|
البرازيل
: تجارب مختلفة وفنون تشكيلية (2-2
)
أمل بورتر
إن
رئيس القبيلة الذي سيكون يوما ما الروح الهائمة في الفضاء
تراقب أبناء العشيرة، بملابسه الغريبة التي تعود بالفكر
إلى عوالم الأسلاف والأرواح، نجده في الاحتفالات الطقسية
يجلس على كرسي قد أدخلت عليه بمرور الوقت التحويرات التي
يمكن أن ترضي المتلقي الآخر من دين مختلف ،فأصبحت القوائم
والمساند تحتضن زخارف محورة عن الطرز الأوربية، فهذا
التحوير البسيط يتيح للمتعبد بدين مختلف الشعور بالأمان
والألفة لأنها قريبة من التراث الذي تعود عليه، في حين نجد
أن تصوير فكرة صعود مريم العذراء إلى السماء قد تحور
واشتبكت التوظيفات في هذا الموضوع التشكيلي فلقد استعارت
الديانات القبيلية المحلية هذه الفكرة والتي لا تبعد أصلا
عن المفهوم السائد عندهم إلا أن الشخصية (الساحرة أو
المسحورة) التي تطير صاعدة إلى الفضاءات العليا ترتدي
وشاحا ازرق مثلما كانت تصور مريم العذراء في موروثات عصر
النهضة وما بعدها، في حين إن مريم العذراء التي تعود إلى
الفكر الكاثوليكي قد أصبحت زنجية وبشعر مجعد ترتدي ثوبا
احمر صارخا مزوقاً بالريش والفصوص اللماعة تحت وشاحها
الأزرق. هذا التماهي وهذه الاستعارات قربت القلوب من بعضها
بدون وعي وأصبح الآخر المختلف عن طريق الفن مألوفا ومقبولا
للإنسان العادي البسيط.
إن الغنى الثقافي - الفني الذي جلبه البعد الأفريقي
والأوربي خلال القرن السادس عشر والى نهاية القرن التاسع
عشر ممتزجا مع موجات الهجرة في نهاية القرن التاسع عشر
وبدايات القرن العشرين من ايطاليا وألمانيا و اليابان
وسوريا ولبنان واضح ومترسخ وكأن الإنسان البرازيلي قد
تقولب عليه وانصهر به وامتزج معه في ارهاصات متعددة أنتجت
فنونا متميزة بطابع خاص.
إن اغلب النتاجات ومنذ بداية القرن العشرين اتسمت بالحداثة
والبعد عن التقاليد الأوربية المورثة،وسارت مع الحداثة
العالمية مع الاحتفاظ بكل القواعد الفنية المتفق عليها،
إلا أن التجديد والتأثيرات المذكورة أعلاه تبرز واضحة جلية،
إلا أنها غير مقحمة على النص التشكيلي، فالمجال مفتوح رحب
لأفكار التجدد فالتأثيرات أبوابها مشرعة ونوافذها عديدة
منها الأبعاد الأوربية لمدارس عديدة والخصب الأفريقي
والتنوع القبلي بالإضافة إلى التأثيرات الدينية
المختلفة.هذا ولا يجب أن ننسى البيئة المتنوعة, التي جعلت
من استخدامات الألوان مجالا رحبا للتنافس معها. كما ان عدم
سيطرة فكر منهجي أو تراثي أو أيديولوجي واحد منح الفنان
مفردات جديدة يستند إليها، ومقومات تزيد من إنتاجه قوة،
فالتعددية بكل أبعادها كانت استثمارا غنيا للأفكار الفنية،
إذ لم تكن هناك دواع لاستخدامات رموز محددة تراثية أو
دينية في الأعمال الفنية، بل إن الفنان التشكيلي البرازيلي
تخطي هذه الحواجز" التي تتكرر في الكثير من أعمال الفنان
العراقي" ليصل هدفه بدون اقحامات لمفردات بدونها يشعر
بفقدان الهوية والانتماء.
ربما غنى الموروث العراقي (( الآثاري )) وأبعاده الدينية
الواحدة والسيطرة السياسية ذات بعد معين فرضت نفسها بقسوة
على نتاجات الفنان العراقي في حين أن الفنان البرازيلي
تنوعت واختلفت مصادره ولم تكن هناك سيطرة واضحة لتراث واحد
ودين وفكر سياسي واحد ليقحم على نتاجات الفنان البرازيلي.
كما ان الفنان البرازيلي،هنا أعود إلى فاطمة المحسن في
معرض إشارتها للواقع الثقافي العراقي ، لم يقيد نفسه
بالسلطة أبدا أو يبشر لها أو يسخط عليها فلقد عرف اللعبة
بان السلطة متغيرة دائما وان الأديان متعددة، لذا ارتبط
بمدلولات أرحب وأوسع وأصبح لا يعاني عطلا في تماسه مع
الحياة إذ بقي يمارس السياسة بذهن مفتوح ويؤمن لو شاء
الإيمان بدون ترهيب أو ترغيب متمسكا بقوة بحريته الفردية
وتماسه مع الحياة.
الإنسان البرازيلي يتباهى بأنه يعود لأرض البرازيل فلا
قومية واحدة مسيطرة متمركزة ولا دين واحد يفرض على الكل إن
كان ترغيبا أو ترهيبا وكذا بالنسبة للفكر السياسي، إذ
تتنوع التوجهات السياسية والفنان بقي مرتبطا بالواقع وعرف
أن تغير الأزمنة والأمكنة يجب أن يغنيه لا أن ينساق له،
فارتبط بالحياة بكل أبعادها وتذوقها بعمق ونشوة بعيدا عن
استلهامات محددة، لم يقحم تراث أو مفردات بقيت جامدة، بل
الفن عنده اكتسب صفة الحركة والتجدد المستمر، أغنى تجربته
بالإطلاع على نتاجات العالم ككل فاكتسبت نتاجاته نكهة خاصة
نابعة من عمق تجربة متفردة لا تجد التشابه والتكرار الرمزي
لمفردات تراثية في أعمال الفنانين بل هناك رحابة وأفكار
حميمية نمت بشكل عضوي مع تقدم أعمال الفنان واتساع خبرته.
التنوع الثقافي اغني تجربة الفنان فكانت هناك استخدامات
جريئة لتوظيفات دينية مختلفة، مثلا عمل الفنان (جريجوري
فنك) نجد الحوريات أو الملائكة في حالة طيران ،هنا يبدو
البعد الديني إن كان أفريقيا، قبليا أو كاثوليكيا إلا ان
الفنان لم يصبغ عمله بأي صبغة من هذه الاتجاهات بل أطلق
لخياله العنان وقدم عملا ناضجاً فنيا ومكتملاً من حيث ((الاستطيقا
))، فنجد الألوان التي نبعت من البيئة والوجوه تمتزج فيها
صفات أجناس مجتمعه لا هي افريقية أو أوربية أو تعود إلى
القبائل بل مزيج من كل هذا، الحركة بالنسبة للشخصية
الجالسة هي شرقية بحته تعود بنا إلى اليابان( صورة تأمل)
وعنوان اللوحة يجمع منحا دينيا تمارسه المعتقدات كافة.
رغم القهر والتسلط الذي مورس عادة بعد الاحتلال الأوربي
لهذه الأرض إلا إن الإنسان البرازيلي بقى إلى هذا اليوم
سهل العريكة لين الطبع يحب الراحة والمتعة والاسترخاء وما
تصحبها من مقومات فنية من موسيقى ورسم ونحت وتمثيل، تسير
في شوارع ساو باولو وتجد أكشاك بيع الصحف والمجلات بصورها
المتعددة سياسية كانت أم ترفيهية ونجد في الصفوف الأولى
عناوين لكتب مثل(( يوتوبيا توماس مور ))، المحاكمة كافكا،
النبي لجبران خليل جبران، ماركس وستالين وطاغور ولاو تسو
وهوشه منه وهتلر وتشرتشل وشكسبير وغونتر غراس وماركيز
ونجيب محفوظ ومارك توين وسارتر ودوت كيخوته وألف ليلة
وليلة ، كل هذه الأسماء والعناوين تجدها تتكرر في كل أكشاك
بيع الصحف وأسعارها زهيدة وتبتعد عدة خطوات لتجد صفاً
طويلاً من الناس بانتظار الحصول على بطاقة مجانية واحدة
للدخول إلى مسرحية صورة دوريان جراي لاوسكار وايلد، ومقابل
هذا الصف صف آخرللحصول على بطاقات مجانية لدخول (( متحف
الماسبي )) وهو المتحف الوطني للفنون.
ادخل المتحف لأجده قد دعا أعمال (ديجا) الفنان الانطباعي
الفرنسي ، اغلب أعمال ديجا معروضة هنا، المتحف علامة
معمارية من فترة الستينيات والسبعينيات حيث التجديد
والحرية في استخدام الفكر المعماري بكل أبعاده مع التركيز
على البساطة والحيوية والسهولة في الحركة والتطلع إلى
الأعمال الفنية، ولم يكفني يوم واحد للالتقاء بأعمال (ديجا)
فكان لابد من يوم آخر وادخل مجانا أيضا واجد صخباً من
الناس عائلات وأطفالاً وكبار السن فهذه الاحتفالية لا تفوت
المتتبع البرازيلي.
اجلس في مقهى للانترنت واجد أمير ناصر يعتب علي بلهجة أهل
الناصرية التي تروي العطش بكفوف اليد يقول لي:
شخبارج هل الأيام ماكو شنهي السالفة بعدين ليش متكاتبين (كل
الحبر لو كل الأنترنيت الشبكة هنا موزينه والرابط ينفتح
ابطلاع
الروح / أكتبي
لنا عن وضعك الصحي فدوة لعينج
. شنهو منستاهل توصلنه منج رسائل . أحاول يوميا
أتصل بالنقال وما أحصل الا في ساعة متأخرة وأكول خاف نايمة
لو مشغولة
تحياتي
من مدن التراب الى مدن الضباب
أمير
أرد على أمير ناصر" أنا في البرازيل أعيش تجربة غنية وقد
صادقت الببغاوات الثرثارات اللواتي يشاركن البشر أحاديثهن
بلغة لا افهمها ولعبت مع الفراشات، المتحف الأفريقي
البرازيلي أذهلني أين بيكاسو ومودلياني وبراك؟ رأيت عيسى
ابن مريم الحقيقي بوجهه الأسمر الغامق وانفه الاقني يعمد
الناس وهو يتبع يحيى المندائي، ومريم أمه بشعرها المجعد و
سحنتها الداكنة تعرفت عليها بسرعة وسهولة، إذ إنها ترتدي
زى كاهنات الامزون، تجربة تذهل ،المعارض لا حصر لها
المسارح نصفها مجانا لمن لا يستطيع الدفع، الرقص والموسيقى
والأكل اللبناني والياباني والأوربي والفنون التشكيلية في
الشوارع ، عوائل بأطفالها العشرة تنام وتأكل وتحب وتكره
وتتشاجر وتفرح في غرفة لا تتجاوز المترين هل أبوح لك بسر؟
استنجدت بكل آلهة الامزون والساحرات اللواتي يسحرن للأحبة
والأعداء لكي يزيل الغمائم من العراق وعدتني إحداهن
ببشرتها الصلبة القاسية وشعرها المجعد بأنها استطاعت أن
تجلب الأحبة من بقاع الأرض المختلفة وترسلهم لأحبتهم قلت
لها أريد إفراغ هذا البلد من الغمة استحضرت أدوات سحرها
الأسود في معبد(( الكتندومبولي)) ( يعني الرقص للآلهة)
وقالت لن يطول انتظارك إذ أن الغمائم ستمطر في بلد آخر
مطرا اسود دفعت لها أجورها لتشتري أعشاباً من مدينة باهيا
وديكا اسود من (( الريو دي جانيرو)) ودجاجة حمراء من ساو
باولو تتحدث بلسان الببغاوات وتلعب كرة القدم بمهارة
برازيلية فائقة ،وأكدت بأنها ستشارك ساحرات معبد ((اومباي
)) للسحر الأبيض لضمان المفعول انتظر يا أمير فالفرج قريب
لقد ذهبت العقلانية وطارت وتلاشت سريعا في الهواء.
وأقول لنعيم عبد مهلهل مكدونالد الأمريكي ينزوي خجلا في
أركان الشوارع في حين أن حبيب اللبناني أو الشامي يتباهى
بواجهته الكبيرة و مقاعد المطعم المليئة وقائمة طعامه التي
تتعدد ؛ التبولة والمتبل والفلافل ومحشي ورق العنب
والصفيحة البعلبكية والكبة والصف الطويل الذي ينتظر بصبر
دوره، وهنا أمجد العولمة ؟ وهل العولمة مبتدع الإنسان
العصري؟، لم ذهبت القوافل من بلاد النهرين خلال فترة
الأكديين والآشوريين إلى جبال سلطنة عمان ودولة مجان
واستخرجت المعادن من جبالها الوعرة الصعبة، والأثاث
الآشوري المصبوغ بصبغة مصرية فرعونية واضحة يا ترى أين
أنتج (( ليملا)) بيوت الآشوريين؟، هل من المعقول أن تكون
كل تلك الأحمال المصنوعة بدقة ورقة ورهافة من العاج قد
حملت على جمال لتسير اشهراً طويلة أم أن احدهم قد فكر
بإنتاجها في ارض بلاد النهرين الواسعة وجلب معه المادة
الأولية والعمالة من أفريقيا دعونا نفكر ونبحث.
جدتي ((البصراوية )) فريدة كانت تصف الإنسان القاسي بكلمة
( برتكيشي) بزيارتي للبرازيل عرفت معنى القسوة والقهر
والذل الذي عاناه الإنسان البرازيلي على يد البرتكيش.
إلا أن الإنسان البرازيلي لم يجد مكانا في قلبه للرد على
القسوة بمثلها بل بالتسامح والنظر إلى المستقبل والتفتح
على كل العوالم. |