المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عندما يدخل المُغْترب أسلاك العراق الشائكة .. الحرب ومروياتها بصوت سمية الشيباني
 

فاطمة المحسن
الحرب في العراق تكتب نفسها كل يوم، قصص تتراكم وحياة تفلت من زمامها وتحلّق في أزمنة هيولية. الموت يفضي إلى موت آخر، وذاكرات الناس تضج بالصور، وكل صورة تستنسخ الأخرى. ولو قيض للحروب أن تنتج كاتبيها، لظهر في العراق حشد من الروائيين الذين يطاولون بعض ماجاء به تولستوي وهمنغواي وأناتول فرانس وريمارك، وما لاعد له من كتاب الملاحم الحربية.
ربما لأن حروب العراق أكثر فوضى من أن تنتظم في قصة جديرة بالتسجيل، وربما يتطلب تراكب الحوادث والأزمنة على بعضها إلى قدرة على التصنيف والفرز، وهي لاتتوفر عند كل المشتغلين في هذا الميدان.
وإذ يتعين على الدارس فك طلاسم الحروب في العراق، عليه ان يقرأ التجربة المعيشة كما هي دون رتوش ومحسنات.هكذا حاول الجيل الجديد الذي سجل سيرته الشخصية على ورق الحروب، فكان من بينهم الشعراء وكتاب القصة القصيرة، وبعض من عاش على خطوط التماس.
رواية جديدة ظهرت لكاتبة عراقية غير معروفة اسمها سمية الشيباني، وعنوان كتابها "حارسة النخيل" صدر عن المؤسسة العربية للنشر ببيروت. الكاتبة مذيعة تلفزيونية ومقدمة برامج، وهناك مايدفع إلى الاعتقاد أنها سجلت في هذا العمل يومياتها، فهي تحكي عن قصة إعلامية مهاجرة تعود إلى العراق في رحلة قطعتها إلى بلدها خلال مرحلة حرجة.وسواء كانت هذه الرواية سيرة حقيقية او متخيلة، فكل ماترويه محض واقع يبنى على دراما التوتر بين بشاعة الحرب وقدرة البشر على التحمل.
يمكن لقارئ هذه الرواية تلمس فيض المشاعر وعفويتها الآسرة التي تشده إلى عوالمها وتقرّبه من فهم الظاهرات لا بالعلامات الرمزية،بل بالتاريخ المسرود للأفراد، ولحركتهم وهي تتنقل في الأمكنة التي طالها زلزال الحرب.
تسجل هذه الرواية ولادة قاصة تجيد مهنة الكتابة المشوقة،وتحسن الربط بين المواقف والأحداث، فبدا بناء الرواية على قدر من الإحتراف،على رغم كون المؤلفة تدخل عالم الكتابة لأول مرة.
بطلة الرواية وقعت في مأزق إحتلال الكويت، وهي من أب عراقي وأمّ كويتية من سكنة البصرة، وعليها وهي تتابع الكارثة التي تلوح في أفق البلدين، أن تستذكر تاريخها الشخصي بين إنتماء إلى العراق عززته زيجتها من عراقي إعلامي مثلها، وإنتماء إلى أمّ عانت الغربة وجحود الزوج. وهكذا تقول الكاتبة انها كتبت حكاية الأم التي عاشت بين بلدين، في حين إنها تسجل قصة من قصص العراق المؤثرة.
في مفارقة الرواية أن البطلة المغتربة في الخليج تعود إلى العراق بعد احتلال الكويت لأن الذين حولها عاقبوا العراقيين لقرار لم يشاركوا باتخاذه، الأمر الذي دفع البطلة إلى الشعور بأن لاوطن لها خارج بلدها. وعند عودتها تبدأ حرب تحرير الكويت وتحطيم العراق ودك مدنه.
تسجل الرواية يوميات القصف وهجرة الناس من بغداد إلى المدن البعيدة، حيث تلاحقهم الحرب وتحاصرهم بوابلها إلى كل الأماكن.
صاغت الشيباني مادتها أقرب إلى استذكارات تفصيلية، واحداثها تبدا يوم دخول الجيش العراقي أرض الكويت 2 اب 1990. وهي تعتمد على الفعل والعقدة كي تصل ذروتها في النهاية مثل كل روايات الحركة، ولا مجال هنا لبناء شخصيات استثنائية او قابلة للنمو والتفاعل في ذهن القارئ، فهناك عقدة تدور حول الدخول في ورطة الحرب والخروج منها. ولكن المسار السردي يربط بين الشخصي والعام، في مترادف يعتمد التناوب بين ماضي الأبطال وحاضر الزمن المرصود قصصيا، ومن خلال مشاعر الشخصية الأولى يمكن اقامة علاقة تواشج بين الزمنين.
هي عانت واخوتها الصغار من ظلم الأب الذي هجر زوجته الغريبة في البصرة، وانتزع أطفالها ليعيشوا مع ضرتها التي تسومهم العذاب، عند هذه النقطة تستكمل المأساة الشخصية بفصل يضاف إلى فصل الحرب التي تورط بها الناس دون دراية منهم. وبين سطور الحياة الشخصية تنبثق في ومضات متسارعة، العلاقة بين الكويت والعراق في مظالم متبادلة، ولكن الرواية لفرط عفويتها،تبدو شهادة محايدة، ولكنها تشرح حال العراق ومعاناته من حكم سلطة جائرة تدفع الناس إلى ورط الحروب المتكررة.
العائلة وترابطها ثيمة من بين ثيمات الرواية الأساسية، ولعلها تشكل هاجس البحث عن الأمان واللحمة الانسانية مقابل التشتت والخراب الذي يجابه المجتمع زمن الإضطرابات الكبيرة. ولكي تجسد مشروع البحث في صيرورة التواصل العائلي، تبدو النظرة إلى المستقبل من بين مكونات إدراك السرد لقيمة الزمن، ففي إصرار البطلة على العودة إلى العراق وهي إمرأة حامل وتنوء بمسؤولية طفلتين،تجابه زمنا مكثفا بالاحداث يؤرخ أشهر الحمل ذاتها.انه يتواتر في إنتظار ولادة الطفل الذي تحمله في أحشائها،والبحث عن الأمان لصغارها الذين تتنقل بهم بين الجبهات. على هذا تبدو معاناتها محض دفاع عن حياة تتعدى حياتها الشخصية، وعندما تخرج بأطفالها ومولودها الجديد من العراق مرة أخرى، يكون الجواب على السؤال الأساسي: هل ثمة مكان يصلح في العراق للعيش ولبناء حياة سوية؟
تأتي الإجابة من خلال الأفعال، فالحرب تختبر معادن الناس: السلطة والجيران والمستشفيات ومراكز الشرطة ومواقع الحدود. وفي بيت أهل الزوج، يلتقي حشد من الأقارب الباحثين عن أمان في سردابه، لتكتشف البطلة في منلوجها خطوات التباعد والتقارب بينها وبينهم:هي تريد إستعادة الأب الضائع في شخص رب العائلة الورع المتدين، والأم الحارسة لنخيل البصرة ولروحها المذعورة. وفي لمسات التواصل تعرف الفرق بين من بقي في وطنه ومن إغترب عنه. لعل مخاض مجتمع جديد كان ينأى ويقترب منها، ولكن انشغال السرد بحدود الحياة الشخصية للبطلة، حال دون تشّكل أفق روائي أوسع يمتد أمام بصيرة الراوي لينسج خيوط حكايات موازية لقصة حياة البطلة وهروبها. مغامرات المرأة ونضالها من أجل مُثلها الخاصة، تتوضح من خلال مسرودات واقعية تتشكل وفق نظام شبه منطقي، فهناك تداعيات دراماتيكية للأحداث في متوالية تقرأ بوصفها تعاقبا زمنيا بين بداية الرحلة ونهايتها، هروب وهروب مضاد، ولعل تلك المكررات تشكل البناء الممكن لصيغة العمل في حقل القص الكلاسيكي.
تضيق الرواية بصوت منلوج البطلة الذي يغرق في أحيان بإنشاء رومانسي فائض،يطيل الرواية ويضعفها، ولعله من بين العيوب الأوضح للبدايات،بيد ان العمل عموما يبقى شهادة حية لمأساة تكررت في حياة العراقيين وتسربت من بين أيديهم وذاكرتهم لفرط ما واجهوا من مخاضات. ومن هنا نتلمس أهمية هذا النص الذي شهد ولادة كاتبة جديدة وكتابة سردية تملك من الحرارة والتشويق ما يقرّبها من القراء على اختلاف مستوياتهم، وهي غاية يسعى اليها معظم محترفي القص.


عن المسرح والدم والخراب

قاسم محمد عباس

أفكر مرارا كيف بمقدورهم أن يقدموا صورة عن العراق بهذا التلفيق، كيف يمكن لهم أن يزايدوا على معاناة ودماء الناس وبهذا الدم البارد، اقول هذا الكلام على اثر حضوري عرضا مسرحيا في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، عرضا قدم صورة مشوهة عن روح الفنان عندما ينحدر باتجاه نهايته، مخرج العرض مسرحي معروف صنع لنفسه تاريخا، بفعل فكرة المنفى ومناهضة الدكتاتور، لكنه بدا لي وعبر عرضه هذا انه استمرأ فكرة أن يظل منفيا كضحية وكفنان، انسجم وفكرة البقاء بعيدا ساخرا من معاناة مجموع يتعذب بفعل تسويغه وتبريره للقتل،عبر خطاب مسرحي كريه، قد لا يعي مخرج مسرحي مثل هذا الدور الذي يمارسه الفن على مستوى نتائجه، لكنه في النتيجة انسجم ومقولة من يذبح العراقيين كل يوم، ووضع نفسه في موقع تناغم والحجج التي يقدمها من يتبنى خطاب تدمير العراق.
حضر هذا العرض جمهور كبير من العراقيين والعرب. بالنسبة لي لم انجح في تحمل رؤية ممسوخة كهذه لذات مهزومة تدعي حجْرها على فن المسرح كتابة وإخراجا، رؤية مشوهة كشفت عن خلل في التعاطي مع الراهن العراقي بكل تعقيداته، فخرجت من العرض قبيل نهايته،حاولت قبل ذلك تحمل تلك الأكاذيب أو وجهات النظر التي اجتهد المخرج كي يسوغها انسجاما مع منطق الدهماء في الشارع العربي، والعزف على مشاعرهم المباشرة، وتسخيفه لمعاناة شعب بأكمله بدعوى فكرة انقسام العراقيين إلى مؤيد للاحتلال ومعارض له، حتى انه لم ينجح بوضوح في عرض هذه الفكرة. لأنه وقف في موقع قدم فيه الإنسان العراقي بهذه السذاجة والإرادة المسلوبة،والصورة المضحكة التي أضحكت الشامتين بالعراق على العراقيين، الأمر الذي دفع جملة من الفنانين العرب إلى ان يعترضوا على الصورة التي قدمها هذا المخرج عن شخصية العراقي المعذبة وهو يتعرض لمحن الموت والجوع والحرمان،في حياة بالغة التعقيد في ظل الاحتلال والعنف والإرهاب الذي يدفع ثمن خسائره أبرياء ما بين النهرين.
يعتقد البعض من فناني العراق أن قبوله في الأوساط الفنية العربية لن يكون سوى باتخاذ موقف بالضد من عملية التغيير التي حصلت في العراق. فيقع ضحية معادلة تنطلي على السذج من المهووسين بفكرة الدولة القوية القامعة، تلبية لحاجات الخطاب المتعصب، فكلنا يعلم أن الوضع في العراق مأساوي ودموي بمنتهى الوضوح،والعراقيين أدرى بمشكلاتهم من غيرهم، فلم المزايدة؟ ولم المكابرة على مجد زائل؟ ولم خلط الأوراق هذا؟ لن أخوض في مستوى العمل فنيا، مع انه لا يستحق أن يدرج ضمن الأعمال التجريبية، لان المستوى الفني للعمل تقليدي مألوف، أنجز طلاب كلية الفنون الجميلة على نمطه الكثير من الأعمال في ثمانينيات القرن الماضي. فلم كل هذه الضجة؟ هل أن لفت الأنظار لا يكون إلا بدس الملح بجراح العراقيين. في مجمل الأحوال إن رفضنا للراهن العراقي لا يفقدنا الأمل بقدرة العراقيين على تجاوز محنهم وآلامهم، ولا يبرر هذا الوضع الاستثنائي مطلقا عقودا من الدكتاتورية بعنفها وقمعها، بمعنى هل يتوجب رفضنا للحاضر أن يتسبب في خلط الأوراق على المشاهد العربي الذي يطحنه إعلام كاذب يسوغ قتل العراقيين، فالفرصة التي تتاح للفنان العراقي وهو يقدم فكرته للمشاهد العربي وتحديدا في ظل الظرف الراهن مسؤولية أخلاقية كبيرة، لن يغفرها الذين يحيون تحت ظروف المفخخات والعبوات والاغتيالات. إن ما قدمه هذا المخرج ببساطة من وجهة نظري عمل لا يحيا إلا على دماء الأبرياء، هل من الضروري أن يكون نقدنا لمأساة العراق منسجما مع خطاب دعائي يلتقي مع ارادات خارجية لا تسمح لهذا المخرج أو ذاك بالتواجد هناك أوهناك إلا في حال تناغمه مع تلك الإرادة. بعض العرب الذين شاهدوا العمل المسرحي كانوا أكثر إخلاصا للعراق فنا وموقفا من هذا المخرج. احتجوا بوضوح من قدرة بعض العراقيين على المزايدة على دماء أطفال العراق، وتحدث البعض الآخر عن خيبة أملهم في أن يصل الحال بالبعض إلى هذا الانحطاط، كيف سمح لنفسه أن يقدم صورة بهذه البشاعة والانهيار عن الشخصية العراقية؟ أسئلة كثيرة سمعتها شخصيا من ضيوف عرب، كانت نظرتهم للحادث العراقي أكثر دقة وتشخيصا من صاحبنا هذا.
لست هنا بصدد تقديم نقد لعمل مسرحي،لكنني بصدد التخلص من شعور بالقرف لازمني منذ أن شاهدت بؤرة من إضاءة فوضوية، وصراخ، ومهاترات،وبذاءات شكلت لي صورة واضحة عن نهاية مخرج مسرحي سمعت عنه الكثير، بدا لي يفتقد حتى وعياً بسيطاً، وفهمت كيف يمكن للإشاعة أن تصنع حضورا، وللأكاذيب ان تكتب تاريخا من الزيف، ففي حال تجاوزنا لإفلاس هذا المخرج وقدرته على خداع الجمهور فنيا، تأملت أن يعي حراجة المرحلة، ودور الفنان في الوقوف مع مواطنيه في محن كهذه، والحرب اللبنانية نموذج قريب كشف عن أخلاق عظيمة لفنانين من لبنان عاشت بلادهم حرب الأسابيع،وليس السنوات وبالدمار الذي يحياه الناس في بلادنا، فما الذي فعلوه مع أن كثيراً منهم كان على خلاف مع مواقف حزب الله ومبررات خوضه الحرب، أم أن الضحية العراقية ستظل تستمرئ البكاء وتستدر عطف الآخرين. إنها عقدة قديمة لن تزول إلا بزوال ثقافة سيئة امتدت من ستينيات القرن الماضي والى الآن خلفت لنا كل هذا القرف والبشاعة، وفوق هذا وذاك يتحدثون عن الحرية، والمنفى، والغربة، الحاجة إلى التطهير فعل أساسي يجب أن يقوم به البعض، والتخلص من عبء كهذا لن تطهره الحمامات العربية.


واسيني الأعرج

دنى غالي
لم يعد هناك من ينصت أو يقرأ الأدب، سؤال ليس بجديد ولكنه يلح اليوم بحدة، رغم هذا السؤال الإستهلالي فواسيني الأعرج موقن بأن الكتاب يبقى الحل الأمثل ليخرج بنا من عزلتنا وانغلاقنا على الصعيد الشخصي، وهو أيضا الحل الذي يبقى الأكثر فعالية في محاولة فهم الآخر لنا وعلى العكس. ذلك كان ما استهله في محاضرة ألقاها مؤخرا في كوبنهاجن في " قصر شالوتن للفنون" وذلك على هامش احتفاليات ختام مهرجان " الشرق الأوسط في صور"، وقد ضمنها طرحا لآرائه حول وظيفة الأدب ومختصرا لما تناوله في ما صدر له من روايات. يذكر أن رابطة "القلم" في الدنمارك قامت، بالعمل مع " معهد كارستن نيبور للدراسات العربية" بوضع برنامج تضييف جملة من الكتاب العرب والأتراك والإيرانيين والإسرائيليين من أجل دعم فتح الحوار والإنفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى وهو الهدف الذي قامت على أساسه فكرة مهرجان الشرق الوسط في صور في الدنمارك.
تحدث الكاتب الجزائري واسيني الأعرج بلغة جميلة وبهدوء لافتين يستدرك خلاله الذين قرأوا له انعكاس الإثنين الواضح في كتاباته، فرغم صخب وسخونة الأحداث سواء في الحاضر الذي يتناوله وما يدور فيه أو من عمق التاريخ الذي يعود قرونا إلى الوراء، يشعر القارئ بأن القلم مترو وهادئ، يستمد من صاحبه أناته ودقته في خط سرده والجملة تستقر بلغتها تماما قبل أن تليها التي بعدها.
لا شك في أن الجزائر تشغل جزءا كبيرا من ذهن الكاتب ونتاجه. ولكني أتجاوز فأقول قبل الجزائر، ومن خلال ما طرحه في محاضراته أثناء زيارته، يتقدم موضوع الكتابة والتورط بها وما تطرحه من أسئلة ليكون شاغل واسيني الأعرج الأول. ما الذي نريده من الكتابة وما الذي ستوصلنا إليه. هل هي الرغبة في التعمق في دواخلنا لحل ألغازها وفهمها، أم التوسط من أجل عقد علاقة مع كل ما هو خارج جسدنا وروحنا؟
يرى الأعرج أن وظيفة الأدب الدفاعية تكمن في تذليل سوء الفهم حول القضايا الكبرى ويتناول المثال الجزائري دليلا ليؤكد على أهمية وقوف الكاتب بوجه ما اقترفته الماكنة الإسلاموية من قمع وقتل بحق الجزائريين خلال العشر سنوات الأخيرة وما دفعه على الأخص جملة من أصدقائه من الفنانين والمسرحيين والصحفيين والكتاب والمبدعين ثمنا لمواقفهم. لذا تصبح مسؤولية الكاتب الذي بقي حيا كبيرة جدا، اما ان ينسى الماضي وكأنه لم ينتمي إليه او يندغم فيه ويدافع عن الذاكرة الحية. ويذكر بانه عندما انجز انتولوجيا الكتاب الذين قتلوا بسبب مبادئهم كان هدفه هو احياؤهم ولكي يعرف الذين يجيئون من بعده بان هؤلاء دافعوا عن الديمقراطية وحرية التدين واعتناق المعتقد وعن الإختيار الحر في الحياة بكل بساطة.
ما حدث او يحدث في الجزائر ليس ببعيد عما يحدث في عموم المنطقة العربية وما يشهده الأعرج من الانغلاق اليوم في الجزائر مقارنة بالماضي هو ما نشهده في العديد من البلدان التي لم يكن يتوقع لها إلا أن تستقر وتأنس بموروث حضاراتها و يحصد مواطنوها خيرات ذلك. لذا يلجأ واسيني الأعرج مجددا إلى التاريخ ليتعامل من خلاله مع الحاضر وذلك في كتابه الأخير الذي صدر عن دار الآداب 2005 تحت عنوان " كتاب الأمير" الذي يتناول شخص عبد القادر الجزائري مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الذي يؤمن بأن العظيم هو من يعرف ويجيد التحاور مع الآخر ويختار ذلك طريقا ليوفر سفك الدماء بالسلاح على ابناء شعبه.


الاغنية العراقية والحداثة

ستار الناصر
الحداثة لا تعني بأي حال من الاحوال، وفي أي المنجزات الثقافية: القطيعة مع الموروث الثقافي، بل هي انطلاقة فعالة غايتها تحسين التواصل بين المنجز والتلقي، بوصفهما وسيلتين لنشر الوعي الذي هو حصيلة مستجدات التناحر بين الطبقات المشتعل اواره منذ ظهور تقسيم العمل. هكذا تتجسد مسيرة الثقافة عبر انساقها المتعددة، معبرة بأضطراد عن تطلعات الانسان للحرية والجمال، فحداثة الشكل والمضمون في المنجز الثقافي لا يظهران من فراغ، بل عبر الثورة على السائد والتمظهرات التي تدعي الرسوخ او الثبات فكل شيء قابل للانزياح تاركاً المكان للجديد ليس على نحو سطحي زائف ودعي، بل لاحلال سلطة العقل والقدرة على التوصيف والقراءة المتأنية.
ان التجديد والتغيير الحداثوي ضرورتان مهمتان اساسيتان في تفعيل الجمال باعتباره هو ذاته ضرورة ازلية ما دامت الحياة مستمرة لكنهما لا يشكلان قطيعة عن الموروث الذي عليه تتوقف بلاغة التحديث.
وكل ما ذكرنا في هذه المقدمة ينسحب على الاغنية بوصفها ركناً اساسياً من اركان الثقافة ولعل اولى معاناتها كانت كثرة العقبات التي وقفت حائلاً دون سعيها للانعتاق من سلطة الأجهزة التي استغلتها بعد ان اكتشفت سحر تأثيرها، لذلك وجدت في طريقها العشرات حتى فازت بسعيها نحو المدنية لتواكب الفنون المنتصرة الاخرى. وحين تم لها ذلك ظهرت معاناة جديدة وهي الايقاعات التي ورثتها من منجزات سبقتها خاصة الثقيلة منها وهذه كانت من مخلفات وظيفة غير الوظيفة الجديدة للاغنية "المدنية"، بإعتبار الاولى عهداً بائداً سواء في المفهوم او الوظيفة.
والتصادم مع الايقاع اول بوادر التحديث وحدث هذا التصادم في الاغنية العراقية، حين ظهر ايقاع الجورجينا وتسيد اغاني فترة الستينيات بدءاً من منتصف الخمسينيات، واعتبر قفزة نوعية لان الاغنية العراقية كانت بحاجة إلى ترشيق لتواكب متغيرات الزمن فتركت ايقاعات كانت تعد ثقيلة تعكر صفو اللحنية التي تروم الانطلاق للتعبير عن الفضاءات الجديدة فغابت ايقاعات مثل "السنكين سماعي، او اليكرك، الجورجينا الثقيل، وغيرها.
ويمكن ان نسمي اغاني تلك الفترة بأغاني "الجور جينا" التي اذكت الهوية- الشخصية العراقية في الاغنية وايقاع الجورجينا ايقاع عراقي خالص وهذا لا يعني عدم وجوده كايقاع عند الشعوب العربية الاخرى- لكنهم لا يتعاملون معه لان الاذن ليست لها دربة عليه سوى الاذن العراقية التي تستسيغه وتطرب له.يقول عباس جميل وهو رائد من رواد اغاني الجورجينا:"ان الذي لا يعرف اصول غناء المربع- أي ايقاع الجورجينا- سيبتعد كثيراً بالحانه عن عراقيته في التلحين".وعلى هذا المنوال في التحديث ظهرت اغان مازال صداها فاعلاً في الذائقة وعلى سبيل المثال لا الحصر:"عيني سمر" لرضا علي، "سلم" لمحمد عبد المحسن، " يا ام اعيون حراكه" لعباس جميل، " آني من يسأل علي ليحيى حمدي "هذا الحلو" لمحمد نوشي وغيرها.
في السبعينيات تحرك المجتمع العراقي تقف وراءه قواه الوطنية ليسجل حضوراً في حركات التحرر الوطني واندفع في النضال فحقق مكاسب على صعيد تفعيل الثقافة الديمقراطية من اجل ازاحة ثقافة الاستبداد التي استفحلت، فانتعش الواقع الغنائي بدخول شعراء القصيدة حقل الاغنية فكتبوا شعراً غنائياً جديداً في الشكل والمضمون ضيق الطريق على ايقاع الجورجينا واغانيه التي غدت مملة وغير قادرة على استيعاب اشتغالات الاشعار الغنائية الحديثه فصار البحث عن بديل من مهمات حداثة الاغنية فنهض بها رواد جدد فحلت ايقاعات جديدة (المقسوم) والهجع الحديث والوحدة الكبيرة، والرمبا، والايقاعات الخليجية على مختلف انواعها مثل الهيوه والعدني وغيرهما الكثير. وبالرغم من كل هذا التحديث لم تحصل قطيعة بين الرواد الجدد والموروث حتى ان رائداً مهماً من رواد "المدرسة السبعينية" كوكب حمزة بدأ مشواره التحديثي في التلحين معداً ذكياً لهذا الموروث وهذا تجده في الحانة (يانجمة) (كون السلف ينشال) وغيرهما وكذلك فعل محمد جواد اموري خاصة في تجربته الرائعة مع انوار عبد الوهاب، ونجد ذلك ايضاً عند الملحن طالب القرغولي حيث المزاوجة الواعية بين ذائقته الجنوبية وما توفر له من اطلاع على التحديات التي جرت على الاغنية العربية المصرية خاصة، كذلك استفادوا من سحر البساطة في تحرير اللحن التي تميزت فيها الفترة الستينية وإصرار روادها على اضفاء جمالية اللون العراقي.
فولدت اغان راقية في التطلعات غنية بالبلاغة اللحنية والانتقالات النغمية وبالتالي الحاجة إلى اصوات مؤدية تستوعب هذا المسار الجديد، فأثمرت جهود ياس خضر في تأدية الحان طالب القرغولي (اعزاز، البنفسج، هذا آنه)، وكوكب وسعدون جابر (عيني عيني، ياطيور الطايرة)، محمد اموري مع حسين نعمه(ياحريمة) ياسين الراوي ومائدة نزهت (حلوين) وعباس جميل (العيون) وحسين السماوي وكمال محمد (معاتبين)، محمد عبد المحسن (دورتيك) وغيرها الكثير، كمال السيد المكير.
في سنة 1979 بدئ العمل في تأثيث فضاء المسرح السياسي لارساء نهج الديكتاتورية تحت حراسة مشددة من القوى العظمى، فبدئ العمل بتحجيم الثقافة الديمقراطية بقمع روادها ومتلقيها واشاعة ثقافة الاستبداد والشمولية فأنبرت خيارات ثلاثة طعمها مر كالحنظل فأما الهجرة واما ان تقبع في دارك تعمل للمستقبل المجهول، واما ان تقع في احضان سلطة ديكتاتورية فتكون لها بوقاً.
فأنكسرت مسيرة الثقافة برمتها ولاسيما الاغنية وباتت على غير ما يرام وسجلت هذه الفترة انحساراً لمسارات الاغاني ذات الخصوصية العراقية ولم تظهر سوى بعض الاغاني الجميلة جاءت عبر ظاهرة جديدة عرفت بظاهرة "الالبوم" وما زلنا نعاني كمشتغلين ومتلقين من تشعبات هذه الفترة ولحد اليوم.
وعلى ما تقدم فإن ما نسمعه اليوم من "اغان" تتداخل فيها مشاهد العري الرخيص، وصخب الايقاعات والاصوات ذات الاداء الفج هي افساد للذوق وتجسيد للجري الرخيص وراء الشهرة على حساب الناس وذائقتهم.
والانكى من ذلك انهم يدعون ان ذلك هو حداثة في الاغنية، أية حداثة هذه التي اطاحت بالخجل الشرقي الجميل؟ وهل من الحداثه ان نغيب شخصية الاغنية وهويتها؟ وهل حداثة: هذا الشعر الغنائي الساذج الذي يلهث وراء القافية وايقاع "الوحده ونص". انها تجارة رخيصة ببضاعة لا تصلح للاستهلاك المحلي، وناقلة لامراض خطيرة تصيب الذائقة، الذائقة المحاصرة بعشرات الفضائيات التي تبث هذه السموم.
ان من نعم التكنولوجيا وجود اجهزة التسجيل حيث يمكننا سماع اغنيات الامس التي نجد فيها ضالتنا: كلام جميل، لحن راق،اداء انيق،احترام مسؤولية الكلمة خطاباً جمالياً يعطي للذائقة دفعا جديداً يعزز التراكم النوعي في اللحنية العراقية، يكون قاعدة لحداثة جديدة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة