اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

تطبيقات عقوبة الاعدام في القضاء العراقي
 

نبيل ميجر السعد *
*محام وكاتب / البصرة

وفقاًً لقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، (يعاقب بالاعدام من يدان بجريمة من شأنها ((المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها)) كما يعاقب بالعقوبة ذاتها ((كل من نظم او ترأس او تولى قيادة في عصابة مسلحة هاجمت فريقاًً من السكان او استهدفت منع تنفيذ القوانين واغتصاب الاراضي او نهب الأموال المملوكة للدولة او لجماعة من الناس بالقوة او قاوم بالسلاح رجال السلطة العامة).

وهكذا هي معظم الجرائم الوارد ذكرها في البابين الاول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات. برغم كثرة الجرائم المرتكبة ومن الانواع المذكورة في البابين لاسيما بعد التاسع من نيسان 2003، الا ان العراق لم يشهد تنفيذ حكم واحد بالاعدام لان قوات الاحتلال والحكومة العراقية تتعكز على (حقوق الانسان) وحمايتها وكأن احترام حقوق الانسان يعني السماح لمن هب ودب ان يرتكب ما شاء من الافعال الاجرامية بحق العراقيين ناهيك عن وضع من يتم القاء القبض عليه من المتهمين في معتقلات (خمس نجوم)!! ان القوانين الجنائية لابد ان تحترم وتنفذ في كل امة تحترم نفسها وتريد بناء دولة على اسس صحيحة والا فالدولة لا تبنى بالتصريحات والشعارات البراقة. وعلى اية حال فان القضاء العراقي لم يدخر جهداً في حماية الارواح والممتلكات والنظام العام منذ تأسيس الدولة العراقية في العشرينيات من القرن المنصرم وحتى في العقود المظلمة في العراق ابان حكم صدام فبعض القضاة حافظوا على العدالة والنزاهة برغم الضغوط الهائلة من جانب سلطة فاسدة ومفسدة. واذا كانت محاكم النظام الخاصة كمحكمة الثورة سيئة الصيت انما شكلت لحماية النظام والايغال في اضطهاد افراد الامة العراقية فان الجرائم التي يختص القضاء العراقي بنظرها (محاكم الجنايات ومحكمة التمييز) هي الجرائم التي توجه ضد حقوق الانسان العراقي في سلامة بدنه وحماية ممتلكاته وبعبارة اخرى تلك الجرائم المتعلقة بحياة الانسان كالقتل العمد ثم الجرائم الماسة بحرية الانسان وحرمته كالخطف وكذلك الجرائم الواقعة على المال كالسرقة بانواعها. اضافة إلى بقية ابواب قانون العقوبات والقوانين الجنائية الاخرى كقانون مكافحة المخدرات. ان عقوبة الاعدام هي العقوبة الناجعة للحفاظ على امن المجتمع بمواجهة مجرم خطر يشكل بقاؤه على قيد الحياة خطراً اكيداً على الناس من خلال نزعته الشريرة مع انتفاء اية وسيلة لاصلاحه وابعاد خطره، فالاعدام حينئذ هو العقوبة العادلة التي دعت اليها جميع الشرائع السماوية وغير السماوية والقوانين الوضعية للحد من ظاهرة الجريمة برغم ما يقدمه المعارضون لهذه العقوبة من مبررات لإلغائها نهائياً وهذا القول قد يكون صائباً في المجتمعات المستقرة امنياً والذي يبلغ الوعي الاجتماعي حداً يجعل عقوبة الاعدام غير مبررة ويمكن الاستعاضة عنها بعقوبة السجن المؤبد. ولكن الامر ليس كذلك في مجتمعنا العراقي فيمكن الزعم بان عقوبة الاعدام هي السيف البتار لملاحقة واجتثاث المفسدين من ارض الرافدين. ومن السخرية القول ان امريكا التي علق حاكمها المدني على العراق عقوبة الاعدام،لم تلغ هذه العقوبة حتى الآن!!. ومن الجدير بالذكر ان القضاء العراقي وهو يطبق عقوبة الاعدام، حصر هذا التطبيق في حالات محددة ولم يكن متمادياً او متعسفاً في ذلك (على العكس من المحاكم الامنية للنظام التي تقضي باعدام شخص لمجرد تفوهه بكلمات تمس شخص امل الامة العربية مثلاً). اذن لابد من استعراض بعض حالات تطبيق عقوبة الاعدام للوقوف على موقف القضاء العراقي:
اولاً: قررت محكمة التمييز الاتحادية تصديق حكم الاعدام شنقاً حتى الموت الصادر على المدان (س) من قبل محكمة جنايات اربيل لقتله المجني عليها وولديها الصغيرين عمداً مع سبق الاصرار باطلاق النار عليهم من بندقيته عندما كانوا جالسين في دارهم بسبب اعتقاد المدان بان معيل المجني عليهم الموقوف هو قاتل زوجته مستغلاً فرصة غياب صاحب الدار.
وقد استندت المحكمة في حكمها إلى شهادات عيانية لا يرقي اليها الشك والى محضر الكشف على محل الحادث ومخططه إلى استمارات التقرير الطبي التشريحي والى هرب المدان وتنكره في تنقلاته وقد ثبت للمحكمة ((ان المدان استغل فرصة غياب رب الاسرة الذي يضمر له كرهاً حتى اذا ظهر له جراء ترصده تواجد المجني عليهم في دارهم اقتحم هذه الدار البائسة حاملاً بندقيته حيث تخطف برصاصها ارواح هذه الانفس البريئة واحداً اثر واحد فأرداها جثثاً هامدة فارقت الحياة)). اما محكمة التمييز الموقرة فقد علقت الهيئة العامة فيها بان جرائم المدان ((تفوق بشاعتها وفظاعتها حد التصور ويعجز عنها الوصف، وتتجلى النزعة الهمجية الاجرامية الشريرة لدى المدان، في ان هذه الانفس البريئة التي ازهق المدان ارواحها لم تقترف أي ذنب تجاه المدان ولابد فيما تصوره هذا المدان خطأ تجاه رب اسرتها فليس للمرأة ولا لوليديها الحدث (م) والطفل (ع) - لم تتفتح عيناه بعد على الدنيا - ضلع فيها ولكن تصور المدان خطأ من ان رب اسرتهم تسبب في قتل زوجته،فمثل هذا المدان لابد من الحكم عليه بالاعدام شنقاً حتى الموت فهو خطر على الناس وعلى الكيان الاجتماعي ومقطور على الاستهانة بالارواح والقانون...وصدر القرار بالاتفاق)).
هذا هو اتجاه القضاء العادل بحق من قتل ثلاث انفس بريئة ولكن كيف الحال مع من قتل ملايين الابرياء سواء في حروبه الداخلية أو الخارجية وكيف ينتقم القدر لسكان المقابر الجماعية وملايين الايتام والارامل والثكالى؟!!. وما عقوبة من اباد سكان حلبجة الشهيدة باسلحة الدمار الشامل؟!.
ولكنه وضع في سجن (سياحي) يحرص القائمون عليه على راحته وصحته ونوعية طعامه (الفاخر)!!.
