|
المسحّـــــراتــــي...
أيـــــام زمــــــــــان!
عادل
العامل
اقترن شهر رمضان المبارك
في المجتمعات العربية والإسلامية عبر العصور بجملة من
الظواهر والطقوس والتقاليد التي بدأت بسيطة وضرورية في
حينها وفقاً لطبيعة الحياة آنذاك ثم صارت طابعاً مميزاً
لهذا الشهر يحرص على استمراريته الناس، ومنهم أولئك الذين
يرتزقون من ورائه.
ومن
هذه المعالم الرمضانية المميزة التي استمرت بالرغم من
انتفاء الحاجة الماسة إليها الآن شخصية المسحر أو
المسحراتي، كما أصبح يعرف في بعض البلدان العربية.
فقد كان المسلمون الأوائل يمسكون عن الأكل والشرب، وفقاً
لطبيعة ذلك العصر، بأذان "ابن مكتوم"، بعد أن يكونوا قد
أفطروا بأذان "بلال"، وكانوا يتسحرون ويستعدون لصلاة الفجر،
حسب تعاليم الرسول الكريم الذي أوصى بضرورة السحور، لأنه
بركة.
ولم تبق الحال هكذا بالطبع بعد أن اتسعت المدن وكثر الناس
وتغير نمط حياتهم اليومية، فأصبحت هنالك حاجة إلى وسيلة
أخرى لتنبيههم أو إيقاظ النائمين منهم قبل وقت الإمساك،
ليكون في وسعهم تناول طعام السحور. وهكذا تولى بعضهم هذه
المهمة تطوعاً أو لقاء مقابل مادي عيني أو نقدي، وصار هناك
من يعرف بالمسحر أو المسحراتي الذي عرفناه إلى وقت قريب
بطبلته ونداءاته المعروفة.
وقد عرفت هذه الشخصية الرمضانية في جميع المجتمعات
الإسلامية، في القرى والأرياف والمدن، غير ان مظاهر
التسحير ووسائله اختلفت نوعاً ما من بلد إلى آخر ومن زمن
إلى غيره.
فقد كان هناك في الدولة العباسية ببغداد موائد تسحير عامة
مزينة بالقناديل المضاءة، وكذلك كانت الحال أيام الفاطميين
بمصر. وكان المحتسب وأعوانه هم الذين يقومون بمهمة إيقاظ
الناس أو تنبيههم للسحور. أي أن السلطات الرسمية هي التي
كانت تتولى إنجاز هذا الواجب وتدفع أجوراً للقائمين به.
ومع تدهور وضع الدولة وتسلط العناصر الأجنبية، كالمماليك
والعثمانيين، على مقدرات الناس في البلاد العربية، فقد
الكثير من التقاليد الرمضانية، ومنها التسحير، رونقه
والاهتمام به، لانشغال تلك العناصر والحكومات الأجنبية
بمنافعها الخاصة والتصارع فيما بينها ونهب خيرات البلدان
التي تسلطت عليها.
فكان أن تغيرت أمور كثيرة في حياة الناس في هذا الشهر، كما
في غيره، وظهر المسحرون الفرديون الذين كانوا، كما في بعض
المدن المصرية ومنها القاهرة، يقدمون خدماتهم لمن يستطيع
مكافأتهم، وذلك بقرع أبواب هؤلاء المقتدرين والمناداة
عليهم بأسمائهم مع الإشادة بمنزلتهم الاجتماعية على صوت
الطبلة والمزمار وغيرهما من آلات العزف الموسيقية.
وربما تجاوز المسحرون، كما في العراق، هذه الصيغة واكتفوا
بالتجول وقت السحور في الأزقة والحارات، وهم يضربون على
طبلاتهم ويرددون بعض الترانيم أو النداءات الداعية إلى
الاستيقاظ وتناول طعام السحور، كقولهم: (إصح يا نايم.. وحد
الدايم..)، ليأخذوا فيما بعد مكافآتهم عيناً أو نقداً من
سكان الحارة في اليوم الأول من أيام عيد الفطر، عادة.
وكان المسحرون في الشام يستخدمون الآلات الموسيقية
المختلفة الملازمة لبعض الأغاني الرمضانية، بينما كانوا في
المغرب يضربون بالنفير على المنارات ويكررون ذلك سبع مرات.
أما في الصومال، فكانوا يطوفون في جماعات بالأحياء الشعبية
وهم ينشدون مع الطبلة اغنية متوارثة مفادها:
(استيقظ يا نائم قم أملأ بطنك
مما أعدته لك زوجتك الماهرة
ويا حسرة إذا كانت غير شاطرة!
فإنك حتماً يا غلبان
ستموت من الجوع وأنت ظمآن!!)
|