|
|
|
ظلال المرأة في كتابات
مناصريها
فاطمة المحسن
يبحث
القراء في المجتمعات الثقافية عن الرجل المتخفي خلف كتابات
المرأة،وعلى وجه الخصوص تلك التي تشتهر على حين فجأة، ولكن
من النادر أن يُِنسب إبداع الرجل الى إمرأة ما، رغم القول
المتداول : وراء كل عظيم إمرأة !.
وهذا القول اليتيم بين سلسلة الأمثال والمواعظ العدوانية
إزاء النساء، يمكن دحضه في سيرة الكثير من العظماء اللذين
عاشوا وحيدين دون إمرأة،مثلما يمكن التثبت منه عند بعض
الكتاب والفنانين الذين دوّنوا سيرتهم او أعاد المختصون
كتابتها.
لعل المفكرين والأدباء الذين كرسوا جزءا من جهودهم من أجل
قضايا النساء عرضة للسؤال العفوي : كيف لهم الخوض في
مواضيع لاتعني الكثير من رفاقهم وأبناء جنسهم، وهل هناك
تجربة خاصة حرضتهم على الكتابة؟.
يهتدي الكاتب الى موضوعه في العادة عبر مسارب المعرفة التي
تترابط في منظومة منطقية من الخبرات والقراءات والتصورات
والمواقف، ولكن تلك السلسلة لاتفضي بالضرورة الى النتائج
ذاتها عند كل المشتغلين في عالم الفكر والفلسفة
والأدب،فهناك الكثير من المفكرين الإنسانيين لايرون في
مساواة الجنسين ضرورة لتقدم البشرية،وبعض الثوار
والمتمردين على التقليد الإجتماعي كانوا من أعداء النساء.
كتاب الأميركية سوزان موللر أوكين يتابع الموقف من النساء
في الفكر الغربي منذ ظهور بوادره في التراث اليوناني، حيث
تكتشف الكاتبة ما تسميه "نغمة الكراهية" التي تسم كتابات
الشعراء والفلاسفة وفي مقدمتهم افلاطون وسقراط، فالمرأة من
وجهة نظرهم، أول البلاء في البشرية، وحتى صفات الآلهة
المؤنثة في هذا التراث،مجرد صفات رجولية. ومرد تلك
العدوانية ثقافة الحب في التراث اليوناني التي تقوم على
المثلية الجنسية. ولكن الحقوق تعني غير الرغبات في مجتمع
بني على الجدل العقلي، وليس على تهويم الخرافة. فآلهتهم في
العادة تربض بعيدا محلقة في سماء الفن،حين يخوض الفلاسفة
والمفكرون في قوانين البشر، ولكن المصالح تبقى هي المحرك
الأساسي. كانت حقوق المواطنة في أثينا تطبّق وفق المراتبية
الإجتماعية، التي لاتوفر للنساء والعبيد الإمتيازات التي
يحصل عليها الرجال الأحرار، على هذا الأساس بقي تراث الفكر
الانساني يتراوح بين القبول والرفض لحقوق المرأة، لحين
بزوغ عصر النهضة العلمية التي بدأ فلاسفتها في البحث عن
مفهوم المواطنة التي يتساوى الجميع فيها أمام القانون،فهل
كان هذا العصر ايذانا باهتمام المفكرين بقضية المرأة؟.
كل التواريخ تشير الى إرتباط عهد الصحوة الحقيقية
والمطالبة بالمساواة، بتمكن النساء الكاتبات من رفد
المكتبة العالمية ببحوث ومعالجات وإبداعات تبرهن على مقدار
الإجحاف والظلم الذي لحق النساء منذ إنبثاق معالم المجتمع
البطرياركي، في حين لم تشغل هذه الفكرة معظم المفكرين
والفلاسفة إلا بمقدار تعلقها بتجاربهم الشخصية مع النساء
اللواتي عرفوهن أو ربطتهم بهن صداقة أو وشيجة عقلية وروحية.
جان جاك روسو فيلسوف الحرية الذي دعا الى مساواة البشر،
كان يرى في المرأة قصورا عن الوصول الى مواهب الرجل، وهي
موضوعا جنسيا ينبغي أن يحجز داخل البيوت، فالرجل بنظره
يملك قوة غير محدودة على التفكير العقلي والإبداع، في حين
وظيفة المرأة حسية وفيزيقية، وهي عاجزة عن التفكير المجرد.
كما يرى فيها المصدر الأول للشرور، وعقابها ولادة الأطفال
بالوجع. ومع ان روسو قارب الجدل حول الظرف الإجتماعي في
تكوين الشخصية غير انه تغافل عن شروط تحقق الذكاء والخبرة
العقلية للنساء في حال تبدل ظروفهن. كان روسو كما تقول
سوزان أوكين، يخاف النساء،ومسكوناً بمرض عصره (الزهري)
الذي ساهم في تعكير مزاجه إزاء المرأة،وهذا الأمر يشير الى
الرابطة الوثيقة بين التجربة الشخصية والمواقف الفكرية.
وفي الضفة الاخرى تساعد العلاقة الشخصية على خلق وعي معاكس
لنموذج روسو، حيث يصبح جون ستيوارت مل منظر وفيلسوف
الليبرالية،من أكثر الناس تحمسا لقضية النساء، بل هو أول
المفكرين الذين نادوا بحق المرأة في التصويت الإنتخابي.
وكان كتابه (إستعباد النساء) الصادر منتصف القرن التاسع
عشر، نتاج تجربة شخصية، فقد كان محاطا بمجموعة من النساء
الذكيات الموهوبات، وفي مقدمتهن حبيبته وزوجته لاحقا هاريت
تايلور، وهي كاتبة وناشطة في مجال حقوق المرأة.
وفي سيرته الشخصية يذكر ان المقال الذي كتبه "منح حرية
الإنتخاب للنساء" لم يكن من بنات أفكاره لوحده،بل أسهمت
هاريت تايلور في كتابته. كانت تلك المرأة تملك من الذكاء
وقوة التأثير ما مكّنها من ان تجعل منظر الديمقراطية الأول،
على تطابق مع أفكاره التي سطرها في كتابه "الحرية والمذهب
الليبرالي".
ويشخص كارل ماركس نموذجا للفيلسوف الذي كتب أفكاره في ظلال
الحب الذي منحته زوجته، وهي إمراة تكبره سنا، ولكن وجه
ماركس الإنساني والمساواتي يبرز في رسائل الحب التي كتبها
اليها، والرعاية التي خصها بها خلال مرضها الصعب. فقد كان
عاشقا للمرأة التي تقاسمت معه محنته وعوزه،حين أنتج أفضل
مؤلفاته تحت رعاية هذا الحب كما يقول.
و بمقدورنا أن نجد الكثير من العلاقات المثمرة فكريا
وإنسانيا بين النساء والرجال المشتغلين في ميدان واحد،
وتجربة سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر من بين النماذج
التي تثري الجدل حول العلاقة العقلية والروحية بين الرجل
والمرأة وتأثيرها في تنافذ الأفكار وتبادل الخبرات،بما
فيها أفكار دي بوفوار حول النساء، وأفكار سارتر حول الحياة
وعلاقات البشر، وكان هذا بين مواضيع البحوث التي ظهرت في
الأدب الفرنسي.
وبين العرب وضع رائد النهضة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي،
مقولة حقوق النساء موضع التطبيق في حياته، فقد كان شديد
الإعجاب بخطيبته وزوجته لاحقا التي اشترط على نفسه عند
زواجه منها الإمتناع عن أي تجاوز على حقوقها، وفي وثيقة
الزواج صك لنفسه مبدأ الإخلاص لها وعدم الزواج من إمرأة
أخرى او إمتلاك جارية في الفراش كما هي عادة الرجال في
زمنه. أما دعوة قاسم امين لتحرير النساء، فكانت نتاج
علاقته بزوجته زينب ابنة أمير البحر التركي امين
توفيق،الفتاة التي أشرفت على تربيتها مربية انكليزية،وأدى
تطاول الرعاع عليها بسبب أفكاره، الى انتكاسة في صحته سببت
موته. كما كانت صلته بالأميرة نازلي هانم فاضل وراء تأليف
كتابيه (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة)، وكان صالونها
الأدبي الذي تردد عليه أمين قد عزز الجدل حول الربط بين
معتقداته وموقف الأميرة الطليعي من قضايا النساء. نازلي
كانت أكبر من داعية،فهي فاعلة إجتماعية بامتياز في مصر
مطلع القرن العشرين. ولعل إصدار المؤلف الأول (المصريون..
رد على دوق داركور) الذي نشره قبل التعرف على الاميرة
والتردد على صالونها، بين الأدلة على وجاهة هذا الاعتقاد،
فهو كتاب يفخر بحجاب النساء ويعيب على الغربيات تحررهن.
هل بمقدورنا هنا الاستنتاج بارتباط أراء الرجال المنصفة
للمرأة بمزاج او تأثر عاطفي أو فردي؟ يتوجب علينا عند
الإقرار بالأمر، تجريد تلك الكتابات من قيمتها العلمية
والموضوعية، واحتسابها مجرد نتائج عارضة لهوى الكاتب
ومزاجه اليومي.
ولكن هل نستطيع عزل مسار الفكر الانساني عن التجربة
الشخصية والتكوين البيئي للمفكر أو الباحث؟ من الصعوبة
الجزم بجواب لهذا السؤال، ولكن الوعي بمفارقات العلاقات
الفردية،أضحى اليوم جزءا من تركيبة الفكر المعاصر، فقد
أثرى الجدل الحديث مفهوم الفرد والفردانية، وكان الحب
والعلاقات الحميمية من بين مواضيع الفلسفة التي نشأت في
احضان الفردانية، فهي البيئة المناسبة لمعرفة قيمة التواصل
وتناقل الخبرات. أفكار مابعد الحداثة في الغرب لم تعد
محلقة في عالم التجريد العقلي، بل هي لصيقة بالتجارب
الذاتية، فموضوع الجنون والعقل والحواجز الإجتماعية والجنس
من بين أكثر المواضيع التي تثير إهتمام المشتغلين بالفكر
الحديث.
إذن لم يعد الحب وتأثيره في إحداث التوازن الإنساني مجافيا
للعقل أو الفكر، صحيح ان الكثير من نتاجات رائدات النسوية
في ميدان الأدب والفكر واللغويات كانت ترتبط بتجارب التحدي
الإجتماعي، والمقارعة الثورية، وتنبثق من الآم ومخاض
الإستعباد والظلم، بيد ان النسوية الداعية الى حرب الجبهات
بين الرجل والمرأة أفل نجمها اليوم، وما تحصل عليه المرأة
بذكاء الحب ربما يكون هو الأبقى في تاريخها الحديث. بالطبع
هذا لاينطبق تماما على المجتمعات المغلقة التي لاتستطيع
مصالحة ذاتها، ولكن ديناميكية الحياة وتفاعلها تساعد على
خلق توازنات لصالح الفئات الضعيفة في تلك المجتمعات، ولعل
الحروب على ويلاتها، واحدة من أهم عوامل إنتقال النساء من
موقع الى آخر، وتعرض الفكر المحافظ الى أسئلة جديدة، وتعرض
النساء أنفسهن الى إمكانية طرحها على نحو جديد.
|
|
الفنانة نادية محمد ياس: غياب
الجسد وحضور الظل
علاء
خالد غزالة
تواجهك الفنانة نادية محمد ياس بصراحة مع ذاتك وترغمك على
الاستبطان بطريقة مبسطة ولكن لا تخلو من ذكاء. هذه
المواجهة القدرية التي نحاول الهرب منها باستمرار.. نهرب
من المرايا وصفحات الماء، كما نهرب من عيون الاخرين
وعبراتهم. فهي تجعلنا نسأل عن الحاضر بينما نفتقد الغائب
بين ثنايا قطع الاثاث البالية او شماعات الملابس، ثم
ترغمنا على تحسس اطرافنا لنتأكد من انها لم يتم اقتطاعها
لصالح اللوحة. وبينما نجد يدا معلقة على كرسي، او قدمين
غابتا تحت قميص اجوف، يخامرنا شعور بان باقي الجسد قد
استحال الى شبح او ظل يخيم على اللوحة معلنا موتا آخر
لكائن حي.
ولكن اليد قد تكون امتدادا للكائن الحي في محيط سوريالي
يستحضر حضارات سادت ثم بادت.. تلك التي كرست الرجل في صورة
ملك –
إله لا يشق له غبار،
وجعلت المرأة سلاحه في فرض سلطته غير المتناهية، ومن ثم
كساها بقميص مزركش بالوان النار اشباعا لغروره وتأكيدا
لسطوته. وان كانت الرغبة الجنسية متناظرة بين المرأة
والرجل، الا انها في لوحات الفنانة تمرد على امتياز الرجل
في احتكارها بما يلائمه. فالمرأة فرس ثائرة حينما يغيب
الملك عنها جسدا، ويحضر ظلا باهتا في خلفية اللوحة ليدل
على عدم اكتراثه، ولا يقوى قميصها على احتمال فورة الرغبة
الجائشة في الصدر فيتفتق كاشفا عنه دون ابتذال.
والمرأة هي عنوان لوحات الفنانة نادية وموضوعها. والعنوان
الابرز تمردها على الضعف والعجز، والرغبة في اظهار التساوي
والتناظر بين الجنسين. وهي لا تتهم الرجل مباشرة بالاضطهاد
والتمييز، لكنها لا تخفي امتعاضها من كتابة التاريخ ذكوريا،
واهماله دور حاضنة الرجل صغيرا ويافعا ومن ثم شيخا كبيرا..
او ربما ملكا. نعم هي تبتعد عن الاشارة الى الام او الطفل
او الزوجة، ولكنك تملأ هذا الفراغ بايحاءات ذاتية تفرضها
الطبيعة كثمرة للحب واشباع الرغبة. وهي تستعين باستعارات
شتى لتحملك على التفكير في العائلة. فالملك البابلي يقف
الى جانب فراش الزوجية بينما تعرّت الزوجة تلبية لرغبته
على ما يبدو.. ويعلن القميص من جديد اشتعال الرغبة في موقع
اخر منفصل ولكنه غير بعيد. والملك يقود معشوقته الى الشاطئ
ولكنها تستحيل ثوبا احمر قانيا يقطر دما، بينما يخيم ظلها
في طرف اللوحة. والجريمة قد تكون في دورة الحياة المتكررة
شهريا.. ضريبة الطفل والعائلة التي تدفعها المرأة منفردة،
وعليها وحدها ان تدفع
–جسديا-
ثمن بناء العائلة. وهي لذلك تسعى الى التخلص من ذلك الجسد
بالهروب الى ظله، مع ابقاء الرابط اليه متمثلا بالقميص
المرتبط بدوره بالمعشوق-الملك. وبالطبع فان محاولة الحبيب
التخفيف من هذه الحمى لا تجدي نفعا فهو انما يواسيها بماء
ينقله بدلوه الصغير، بينما تنزف هي دما من جسدها. ومرة
اخرى يغيب التوافق، وتعمل الطبيعة على كبح الرغبات هذه
المرة.
ان الاستغراق في لوحات الفنانة يمنحك متعة الشعور بان
الحياة تدب في الاطراف المجتزأة من كينونات اخرى. لايهم ان
كان الكرسي باليا او كان القميص مجعدا.. ففي النهاية هي
مجرد ادوات قابلة للاستبدال. ولكن الظل الساكن كما الموت
احيانا، او النابض بالعشق احيانا اخرى ينبئك بان حقيقة
الحياة لا تعتمد على فيزياء او كيمياء الجسد بقدر اعتمادها
على سيكولوجيا الحب والعشق، لحظات النشوة او اوقات السكون
المطبق الدال على سلام كوني شامل.
وتعمد الفنانة الى استخدام الوان الاحمر والاصفر
والبرتقالي وربما الزهري لاظهار عناصر اللوحة المتقدة،
بينما يسود الرمادي والاخضر الداكن وقليل من الازرق عناصر
اللوحة الاقل اهمية. وهذا الاختيار اللوني موفق تماما في
ملاءمته لطبيعة الانسان وانجذابه للالوان الصارخة. فهي
انما تستعمل موجات الضوء وتمايز الالوان في مخاطبة لاوعي
المتلقي، ونقل الصورة الى مستوى ادراكه الحسي وبالتالي
ضمان تفاعله مع اللوحة.
ان اصرار الفنانة نادية محمد ياس على اظهار جوانب مسكوت
عنها في حياة المرأة، وطرحها قضية التساوي دون اتهام للطرف
المقابل، وتمردها على الضعف والاستسلام الانثوي، وتأكيدها
على الحضور والغياب الروحيين دون اعتبار لمتطلبات الزمان
والمكان، انما يدل على حس مرهف وشعور متيقظ وجرأة مذهلة،
تنساب الى انامل مبدعة لتداعب الريشة والزيت في لوحات اقل
ما توصف بانها متعة متسامية، تبدأ باللاوعي لتمر عبر ادراك
خفي الى مستوى الوعي الكامل بوجود متمايز ومناظر.
* الفنانة من مواليد بغداد
–
1970
تخرجت في كلية
الفنون الجميلة-فرع الرسم عام 1993. وهي عضو في نقابة
الفنانين العراقيين وجمعية التشكيليين العراقيين، ولها
مشاركات في اغلب المعارض والمهرجانات داخل العراق. كما ان
لها مشاركات دولية عديدة في معارض الفن العراقي المعاصر في
عمان-الاردن/1991،2001، ولندن/1991، وبيروت/2001، والبحرين/2004،
وتونس/2002، ومعرض امتدادات رسم برعاية السفارة الفرنسية
في العراق ووزارة الثقافة العراقية في قاعة فضاء وفن/2005،
ومعرض كاليري الاربعة في لندن/1992، ومهرجان بغداد العالمي
الثالث للفن التشكيلي/2002. كما حصلت على العديد من
الشهادات التقديرية منها الجائزة الاولى لمهرجان الواسطي
1993، والجائزة الاولى في مسابقة قضايا المرأة في الحرية
والمساواة التي اقامتها وزارة الثقافة بالتعاون مع صندوق
الامم المتحدة للمرأة/2006، وجائزة الابداع للشباب/2003
وزارة الثقافة –بغداد.
وتعمل مستشارة فنية في مؤسسة ابحاث للدراسات القانونية
وحقوق الانسان التي تهتم في مجال تطوير المراة والدفاع عن
حقوقها القانونية والدستورية.
|
|
سافرة جميل حافظ
علي
ابراهيم الدليمي
سافرة جميل حافظ،
إحدى الأديبات العراقيات اللواتي لهن حضور متميز في الوسط
الثقافي والسياسي منذ العقد الخمسيني، تخرجت في جامعة
بغداد/ كلية الآداب فرع اللغة العربية سنة 1954 لتشتغل
بالصحافة.. وقد نشرت قصصاً ومقابلات وتراجم في اغلب الصحف
المحلية آنذاك.. وفي سنة 1956 صدرت لها مجموعتها القصصية
الأولى بعنوان (دمى واطفال).. وواصلت سافرة جميل عملها
الادبي هنا وهناك، فضلاً عن نشاطها الانساني في الجمعيات
الاجتماعية والوطنية، انتخبت مؤخراً في المجلس المركزي
لاتحاد الأدباء العراقيين، أسست قاعة الدروبي للفنون وشجعت
كثيراً من الفنانين الشباب.
سنة 1963 توقفت أديبتنا عن نشاطها الأدبي، بعدما تعرضت
كغيرها لرياح سياسية، تتعارض مع افكارها ومبادئها
الإنسانية.. إذ فوجئت بالواقع المؤلم الذي يعيشه البلد
وقتذاك والذي كان بعيداً جداً عن رؤيتها الفكرية واهدافها
التي تتمسك بها.. ليمتلئ رأسها بالاسئلة العديدة التي لم
يجب عليها احد حتى الآن..
لماذا هذا القتل الوحشي المتكرر للانسان الاعزل؟ ولم هذه
القيود الفولاذية على (فكر) الإنسان وكتم الاصوات الصريحة
والصحيحة، واين ديمقراطية وحرية التعبير.. و.. و الخ من
الاسئلة التي ظلت وستظل كطلاسم مجهولة الى يوم يبعثون؟!!
عندما أهدت لي مجموعتها القصصية الجديدة مؤخراً (14 قصة)..
عززتها بنبرة صوتية خانقة وهي تشير الى صدغها: هذه القصص
هي جزء يسير جداً من ملامح ذكريات ومواقف ومشاهد انسانية
مختزنة في صندوق رأسي، لا استطيع ان امحوها بسهولة ابداً.
ولديها رواية بثلاثة اجزاء دفعت الجزء الأول منها الى دار
الشؤون الثقافية منذ أكثر من سنة تقريباً.. وفيها سرد
توثيقي لمسيرة المعاناة التي يعيشها المجتمع العراقي منذ
بداية القرن العشرين وحتى الآن، بشكل روائي معزز بتواريخ
وتفاصيل (زمكانية) حصلت عليها من عدة مراجع ووثائق تاريخية
نادرة.. إلا إننا نعود لنستشف بايجاز بعض ما تميزت به
مجموعتها الأخيرة، التي احتوت على اربع عشرة قصة تفاوت طول
قصها، الا ان جميع محاورها استلهمت فيها صراع الثنائيات
المستمدة من الواقع العراقي المرير. يشير د. عمر الطالب في
دراسة خاصة عن كاتبات القصة في العراق ان القاصة سافرة
جميل: (أول كاتبة عراقية وقفت الى جانب كتاب الواقعية
الجديدة الذين كشفوا عن عيوب المجتمع الطبقي المتخلف في
العهد الملكي، وكانت تجد الأمل قوياً في التغيير وبناء
مجتمع عراقي جديد يهزم الاستغلال ليعطي كلا حسب كفاءته..).
لقد هيمنت في هذه المجموعة القصصية لغة الحوار الجوهري
المكثف وتكنيكه الوصفي الذي فرض على مجريات المواقف.. فضلاً
عن اكتناز الكثير من الايحاءات الرمزية الواقعية في
سايكولوجيا الشخصيات ووصفها بريشة فنانة بارعة.. ويعود هذا
التأثير القصصي في أسلوب سافرة جميل الى بداية تأثرها
بتقاليد المدرسة الواقعية خصوصاً عند التطرق الى العلاقات
الطبقية الاجتماعية المتفاوتة.. فقصص وأسلوب سافرة جميل
حافظ في طرح نصوصها تعد (قصصاً مدجنة) على قول ادوارد بلش
في (الرواية المدجنة) التي تدور أحداثها في الحياة اليومية
لتترك نهاياتها تعالج من لدن القارئ الذي تتشح أغواره
بالمأساة ببعد ميلودرامي متكامل.
|
|
مروية عنوانها "نجيب محفوظ"
سعد محمد رحيم
مقولة
"موت المؤلف" التي جاء بها البنيويون لا تصح هنا.. نحن
نتحدث عن تلازم عضوي، بين مجموعة نصوص أدبية وسيرة حياة،
يفضي إلى إنشاء مروية تلخص أو تعكس أو تروي شطراً من تاريخ
الأدب العربي المعاصر، وأكاد أقول التاريخ العربي المعاصر،
وأقصد على وجه التحديد، نصوص/ روايات ومجموعات قصصية/ نجيب
محفوظ الخمسين، وحياته التي اكتملت دورتها بالمعنى المجازي
والحقيقي بدخول جثمانه جامع الحسين في القاهرة للصلاة عليه
قبل مواراته الثرى، بعد رحلة حياة امتدت لـ 95 عاماً بدأت
بولادته في العام 1911 ببيت القاضي في الجمالية بالقاهرة
ضمن الفضاء المكاني الذي يستمد خصائصه وسحره من وجود ذلك
الجامع "الحسين" وما تنطوي عليه هذه الكلمة من ثقل روحي
وتاريخي، وعلى خلفية اجتماعية وسياسية موّارة بتناقضاتها
وصراعاتها وتحولاتها وإسقاطاتها.. هذه المروية الجزئية
صارت في صلب المروية الأكبر عن بزوغ فكر النهضة العربية،
ومباشرة الأدب العربي مغامرة الحداثة، وتدشين عصر الرواية
بشكلها الفني الحديث عربياً، وهي مروية جزئية لا غنى عنها،
منحت المروية الأكبر، لا عنصر قوة وحسب، وإنما نكهة سردية
خلابة.
تأخذ المروية هذه ثلاثة سياقات متعاضدة ومتداخلة بالعلاقة
مع حياة نجيب محفوظ الشخصية منذ لحظة الولادة وحتى الممات.
السياق الأول يتمثل بمتغيرات حياة مصر السياسية في القرن
العشرين (مرحلة الاحتلال الإنجليزي، والكفاح من أجل
الاستقلال، الحكم الملكي، ثورة 1919، ثورة يوليو 1952،
هزيمة 1967، موت عبد الناصر، المرحلة الساداتية، حرب 1973،
الانفتاح الاقتصادي وتصفية القطاع العام، زيارة السادات
لإسرائيل، مقتل السادات، صعود وانتعاش الأصولية الإسلامية،
وبطبيعة الحال بالتساوق والتزامن مع مجمل المتغيرات
السياسية على الصعيد العالمي). السياق الثاني هو التحولات
الاجتماعية والحضرية في إطار الصراعات السياسية والفكرية
والطبقية داخل مدينة القاهرة تحديداً بعدّها مركز وبؤرة
المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي لا لمصر وحسب، وإنما
وإلى حد بعيد للنهضة العربية التي بدأت مصرياً واستمرت في
أغلب الأحيان بقيادة فكرية مصرية منذ منتصف القرن التاسع
عشر وحتى هزيمة 1967 في الأقل. السياق الثالث هو تطور جنس
الرواية العربية، بعد أن حصل شبه إجماع بين النقاد
والمختصين على فضل نجيب محفوظ في إغناء فن السرد الروائي
ليتيح تأريخاً للرواية العربية يؤشَّر بما قبل وما بعد
نجيب محفوظ.
ولد نجيب كما قلنا في الجمالية وسرعان ما انتقلت عائلته
إلى العباسية، فبقي طوال الوقت مرتبطاً روحاً وجسداً وعقلاً
بأحياء القاهرة القديمة المحيطة بالحسين، هذا المكان سيكون
بطلاً دائماً في معظم أعماله ،لا سيما تلك التي أكدت
عبقريته الأدبية في طور تفتح موهبته الأول، والذي يمكن
تسميته مجازاً بالمرحلة الكلاسيكية التي سبقت ثورة يوليو
1952 " القاهرة الجديدة، بداية ونهاية، خان الخليلي، زقاق
المدق، ، بين القصرين، قصر الشوق، السكرية" لكن هناك مرحلة
أسبق تكاد تكون متفردة ومفصولة وهي التي كتب خلالها
رواياته المستمدة في موضوعاتها من تاريخ مصر القديم "عبث
الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة" حيث كان سؤال الهوية؛ من نحن؟
هو ما يؤرق، في العقود الأولى من القرن العشرين، النخب
السياسية والثقافية المصرية. وكان محفوظ قد وضع مخططاً
لكتابة عشرات الروايات من هذا القبيل، روايات تاريخية جعل
من التاريخ الفرعوني مادتها الرئيسة، لكنه في لحظة تألق
ذهني، لا شك، اكتشف منطقة موهبته الأصلية، وما يتطلبه منه
العصر الذي يعيشه، وهو عصر انتقال نوعي، ومنعطف تاريخي
تغادر معه الأمة القرون الوسطى وتدخل العصر الحديث. وتكون
على عتبة أخرى برهانات جديدة، وفي ضمنها رهان الرواية
الفنية التي هي ابنة المدينة الحديثة، وصعود الطبقة الوسطى،
وولوج العصر الصناعي، وانفتاح العالم بعضه على بعض، وبزوغ
أول ومضة أمل منذ قرون في أن يحكم المصريون مصر.
كانت حياة متساوقة، متوازنة في الغالب، ساعده على أن تكون
هكذا، الاستقرار النسبي لمراحل حياته، فهو لم يشترك في حرب،
وأظن أنه أعفي أيضاً من الخدمة في الجيش، ولم يسافر بعيداً
عن وطنه ليذق طعم البعد والمنفى ـ البلدان الوحيدان اللذان
زارهما هما يوغسلافيا واليمن في الستينيات ـ كما أنه لم
يسجن، (مرة واحدة كما يقول صديقه جمال الغيطاني كاد يعتقل
حين قرأ المشير عبد الحكيم عامر روايته "ثرثرة فوق النيل"
فاستشاط غضباً وأرسل إليه من يلقي القبض عليه فأخبر عبد
الناصر بهذا مع تحذيره بخطورة أن يعتقل رجل مثل محفوظ فأمر
بإلغاء التنفيذ فعادت السيارة الذاهبة إلى المكان الذي
يوجد فيه من منتصف الطريق) كما انه لم يبعد عن عمله (يذكر
الغيطاني في مقابلة تلفزيونية أن القائمة التي أعدها
السادات لإبعاد المثقفين المصريين في السبعينيات عن
المؤسسات الثقافية كانت تحوي اسمي محفوظ وتوفيق الحكيم إلا
أن وزير إعلامه أبو المجد نصحه بأن يستثني هذين الاسمين
لقوة حضورهما الثقافي عربياً وعالمياً ففعل) بيد أنه في
مطلع 1973 وقّع بياناً مع كتاب كبار آخرين يحث السادات على
الحرب لتحرير سيناء فمنع من النشر في الأهرام والتحدث إلى
الإذاعة والتلفزيون وبقي هذا القرار ساري المفعول حتى ألغي
في أيلول من السنة نفسها، أي قبل شهر واحد من حرب تشرين.
وعلى الرغم من أن محفوظ لم يكن رجلاً غنياً قبل نوبل فإنه
لم يعرف حياة الفاقة والجوع والتشرد فقد كانت عائلته ضمن
الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى، كما أنه بقي موظفاً
حكومياً يتقاضى مرتباً ثابتاً (تنقل بين وزارات المعارف
والأوقاف والثقافة وارتقى في المراتب الوظيفية وحصل على
درجة وكيل وزير أقدم قبل أن يحال على المعاش في 1971)
وعرفت كتبه رواجاً مبكراً هيأت له مصدراً للدخل وإن لم يكن
كبيراً. وحقاً أثارت كتبه، أو بعضها، ردود أفعال لما فيها
من جرأة في الأفكار ورموز يمكن أن تفسر على أكثر من وجه،
تتحرش بتابوات اجتماعية ودينية وسياسية، لكنه لم يخض معارك
فكرية ساخنة على صفحات الصحف والمجلات كما كان يجري في
العقود الأولى من القرن الماضي بين مفكري وأدباء ذلك
الزمان، وأحسب أنه حسناً فعل ليتفرغ إلى ما هو أجدى، وأقصد
فنه القصصي والروائي. وهذا كله لا يشكل مؤاخذات عليه وعلى
سيرته، وكان من حسن حظنا، نحن قراءه، أنه لم يواجه منغصات
حياتية كبيرة ربما كانت ستحرمنا من بعض أروع وأفضل ما
أنتجته العرب من نثر سردي في تاريخها.
في السياسة كان هواه وفدياً وإن لم ينتم لهذا الحزب، وهو
في حقيقة ميله السياسي ليبرالي قلباً وقالباً، لم يؤيد
الملك والملكية، لكنه أيضاً لم يتعاطف مع عبد الناصر الذي
عطل الحياة البرلمانية باسم أهداف قومية عليا تبين أنها
محض شعارات رومانسية فضفاضة لا تستقيم مع مجريات الواقع
العربي والعالمي. كتب رواية "ميرامار" ناقداً من خلالها
الفساد المستشري في لب النظام الناصري، وانتقد الممارسات
البوليسية/ المخابراتية للنظام وقمعه للمثقفين والقوى
الوطنية في رواية "الكرنك"، غير أن "ثرثرة فوق النيل"
انطوت على قراءة ذكية للتناقضات والفساد في الحياة
السياسية والاجتماعية المصرية، فكانت الرواية أقرب ما تكون
للتنبؤ بالهزيمة.
تتحدر أسرة محفوظ من البرجوازية المدينية، من الطبقة
الوسطى الدنيا، كما أشرنا، وقد ولد ومصر ترزح تحت الهيمنة
الكولونيالية الإنجليزية، وكان في الثامنة حين اندلعت ثورة
1919 ومع تفتح وعيه كان الشعب المصري يخوض نضالاً مستميتاً
بقيادة حزب الوفد ورئيسه سعد زغلول، وفي هذا المناخ كانت
الشريحة المستنيرة من المفكرين المصريين تحرك ما هو ساكن
وراكد في ثقافة المجتمع وتتحرش بما بقي ما يُعتقد بأنه
الصحيح بإطلاق وفي حكم المقدس طوال قرون، إذ حصل حراك
ثقافي وفكري غير مسبوق في مصر كانت أطرافه السلطات
السياسية والأزهر والجامعة والأحزاب والصحافة والأنتلجنسيا
المصرية بشكل عام بعدما أصدر علي عبدالرازق كتابه "الإسلام
وأصول الحكم" في العام 1925، وأصدر طه حسين كتابه "في
الشعر الجاهلي" في العام 1926، وما تبع ذلك من تداعيات
وملابسات ومماحكات وانعطافات لم تكن كلها في مصلحة الفن
والفكر والثقافة والنهضة، بيد أنها أحدثت ثغرة في الجدار
السميك وسمحت لبصيص من النور أن يتسلل. وأحسب أنه لولا هذا
المنجز الفكري لرواد النهضة، ولولا الانفتاح على ثقافة
الآخر لما قيض لشخص نجيب محفوظ أن يكتب ما كتب مهما كانت
درجة موهبته، وقدرته على السرد، فمحفوظ هو ابن النهضة
الفكرية والأدبية العربية التي أرهص لها الطهطاوي قبل ذلك
بقرن في الأقل بكتابه "تخليص الأبريز في تلخيص باريز".
وحيث على خطى الطهطاوي وانطلاقاً من عتبته تتابع مسرد
الفكر النهضوي وثقافة الحداثة بنجاحاته وإخفاقاته ووعوده
وإحباطاته. وحين قام الضباط الأحرار بانقلابهم الشهير الذي
اتخذ طابع ثورة اجتماعية وفكرية فيما بعد في العام 1952
صمت نجيب محفوظ مؤقتاً، ربما ليستوعب جسامة الحدث، وربما
لأنه ظن أن ما كان يبغيه من وراء الكتابة قد تحقق بالثورة
حتى أثبتت له الأحداث اللاحقة خطأ تصوره، وربما كان يبحث
في هذه الآونة عن شكل جديد وأسلوب سردي مختلف عما ألفناه
في رواياته الأولى التي درج النقاد على وضعها في خانة
الواقعية الاجتماعية.
تجسد روايات محفوظ جدلية النهضة والسقوط في مسار الطبقة
الوسطى المصرية، وهي صورة نموذجية للطبقة الوسطى العربية،
صعودها وانتعاشها ودورها القيادي في العمل الوطني،
وتناقضاتها وإخفاقاتها ومن ثم هزيمتها أو هزيمة فكرها، مع
عدم إغفال تمزقها النفسي وقلقلها الوجودي وأحلامها وفرص
تجاوزها منطق الهزيمة، والنهوض ثانية.. فمحفوظ هو مؤرخ هذه
الطبقة للقرن العشرين، هو المؤرخ الفنان الذي لا تهمه
الواقعة بقدر ما يؤرقه ما وراءها، ما سكت عنه المؤرخون
التقليديون، ما جرى في الهامش، ما عاشه المهمشون وما انعكس
على حياتهم، (حميدة، وحسن وحسين وحسنين والمعلم كرشة وزيطة
وياسين وفهمي وأمينة وسي أحمد وكمال وسعيد مهران وعامر
وجدي ومنصور باهي وزهرة وعاشور الناجي وأولاده وأحفاده،
الخ الخ) عشرات ومئات الأسماء التي ابتكرها محفوظ وأوقعنا
في ذلك الوهم الجميل بأن هؤلاء كلهم ليسوا سوى أناس
حقيقيين من لحم ودم ولدوا وعاشوا وتزوجوا وخلفوا الأولاد
وحققوا نجاحات وارتكبوا حماقات وأخطأوا وأصابوا وماتوا..
تاريخ يكاد يكون أكثر إقناعاً وصدقاً مما كتبه من أرخوا
لحياة مصر في القرن العشرين. ولا أحسب أن عاشقاً لكتابات
محفوظ، حين يفكر بالقاهرة يستطيع التخلص من الصور السردية
الحية التي رسمها محفوظ لهذه المدينة. فالسرد هنا بديل
موضوعي عن التاريخ، وبعبارة أخرى ؛ إن المتخيل يخترق
الواقع ويتلبسه ويقدمه مجسماً بصدق بكثافته وظلاله وأبعاده
الاجتماعية والسياسية والنفسية، وتحولاته على السطح وفي
العمق. ولست أتصور مؤرخاً وهو ينكب على دراسة التاريخ
المعاصر لمصر، والقاهرة على وجه التحديد، يمكنه تجاهل ما
رسمه نجيب محفوظ عن هذا المكان في رواياته، فمثل هذا
التأريخ سيبقى ناقصاً يفتقر إلى الروح التي استطاع محفوظ
رصد تموجاتها وتمزقاتها وتطلعاتها.
تقصى محفوظ عن نماذجه والتقطها من واقع مدينة القاهرة، من
حاراتها ومقاهيها وشوارعها وأسواقها وتكاياها ومساجدها
ومؤسساتها الحكومية، ولم يتعامل معها بسطحية وميلودرامية
مطنبة مثلما يفعل أشباه الموهوبين بل أحالها إلى رموز
كونية، ودائماً كانت نصوص محفوظ إطاراً يخفي رؤية متفلسفة
إلى الذات والعالم والكون والزمان والمصير، وفي كل نص كان
يضعنا أمام جملة من المعضلات والأسئلة المحيرة والصادمة.
ولسنا نغالي إذا ما قلنا أن محفوظ استطاع أن يغير من وجهة
نظرنا نحو أشياء كثيرة منها قدرة لغتنا على التعبير السردي
الحي عن حركة المجتمع ومتغيراته، وفرض على أشد المتشككين
احترام فن الرواية بعدِّها ديوان العرب الجديد، كما أنه
عمّق من رؤيتنا، إلى أنفسنا وعالمنا.
كانت طعنة السكين التي تلقاها في العام 1994 لحظة فارقة في
مسيرة ثقافتنا الراهنة، إذ بات على كل معني بشأن هذه
الثقافة أن يفرز الخنادق ويحدد طبيعة الخريطة الاجتماعية
والسياسية والقيمية كما انتهت إليها بعد عقود من النجاحات
القليلة والانهيارات. فتلك الطعنة لم تكن نتيجة مجردة لهوس
شاب مغرر به لم يقرأ أياً من كتب محفوظ ولا يعرف ما هي
الرواية، بل ذروة دراماتيكية لصراع متناقضات وإشكاليات
تعتمل تحت وفوق سطح واقعنا وتعطيه صورته المأساوية.
من العسير فك الاشتباك بين مضامين روايات محفوظ والمنظومات
الفكرية والقيمية التي سادت وتصارعت طوال عقود القرن
العشرين. فمحفوظ كان أميناً لواقع وتاريخ مجتمعه، أو كان
ببساطة يمتلك برهافة حس الواقع والتاريخ، كان بمقدوره رصد
وتلمس الشبكة الغائرة المعقدة والمتحولة لعلاقات عناصر
الواقع، وكان بارعاً في تمثلها وإعادة إنتاجها فنياً،
وربما تكون "الثلاثية" مثالاً جيداً لتأكيد مثل هذا
التخريج بما يتعلق بالمرحلة ما قبل ثورة يوليو، و "ميرامار"
كانت مثالاً جيداً للمرحلة ما بعد يوليو، أما "أمام العرش"
فهي خلاصة رؤية للتاريخ، لذلك الجزء منه الذي يعكس العلاقة
بين المجتمع والسلطة منذ الفراعنة وحتى اليوم حيث أبرز من
حكموا يوضعون أمام المساءلة التاريخية.
لم يكن محفوظ متشائماً‘
على الرغم من تلك
الغلالة الرقيقة من التهكم السوداوي التي تحيط بمعظم نصوصه
القصصية والروائية والمسرحية (جرب محفوظ كتابة المسرحيات
ذات الفصل الواحد) وكذلك سيناريوهات الأفلام التي كتبها (عددها
33 سيناريو). كان محفوظ يمتلك حس الفكاهة جزءاً من طبيعته
الشخصية وقد انعكس في أعماله أيضاً، لكنها لم تكن فكاهة
مسطحة بل غلافاً للقلق والألم والخوف في أغلب الأحيان..
كانت روح التراجيديا هي التي تطبع أعماله وتمنحها أفقها
الوجودي.
كان حكاءً ماهراً، لا أحد يجاريه في هذا الحقل من مجايليه
أو ممن أتوا بعده، وقد بقي مخلصاً للترابط السردي والحبكة
داخل النص القصصي والروائي منذ "القاهرة الجديدة" وحتى
الهزيمة المرة في 1967 فحاول أن يهشم شكل الحكاية
المتسلسلة فكتب "المرايا" و "حديث الصباح والمساء" و "أمام
العرش" وفي هذه الأعمال وغيرها فكك الحكاية أو البناء
التقليدي للحكاية من غير أن يطيح بها تماماً أي أنه لم
يجرد عمله الأدبي/ الروائي من جوهره السردي، فبقيت هناك
شخصيات وأحداث وزمان ومكان كما في الرواية التقليدية لكنه
تعامل مع هذه العناصر ـ التي لا تنتظم الرواية حسب رؤيته
من دونها ـ بطرق فنية مبتكرة أعطت السردية العربية بعداً
جمالياً مضافاً.
أدرك محفوظ بدءاً من نهاية الخمسينيات، ومروراً بالستينيات
أهمية أن يطور الشكل الفني لروايته بالتساوق مع ما كان
يحصل في بلده والعالم من متغيرات على الصعد كافة، وكذلك في
حقل الأدب، ولم يكن من المنطقي لروائي بمقدرته وموهبته
ووعيه أن يبقى يكتب بالطريقة ذاتها والأسلوب عينه الذي عرف
بهما في الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، فدشن ما عرف
بالمرحلة الرمزية مع رواية "أولاد حارتنا" التي نشرت
مسلسلة في الأهرام (1959) وتدخل الأزهر ومنع نشرها في كتاب
في مصر فاضطر محفوظ لنشرها عبر دار الآداب ببيروت. هذه
الرواية التي يقول عنها جورج طرابيشي أنها محاولة جبارة
أخذها محفوظ على عاتقه لإعادة كتابة تاريخ البشرية منذ أن
وجد في الكون الإنسان الأول. ولجوء محفوظ إلى الرمز كان
لأسباب فنية من جهة وسياسية واجتماعية من جهة أخرى،
فالرمزية كما يقول طرابيشي "هي اللغة التي تفرض نفسها في
مجتمع لا يجرؤ بعد على التعامل مع الحقائق بعريها الثوري".
وتتابعت روايات محفوظ الأخرى بالصدور، منها "الطريق
(1964)، الشحاذ (1965)، ثرثرة فوق النيل (1966). وعلى وفق
منظور طرابيشي أيضاً فإن رواية الطريق، في سبيل المثال،
بالمستطاع تفسيره "على مستويين: المستوى المباشر، الواقعي،
والمستوى اللامباشر، الرمزي. وعلى المستوى الأول لا تعدو
أن تكون قصة بحث عن أب، ولكنها على المستوى الثاني قصة بحث
عن الأب، أي الله".
بعد هزيمة حزيران 1967 اكتست كتابات محفوظ بشيء من الغموض،
حتى بدت لبعض القراء أشبه ما تكون بالألغاز والأحاجي..
يقول محفوظ "لو صح أن كتاباتي تحولت إلى ما يشبه الفوازير
والأحاجي بعد النكسة، فلربما كان تفسير ذلك أن حياتي ـ
وربما حياة الآخرين ـ تحولت إلى ما يشبه الفوازير والأحاجي
بعد النكسة".
آمن نجيب محفوظ بقيم العلم والمعرفة والديمقراطية طريقاً
وحيداً لتكون لنا مكانتنا في هذا العالم وكي نتجاوز سطوة
الهزيمة والتخلف والسقوط. كان محفوظ ليبرالياً في منظوره
السياسي، آخر أبناء جيل نحرت آماله الديماغوجية الثوروية،
والديكتاتورية التي رأى فيها أس المصائب والكوارث. فدعا
إلى تحرير الإنسان ليكون بمقدوره تحرير الوطن وبنائه.
أراد نجيب محفوظ للفصل الأخير من روايته الشخصية، مرويته
التي لم يكتبها بشكل مباشر، وانكب على كتابتها تورية ورمزاً
ومعادلاً موضوعياً في غضون ستة عقود، في الأقل، في كتبه
الخمسين، أقول، في هذا الفصل الأخير أعطى وصيته في أن يدخل
جثمانه جامع الحسين قبل دفنه، وهو الذي يعرف أن لا أحد
يجرؤ على نقض أو إغفال هذه الوصية. وفي هذا الدخول معنى
رمزي يمثل الذروة الدرامية لحياة ثرية مبدعة، معنى هو أولاً
تأكيد على الانتماء الصميم للمكان (قلب القاهرة المعزية)
ناهيك عما يلتم عليه من رعشة صوفية ونسغ روحي ورؤية وجودية
تشبعت بها كتاباته واستمدت منها حيويتها وقوتها. وهكذا بعد
أن أثرى الحياة الثقافية العربية قصاً ورواية وشبع منهما
كما قال قبل رحيله بمدة وجيزة فإنه اختتم رحلته الأدبية
بكتابة سردية أخيرة لخص فيها أحلامه عنونها بـ (أحلام فترة
النقاهة) وهذا يذكرنا بمحاولة العالم النفسي الشهير كارل
يونغ وهو يروي سيرته من خلال أحلامه في كتابه (ذكريات،
أحلام، وتأملات) بتحرير (أنيللا يافه)، مع الفارق في
المقصد والأسلوب.
أحسب أن كتّاب الرواية العرب، بعد رحيل نجيب محفوظ ينتابهم
نوع من الشعور باليتم، إنه الشعور بفقدان الأب، بكل ما
يخلّفه هذا الفقدان من أسى وضياع، وفراغ يولِّد الخوف، أو
بعبارة أخرى أن الروائي العربي وجد نفسه إزاء حرية فسيحة
أختطها وفتح آفاقها محفوظ تُحمِّل الروائي هذا مسؤولية
أكبر في إثراء فن الرواية الذي رأى فيه محفوظ منذ
الأربعينيات تمثيلاً لشعرية الدنيا الجديدة وهو ينحاز له
في مقابل الشعر الذي بقي العقاد يدافع عنه بعدِّه، على وفق
وجهة نظره، أعلى مقاماً ورتبة، حيث دخل الاثنان في معركة
خلافية على صفحات الصحف، آنذاك، حول هذه المسألة.
هناك من أطلق على نجيب محفوظ تسمية الهرم الثالث عشر،
وهناك من نعته بضمير مصر، وهناك من يقول، من غير أن يجانب
الصواب إلاّ قليلاً؛ إن الروائيين العرب خرجوا جميعاً من
تحت معطفه، كما خرج الروائيون الروس من تحت معطف غوغول،
لكن جنازته على الرغم من أنها كانت مهيبة، حيث لف جثمانه
بالعلم الوطني وحُمِّل على عربة مدفع تجرها الخيول، ومشى
خلفه كبار القوم يتقدمهم السيد رئيس جمهورية مصر، مع
اهتمام إعلامي، لا سيما المصري، لا بأس به، أقول؛ على
الرغم من هذا فإن عدد من رافقوا الجنازة لا يتعدى بضع مئات
من الأشخاص (عدد أعضاء اتحاد كتّاب مصر بضعة آلاف) على عكس
ما كنا نشاهده في جنازات الفنانين والمغنين حيث يصل عدد
المشاركين إلى بضع مئات الآلاف. ومثل هذه المقارنة لها
دلالتها الاجتماعية والثقافية تشير بوضوح إلى مدى تراجع
الثقافة الرصينة ومكانة فرسانها في مجتمعاتنا لصالح
الثقافة الاستهلاكية، وهذا لا يعني قطعاً الانتقاص من دور
الفن (الحقيقي وليس الرث) بأشكاله كافة في بناء المجتمع.
كم من الجيل
الحالي يعرفون نجيب محفوظ؟. كم منهم قرأ واحداً أو أكثر من
أعماله، حتى بعد حصوله على نوبل؟. أعتقد أن النسبة بائسة
بالقياس إلى الجيل السابق وطبيعة اهتماماته. وقد تحدثت
الأخبار عن زيادة كبيرة في عدد النسخ المطبوعة لأعماله بعد
تلك الجائزة، لكني لا أظن أن تلك النسخ صارت من ضمن
مقتنيات الشباب من الجيل الجديد، أو حظيت بالنوم تحت مخدات
الشابات.
هل لأن العالم تغير حتى بات لا يعنيه إبداع شخص مثل نجيب
محفوظ مهما كانت قيمته الفنية والفكرية، أم لأن نجيب
محفوظ، كما يقول شاكر النابلسي في مقال رثاء لمحفوظ، عاش
ومات في الجاهلية العربية؟!.
|
|
حرية المثقف.. سلطة الدولة
باسم
الانصار -
الدنمارك
من البديهي القول، ان الركيزة الأهم للابداع هي ركيزة أو
أشتراط الحرية. فمن دون هذه الركيزة يكون الابداع في كل
مستويات الابداع المعروفة، بالأخص المستوى الأدبي منه،
ناقصا ومجردا ومشوها أحيانا كثيرة. لذا كيف سيكون شكل
العلاقة بين المثقف ككائن أبداعي حر وبين الدولة كمؤسسة
ترتكز على السلطة ؟ فالمثقف من جهة يسعى الى الأنفلات من
كل أنواع السلطات للحفاظ على توهجه الجمالي والابداعي، ومن
جهة اخرى الدولة تسعى الى فرض كل انواع سلطاتها على
المجتمع بمن فيه المثقف لكي تضمن عملية استمرارها
وديمومتها لتنظيم امور المجتمع بكافة جوانبه.
وكل طرف من طرفي المعادلة ( المثقف والدولة ) يسعى بأتجاه
شرط ديمومته الذي لايود التنازل عنه لكي يضمن ديمومته كما
اشرنا ( الحرية / الشرط الاساس للمثقف ) و ( السلطة /
الشرط الاساس للدولة ). ومن المعروف أو من ضمن ماهو متوارث
في أذهاننا المكوَّنة في ظل ديكتاتوريات متعددة ومختلفة
مقيتة ان العلاقة بين السلطة والحرية علاقة عكسية إنْ لم
تكن علاقة متنافرة الى حد الصراع بينهما أوالنفي من قبل
احدهما للاخر. لذا كيف ستنشأ العلاقة بين أطراف لاتود
التنازل عن رمزها وسر ديمومتها في الحياة ؟
أظن انه وقبل أن نطرح أجابتنا أو تصورنا لخلق هذه العلاقة،
علينا ان نعيد قراءة مفهوم الحرية المنشودة لدى المثقف،
ومفهوم السلطة لدى الدولة. او بشكل اخر علينا قراءة صورة
المثقف في الحياة ودور الدولة في المجتمع. أظن ان الوصول
الى قراءة جديدة لهذه الامور ستحل الكثير من الاشكاليات
القائمة بين المثقف والدولة، وخصوصا اننا نتحدث عن علاقة
بين طرفين مكانهما الجغرافي الذي يجمعهما رضخ لديكتاتوريات
سياسية واجتماعية وثقافية مستبدة ومتكررة بشكل جعل الوعي
الجمعي لمجتمعاتنا يصعب ان يفرق بين الدولة والديكتاتورية،
او بين المثقف والرضوخ لرموز هذه الدولة الديكتاتورية.
والان ! وبعد الهزة الكبيرة التي اجتاحت المجتمع العراقي
بكل مفاصله بعد سقوط النظام الديكتاتوري الذي هيأ كل
الظروف والمناخات لبروز الظواهر السيئة اكثر من بروز
الظواهر الايجابية، وبعد ان هام في فضاء العراق هامش لابأس
به من الحرية السياسية، ولكن للاسف على حساب الحرية
الاجتماعية والثقافية للمثقف خصوصا، اظن بأنه علينا اعادة
قراءة مفاهيم الدولة والمثقف واعادة قراءة شكل العلاقة
بينهما كما اسلفت قبل قليل، بعقلية جديدة وذهنية مغايرة
تناسب الوضع الجديد الذي حل في العراق منذ ثلاث سنوات.
أرى ان دور الدولة يجب ان يكون راعيا وحاميا فقط للمثقف،
بعيدا عن اسقاط محمولها الايديولوجي أيا كان شكل هذا
المحمول عليه. وعلى المثقف ان يسعى بأتجاه الحفاظ على
استقلاليته وحريته بأقصى حدود السعي والاستطاعة، بعيدا عن
كل أشكال السلطات المحاط بها، سواء كان شكل السلطات سياسيا
او اجتماعيا او ثقافيا.
بمعنى اخر، على الدولة ان تمارس دورها الطبيعي والتقليدي
مع المثقف في حمايته من الشرائح الاجتماعية والسياسية
والثقافية التي تتعارض مع الطرح الجمالي والفكري له، أيا
كانت سلطتها او تأثيرها في المجتمع ومن دون ان تطالب
المثقف بأي مقابل لهذه الحماية او الرعاية ( كأن يكون هذا
الدور ترويجيا من قبل المثقف لايديولوجية الدولة او ماشابه
ذلك ) على اعتبار ان الدولة هي موظف لدى المجتمع وليس
العكس. فيجب ان تمارس الدولة دور الخادم للمجتمع ( وللمثقف
طبعا ) لا أن تمارس دور المتسلط والديكتاتور معه، على
اعتبار ان الخدمات المقدمة من قبل الدولة للمثقف هي جزء من
واجباتها الطبيعية تجاهه وجزء من حقوقه المشروعة التي يجب
ان يتمتع بها هو والمجتمع بأكمله.
اما بشأن المثقف، فأنني ارى ان عليه ان لايساير أية موجة
سياسية او اجتماعية تتعارض مع حريته واستقلاليته بحجة عدم
التعالي عليها او بحجة الخوف منها او بحجج أخرى مرضية كان
المثقف لأزمنة مختلفة في مجتمعاتنا يروج لها مع نفسه في
الاقل للحفاظ على مصالحه الحياتية اليومية فقط على حساب
رؤاه الجمالية ومواقفه الاخلاقية والمبدئية. على المثقف ان
لايقع بفخ المسايرة مع الظواهر المتعارضة مع حريته ايضا
لكي لايساهم في اعلاء صروح الطغاة، أيا كان شكل الطغاة
سواء كان شكلهم سياسيا او ثقافيا او اجتماعيا. على المثقف
ان يفكر بشئ واحد فقط لاغير، الا وهو طرح منجزه الجمالي
بحرية مطلقة وواعية. وأقصد بمطلقية حريته هي انفلاتها من
كل سلطة خارجية قد تمارس عليه، واقصد بوعيها هو الحفاظ على
سلطته الجمالية والفكرية والمعرفية الموجودة في دواخله
والحفاظ على دورها في انارة رؤاه وتصوراته عن الجمال وعن
المجتمع الذي يعيش فيه وعن كيفية تعامله مع الحدود التي
ترسمها الدولة والمجتمع معا له وللاطراف كافة. أي ان حرية
المثقف ستكون تلقائيا ومن دون اجبار من قبل الدولة عاملا
مهما ومساعدا لاستقرار الدولة وديموتها.
من هنا سينشأ كما أرى شكل علاقة جديدة بين الدولة وبين
المثقف. بحيث تكون سلطة الدولة اخلاقية وخدمية وليست سلطة
قمعية ومستبدة مع المثقف، وبالمقابل ستكون حرية المثقف
منارا جماليا واخلاقيا
ايجابيا للدولة من دون أتفاق مسبق بينهما ومن دون قصدية
الترويج لها.
|
|
بخلاء
الجاحظ العراقيون
فاضل
السلطاني
في اجتماع لرابطة الكتاب والصحفيين العراقيين في المنفى
منتصف الثمانينيات، دعا الراحل الجليل هادي العلوي إلى
تأسيس صندوق لدعم المثقف العراقي، وكان يعني بالدعم شيئاً
واحداً: توفير لقمة العيش، وسرير بائس ذي سقف، لمن يحتاج
إليهما وهم كثر.
كانت دمشق تغص حينذاك بعشرات المبدعين العراقيين، الذين
نزحوا إليها بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982،
لتكون منفاهم الثاني، قبل أن تتعدد "المنافي الاوروبية
السعيدة" لاحقاً.
ومقابل هؤلاء المثقفين الجائعين، كان هناك المحظوظون
أيضاً، كما في أي مجتمع، فالشتات العراقي شكل مجتمعاً
كاملاً، لكن بلا وطن، بطبقاته الدنيا والعليا.
لم تصل إلى صندوق هادي العلوي سوى ألف دولار تبرع بها شخص
واحد. لم نتفاجأ. فقد حذرنا الراحل مسبقاً من التفاؤل حين
أعلن أمام حشد كبير، ووسط استهجان كثيرين، أنه لا يتوقع
النجاح لصندوق الدعم هذا، لأن العراقي، بالرغم من كونه
اشتهر بكرمه الحاتمي، هو في الحقيقة من بخلاء الجاحظ.
العراقي" كريم" على رؤوس الأشهاد، كنوع من المباهاة
الاجتماعية، بسبب أصله العشائري، أو قل، على طريقة الجليل
الآخر علي الوردي، بسبب ازدواجيته، وبالتالي ليس كرمه
أصيلاً.
وسواء أكان هذا الاستنتاج صحيحاً أم لا، فإن المرء لا يملك
سوى التفكير فيه كلما مر بمواقف متشابهة هي أكثر من أن
تحصى للأسف. فاتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين، الذي تأسس
لاحقاً في لندن منتصف التسعينيات، وكان من أهدافه هذه
المرة دعم المثقف العراقي في الداخل زمن الحصار الداخلي
والخارجي الرهيب، لم يكن يملك حتى ثمن نشرة متواضعة، صدرت
مرة واحدة " بالدَين"، في مدينة اشتهرت بأثريائها
العراقيين.
وقبل أيام فقط، وجهنا نداء لإنقاذ ديوان الكوفة، نشرته عدة
صحف عربية، وكان موجهاً " لكل من تهمه الثقافة العراقية" ،
لكن لم يتحرك أحد. وديوان الكوفة، لمن لا يعرف، تأسس منذ
20عاماً، وأصبح بفضل مؤسسه المعماري العراقي محمد مكية،
صاحب مشروع جامعة الكوفة الذي أجهضه في المهد انقلاب 67
البعثي، ليس مركزاً ثقافياً فقط، وإنما ضمير ثقافي في
المنفى العراقي، أُختصر فيه العراق بعربه وأكراده، بمسلميه
ومسيحييه ويهوده وصابئته، بعلمانييه ومتدينيه، كما هو
العراق الحقيقي الذي عرفناه، وليس العراق المحصحص الذي
ننكره وينكرنا. لقد تجاور فيه الجواهري وغائب طعمة فرمان
وجواد سليم وبلند الحيدري وقتيبة الشيخ نوري وعلى جواد
الطاهر ومهدي المخزومي إلى جانب ساسون سوميخ وشمعون بلاص
وسمير النقاش وسامي زبيدة وسامي ميخائيل وعبدالله كوران
وشيركو بيكس، بالإضافة إلى عشرات المحاضرات عن التراث
العراقي، والتقاليد العريقة للثقافة العراقية، والمعارض
الفنية، في ذلك الوقت الذي كان فيه مركز صدام الثقافي في
العاصمة البريطانية يغدق الآلاف على بعض المثقفين العرب
والعراقيين لتمجيد قادسيته و ثقافة القتل والحرب
والعنصرية.
ديوان الكوفة مهدد بالغلق، إذا لم يكن قد أغلق الآن،
فصاحبه قد تعب بعد تسعين عاماً من الرسم والعمارة والحلم
بعراق جسده في اللوحة والبناء وفي الديوان، لكنه لم يره،
بعد، متجسداً في الأرض أمام عينيه، ولم تمتد، بعد، يد
عراقية لتنقذ ما يمكن إنقاذه في الأقل.
نعرف أنه نداء يائس، يعيدنا، مرة أخرى، إلى العلوي
وتوقعاته واستنتاجاته التي لا نريد أن نصدقها. ومع ذلك
ندعو من الله لو أن أحداً يدحضها ولو لمرة واحدة. |
|
|