ثانياً: قضت محكمة التمييز الاتحادية بقرارها الصادر من الهيئة العامة برقم 1988/252 تصديق قرار محكمة جنايات الرصافة بالاعدام شنقاً حتى الموت بحق مدان لان هذه العقوبة ((جاءت متوازنة)) مع خطورة وجسامة الجريمة المرتكبة فالمحكوم اسهم في قتل المجني عليه من دون ان تكون بينهما أية رابطة باستثناء المنفعة المادية التي كان المحكوم يروم الحصول عليها عن طريق غير شريف وقد ارخص من خلالها قتل نفس بريئة كان هدفها الحصول على المنفعة المادية عن طريق الكسب الحلال والعمل الشريف. اذن أي فارق كبير بين عمل هذا الرجل النزيه وعمل ذلك المجرم الخطر؟ اضافة إلى ذلك ان اقدام المحكوم على قتل المجني عليه وهو - أي المحكوم - يرتدي ملابسه الرسمية وعودته إلى دائرته لدليل يظهر بوضوح مدى استهتاره بالقيم الاخلاقية والاجتماعية والوظيفية بكل ذلك يجعل عقوبة الاعدام المفروضة عليه متوازنة مع متطلباتها المذكورة لذا قرر تصديق قرار العقوبة... وصدر القرار بالاتفاق). وتتلخص الحادثة بما يلي:
ان المجني عليه كان يستعمل سيارة الاجرة العائدة إلى شقيق زوجته في منطقة النهضة ببغداد وذات ليلة اوقفه شخصان يرتديان الملابس العسكرية وطلبا منه ايصالهما إلى الصليخ بحجة وجود صديق لهما يأخذانه ويسافران معه إلى البصرة، وعند وصولهم إلى منطقة سبع ابكار طعناه بالسكين. وعند القاء القبض على احد المتهمين اعترف بالحادث وبشكل مطابق لاقوال المجني عليه وهو تحت غشية الموت. واضاف ان المتهم الاخر (الهارب) عرض عليه مبلغ اربعة الاف دينار لقاء مشاركته له في قتل احد الاشخاص فوافق واستقلا سيارة المجني عليه وفي الطريق اوهم المتهم الهارب السائق المذكور بانه يشكو الماً في بطنه وطلب منه التوقف لهذا الغرض عند ذاك اقدم المتهم الذي القي القبض عليه على طعن السائق بالحربة في بطنه بايعاز من المتهم الهارب واخذ سيارته حيث تم انتزاع المطفأة والدولاب الهوائي الاحتياط والجك...
ثالثاً: اتضح من وقائع القضية المعروضة امام محكمة التمييز الاتحادية ان المتهمين كانا قد لحقا بالمجني عليهما عند خروجهما مساء يوم الحادث بالسيارة متوجهين إلى قضاء تلعفر وان المتهم (ك) قد مكث بسيارته اما شقيقه المتهم (ع) فقد نزل من السيارة بعد اطفاء محركها ومصابيحها ليتولى مهمة قتلهما وعند مرور المجني عليهما على الطريق الترابي الذي يربط احدى القرى بالشارع العام اطلق (ع) النار عليهما من رشاشته ثم عادا بسيارتهما إلى القرية. قررت محكمة جنايات نينوى الحكم على المدان (ك) بالاعدام شنقاً حتى الموت وعلى المدان (ع) بالسجن المؤبد (لعدم بلوغه العشرين سنة من عمره) عن كل جريمة من جريمتي القتل (حيث انه قتل شخصين) وتنفذ العقوبتان بحقه بالتعاقب... ولقد قضت محكمة التمييز بأن ((كافة قرارات الادانة الصادرة في الدعوى للاسباب التي استندت اليها المحكمة صحيحة وموافقة للقانون قررت تصديقها كما ان عقوبتي الاعدام الصادرتين على المدان (ك) جاءتا متناسبتين مع الجريمتين المرتكبتين من قبله وهو اشتراكه في قتل شخصين في وقت واحد مما يدل على عدم مبالاته واستهتاره بارواح الناس وكذلك عقوبتي السجن المؤبد الصادرتين على المدان (ع) استدلالاً بالمادة 79 عقوبات...)) علماً ان المادة 79 من قانون العقوبات تنص على انه ((لا يحكم بالاعدام)) على من يكون وقت ارتكاب الجريمة قد اتم الثامنة عشرة من العمر ولم يتم العشرين سنة من عمره وقت ارتكابه الفعل فانه يخضع لقانون الاحداث الذي لاوجود لعقوبة الاعدام في مواده. ويلاحظ هنا ان المحكومين بالسجن المؤبد لم يكمل قسم كبير منهم هذه العقوبة بسبب (مكارم) السيد الرئيس القائد التي شمل بها نظراءه من القتلة والسراق، اما الشرفاء والابرياء فمصيرهم في احواض التيزاب والمقابر الجماعية (!!).
رابعاً: رفضت محكمة التمييز الاتحادية تخفيف عقوبة الاعدام شنقاً حتى الموت للمادة 443/4 من قانون العقوبات المعدلة بالقرار 1631 في 1980/10/30 حيث ادين بارتكاب ثلاث سرقات ليلية وفي دور مسكونة وقد قضت محكمة التمييز بان عقوبات الاعدام المفروضة عليه ((متناسبة)) مع ظروف الجريمة او بالاحرى الجرائم الكثيرة التي ارتكبها بعد ان يتأكد من خلو الدار بسبب سكناه معهم ومراقبته لهم ولم تردعه قرابة ابن عمة المشتكي (في احدى الدعاوى المقامة) ولم يكتف بجريمة او ثلاث بل تجاوزت الثماني عشرة سرقة سرد تفاصيلها لقاضي التحقيق - اما القول بانه صاحب زوجة واطفال فقول مردود اذ ماذا يفيد اب او زوج سيكون في السجن لربع قرن من الزمان مع انه كان عليه هو ان يحافظ على مستقبل اسرته لا ان يسلك طريق الجريمة... لذلك قرر تصديق عقوبات الاعدام الثلاث المفروضة عليه عن كل جريمة من الجرائم وصدر القرار بالاكثرية.
الخاتمة:
يخلص المرء من التطبيقات القضائية اعلاه، ان عقوبة الاعدام ضرورية جداً في مواجهة من احترف الجريمة والاعتداء على ارواح وممتلكات الناس حفاظاً على امن المجتمع وحق الانسان في الحياة الامنة وحقه في الملكية الخاصة. اذن فعقوبة الاعدام من مستلزمات المحافظة على حقوق الانسان وحرياته الاساسية وليس العكس.


حقوق المواطن وحرياته في مشروع دستور كردستان

تيلي أمين الدوسكي*
*محام وكاتب عراقي

من أهم الأحكام التي توجبها حق المواطن في الحرية هي ما وردت في المادة (65) من مشروع الدستور التي تكفل حرية المواطن في الفكر والدين والعقيدة و (لا اكراه في الدين) كما ينص المشروع، وقد ضمنت المادة نفسها حرية مواطني كردستان من المسلمين والمسيحيين والازديين وغيرهم ممارسة عباداتهم بكل حرية واحترام، وقد أبدع المشرع في إضفاء الاحترام على طقوس عبادة الله وبأي شكل كانت. وهذا هو جوهر الحرية في كردستان وجوهر التآخي والتلاحم بين مواطنيها.

يتناول الباب الثاني من مشروع دستور كردستان حقوق مواطني الإقليم من الكرد والتركمان والكلدان والأشوريين والأرمن والعرب الذين يتكون منهم شعب كردستان العراق حسب نص المادة السادسة من المشروع. وتأتي الحقوق المدنية والسياسية في مقدمة الحقوق التي اقرها مشروع الدستور وهي تؤكد في البداية مبدأ أساسياً من مبادئ حقوق الإنسان التي وردت في المواثيق الدولية وهو مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات وهو يتضمن عدم التمييز بين فئة من المواطنين وفئة أخرى أو بين مواطن وأخر بسبب العرق وتعني الانتماء القومي أو الجنس (ذكوراً وإناثاً) أو اللون أو بسبب لغة المواطن أو معتقده الديني أو الانتماء السياسي أو الوضع الاجتماعي، بصورة عامة يمنع هذا المبدأ التمييز بين المواطنين أمام القانون لأي سبب كان فالكل متساوون أمامه ويجري التعامل معهم وفق قاعدة المساواة. ويتبع هذا المبدأ مبدأ آخر اقره مشروع الدستور في المادة العشرين منه وهو تكافؤ الفرص لجميع مواطني الإقليم ومنها فرص العمل وفرص التوظيف وفرص التعليم وفرص الترشح للمجالس المنتخبة وفرص المشاركة في الحياة السياسية أو الاقتصادية وفرص الاستفادة من الثروة الوطنية والخ. في المادة (19) يولي المشروع أهمية استثنائية لحق المواطن الكردستاني في الحياة والأمن والحرية ويمنع حرمانه من احد هذه الحقوق إلا بموجب القانون وبقرار من جهة قضائية مخولة، ويعني أن المشروع يمنع الجهات التنفيذية من حرمان المواطن من حق الحياة أو الأمن أو الحرية وان المحاكم حصرا هي التي تتولى تطبيق القانون.
ما يلاحظ على مشروع الدستور أيضا هو أن(المشرع)، وأقول المشرع مجازا لان الدستور لم يشرع بعد، لم يكتف بالأحكام العامة التي تحظر عدم المساواة بسبب جنس المواطن، إنما أولى وحسنا فعل ذلك أهمية إضافية لحقوق المرأة فنص في المادة(21) على تمتع المرأة بالمساواة مع الرجل ومنع التمييز ضدها وأكد تمتعها بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في الدستور وفي العهود والمواثيق الدولية، وألزم الدستور سلطات الإقليم إزالة كل العقبات التي تحول دون مساواة المرأة بالرجل. وكان على المشرع بيان رأيه في تحفظات الدولة العراقية على بعض حقوق المرأة عند مصادقتها المواثيق والعهود الدولية وبالأحرى إعلان عدم التزام دستور كردستان بتلك التحفظات. انطلاقا من هذه الأهمية لحقوق المرأة يمنحها مشروع الدستور في المادة(23) تمييزا ايجابيا إذ تنص المادة على ضمان نسبة لا تقل عن (25) % لمشاركة المرأة في انتخابات برلمان كردستان والمجالس المنتخبة الاخرى. هذا الحق الاضافي لا يتعارض مع مبدأ المساواة كما قد يتوهم البعض لان المواثيق الدولية تحبذ التمييز الايجابي في فترات محددة وحتى يتم إقرار المساواة عمليا. وقد منح (المشرع) هذا التمييز الايجابي أيضا للقوميات غير الكردية في كردستان وهي خطوة قد تحقق عدالة أكثر وتلبي المعايير العادلة للتعامل مع الأقليات القومية والدينية في كردستان وأقول الأقليات لأنه المصطلح الرسمي الذي يرد في الصكوك والمعاهدات الأممية وإلا فان مشروع الدستور يعترف بالأقليات كقوميات.
تأكيدا على حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق الدولية ينص الدستور على جملة مبادئ مقتبسة من لوائح حقوق الإنسان ومن مبادئ قانونية استقرت في الفقه والقضاء منذ أمد طويل ومنها (أن العقوبة شخصية) أي لا تطول العقوبة الا شخص من ارتكب الفعل الموجب للعقوبة وان (لا عقوبة ولا جريمة الا بنص) و (المتهم برئ حتى تثبت إدانته) و (حق الدفاع مقدس) و (عدم رجعية القانون الجنائي) وغيرها، ويأتي إقرار هذه المبادئ ايفاءا لالتزامات دولية إذ تشجع العهود الدولية الخاصة باحترام حقوق الإنسان الدول الأعضاء إقرار هذه المبادئ في منظومة التشريعات الوطنية وبشكل خاص في الدساتير.
يضمن المشروع في المادة(23) منه حق مواطني كردستان في المشاركة بإدارة الشؤون العامة وتسييرها بأنفسهم أو بواسطة ممثلين منتخبين من قبلهم بحرية، ويمنحهم حق المشاركة في الانتخابات والاستفتاءات العامة وتقلد الوظائف، وكان من الأفضل أن ينص المشروع على حق المواطن في المشاركة الانتخابية ناخبا أو منتخبا أو أن ينص على حق المواطن في الترشيح للهيئات العامة التي تجري الانتخابات بشأنها ووفق القانون ومن غير قيود أو ضغوط، ان عبارة المشاركة تعني أن يكون المواطن ناخبا أو منتخبا لكن حق الترشيح من الحقوق الاساسية وتسمية هذا الحق في الدستور امر ايجابي وكما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
في الفصل نفسه وتحت أحكام المادة (42) حظر مشروع الدستور كل الكيانات التي تنتفي عنها الصفة الديمقراطية مثل الكيانات الشوفينية أو الارهابية أو الطائفية، وهي خطوة ضرورية لإقامة مجتمع ديمقراطي وحر وضرورية أيضا لتشييد مجتمع قائم على أسس من العدالة وإبعاد شبح الحروب والصراعات العنيفة عنه، الديمقراطية لا تعني الخروج عن المبادئ الأساسية التي يمتثل لها الشعب ويؤمن بها ويصوغها في دستور دولته، واعتقد أن مكان هذه المادة غير مناسب وكان من الافضل ضمها فقرة إلى المادة (67) التي تتحدث عن حرية اقامة الأحزاب والجمعيات والشروط الواجب توفرها فيها.
في الفصل الثاني من الباب نفسه يتناول مشروع دستور كردستان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومنها حق المواطن في العمل وهو أهم الحقوق الاقتصادية، ونص على الحق في التعليم المجاني وحق الرعاية الصحية وأولى عناية خاصة لحقوق المعاقين وهي فئة تستحق الرعاية كما نص المشروع في المادة (48) منه على أن (الملكية الخاصة مصونة) ومنع انتزاع هذه الملكية وبشكل عام إلا لاغراض المنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وسريع، وكان من الأفضل أن ينص على عدم نزع الملكية إلا لاغراض عامة وبعد التراضي على مقدار التعويض أو تقديرها من قبل جهة قضائية، خاصة ان المشروع قد حسم الجدل ونص صراحة على اعتماد نظام الاقتصاد الحر في المواد التي تتناول المبادئ الأساسية وهو النظام الذي اثبت جدارته وأفضليته للتوصل إلى تنمية حقيقية ومجتمع مزدهر اقتصاديا وقوام هذا النظام هو الملكية الخاصة. تضمن المشروع حقوق الأسرة وحظر استغلال الأطفال واوجب أن يتم عقد الزواج برضا الطرفين ومن غير إكراه وهو موضوع في غاية الأهمية أحسن المشرع الدستوري في تضمينه بندا دستوريا. وأولى مشروع الدستور وضمن فصل حقوق المواطن أهمية لمعالجة تلوث البيئة والمحافظة عليها، ونعتقد انه قد أصاب الهدف فمن حق المواطن العيش في بيئة سالمة وصحية وعلى السلطات حماية المواطن من التلوث ومخاطره. كما نص المشروع على الاهتمام بالطاقات الشابة صاحبة المستقبل ووجوب رعايتها وتنمية قدراتها وتوفير احتياجاتها التي تمتلك خصوصية.
اقترب المشرع من القوانين الاوروبية التي تضمن حق المواطن في الضمان الاجتماعي فنص المشروع في المادة (50) على: (لكل مواطن الحق في الرعاية الصحية وعلى حكومة الإقليم توفير وسائل الوقاية والعلاج وعليها وحسب إمكانياتها ضمان حق من يفقد مصدر معيشته لظروف خارجة عن إرادته في حالة المرض والعجز والترمل والشيخوخة)، ومع الأخذ بنظر الاعتبار الظروف الاقتصادية لحكومة الإقليم كان من الأفضل على ما نرى أن تتوزع المادة على فقرتين وعلى الشكل الاتي الفقرة الأولى (للمواطن حق في الرعاية الصحية وعلى حكومة الإقليم توفير وسائل الوقاية والعلاج) الفقرة الثانية (تعمل حكومة الإقليم على ضمان حق العيش لكل مواطن فقد مصدر معيشته بسبب المرض أو الشيخوخة أو العجز أو العوق أو الترمل أو اليتم أو البطالة أو لأي سبب أخر). وعبارة (تعمل) لا تعني الإلزام حاليا لان الجميع يعرفون إمكانيات الحكومة في الوقت الحاضر.
يختص الفصل الثالث من الباب الثاني من المشروع بالحريات، وبرغم أن حقوق المواطن والحريات الأساسية متداخلة ومرتبطة عضويا إلا أن المشرع فضل الفصل بينهما تبسيطا لأحكام الدستور واستيعابها من قبل أكثر أفراد الشعب ومضاعفة في توعيته. ونص المشروع على ضمان الحريات العامة والاساسية كحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والتظاهر والاجتماع والإضراب وحرية الاتصالات والمراسلات وحرية السفر والسكن واتخاذ مكان الإقامة، بشأن السفر إلى خارج الاقليم جاءت العبارة مطلقة وهي تفيد السفر خارج العراق أيضا وكان من الممكن النص على حق المواطن في السفر إلى خارج الاقليم وخارج العراق والعودة اليه من دون قيود إمعانا في تأكيد حرية المواطن الكردستاني وحقه في السفر، هذا الحق الذي ينظر إليه كمعيار لمدى التزام الدولة المعنية بالمبادئ الديمقراطية.
من أهم الأحكام التي توجبها حق المواطن في الحرية هي ما وردت في المادة (65) من مشروع الدستور التي تكفل حرية المواطن في الفكر والدين والعقيدة و (لا اكراه في الدين) كما ينص المشروع، وقد ضمنت المادة نفسها حرية مواطني كردستان من المسلمين والمسيحيين والأزديين وغيرهم ممارسة عباداتهم بكل حرية واحترام، وقد أبدع المشرع في إضفاء الاحترام على طقوس عبادة الله وبأي شكل كانت. وهذا هو جوهر الحرية في كردستان وجوهر التآخي والتلاحم بين مواطنيها.
لم يحصر المشرع الجهد في إقرار حرية المواطن وحقوقه وصياغتها دستوريا وحسب إنما افرد أحكاما دستورية لضمان تمتع المواطن بهذه الحقوق وحرم اللجوء إلى الوسائل غير الديمقراطية للإساءة إلى حرية المواطن ومنها ما ورد في المادة (67) التي تحظر إجبار الفرد على الانضمام إلى حزب أو جمعية، وحظر على الأحزاب والجمعيات وحتى الأفراد استخدام الدين أو شعائره أو طقوسه أو مقتبسات الكتب الدينية للحط من مكانة الغير واوجب على الجمعيات والأحزاب في كردستان أن تتوافق أهدافها مع النظام السياسي للإقليم وهو يقصد نظامه الديمقراطي وعليها أن تدعو إلى التعايش السلمي وتعمل على التقارب والعيش المشترك بين المكونات القومية والدينية لشعب كردستان وبغير ذلك لا يجيز الدستور الأحزاب والجمعيات التي لا تؤمن بتعددية المجتمع الكردستاني ولا تحترم حريات وحقوق مكون قومي أو ديني، وبمعنى حظر الأحزاب التي تتسم باحادية التفكير مثلها مثل الأحزاب التي تكون فرعا لأحزاب أجنبية أو تكون تابعة وممولة من جهات أجنبية. هذه الأحكام تشكل صمامة الأمان لوحدة شعب كردستان وتمتع كل فرد ومن غير تمييز بحقوق وحريات متساوية وهو إقرار لمبدأ المساواة أمام القانون.
أخيرا لا بد من القول أن المشرع الدستوري لم يغفل ما كان يأمله كل دعاة ونشطاء حقوق الإنسان في كردستان من مشروع الدستور وهو النص على التزام حكومة الاقليم وسلطاتها بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان فنصت المادة (69) من المشروع على: (تعتبر العهود والمواثيق والإعلانات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل العراق أو المنظم إليها مكملة لأحكام هذا الدستور). وبهذا قطع مشروع دستور كردستان مسافة بعيدة في إقرار حقوق المواطن وحرياته، مسافة لم تقطعها إلا دول من العالم المتحضر.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة