|
ألاعيب
المزادات وخفاياها ..
مــزاجيتها عالية في
البيــع والشراء والهـدف هو أكبر رقم من الأربــاح
- بغداد هي الأكثر
نشاطاً بعالم المزادات في كل أنحاء العراق
بغداد/المدى
مثل خطيب
على منبر يقف "منادي" المزاد على منصة مرتفعة نسبياً ويرفع
صوته منادياً على سلعة ما بادئاً بسعر رمزي يخترعه بناءاً
على معطيات خبرته بوضع السوق والحاضرين واهمية السلعة
ونظافتها وصلاحها للاستخدام والعمل، ويحرك ذراعيه على
ايقاعات صوته الصاخب الذي تدوي به السماعات التي وزعت بدقة
على جوانب القاعة التي يجري فيها المزاد حيث تعرض السلع
ايضاً او على الرصيف المقابل وحتى على جزء من الشارع، هنا
عالم مليء بالترقب والاثارة والحركة، عالم غامض يحفل
بالاسرار ويصعب عليك ولوجه حتى مع هويتك الصحفية بل بالاخص
معها، وفي المزاد تضيع بين عمال وموظفي واصحاب المزادات
الذين يعرف بعضهم بعضاً ويتضامنون فيما بينهم ويعملون بنفس
واحد كفريق واحد وبينهم اشارات وشفرات خاصة، بل حتى لغة
خاصة تحوي كلمات لها معانٍ باطنية مختلفة عن ظاهرها ولا
يعرف دلالاتها سواهم.
تطور
ونكوص ومحافظة
بالرغم من ان
الكثير من المبادئ والعلاقات الاقتصادية التقليدية قد
طالتها حركة التطور ودخلتها التكنولوجيا والانظمة الحديثة،
فالغيت منها حلقات واضيفت لها اخرى وتبدل شكل وجوهر بعضها،
الا ان مبدأ (المزاد) لم يتغير في جميع انحاء العالم وحافظ
على قاعدته الاساسية التي تقوم على ان (من يدفع اكثر يربح
المزاد)
مزادات الاثاث
تمضي رحلتنا في
مدينة المزادات التي اعتادها البغداديون في مناطق عديدة من
بغداد- شارع 14 رمضان على امتداد منطقتي الاسكان والمنصور
والاعظمية والرصافة والعلوية وشارع النضال وقرب بدالة
العلوية ومناطق اخرى وهي متخصصة في الاغلب في الاثاث
المنزلي والادوات الكهربائية وهناك مزادات متخصصة للتحف
والانتيكا، اذكر منها قاعة مزاد الدكتور طالب البغدادي في
شارع الامام الاعظم في الاعظمية مقابل ثانوية الحريري
للبنات وهذه القاعة من اشهر قاعات بغداد لمزادات التحف
ولها موقعها ايضاً في مزادات عواصم الشرق الاوسط والعالم،
فهي لا تعرض الا التحف النادرة ولها زبائنها المتخصصون في
هذا المجال وهم يدفعون مبالغ طائلة للحصول على معروضاتها
وتتقاضى القاعة او المزاد نسبة 12% من قيمة البيع عمولة،
ويتولى الدكتور البغدادي
–الخبير
في التحف- المناداة على المعروضات وشرح تاريخها وقيمتها
ويضع لها سعر بداية يقدره هو ثم يتصاعد حتى يرسو على احدهم
ولم تنج قاعات مزادات التحف من تدخلات رموز النظام المباد
الذين كانوا يتاجرون بالتحف ويبيعونها خارج البلاد، كما
كان يفعل (ارشد ياسين) على سبيل المثال وهو صهر الرئيس
المخلوع، حيث كان يحضر الى مزادات قاعة البغدادي في اغلب
الاحيان، ومرة كنت حاضراً جلسة مزاد اقامها البغدادي،
وكانت التحفة المعروضة هي (طبق من الخزف) فرنسي الصنع يعود
الى عهد الملك لويس السادس عشر، وكان ثمنه قد تجاوز رقماً
خيالياً وحين حضر (ارشد ياسين) أمر باعادة المزاد واشترى
الطبق بسعر معين فرضه هو، ليعرضه في محاله المخصصة لبيع
التحف والانتيكات والفولكلوريات في عمان وقد وضع له سعراً
خيالياً، وتبيع قاعة البغدادي بالمزاد ايضاً السيارات ذات
الموديلات القديمة التي تعود الى الثلاثينيات
والاربعينيات، وقد كان الاجانب الموجودون في بغداد يواظبون
على حضور مواعيد مزادات قاعة البغدادي ومثيلاتها كما كان
يحضر اصحاب المحال المتخصصون ببيع التحف ولقاعة البغدادي
علاقات وثيقة بعدد من قاعات المزادات العالمية في لندن
وباريس وعموم اوربا واسيا واميركا وقد تعرضت تجارة التحف
ومزاداتها الى نكسة قوية بعد سقوط النظام السابق بسبب تردي
الوضع الامني وغياب الاجانب، ولكن السيد همام عبد الملك
صاحب محل في شارع مستشفى العلوية الاهلي يقول ان هجرة
العراقيين في الاونة الاخيرة خارج البلد، جعلتهم يقدمون
على بيع ممتلكاتهم من التحف وباسعار منخفضة جداً احياناً،
ويشتريها اخرون بنية تهريبها وبيعها خارج البلد.
من مصطلحات
المزاد
(فلوس) هذه
الكلمة يلفظها المنادي حين يرسو المزاد على احدهم، فيأتي
الكاتب ويسجل اسمه والبضاعة او السلعة التي زايد عليها
ويطلب منه الذهاب الى غرفة المحاسب او امين الصندوق لتسديد
المبلغ المطلوب والعمولة (فهي مفروضة على البائع والمشتري)
ويطلب منه بعد التسديد رفع السلعة، وقد ينطق المنادي ببعض
العبارات المبهمة في اثناء المناداة وقد عرفنا من بعضهم ان
هذه العبارات موجهة للمزايدين الوهميين الذين هم جزء من
لعبة ومسرحية المزايدة لرفع سعر السلعة، والمتعارف عليه في
المزايدات ان من حق صاحب السلعة ان يرفض السعر الذي رسا
عليه المزاد، وفي الغالب يقبل الناس العاديون السعر الذي
وصلت اليه سلعتهم، بينما يرفضه المحترفون (اهل المصلحة)
اذا لم يحقق لهم الربح الذي ينشدونه.
سألت منادي احد المزادات في ساحة الاندلس:
* واذا تراجع من يرسو عليه المزاد ورفض البضاعة؟
- بصراحة نحن نعاني كثيراً هذه الحالة وليس لنا الحق
باجبار الناكل على رفع البضاعة او السلعة سوى بمبلغ
(المقدم) وهو 1% من قيمة السلعة.
وقد حاولنا استفزاز المنادي الذي هو صاحب المزاد في الوقت
نفسه فقلنا له –يقال
ان صاحب المزاد يمارس ضغوطه على صاحب السلعة وعلى المزايد
بشتى الطرق والاساليب .
- هنا غضب صاحب المحل وتركني من دون اجابة ولم يعد امامي
سوى مغادرة المزاد لئلا يحصل ما لا تحمد عقباه
منافسات ومشاكل
في مزاد آخر قريب
يعرض نفس السلع تقريباً، شهدنا نقاشاً محتدماً بين شاب من
المشاركين في المزاد، ورجل اخر فاقتنصت الفرصة للحديث
معهما في فورة الغضب التي تنتابهما، قال الشاب مجيباً عن
سؤالي –عما
يحدث؟- انهم مجرد محتالين يتواجدون في المزادات كشبكات
العنكبوت، يلبسون ربطات العنق ويتظاهرون بالوقار ولكنهم في
الحقيقة انما ينصبون شباكهم بهذه الاساليب لاصطياد السذج
والمغفلين، وهم يحولون المزاد الى مسرحية
* وهل انت بائع أو مشترٍ؟
-انا احاول الارتزاق بشكل مشروع، فادخل مزاداً لاشتري منه
واذهب الى اخر لابيع، لكن بلا اتفاقات ولا خداع، هنا حاولت
المزايدة على هذه (السجادة) فطلب مني احدهم (واشار باصبعه
الى مجموعة من الشباب متحلقة في جانب اخر) ان اترك
المزايدة عليها حتى لا احرق (سعرها)
انواع المزايدات
فضلاً عن محال
المزايدات المعروفة هناك مزادات تجري على وفق قوانين اخرى،
فمنها المزايدات على عقارات واموال عينية تابعة للدولة او
لأشخاص (ورثة) على سبيل المثال، او شركات تتم تصفيتها
باشراف المحاكم بعد تقدير سعرها من قبل خبراء ولجان مختصة
ويعلن عن بيعها على الجمهور ويحصل منها المنادي او الدلال
على نسبة 2% من قيمتها وتكون دائماً على المشتري.
وبالرغم من جميع الاجراءات المتخذة للحد من ظاهرة تواجد
المضاربين، الا ان المجموعات المضاربة ما زالت موجودة
وموزعة بطريقة او باخرى بين المواقع، وهم يتبعون مواعيد
مزايدات امانة بغداد والاوقاف ودوائر اخرى ويعيشون على هذه
المضاربات، وقد يجبرون المزايد الحقيقي على ان يدفع لهم
مبلغاً من المال لاخلاء الموقع وترك الفرصة لهم دون احراق
الاسعار ورفعها الى حدود غير معقولة.
يقول هؤلاء المضاربون ان صاحب المزاد يعرفهم ولا يعترض على
نشاطهم لانه هو الاخر يستفيد بارتفاع معدل العمولة، فنحن
هنا مثلاً ستة اشخاص نتقاسم ارباحنا بالتساوي، حتى لو انجز
العمل من قبل شخص واحد، وفي حالة الخسارة نتحمل جميعاً
النتائج المترتبة، كرسو المزاد بسعر ضئيل او ضياع مبلغ
المقدم او كسر القرار وغيرها
تهريب التحف
ويضيف احد اصحاب
المزادات، ان من يمول هؤلاء المضاربين هم اصحاب محال بيع
الاثاث واللوازم المنزلية الذين يصرفون سلعهم في المزادات
لضمان حصولهم على اسعار عالية، وهناك ايضاً تجار التهريب
الذين يريدون بشتى السبل الحصول على السلعة المعروضة
وهؤلاء ينشطون في مجال بيع وشراء التحف والانتيكات التي
يدفعون من اجل الحصول عليها مبالغ خيالية.
السبت بدل الجمعة
ويقول عدد من
اصحاب المزادات، ان حظر التجوال يوم الجمعة قد اثر في
نشاطهم كثيراً، فعموم المزادات الاسبوعية تعقد مزاداتها في
هذا اليوم، وقد اضطرت الى استبداله بيوم السبت وقد حرم ذلك
العديد ممن لهم مشاغل في هذا اليوم من حضور المزادات التي
كان يوم الجمعة يمثل لهم فرصة ذهبية لممارسة هواياتهم في
اصطياد النوادر من التحف والاثاث او لتحقيق بعض الارباح.
ان اسواق المزادات ونشاطاتها تواجه اليوم تحديات من نوع
آخر هي تردي الوضع الامني، والخوف من تسلل الارهابيين الى
قاعة المزادات حيث يتجمع المواطنون الذين باتوا يحذرون
البقاء طويلاً في مكان تتجمع فيه اعداد كبيرة من الناس.
ويتحدث عبد الحسن كامل البصري، صاحب مزاد البصري في
الاسكان عن ظاهرة اخرى يتألم لها كثيراً بالرغم من انها
توفر له ارباحاً كثيرة، تلك هي اضطرار العراقيين المهاجرين
خارج البلد والنازحين من مدنهم واحيائهم الى بيع اثاثهم
وسلعهم باسعار بخسة بسبب من استعجالهم.
ويبقى عالم المزادات حافلاً بالاسرار والقصص التي تحمل
بعضها احزاناً وتروي اخرى وقائع غش وخداع يتألم لها البعض
كثيراً لانهم دفعوا ثمنها غالياً ويعدها اخرون جزءاً من
تكوين المزادات والياتها.
|