المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ثقافة الاستنساخ .. ثقافة التأصيل

محمد درويش علي
كان الحصول على كتاب جديد يعد كسبا ولم يتم ذلك إلا من خلال الادباء العائدين من السفر، او الكتب التي ترسل عبر البريد، بعد فحصها وتدقيقها ومن ثم وصولها الينا نحن القراء!
كان ذلك قد وصل الى اوجه، في بداية التسعينيات، واستمر لاكثر من اثنتي عشرة سنة وربما اكثر. ازاء هذا التطور السلبي الخطر، كيف يمكن للمثقف ان يتواصل مع آخر المستجدات في الفكر والرواية والقصة والدراسات النقدية والتاريخية والاجتماعية، والشعر؟ لقد كانت معضلة في بادئ الامر، ولكن سرعان ما وجد الحل لها، وايجاد البديل الذي يعكس حالة تعطش المثقف العراقي، وتلهفه للحصول على كتاب جديد. وكان هذا ايضا يدلل على حب المثقف للتواصل مع الثقافة المعاصرة، وعدم السماح لثغرة تنمو وتتسع قياساً إلى زميله المثقف العراقي الذي كان يعيش في الخارج، او مع زميله المثقف العربي الذي كان متاحاً له، الاطلاع، وقراءة كل ما هو جديد،لانه كان يعيش في ظرف متباين مع ظرفنا الاجتماعي والسياسي، وبامكانه ان يغرف من مصادر كثيرة دون رقابة او خطوط حمراء!
لقد كان الاستنساخ البديل الذي لا بديل سواه، فعملت مكاتب الاستنساخ عملها وادامت التواصل، وردم الهوة ما بين المثقف العراقي وسواه من العراقيين في الخارج وكذلك العرب. فالكتاب الذي يحصل عليه (س) من المثقفين عن اي طريق، يدفع به الى مكتب صديق يثق به لاستنساخه، وبعد ذلك بيعه بسعر الكلفة او اكثر بقليل، تضامناً مع وضع المثقف انذاك، هذا اذا كان الكتاب يحمل دلالة فكرية معادية للوضع في تلك المرحلة، اما اذا ما كان عملاً ادبياً، فان استنساخه مباحاً ولا يشكل خطورة امنية على مستنسخه.
وهكذا تدفقت علينا كتب جاك دريدا، وروايات امين معلوف، ورواية اسم الوردة، ودواوين سعدي يوسف وعباس بيضون، وخطوات الكنغر، والعطر، وروايات كاداريه، واحلام مستغاتمي، وعبد الله العروي، ويوسا، وايزابيل اليندي وبانتظار البرابرة. وكتب الفائزين بجائزة نوبل سواء اكانوا روائيين ام شعراء!
ولم يتوقف الاستنساخ عند هذا الحد، بل بدأ باستثمار روايات وقصص واشعار العراقيين في الداخل، الذين كانت دار الشؤون الثقافية لها ملاحظات عليها. فصدرت روايات وقصص قصيرة وقصائد اثبتت تميزها وحضورها الفاعل في الساحة الثقافية، وبات تداولها شيئاً مألوفاً بين المثقفين الذين كانت تضج بهم مقاهي حسن عجمي والشابندر وشارع المتنبي وكافيتريا حوار، ونادي اتحاد الادباء، وكتبت دراسات ومقالات عن هذه الكتب ونشرت في بعض الصحف المحلية والعربية، حتى عد الاستنساخ ظاهرة لفتت انتباه الصحفيين والمثقفين العرب والاجانب الذين زاروا العراق، في تلك المرحلة التي افرزت ثقافة حقيقية وثقافة هشة لم ينتبه اليهما النقد بعد!
ابرز مكاتب الاستنساخ
تحولت مكاتب الاستنساخ في الباب المعظم، او معظمها، الى استنساخ الكتب، لما لها من اهمية وفائدة على المستوى الثقافي.
فكانت مكتبة الصديق الشاعر احمد الشيخ علي، لها الصدارة في هذا المكان، وكان بسبب علاقاته الواسعة بالمثقفين تصله كتب كثيرة لم نطلع عليها، ويبدأ باستنساخها ومن ثم بيعها الينا نقداً أو بالدين، دون ان يشعر بالضيق او بالحرج وكثيراً ما كان اصحاب الدين يختفون حتى ينسى احمد ما بذمتهم.
ادراج مكتبه كانت ملأى بالكتب المستنسخة او التي تنتظر دورها في الاستنساخ. قرأت شخصيا خطوات الكنغر لسعدي يوسف وروايات معلوف، والقارئ في الحكاية لايكو، وبعض الفصول من كتاب الجنس عند العرب، ورواية بابا سارتر للزميل علي بدر وعشرات الكتب الاخرى، من الكتب التي استنسخها، وبات مكتبه ملتقى لعشرات الادباء، ومن لديه كتاب يريد اهداءه لزميل آخر يضعه عند احمد الشيخ الذي كان اميناً في القيام بهذه المهمة التي كانت بسبب شعوره بأهمية الزمالة والصداقة.
وفي الوزيرية قرب مكتبة جامعة بغداد، وضمن سلسلة من مكاتب الاستنساخ، كانت مكتبة الراوي، فهذا المكتب لم يكن طبيعياً في عدد الكتب التي يضمها، فكنت تجد عنده عشرات الكتب المعدة للاستنساخ، ومن النادر جداً ان يعطيك الكتاب في لحظة سؤالك عنه، وانما كان عليك الانتظار لايام كي يقوم باستنساخه وكبسه وبالتالي بيعه اليك. المثقفون وطلاب الدراسات العليا كانوا يتوافدون عليه، وهو يقابلهم بادب جم، ويتعامل بما يليق وهذه الشريحة التي تسعى للحصول على ماهو جديد، ولا يسمح بأن يغادرها الزمن، دون ان يحصلوا على ضالتهم الفكرية منه.
اما الصديق الشاعر كريم شغيدل، ففتح هو الآخر مكتباً للاستنساخ وجاء بكتب مهمة يحتاج اليها القارئ والمثقف ومن ابرزها كتاب الشاعر فاضل العزاوي الروح الحية الذي احدث في حينه ضجة كبيرة لم يستمر الصديق كريم طويلاً في عمله هذا. وفي شارع المتنبي كان هنالك اكثر من مكتب لاستنساخ الكتب. وكان معنياً ايضا بالمناهج والدراسات والنصوص الابداعية الجديدة منها مكتب الاستنساخ الذي يديره الزميل علي عبد الهادي ومعه عدد آخر من الاصدقاء الذين كانوا يتواصلون مع عملية الاستنساخ لايصال احدث الكتب الى القارئ ولم يكتف بالاستنساخ حسب وانما كان يفرش عدداً من هذه الكتب يوم الجمعة في شارع المتنبي ويبيعها لنا نحن الذين كنا نتخلى عن قميص جديد مقابل كتاب جديد. وللزميل كاظم الحسن كان مكتب للاستنساخ هو وصديق له، ويختار الكتب التي يرى أنها مهمة للقارئ في تلك الفترة. فيما كانت للكتب العلمية المنهجية مكاتبها الخاصة التي تفننت في الاستنساخ حتى كان يصعب على القارئ التمييز بينها وبين الكتب الاصلية. لم تكن هذه المكاتب وحدها تقوم بعمل الاستنساخ وانما كانت هنالك العشرات من المكاتب المتوزعة، بين المناطق في بغداد، تستنسخ وتبيع. وبعض الباعة في شارع المتنبي كان يعمد الى طبع الكتب التي يحصل عليها ويستنسخها ومن ثم يقوم ببيعها دون ان يكون له مكتب خاص به.

ثقافة متأصلة
اذا ما كانت هنالك دلالة مهمة، لهذا الفعل الذي اقدم عليه المثقف العراقي، في تلك الفترة، فانها دلالة تؤكد حضوره برغم كل شيء، وتعمق لديه الشعور بالاستمرار في العملية الثقافية، والتفاعل مع آخر المستجدات التي من شأنها ادامة روح البقاء والصيرورة لديه.
لقد اكتشف ذاته وعبر المحنة، وكانت لقاءاته مع المثقفين العرب، لقاءات تكافؤ، ولم يكن ينطلق في حواره مع الآخر، من منطلق الضعف او الدونية. والحالة هذه كانت مثار اعجاب الكثير من المثقفين العرب، عبر المؤتمرات الثقافية سواء التي كانت تقام سابقاً ام الان! بسبب ان المثقف العراقي لم يكن سهلاً في الهيمنة عليه فكرياً.
ان الروح الصحيحة التي كان عليها المثقف العراقي ، مازالت باقية وهو يواجه يومياً عشرات التحديات التي تحاول اعاقة مشروعه الثقافي. فهنالك الكثير من الاعمال الابداعية التي ينتظر اصحابها النشر، والمشاريع المؤجلة، والقراءات المتواصلة التي من شأنها منحه بعداً ثقافياً كبيراً في هذه المرحلة وسواها من تاريخ بلادنا!.


مثقف يعلوه الغبار!

زياد مسعود

نشرت صحف العاصمة بالأمس تصريحا لمصدر في وزارة الثقافة العراقية قال فيه المتحدث ان الوزارة بصدد استحداث مكتب يرتبط بالوزير مباشرة ويعنى برعاية شؤون المثقفين بداً من تميزهم بتشريفات خاصة حتى متابعة المعاملات واحتياجات المثقف مع دوائر الوزارة مروراً بتنفيذ ورعاية المناسبات الاجتماعية.. الخ ثم جاءت في ناهية هذا التصريح عبارة تقول (وانه لا ديمقراطية بلا اعتبار خاص للمثقفين ولاثقافة سليمة وفيها مثقف يلعوه الغبار ويضيعه النسيان، ونحن نقول ان ذلك من ابسط واجبات وزارة الثقافة للمثقف الذي تسمى الوزارة باسرها باسمه دون ان يكون له من هذا الاسم سوى التسمية.
وانا اتمنى فعلاً ان يخص مثقفنا- لا المحسوبين على الثقافة برعاية طيبة وان تفتح له ابواب وزارة الثقافة ودوائرها وان يستطيع ايصال صوته بشكل صريح واوضح وان تلبي مطاليبه البسيطة التي لا تتعدى طبع كتاب كل عامين والمشاركة في فعاليات الوزارة داخل العراق وخارجه، لكني قبل كل ذلك اجد ان من الضروري رواية الحكاية التالية: "زعموا ان رجلاً في قرية من القرى خرج صباحاً من داره الى السوق ماراً بدكان رجل كريم العين فقال له "صباح الخير اعور" فقال له صاحب الدكان : من يحي الناس فعليه ان يحميهم بما اقول" لاحاجة لنا بعبارة مصدر وزارة الثقافة التي تقول (مثقف يعلوه الغبار) فالمثقف العراقي راية شامخة لا يعلوها غبار بل تعلوها كرامتها واحترام القراء لها، واذا كان مصدر الوزارة قد خانه التعبير فذلك ناتج عن سوء تقديره للمثقف الذي (يعتاش) هو من برامج وزارته التي لم تقدم حتى الآن للمثقف شيئاً سوى التمنيات والكلام الذي ارادته ف؟؟؟ فخان مصدرها التعبير.


البرازيل : تجارب مختلفة وفنون تشكيلية  (2-2 )

أمل بورتر

إن رئيس القبيلة الذي سيكون يوما ما الروح الهائمة في الفضاء تراقب أبناء العشيرة، بملابسه الغريبة التي تعود بالفكر إلى عوالم الأسلاف والأرواح، نجده في الاحتفالات الطقسية يجلس على كرسي قد أدخلت عليه بمرور الوقت التحويرات التي يمكن أن ترضي المتلقي الآخر من دين مختلف ،فأصبحت القوائم والمساند تحتضن زخارف محورة عن الطرز الأوربية، فهذا التحوير البسيط يتيح للمتعبد بدين مختلف الشعور بالأمان والألفة لأنها قريبة من التراث الذي تعود عليه، في حين نجد أن تصوير فكرة صعود مريم العذراء إلى السماء قد تحور واشتبكت التوظيفات في هذا الموضوع التشكيلي فلقد استعارت الديانات القبيلية المحلية هذه الفكرة والتي لا تبعد أصلا عن المفهوم السائد عندهم إلا أن الشخصية (الساحرة أو المسحورة) التي تطير صاعدة إلى الفضاءات العليا ترتدي وشاحا ازرق مثلما كانت تصور مريم العذراء في موروثات عصر النهضة وما بعدها، في حين إن مريم العذراء التي تعود إلى الفكر الكاثوليكي قد أصبحت زنجية وبشعر مجعد ترتدي ثوبا احمر صارخا مزوقاً بالريش والفصوص اللماعة تحت وشاحها الأزرق. هذا التماهي وهذه الاستعارات قربت القلوب من بعضها بدون وعي وأصبح الآخر المختلف عن طريق الفن مألوفا ومقبولا للإنسان العادي البسيط.
إن الغنى الثقافي - الفني الذي جلبه البعد الأفريقي والأوربي خلال القرن السادس عشر والى نهاية القرن التاسع عشر ممتزجا مع موجات الهجرة في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من ايطاليا وألمانيا و اليابان وسوريا ولبنان واضح ومترسخ وكأن الإنسان البرازيلي قد تقولب عليه وانصهر به وامتزج معه في ارهاصات متعددة أنتجت فنونا متميزة بطابع خاص.
إن اغلب النتاجات ومنذ بداية القرن العشرين اتسمت بالحداثة والبعد عن التقاليد الأوربية المورثة،وسارت مع الحداثة العالمية مع الاحتفاظ بكل القواعد الفنية المتفق عليها، إلا أن التجديد والتأثيرات المذكورة أعلاه تبرز واضحة جلية، إلا أنها غير مقحمة على النص التشكيلي، فالمجال مفتوح رحب لأفكار التجدد فالتأثيرات أبوابها مشرعة ونوافذها عديدة منها الأبعاد الأوربية لمدارس عديدة والخصب الأفريقي والتنوع القبلي بالإضافة إلى التأثيرات الدينية المختلفة.هذا ولا يجب أن ننسى البيئة المتنوعة, التي جعلت من استخدامات الألوان مجالا رحبا للتنافس معها. كما ان عدم سيطرة فكر منهجي أو تراثي أو أيديولوجي واحد منح الفنان مفردات جديدة يستند إليها، ومقومات تزيد من إنتاجه قوة، فالتعددية بكل أبعادها كانت استثمارا غنيا للأفكار الفنية، إذ لم تكن هناك دواع لاستخدامات رموز محددة تراثية أو دينية في الأعمال الفنية، بل إن الفنان التشكيلي البرازيلي تخطي هذه الحواجز" التي تتكرر في الكثير من أعمال الفنان العراقي" ليصل هدفه بدون اقحامات لمفردات بدونها يشعر بفقدان الهوية والانتماء.
ربما غنى الموروث العراقي (( الآثاري )) وأبعاده الدينية الواحدة والسيطرة السياسية ذات بعد معين فرضت نفسها بقسوة على نتاجات الفنان العراقي في حين أن الفنان البرازيلي تنوعت واختلفت مصادره ولم تكن هناك سيطرة واضحة لتراث واحد ودين وفكر سياسي واحد ليقحم على نتاجات الفنان البرازيلي. كما ان الفنان البرازيلي،هنا أعود إلى فاطمة المحسن في معرض إشارتها للواقع الثقافي العراقي ، لم يقيد نفسه بالسلطة أبدا أو يبشر لها أو يسخط عليها فلقد عرف اللعبة بان السلطة متغيرة دائما وان الأديان متعددة، لذا ارتبط بمدلولات أرحب وأوسع وأصبح لا يعاني عطلا في تماسه مع الحياة إذ بقي يمارس السياسة بذهن مفتوح ويؤمن لو شاء الإيمان بدون ترهيب أو ترغيب متمسكا بقوة بحريته الفردية وتماسه مع الحياة.
الإنسان البرازيلي يتباهى بأنه يعود لأرض البرازيل فلا قومية واحدة مسيطرة متمركزة ولا دين واحد يفرض على الكل إن كان ترغيبا أو ترهيبا وكذا بالنسبة للفكر السياسي، إذ تتنوع التوجهات السياسية والفنان بقي مرتبطا بالواقع وعرف أن تغير الأزمنة والأمكنة يجب أن يغنيه لا أن ينساق له، فارتبط بالحياة بكل أبعادها وتذوقها بعمق ونشوة بعيدا عن استلهامات محددة، لم يقحم تراث أو مفردات بقيت جامدة، بل الفن عنده اكتسب صفة الحركة والتجدد المستمر، أغنى تجربته بالإطلاع على نتاجات العالم ككل فاكتسبت نتاجاته نكهة خاصة نابعة من عمق تجربة متفردة لا تجد التشابه والتكرار الرمزي لمفردات تراثية في أعمال الفنانين بل هناك رحابة وأفكار حميمية نمت بشكل عضوي مع تقدم أعمال الفنان واتساع خبرته.
التنوع الثقافي اغني تجربة الفنان فكانت هناك استخدامات جريئة لتوظيفات دينية مختلفة، مثلا عمل الفنان (جريجوري فنك) نجد الحوريات أو الملائكة في حالة طيران ،هنا يبدو البعد الديني إن كان أفريقيا، قبليا أو كاثوليكيا إلا ان الفنان لم يصبغ عمله بأي صبغة من هذه الاتجاهات بل أطلق لخياله العنان وقدم عملا ناضجاً فنيا ومكتملاً من حيث ((الاستطيقا ))، فنجد الألوان التي نبعت من البيئة والوجوه تمتزج فيها صفات أجناس مجتمعه لا هي افريقية أو أوربية أو تعود إلى القبائل بل مزيج من كل هذا، الحركة بالنسبة للشخصية الجالسة هي شرقية بحته تعود بنا إلى اليابان( صورة تأمل) وعنوان اللوحة يجمع منحا دينيا تمارسه المعتقدات كافة.
رغم القهر والتسلط الذي مورس عادة بعد الاحتلال الأوربي لهذه الأرض إلا إن الإنسان البرازيلي بقى إلى هذا اليوم سهل العريكة لين الطبع يحب الراحة والمتعة والاسترخاء وما تصحبها من مقومات فنية من موسيقى ورسم ونحت وتمثيل، تسير في شوارع ساو باولو وتجد أكشاك بيع الصحف والمجلات بصورها المتعددة سياسية كانت أم ترفيهية ونجد في الصفوف الأولى عناوين لكتب مثل(( يوتوبيا توماس مور ))، المحاكمة كافكا، النبي لجبران خليل جبران، ماركس وستالين وطاغور ولاو تسو وهوشه منه وهتلر وتشرتشل وشكسبير وغونتر غراس وماركيز ونجيب محفوظ ومارك توين وسارتر ودوت كيخوته وألف ليلة وليلة ، كل هذه الأسماء والعناوين تجدها تتكرر في كل أكشاك بيع الصحف وأسعارها زهيدة وتبتعد عدة خطوات لتجد صفاً طويلاً من الناس بانتظار الحصول على بطاقة مجانية واحدة للدخول إلى مسرحية صورة دوريان جراي لاوسكار وايلد، ومقابل هذا الصف صف آخرللحصول على بطاقات مجانية لدخول (( متحف الماسبي )) وهو المتحف الوطني للفنون.
ادخل المتحف لأجده قد دعا أعمال (ديجا) الفنان الانطباعي الفرنسي ، اغلب أعمال ديجا معروضة هنا، المتحف علامة معمارية من فترة الستينيات والسبعينيات حيث التجديد والحرية في استخدام الفكر المعماري بكل أبعاده مع التركيز على البساطة والحيوية والسهولة في الحركة والتطلع إلى الأعمال الفنية، ولم يكفني يوم واحد للالتقاء بأعمال (ديجا) فكان لابد من يوم آخر وادخل مجانا أيضا واجد صخباً من الناس عائلات وأطفالاً وكبار السن فهذه الاحتفالية لا تفوت المتتبع البرازيلي.
اجلس في مقهى للانترنت واجد أمير ناصر يعتب علي بلهجة أهل الناصرية التي تروي العطش بكفوف اليد يقول لي:
شخبارج هل الأيام ماكو شنهي السالفة بعدين ليش متكاتبين (كل الحبر لو كل الأنترنيت الشبكة هنا موزينه والرابط ينفتح ابطلاع
الروح / أكتبي
لنا عن وضعك الصحي فدوة لعينج
. شنهو منستاهل توصلنه منج رسائل . أحاول يوميا
أتصل بالنقال وما أحصل الا في ساعة متأخرة وأكول خاف نايمة لو مشغولة
تحياتي
من مدن التراب الى مدن الضباب
أمير
أرد على أمير ناصر" أنا في البرازيل أعيش تجربة غنية وقد صادقت الببغاوات الثرثارات اللواتي يشاركن البشر أحاديثهن بلغة لا افهمها ولعبت مع الفراشات، المتحف الأفريقي البرازيلي أذهلني أين بيكاسو ومودلياني وبراك؟ رأيت عيسى ابن مريم الحقيقي بوجهه الأسمر الغامق وانفه الاقني يعمد الناس وهو يتبع يحيى المندائي، ومريم أمه بشعرها المجعد و سحنتها الداكنة تعرفت عليها بسرعة وسهولة، إذ إنها ترتدي زى كاهنات الامزون، تجربة تذهل ،المعارض لا حصر لها المسارح نصفها مجانا لمن لا يستطيع الدفع، الرقص والموسيقى والأكل اللبناني والياباني والأوربي والفنون التشكيلية في الشوارع ، عوائل بأطفالها العشرة تنام وتأكل وتحب وتكره وتتشاجر وتفرح في غرفة لا تتجاوز المترين هل أبوح لك بسر؟ استنجدت بكل آلهة الامزون والساحرات اللواتي يسحرن للأحبة والأعداء لكي يزيل الغمائم من العراق وعدتني إحداهن ببشرتها الصلبة القاسية وشعرها المجعد بأنها استطاعت أن تجلب الأحبة من بقاع الأرض المختلفة وترسلهم لأحبتهم قلت لها أريد إفراغ هذا البلد من الغمة استحضرت أدوات سحرها الأسود في معبد(( الكتندومبولي)) ( يعني الرقص للآلهة) وقالت لن يطول انتظارك إذ أن الغمائم ستمطر في بلد آخر مطرا اسود دفعت لها أجورها لتشتري أعشاباً من مدينة باهيا وديكا اسود من (( الريو دي جانيرو)) ودجاجة حمراء من ساو باولو تتحدث بلسان الببغاوات وتلعب كرة القدم بمهارة برازيلية فائقة ،وأكدت بأنها ستشارك ساحرات معبد ((اومباي )) للسحر الأبيض لضمان المفعول انتظر يا أمير فالفرج قريب لقد ذهبت العقلانية وطارت وتلاشت سريعا في الهواء.
وأقول لنعيم عبد مهلهل مكدونالد الأمريكي ينزوي خجلا في أركان الشوارع في حين أن حبيب اللبناني أو الشامي يتباهى بواجهته الكبيرة و مقاعد المطعم المليئة وقائمة طعامه التي تتعدد ؛ التبولة والمتبل والفلافل ومحشي ورق العنب والصفيحة البعلبكية والكبة والصف الطويل الذي ينتظر بصبر دوره، وهنا أمجد العولمة ؟ وهل العولمة مبتدع الإنسان العصري؟، لم ذهبت القوافل من بلاد النهرين خلال فترة الأكديين والآشوريين إلى جبال سلطنة عمان ودولة مجان واستخرجت المعادن من جبالها الوعرة الصعبة، والأثاث الآشوري المصبوغ بصبغة مصرية فرعونية واضحة يا ترى أين أنتج (( ليملا)) بيوت الآشوريين؟، هل من المعقول أن تكون كل تلك الأحمال المصنوعة بدقة ورقة ورهافة من العاج قد حملت على جمال لتسير اشهراً طويلة أم أن احدهم قد فكر بإنتاجها في ارض بلاد النهرين الواسعة وجلب معه المادة الأولية والعمالة من أفريقيا دعونا نفكر ونبحث.
جدتي ((البصراوية )) فريدة كانت تصف الإنسان القاسي بكلمة ( برتكيشي) بزيارتي للبرازيل عرفت معنى القسوة والقهر والذل الذي عاناه الإنسان البرازيلي على يد البرتكيش.
إلا أن الإنسان البرازيلي لم يجد مكانا في قلبه للرد على القسوة بمثلها بل بالتسامح والنظر إلى المستقبل والتفتح على كل العوالم.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة