادته في حالة المرض
والعجز والترمل والشيخوخة)، ومع الأخذ بنظر الاعتبار
الظروف الاقتصادية لحكومة الإقليم كان من الأفضل على ما
نرى أن تتوزع المادة على فقرتين وعلى الشكل الاتي الفقرة
الأولى (للمواطن حق في الرعاية الصحية وعلى حكومة الإقليم
توفير وسائل الوقاية والعلاج) الفقرة الثانية (تعمل حكومة
الإقليم على ضمان حق العيش لكل مواطن فقد مصدر معيشته بسبب
المرض أو الشيخوخة أو العجز أو العوق أو الترمل أو اليتم
أو البطالة أو لأي سبب أخر). وعبارة (تعمل) لا تعني
الإلزام حاليا لان الجميع يعرفون إمكانيات الحكومة في
الوقت الحاضر.
يختص الفصل الثالث من الباب الثاني من المشروع بالحريات،
وبرغم أن حقوق المواطن والحريات الأساسية متداخلة ومرتبطة
عضويا إلا أن المشرع فضل الفصل بينهما تبسيطا لأحكام
الدستور واستيعابها من قبل أكثر أفراد الشعب ومضاعفة في
توعيته. ونص المشروع على ضمان الحريات العامة والاساسية
كحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والتظاهر والاجتماع
والإضراب وحرية الاتصالات والمراسلات وحرية السفر والسكن
واتخاذ مكان الإقامة، بشأن السفر إلى خارج الاقليم جاءت
العبارة مطلقة وهي تفيد السفر خارج العراق أيضا وكان من
الممكن النص على حق المواطن في السفر إلى خارج الاقليم
وخارج العراق والعودة اليه من دون قيود إمعانا في تأكيد
حرية المواطن الكردستاني وحقه في السفر، هذا الحق الذي
ينظر إليه كمعيار لمدى التزام الدولة المعنية بالمبادئ
الديمقراطية.
من أهم الأحكام التي توجبها حق المواطن في الحرية هي ما
وردت في المادة (65) من مشروع الدستور التي تكفل حرية
المواطن في الفكر والدين والعقيدة و (لا اكراه في الدين)
كما ينص المشروع، وقد ضمنت المادة نفسها حرية مواطني
كردستان من المسلمين والمسيحيين والأزديين وغيرهم ممارسة
عباداتهم بكل حرية واحترام، وقد أبدع المشرع في إضفاء
الاحترام على طقوس عبادة الله وبأي شكل كانت. وهذا هو جوهر
الحرية في كردستان وجوهر التآخي والتلاحم بين مواطنيها.
لم يحصر المشرع الجهد في إقرار حرية المواطن وحقوقه
وصياغتها دستوريا وحسب إنما افرد أحكاما دستورية لضمان
تمتع المواطن بهذه الحقوق وحرم اللجوء إلى الوسائل غير
الديمقراطية للإساءة إلى حرية المواطن ومنها ما ورد في
المادة (67) التي تحظر إجبار الفرد على الانضمام إلى حزب
أو جمعية، وحظر على الأحزاب والجمعيات وحتى الأفراد
استخدام الدين أو شعائره أو طقوسه أو مقتبسات الكتب
الدينية للحط من مكانة الغير واوجب على الجمعيات والأحزاب
في كردستان أن تتوافق أهدافها مع النظام السياسي للإقليم
وهو يقصد نظامه الديمقراطي وعليها أن تدعو إلى التعايش
السلمي وتعمل على التقارب والعيش المشترك بين المكونات
القومية والدينية لشعب كردستان وبغير ذلك لا يجيز الدستور
الأحزاب والجمعيات التي لا تؤمن بتعددية المجتمع
الكردستاني ولا تحترم حريات وحقوق مكون قومي أو ديني،
وبمعنى حظر الأحزاب التي تتسم باحادية التفكير مثلها مثل
الأحزاب التي تكون فرعا لأحزاب أجنبية أو تكون تابعة
وممولة من جهات أجنبية. هذه الأحكام تشكل صمامة الأمان
لوحدة شعب كردستان وتمتع كل فرد ومن غير تمييز بحقوق
وحريات متساوية وهو إقرار لمبدأ المساواة أمام القانون.
أخيرا لا بد من القول أن المشرع الدستوري لم يغفل ما كان
يأمله كل دعاة ونشطاء حقوق الإنسان في كردستان من مشروع
الدستور وهو النص على التزام حكومة الاقليم وسلطاتها
بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان فنصت المادة (69) من
المشروع على: (تعتبر العهود والمواثيق والإعلانات الدولية
الخاصة بحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل العراق أو
المنظم إليها مكملة لأحكام هذا الدستور). وبهذا قطع مشروع
دستور كردستان مسافة بعيدة في إقرار حقوق المواطن وحرياته،
مسافة لم تقطعها إلا دول من العالم المتحضر. |