|
وقائع
طاولة المدى المستديرة ..
تحديات
الحالة التضخمية في الاقتصاد العراقي
(الجزء الثالث)
بعد ان اكمل
الدكتور مظهر محمد صالح الخبير الاقتصادي المعروف والمدير
العام للبحوث والاحصاء في البنك المركزي العراقي تقديم
بحثه (الاتجاهات الراهنة للتضخم في العراق) تلاه الدكتور
ابراهيم الورد التدريسي في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة
بغداد ببحث تحت عنوان (التضخم الاقتصادي في العراق:
اسباباً واثاراً ومعالجات) لتبدأ بعدهما مرحلة التعقيبات
وسط حضور حشد كبير من الباحثين المتخصصين وجمع من
المصرفيين والمعنيين بمختلف التوجهات الاقتصادية..
تقدمت
الدكتورة هناء عبد الحسين الطائي الاستاذ المساعد في كلية
الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد بتعقيب تفصيلي على البحثين
الخاصين بالدكتورين مظهر والورد حيث جاء في مداخلتها:
مما لاشك فيه ان
التعامل مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي العراقي يكشف لنا
الكثير من الحقائق الواقعية والمتمثلة بشيوع مظاهر الفقر
والبطالة والاختلالات في مختلف الهياكل الاقتصادية
والاجتماعية فضلاً عن الارتفاعات الهائلة والمستمرة في
مختلف أنواع السلع والخدمات وبالاتجاه الذي ادى الى تفاقم
مشكلة التضخم بالرغم من كونها من المشكلات الاقتصادية
المعقدة التي باتت تثير اهتمام أفراد المجتمع (بدءاًً)
من المواطن العادي وصولاً الى واضعي السياسة الاقتصادية في
العراق.
ولا يغيب عن الاذهان ان مشكلة التضخم افرزتها جملة من
العوامل والمسببات الداخلية والخارجية التي لها علاقة
بالاقتصاد العراقي أو بحكم سياسة الانفتاح والتعامل مع
العالم الخارجي ولا مجال للخوض في تفاصيلها ولكن نحاول
التركيز على العديد من الامور المستمدة من الواقع العملي
وساهمت بشكل أو بآخر في تفاقم الفجوة التضخمية بين العرض
والطلب المحليين.
وبالرغم من اختلاف الظروف بين اوضاع العراق الآن عما كانت
عليه سابقاً الا ان عنف السوق وسلطته سيظلان يفعلان فعلهما
في الشرائح الفقيرة في المجتمع، والوضع في المرحلة
الانتقالية يتطلب ان يتقبل المجتمع وكذلك الدولة نوعاً من
النظام في السوق (جهاز الأسعار) وبما يسهم في خلق مواءمة
وتناغم بين أسعار منتجات يتم انتاجها من قبل القطاع العام
واسعار منتجات تنتج من قبل القطاع الخاص بحيث يؤمن حسن
الانتقال نحو نظام حر للاسعار.
ولكن بصورة تدريجية، لان الوضع الحالي لا يتحمل تحرير
الأسعار بشكلها المطلق أو تخفيض أسعار الخدمات بشكل مفاجئ
لان معدل الدخل القابل للتصرف للفرد العراقي لا يتحمل هذا
الاجراء، فضلاً عن انخفاض مستوى التوظيف من القطاعين العام
والخاص وبالتالي انخفاض مستوى الاجور لبعض الفئات ولاسيما
العاملين في القطاع العام لكن مع اتجاه انخفاض نسبة هؤلاء
بالنسبة لمجموع العاملين، حيث لايزيد عدد منتسبي القطاع
العام على (900) الف شخص بحسب تقديرات وزارة التخطيط.
بالإضافة الى ذلك الصعوبات المالية التي تواجهها الدولة
ولاسيما عجز الموازنة العامة للحكومة الذي بلغ عام 2006
حوالي (5571) مليار دينار ولكن مع ذلك لا تستطيع الدولة ان
تتخلى عن موضوع تأمين جزء من الحاجات الأساسية لافراد
المجتمع وبأسعار رمزية جداً، لذلك لجأت الى اتخاذ إجراءات
تمثلت بضرورة اعادة التوازن للموازنة المثقلة بالعجز
واعادة النظر بمكونات الموازنة المتمثلة بالنفقات
والايرادات وجعل السياسة الاقتصادية الاصلاحية تتوافق مع
متطلبات الاصلاح التي نادى بها صندوق النقد الدولي، كما ان
اصلاح الأسعار له منافع أخرى للاقتصاد العراقي ولكن
الاقدام عليه يتطلب مقدمات ضرورية ومن اهمها كيف يمكن
الحفاظ على القوة الشرائية كدخل المواطن العراقي وبشكل خاص
العوائل الفقيرة؟
وفي مقدمة الفقرات التي تمت اعادة النظر فيها ضمن الموازنة
العامة للحكومة الغاء الدعم الحكومي لاسعار المشتقات
النفطية الذي يمثل (8.1%) من الانفاق العام بما يشكله من
عبء على موازنة الدولة، وكذلك إلغاء جزء من الدعم لبعض
فقرات البطاقة التموينية لاسباب تتعلق بفساد الجهاز
الإداري فضلاً عن كونه هو الآخر موازنة الدولة حيث يشكل
الدعم (8.9%) من الانفاق العام.
ان القرار الاقتصادي الذي اتخذته الدولة برفع الدعم بشكل
تدريجي هو بمثابة خطوة شجاعة لتصحيح اخطاء الماضي، وكانت
له آثار ايجابية من خلال الدور الذي قامت به الحكومة في
اعالة الكثير من الاسر والعوائل العراقية الفقيرة حيث خصصت
الحكومة العراقية ضمن موازنة عام 2006 مبلغ (500) مليار
دينار كميزانية لتنفيذ شبكة الحماية الاجتماعية والمشكلة
بموجب قانون رقم 126 لسنة 1980 وتجاوز الآثار الجانبية
لعمليات الاصلاح الاقتصادي والمحافظة على القوة الشرائية
لفئات المجتمع المتضررة وتخصيص دفعات نقدية لأكثر من مليون
عائلة فقيرة وبواقع (50) خمسين الف دينار كحد أدنى و(120)
الف دينار كحد اعلى.
لذلك نرى ان رفع الدعم عن أسعار المشتقات النفطية وجزء من
فقرات البطاقة التموينية لم تكن اثار ايجابية فحسب وانما
كانت له اثار سلبية مباشرة وغير مباشرة ساهمت الى حد كبير
في تفاقم مشكلة التضخم من خلال الطلب المتزايد للعوائل
العراقية على المشتقات النفطية مقابل انخفاض حجم المعروض
منها بسبب تزايد عمليات التهريب الى خارج القطر، وضعف
الطاقة الانتاجية للمصافي العراقية فضلاً عن ظهور السوق
السوداء لمبيعات المشتقات النفطية وباسعار مضاعفة ساهمت في
تآكل الزيادة النسبية الحاصلة في مستويات الدخول لموظفي
الدولة وارتفاعات أخرى وبصورة غير مباشرة في أسعار السلع
والخدمات الاخرى.. علماً بان أصحاب الدخول المنخفضة
والمتوسطة يعتبرون من أكثر الفئات تضرراً بالارتفاعات
الحاصلة في مستوى الأسعار وكذلك الافراد العاطلين عن العمل
الذين يمثلون (7-8) ملايين مواطن عاطل، مما ادى الى تفاقم
مشكلة التضخم الى جانب الفقر الذي لا يقل عن (60%) .
بالاضافة الى حصول تراجع في مستوى النشاط الاقتصادي وتآكل
حقيقي في مستوى الناتج الإجمالي على المستوى القطاعي بسبب
وجود عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات وهذا سيؤدي
الى طلب متزايد على النقد الأجنبي لسد العجز وبالتالي
ارتفاع سعر العملة الأجنبية وانخفاض قيمة العملة للدولة،
بما ينعكس بدوره على الوضع المعيشي للمواطنين.
والملاحظ ان مجلس الوزراء اتخذ قبل ايام قلائل قراراً تضمن
تشكيل لجنة تقوم بدراسة جدول رواتب الموظفين من دوائر
ومؤسسات الدولة وبحث السبل الممكنة لتعديل هذه الرواتب في
ظل ارتفاع نسبة التضخم التي تصل الى حوالي 70% مما يؤدي
الى انخفاض القوة الشرائية للمواطن العراقي.
كما انه لابد للسياسات الضريبية والنقدية وسياسات أسعار
الصرف ان تضمن تفادي التضخم وتشوهات الأسعار الى حدها
الأدنى، حيث ان سياسة الصرف المتبعة في الاقتصاد العراقي
هي سياسة حرف ثابتة تجاه الدولار، الا انها لم تكن فعالة،
حيث لم يستطع البنك المركزي تثبيت الدينار تجاه الدولار
وانما قام باتباع أسلوب مزادات العملة لتحقيق الاستقرار في
سعر صرف الدينار عند سعر محدد يقارب سعر الصرف في السوق
الموازي.
الا ان هذه السياسة لا يمكن ان تتماشى مع الوضع الاقتصادي
على المدى المتوسط والطويل فهي تكون ناجحة على المدى
القصير فقط وبشكل نسبي يمكن ان تستمر في الاجل المتوسط
ولكن ستكلف السلطة النقدية مبالغ كبيرة وحجماً ضخماً من
الاحتياطات والعملات الأجنبية وبخاصة الدولار.
كما ان حرية التعامل والصرف الأجنبي متاحة في العراق بفعل
الانفتاح الاقتصادي واصبح تداول العملة حراً داخل العراق
وخارجه الا انه يخضع لعوامل العرض والطلب، وفي الختام ان
امامنا شوطاً طويلاً نقطعه في طريق التصحيح الاقتصادي
واعادة الهيكلية كي نسير نحو تحسين سعر الدينار العراقي
ورفع قيمته وبما يسهم في معالجة مشكلة التضخم التي يعاني
منها الاقتصاد العراقي.
تعقيب د. حسن نوري
الياسري
وعقب الدكتورة
الطائي الدكتور حسن نوري الياسري الأستاذ المساعد في كلية
الإدارة والاقتصاد بتعقيب ثان جاء فيه :
يؤكد الفكر الاقتصادي الكلاسيكي عدم قدرته على معالجة
مشكلتي التضخم النقدي والبطالة في آن واحد، ذلك ان الفكر
الكلاسيكي كان يؤمن بعضوية النشاط الاقتصادي وبان حركة
الاقتصاد القائمة على اطلاق قوى السوق تضمن تحقيق التوازن
الاقتصادي تلقائياً، المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد
العراقي اليوم هي مشكلة مركبة تتمثل بارتفاع معدلات
البطالة والتضخم في آن واحد وما يطلق عليه اصطلاحاً
بالتضخم الركودي.
ان مفتاح معالجة اشكالية التضخم والكساد انما تكمن في
رأينا في خلق طاقات انتاج اضافية لمعالجة حالة الركود
الاقتصادي الراهنة ومن جهة ثانية فان تحريك النشاط
الاقتصادي وخلق طاقات إنتاج جديدة عن طريق النشاط الخاص
يتطلب تفعيل مؤسسات اقتصاد السوق ويستلزم اولاً زيادة
الطلب على القوى العاملة الذي سيضمن تحقيق هدفين أساسيين
الأول هو خلق طلب فعال على السلع الاستهلاكية من جهة وطلب
فعال آخر على الإنتاج أو عوامل الإنتاج مما سيؤدي في
الحالتين الى تحفيز جمهور المستثمرين على الاستثمار في
قطاعات الإنتاج والخدمات.
ان الاقتصاد العراقي اقتصاد وحيد الجانب يعتمد على النفط
في تكوين دخله القومي وفي هذا الإطار فانه اقتصاد يفتقر
الى التماثلية بين الدخل القومي والناتج القومي حيث يولد
قطاع النفط 2/3 من الناتج المحلي الإجمالي في حين يستوعب
هذا القطاع 2% من عدد المشتغلين بالاقتصاد الوطني بينما
تساهم القطاعات السلعية "الصناعة والزراعة" بخمس الناتج
المحلي الإجمالي ولذلك فان الإنفاق المحلي لأي جزء من
الدخل المتولد من النفط ادى الى ممارسة ضغوط تصاعدية على
الأسعار وهنا تكمن أهمية تفعيل دور القطاع الخاص في النشاط
الاقتصادي لأنه أكثر كفاءة وديناميكية في استغلاله للموارد
الاقتصادية وفي الوقت نفسه تكون الضرائب التي يدفعها مصدراً
مهماً لايرادات الدولة.
ان الدولة غالباً ما تقوم بانفاق وارداتها من النفط في
مجالات غير إنتاجية وتتوسع في الاستخدام تحت ضغط الاهداف
السياسية والاجتماعية فتزداد البطالة المقنعة وتنخفض
الإنتاجية وترتفع الأسعار في الوقت نفسه .
الاقتصاد العراقي اليوم هو اقتصاد أزمة بكل معانيها وابرز
معالم هذه الأزمة ، أزمة الوقود وأزمة الطاقة الكهربائية
وانعكاساتها سلباً على ارتفاع تكاليف الإنتاج وبالتالي
ارتفاع الأسعار وتأثيراتها على الطاقة الإنتاجية فانخفضت
كمية السلع والخدمات، وفي ظل هذه الأزمة المركبة والمعقدة
نقترح ما يلي:
1- تخفيض الانفاق الحكومي غير المنتج لان هذا الانفاق الذي
لا تتمكن الحكومة من تغطيته بواسطة الضرائب هو الذي يكون
الفجوة التضخمية.
2- ربط الأجور بالإنتاجية الحدية بحيث لا تزيد علبها أي
انها لا تسمح بزيادة الأجور بنسبة اكبر من نسبة الزيادة في
الانتاج.
3- تخفيض الطلب الكلي عن طريق الضرائب المباشرة وزيادة
فاعلية الجهاز الضريبي.
4- الرقابة الحازمة على عرض النقد وتنظيم الطلب على النقد
بواسطة متابعة معدل التوسع النقدي.
|