د. هيثم عبد الرزاق: الغاء الثقافة والمسرح من المدرسة يولد
ثقافة العنف
عامر القيسي
كيف استطاع
معلم اللغة العربية للصف الرابع الابتدائي ان يحوّل حصة
القراءة في صفّه الى مشاهد مسرحية قصيرة متنوعة الاشكال
والافكار؟
عمار محمد 30
عاماً معلم محب لعمله ومحب للمسرح ايضاً، استطاع ان يعوّض
غياب كل اشكال النشاطات الفنية في مدرسته، بخلقه هذه الورشة
الصغيرة، من خلال تحويله نصوص درس القراءة، وبعمل جماعي مع
تلامذته الى مشاهد مسرحية قصيرة تعرض داخل الصف!
قال: مثل هذا
العمل لا يحتاج الى كثير من الجهد، فما عليك الا ان تزيح
رحلة او رحلتين اماميتين ثم تقرأ النص امام التلاميذ، تناقشه
معهم، ثم تطلب من يرغب بالمشاركة في تمثيل الدور الذي يرغب
فيه. والنتيجة ان الكل يرغبون في المشاركة، وعليك في هذه
المرحلة ان تنتقل من هذا الجو الحماسي الى العمل التنفيذي..
خارج باب الصف تستطيع ان تسميه خلف الكواليس، الممثلون امام
التلاميذ وبقربهم. المشاهدون بقية التلاميذ وهكذا استكملت
لديك عناصر العرض المسرحي، نص، ممثلون ، قاعة عرض ، مشاهدون.
وهي على ما اعتقد كانت نبتة اولية لما سمّي فيما بعد بمسرح
الـ (60) كرسياً.
* وما نتيجة
هذه الجهود؟
- اولى
النتائج، كانت على المستوى التعليمي، حيث اصبح التلاميذ،
يحفظون درس القراءة، قراءةً وكتابةً واملاءً باندفاع غريب.
واصبح
يتسابقون لنيل درجة الـ(10) لأني قلت لهم بكل بساطة من يأخذ
هذه العلامة سيشارك في التمثيل، وكان من النتائج المثيرة ان
قسماً من التلاميذ كانوا يجلبون معهم قصص اطفال خارجية
ويطلبون مني، ان اقوم بتحويلها لهم الى تمثيليات!!
لكن هذه
التجربة اجهضت، نتيجة جهل وامية المدير بأهمية مثل هذا
العمل، فقد استدعاني وطلب مني الكف عن اضاعة الوقت! والتوجه
الجدي للتعليم والا سأكون تحت طائلة المساءلة بالتقصير في
اداء الواجب!!
جولة مخيبة للآمال!!
حين قمنا
بجولة في بعض المدارس الابتدائية والثانوية كانت لدينا صور
محددة هي اننا، سنطّلع على واقع مؤلم للنشاط المسرحي المدرسي
شأنه في ذلك، شأن بقية النشاطات الاخرى، بسبب ظروف نعرفها
قبل ان يحدثنا عنها احد.. لكننا فوجئنا بواقع مشلول لهذا
النوع من النشاط، حتى ان بعض المديرين والمعلمين، اعتبروا ان
ما نبحث عنه، ونريد القاء الضوء على واقعه، قد اصبح جزءاً من
الماضي منذ سنوات. والمدارس التي كانت تقيم مثل هذا النشاط،
تقوم به من باب رفع العتب او تسجيل نشاط لاعتبارات وظيفية لا
اكثر ولا اقل ولا يحدث هذا الا مرّة واحدة في السنة.
مدرسة الوثبة
في العامرية مثلاً فيها مدرسة واحدة للنشاط الفني والرياضي.
ومن المدرسة نفسها، اكدت لنا الطالبة دلفاء احمد مع مجموعة
زميلاتها، ان النشاط الوحيد الذي نراه هو احتفالية بعد نصف
السنة الدراسية، تتضمن عرضاً مسرحياً بائساً وبعدها يغلق
الستار على مثل هذه الفعاليات، التي ليست لها اية امتدادات
كالمسابقات وغيرها. منذ سنتين لم نشهد حتى هذا النشاط
اليتيم.
المعلمة سها
عبد الله استغربت السؤال عن المسرح المدرسي، واعتبرته، من
باب المزاح، سؤال خارج المنهج. واضافت: على الرغم من عدم
اهتمامي بمثل هذا النشاط، الا انني انتقلت الى اكثر من مدرسة
منذ عام 1998، ولم اشهد اي نشاط مسرحي، لا مختصاً ولا مسرحاً
ولا نشاطاً.
والاجابات عن
استفساراتنا هي واحدة. هذا النشاط متوقف منذ سنوات، لعدم
وجود توجيهات بشأنه وعدم وجود برامج له. وان مجمل العملية
التعليمية والتربوية كانت بعيدة عن مثل هذا الترف!
مسؤول ورأي
بعد جولتنا
المخيبة للآمال، حملنا صورة هذا الواقع، التقينا الاستاذ
يحيى السفاح، مسؤول النشاط الفني في وزارة التربية، واعترف
الرجل بمثل هذا الواقع، واضاف: ان هذا الوضع المتردي لمجمل
النشاط الفني المدرسي وليس المسرحي فقط، كان بسبب السياسة
التعليمية والتربوية السابقة، التي كانت تصب في خدمة فلسفة
عسكرة التعليم من خلال تشكيلات الاشبال والرواد وغيرها. مما
سبب اهمالاً متعمداً وواضحاً لهذه النشاطات الفنية
والرياضية، التي لا يخدم نموها وتطورها سياسة النظام السابق،
اما الشلل التام خلال السنتين السابقتين، فهو انه بسبب الوضع
الامني، الذي لا يسمح بإقامة مثل هذه التجمعات والنشاطات
المدرسية.
* وماذا بعد
استتباب الوضع الامني؟
- لا ينافي
الحقيقة، برامج طموحة لإحياء المسرح المدرسي لما يحتله من
اهمية في خلق الشخصية الانسانية للتلاميذ والطلبة وتطورها
الاجتماعي والفكري، ولما يمثله ايضاً من قاعدة مهمة بمجمل
المسرح العراقي الاحترافي.. لدينا الآن برنامج مهرجان
المسرح السنوي، الذي يشمل جميع محافظات العراق، وكذلك مهرجان
للاوبريت، ولدينا مسرح داخل الوزارة سنحاول اعادة الحياة
اليه وتقديم العروض المسرحية صباحاً ومساءً، وسنناقش ضمن
مشروع الابنية المدرسية الحديثة قضية بناء مسرح داخل كل
مدرسة.
* مثل هذا
المشروع المستقبلي الطموح، الا توجد معالجات ابنية كمسرح
المنطقة مثلاً تندمج فيه عدة مدارس، او قطاع لتشكيل قاعدة
واحدة؟
- يوجد ولكن
بشكل محدود. في الكرخ مثلاً، ولكنه لا يفي بالغرض، في حالة
بدء النشاطات الفنية ضمن برانامجنا وعن اهمية وجود مشرفين
بمستوى جيد، قال السيد يحيى السفاح: ان لدينا برنامجاً
لتوزيع 5 - 7 مشرفين لكل قطاع ، وينبغي ان يكون كل منهم
مؤهلاً فنياً، اي خريج اكاديمية الفنون الجميلة، وستقوم لجنة
مختصة بإختيار المشرف من خلال تقديمه عملاً مسرحياً مع فرصة
مدرسية. وفي ضوء عمله سيتم تقييمه. واضاف أن المسرح المدرسي
قد لعب دوراً مهماً في رفد المسرح العراقي بالكثير من
المواهب الذين اصبحوا نجوماً في سماء الفن العراقي المسرحي
والتلفزيوني.
نغم علي
رأيتها تحمل
كتبا مدرسية، بدت مسرورة، وفي خطواتها ثقة عالية : قلتُ لها
أخيرا ؟! قالت: "أخيرا".
كنت كلما
رأيتها وجدتها شاحبة وصامتة كأنها أضاعت شيئا، كان الحلم
والخيبة توأمين يلازمانها.
مازالت
تتذكر ذلك اليوم الذي أجبرت فيه على ترك الدراسة، وهي طفلة
في الصف الخامس الابتدائي لترعى جدها المريض، عشرون عاما
وذاته العلقم المغمس بالانكسار يصحبها، لن تنسى تلك الصباحات
التي كانت تتلصص فيها من وراء باب الدار على زميلاتها وهنّ
ذاهبات إلى المدرسة، كان شعورها بالنقص يزداد والفجوة بينها
وبين التعليم أخذت تتسع، لكن بقي لديها شيء واحد هو الأمل،
كل ذلك كان كفيلا بأن يعطيها انطباعا بأنها سندريلا التي
استمرت بالحلم على الرغم من كل شيء.
أتقنت بعدها
فن الخياطة والتطريز وكانت تعين عائلتها على الظروف الصعبة،
وتعلمت فيما بعد التعامل مع الكمبيوتر، الغريب في أمر صديقتي
هذه إنها عنيدة فلم تجف بعد وسادتها من الدموع حتى تقرر في
الصباح ترميم حلمها من جديد. كم من فتيات غيرها في مجتمع
كمجتمعنا يتأرجح مصيرهن بين كفتي ميزان حين أجبرتهن الظروف
على ترك الدراسة. بعض الأسر مثلاً لا ترسل بناتها إلى
المدارس بحجة إن مصيرهن في النهاية هو البيت والزواج؛ إن
ذلك ليس مبرراً كافيا لحرمانها من التعليم في كل الاحوال،
وحتى في هذه الحالة تصبح الدراسة أكثر أهمية لما سوف يلقى
على عاتقها من مسؤولية تثقيف وتربية جيل جديد على وفق نظرة
صحيحة، ونبذ السلوكيات الخاطئة التي اعتمدتها جدتها قبل
خمسين سنة هناك رأي يقول إن تربية الطفل تبدأ قبل عشرين عاما
وذلك بتربية أمه. أما آن الأوان لرفع الحيف عن بناتنا؟
ودفعهن الى الركوب في قطار التعليم لتعويض ما فاتهن من خسارة
على المستوى الذاتي في زمن أعيدت فيه للشهادة هيبتها. ومع
الانفراج النسبي للبلد لا بد من التحاقهن إلى المدارس سواء
المدارس المسائية الخاصة باليافعات لمن لم تكمل الابتدائية
وكذلك المدارس المسائية لمن لم تكملن الدراسة الثانوية.
يجدر بمؤسسات
المجتمع المدني ولاسيما المنظمات النسوية، أن تنزل إلى
الشارع وتدخل البيوت وتحاول توعية الأفراد بأهمية الشهادة
العلمية، خاصة أن البلد مقبل على ثورة في إدخال التقنية
الحديثة التي تحتاج الى املاك يشري مؤهل للتعامل معها.
اذا كان بعض
الدول المتقدمة تسمي الشخص الذي لا يجيد استخدام الكومبيوتر
امياً، فهذا دليل على أننا ما نزال تحت مستوى نقطة الصفر.
اعتقد انه
يتوجب على مديريات التربية وإدارات المدارس ابداء الشفافية
في التعامل مع هذا الموضوع، ونتمنى على وزارة التربية أن
تجترح برنامجا وطنيا للمتسربين والمتسربات وتضع حوافز للعودة
إلى الدراسة وآليات تسهل هذه العودة، وتلزم المدارس
بتنفيذها. و لا شك في ان هذا البرنامج يحتاج إلى جهد إعلامي
يتبنى الدعوة لإعادة البنات للدراسة من جديد.
ما نحتاج
اليه في هذه المرحلة هو الخروج من النفق المعتم الذي أدخلتنا
فيها السياسات الهشة. وبعكس هذا سنزيد الطوابير الداخلة في
نفق الأمية.
مكتب المدى/
بابل
سعد الحداد
تصوير/ اقبال
محمد عباس
في محلة
المهدية في الحلة ما زال اثر بارز بشناشيله الجميلة وبابه
الخشبي الكبير ظل مقاوماً ظروف الزمن المتغير ومسيرة البناء
الحديث داخل المحلة..
حكاية هذا
الاثر يبدأ تأريخها في العهد العثماني وتحديداً في العقد
السابع من القرن التاسع عشر، اذ شرع الحاج حسين بن رضا
الخواجة ببناء صرح طبي بعد ان استكمل الاوراق الخاصة بذلك
وبموافقة ادارة الباب العالي في تركيا تم تشييد مبنى
المستشفى الا ان العثمانيين رفضوا ان يكون هذا الصرح
(مستشفى) او ما يسمى (قسطخانة) او (خستخانة) او (بيمارستان)
.. فتركوا تجهيزه بالمستلزمات الطبية وتزويده بالاثاث اللازم
مما ادى بالحاج حسين بن رضا الخواجة الى ان يتخذها مستودعاً
للحبوب ومحلاً تجارياً يعتاش منه..
ومع دخول
الانكليز العراق انتقل بعض الاوبئة من خلال الهنود الوافدين
الى البلاد فأجتاح وباء الكوليرا (الهيضة) مدينة الحلة سنة
1917 ثم الطاعون عام 1919 مما دفع الانكليز الى ارسال الطبيب
سندرسن باشا الى الحلة (لتنظيم مستشفى للعزل خارج المدينة
مكون من خيام العكسريين البريطانيين) وللحاجة الماسة الى
توفير مركز خاص لمعالجة المرضى والمصابين اتخذ الحاكم
العسكري البريطاني (بولي) مع الطبيب (كامبيل بيك) هذا المكان
مركزاً صحياً وجهزه بالمستلزمات الطبية، وكان (كامبيل بيك)
وهو آمر مستشفى الميدان العسكري الانكليزي السيار يقود
مجموعة من الاطباء الانكليز والهنود مع مجموعة من المعاونين
لهم قد اشرف على تأسيس هذا المركز وتنظيمه وتجهيزه. والحديث
عن القسطخانة دفعنا الى القاء الباحث السيد صادق شاهين
الخواجة حفيد الحاج حسين بن رضا الخواجة الذي قال: كانت في
المستشفى صالة عمليات صغرى وكبرى وعيادة خارجية وشعب للترشيح
والعزل والتلقيح ضد الجدري، واستمر المستشفى يقدم خدماته
العلاجية والوقائية اكثر من عشرة اعوام من (1922 - 1932)
وكان المبنى قد استخدم مخزناً للحبوب (سيفاً) قبل ذلك وكان
يتألف من طبقتين وفيه غرف متداخلة يسودها الهدوء والصمت
وبجانبه غرف اخرى جميلة زجاج نوافذها ملون..
وفي جنوبي
المبنى كان ثمة (مربط الخيل) وخلفه مجزرة، وهو ما زال على
وضعه القديم عدا ابدال بابه الخشبي الضخم ذي المصراعين
المرصع بمسامير حديدية كبيرة مقببة. وكان المستشفى مضاء
بفوانيس زجاجية كبيرة مضلعة .. وكان يقع قرب المستشفى اثر
فريد في تأريخ العراق يعود لبيت الخواجة وهو اول مقر لحزب
عراقي هو حزب الاخاء الوطني برئاسة رئيس الوزراء ياسين
الهاشمي، حيث كانت تصدر الاحكام منه الى جميع انحاء العراق..
وعن نوع
الطعام الذي كان يقدم في المستشفى قال: كان الطعام المقدم
للمرضى ممتازاً واشهر الاطعمة السمك النهري الضخم التي يبلغ
طول السمكة الواحدة المتر ونصف المتر تقريباً..
ويستذكر
السيد شاهين الملاكات الطبية الاولى التي عملت آنذاك فيقول:
عمل في القسطخانة كل من الدكتور منكرنس سند (هندي اسلم في
الحلة وتزوج من امرأة عراقية وتسمى عبد الله) وكان مديراً
للمستشفى، والدكتور سندرسن باشا الذي صار فيما بعد طبيباً
خاصاً للعائلة المالكة في العراق، وهذا الطبيب انشأ مشفى
للعزل خارج المدينة وكان اول رئيس صحة في الحلة. والدكتور
شاكر السويدي والدكتور عبد الله البرصوم والدكتور يوسف
الآلوسي كذلك الدكتور امنغال سنغ (هندي) والدكتور كامبيل بيك
(عكسري انكليزي) فضلاً عن وجود ملاك عراقي من الممرضين
والعاملين، منهم احمد حسن الجراح والسيد محسن علي الاعرجي
ومن الفراشين جاسم المعيدي.
واضاف السيد
شاهين: ومن الطريف ان احد الاطباء البريطانيين قدم الحلة عام
1956 وقد غطى الشيب رأسه، فطلب ارشاده الى مستشفى سيف بيت
الخواجة لإلتقاط صور تذكارية وكان له ما اراد بعد ان اصطحبه
السيد محسن رئيس الممرضين..
دعوة لإحياء تراث الحلة
ولأن المدينة
حافلة بالصروح التراثية فهي دعوة الى المهتمين بالتراث من
اجل القيام بحملة صيانة لتلك الشواخص وجعلها منافذ سياحية
تعكس الصورة الاجتماعية والخدمية قبل قرن من الزمن والدعوة
موجهة الى وزارة الثقافة من اجل التنسيق مع الدوائر ذات
العلاقة لإستملاك مثل هذه البنايات، وهي عديدة والعمل على
صيانتها وادامتها وتحويلها الى منافذ سياحية انها مجرد دعوة
ونحن بالانتظار..!!
|