|
وداعة السليمانية مطرزة على
مناديل الماء في دوكان
دوكان/ صافي الياسري
السليمانية مدينة الماء
والخضراء الوجوه الحسنة هنا يرتع الأمن والأمان وترتفع
وتيرة الاعمار السليمانية تفتح أحضانها لكل العوائل
العراقية القادمة من جميع ربوع العراق للاستراحة والإقامة
هدوء
ساحر وسكينة مفعمة بالإلهام والإيحاء الشاعري تلف الجبل
والوادي والسهل، والسموات والنسمات والمياه وهنا تطلع
النجوم بابهة واشراق لا يشبهه اشراق آخر في اية مدينة في
العالم، واتحداك هنا ان تفرق بين الفراشة والزهرة وبين عطر
الاشجار والعطر المنبعث من صخور جبل قنديل الذي يحتضن
المدينة هل شممت نرجس الجبل؟ وهل ارتويت من عيون وانهار
احمد أوه وسرجنار وسراو وسبحان أغا التي تمتد كشريان صحيح
الروح الى صدر كردستان.
على بعد 70 كيلو متراً عن المركز، تستذكر كاوه الحداد وهو
يلوح بمطرقته الحديدية الفذة ويطيح بالدهقان وينقذ شبان
البلد من مصاص دمائهم ويجلب اهم شمس فجر يوم جديد (نوروز)،
تمضي روحاً وجسداً هائماً بصوفية أخاذة وانت تتوحد
والطبيعة الأم الرؤوم وهي تمنحك البرد والسلام فلا تصطلي
بشمس ولا تلفعك حرارة تموز أو آب، بل ظلال الجوز واللوز
والكروم، حتى تتلفع مناديل الماء المطرزة بوداعة سهل
شهرزور حضن السليمانية الرحب، هنا حيث تستلقي بحيرة دوكان
مسترخية تداعب مياهها الانسام المخضلة ببرودة هانئة تطيل
العمر وتنفض الأحزان عن أوراق القلوب، وبحيرة دوكان التي
تم انشاؤها عام 1959 تبلغ مساحتها 270 كيلو متراً مربعاً،
وكانت تسكن الوادي الذي أنشئت عليه أكثر من 140 قرية
يقطنها احفاد كاوه البطل الكردي الاسطوري، ويعمل جميعهم
تقريباً بالزراعة. والزاب الصغير يجري في اراضيهم بثلاثة
روافد تشق طريقها من رتكيا وهي (زاروا وبه س ته س سين وكه
لا كارفين)، لتصب مشعة ومزغردة بامواهها في نهر الزاب الذي
يمضي واثق الخطوة في وادي دوكان وعند مسيره تستقبله مهللة
روافد عديدة واهبة الخصب والحياة والربيع الدائم لمن يسكن
على ضفاف زابها الثر النبيل، فعن يمينه يلتقيه نهرا خيري
مرجو وسرجاو وعن يساره ابتداءً من نقطة الشمال يصب فيه
بجلال ومرج رافدان هما كاني ميران وفيسروك ليكونا نهر بازي
اغا الشقيق الحميم لنهر الزاب، حيث يمشي مسرعاً جنب اخيه
الاكبر وقبل لقائه الأخير به عند نقطة التوحد بدعو اليه
رافدين اخرين هما (خدران وملا عمر) حتى تقترب المسافات
ويتوحد بازي اغا مع الزاب الذي يستمر بالمسير حتى ينسل
اليه رافد آخر يختم لقاء الأحبة هو نهر (كل نيري) في منطقة
قريبة من السد الذي انشئ في اضيق واعمق نقطة في وادي دوكان،
وقد استمر العمل في بنائه خمس سنوات ولاجله شيد معمل
سرجنار لتوفير الكميات اللازمة من الاسمنت، واختفى الزاب
في الوادي بمياهه وروافده وانتقل ابناء القرى الى الجبال
المحيطة به وهم يستعيدون ذكرياتهم الخالدة التي غمرتها
المياه ولكنه الخير العميم وسد الخير وبحيرة الخير، وحين
ارتفعت مناسيب المياه واكتملت الى الحد المقرر تكونت بحيرة
دوكان من قسمين، الأول المقابل للسد وتبلغ مساحته 48 كيلو
متراً مربعاً وعليها يقع منتجع دوكان السياحي ويفصلها خليج
طويل بالتواءات عديدة، ليرى الزائر بعدها القسم الاكبر من
البحيرة الذي يمتد الى قضاء قلعة دزه، وبحيرة دوكان متعددة
الاهداف فهي اولاً- احد مشاريع الري الاروائية المهمة حيث
تبلغ سعتها الخزنية 6.8 مليار متر مكعب، وثانياً انشئت
عليها محطة كهربائية لتوليد الطاقة الكهربائية، وثالثاً
كونها حوضاً مهماً لتربية الاسماك التي حرمت من البحوث
العلمية لدراسة حياتها وواقع معيشتها ونموها وتكاثرها
وظواهرها البايولوجية والفيزيائية بهدف تطويرها عدا ما قام
به الدكتور محمود الحامد عام 1966 من بحوث على بحيرة دوكان
ومنطقة سرجنار وقد انشأ آنذاك مركزاً لمتابعة واقع الثروة
السمكية في محافظة السليمانية حتى العام 1976 حيث قام
الدكتور احمد داود بدراسة تحت عنوان (العلاقة البايولوجية
لاسماك الكطان- الطول ، العمر، وعلاقته بوزن السمكة) التي
ناقشها كرسالة ماجستير في اكاديمية مونت بلير في فرنسا حيث
حددت في الدراسة ست محطات بحثية مختلفة الاعماق، درست
خلالها نسبة الأوكسجين وثاني اوكسيد الكاربون
والبيكاربونات وعنصرا الكالسيوم والمغنسيوم كما حددت نسبة
الهائمات النباتية والحيوانية واحياء القاع، وكانت النتائج
جيدة لنمو اسماك الكطان بخاصة والأسماك الاخرى عامة، كما
رقمت اعداد من الأسماك واطلقت الى البحيرة ثانية بعد اخذ
البيانات الخاصة بها.
دوكان.. هذه البحيرة السحرية الرقراقة كريستالية المياه
يلفها الهدوء ويأخذها صمت موسيقي غامض كأنها تسترق السمع
الى كل ما حولها من حجر وبشر وريح وطير وحيوان وكأنها تفهم
كل لغات الأمم والمخلوقات، وهي تستوعب الحرية من طبيعتها
قطرة قطرة وتثمل بها كل مساء وتغرد مويجاتها بأريجها كل
صباح.
كما على ضفافها تنطلق في أعماقها الحياة فتلهو أفواج
الشبوط والكطان والبز والكارب والتويني فضلاً عن الأسماك
الأنبوبية وجميع هذه الأنواع تصطاد بالشباك التي تسمى (الشباك
الطياره) اما الكبيرة منها فتصطاد بالشباك التي تصنع خصيصاً
لها، كأسماك البز وتسمى هذه الشباك (بشباك البرشوت) والصيد
في البحيرة للأسف عشوائي واغلب الشباك المستعملة غير
نظامية مثل (الدعيجي والثميني، والدودي) اما شباك السبعيني
النظامية، فهي قليلة الاستعمال بالنسبة الى الأنواع الاخرى،
والصيد في البحيرة بهذه الطريقة يعد صيداً جائراً ولا
يراعي أوضاع ونمو الأسماك وتكاثرها مما يسبب افقار البحيرة
وانخفاض إنتاجيتها التي ترى ان اغلب ضفافها حادة وصخرية
عدا منطقة رانية وجوار قورنه ذات المسافة الساحلية
الممزوجة بالحصى والرمال وهنا في هذه الضفاف يمكننا ملاحظة
اسماك الكارب اثناء تكاثرها.
ان بحيرة دوكان جديرة باهتمام الجهات المختصة وحكومة اقليم
كردستان لتطوير ثروتها السمكية وذلك بإنشاء معهد أو مركز
للبحوث السمكية يكون الأساس لدراسات أخرى في دوكان وباقي
مصادر المياه في السليمانية التي يمكن فيها اقامة مزارع
لتربية اسماك البلاد الباردة كأسماك (التروات) وبخاصة في
مناطق سرجنار واحمد آوه وسراوسبحان أغا وتعد هذه الأسماك
ذات قيمة غنائية عالية ومن الممكن تسويقها الى عموم
محافظات العراق بإحجام وأوزان معتدلة، وهي الى ذلك شهية
المذاق وتغني سلة الغذاء العراقية كما ان من الضروري اقامة
مركز للتلقيح الصناعي لرفد دوكان وغيرها من مصادر المياه
بانواع الأسماك المطلوبة وبالكميات الاقتصادية التي يوفرها
التلقيح الصناعي.
وفي منتجع دوكان السياحي تسمع اللغات العربية والكردية
والتركمانية والسريانية وكل اللغات واللهجات التي يتكلمها
اهل العراق من شماله الى جنوبه وكذلك هو الحال في شوارع
السليمانية التي يشرف على حركة سير العربات فيها جهاز مرور
صارم وعلى هذا فهي إضافة الى هندستها المنظمة ونظافتها
وحصولها الدائم على عناية بلدية المدينة ووضوح وجود
الخدمات فيها كالإنارة وازدهار الجزرات الوسطية بالأشجار
الظلية والأزهار والأعشاب النظرة والرسوم الجميلة على
الجدران الجانبية التي تعزل الشوارع عن المناطق السكنية في
بعض الجهات، وتدهشك هنا وتيرة الأعمار العالية الأمر الذي
دفع العديد من المقاولين ورجال الأعمال والأيدي العاملة
المتخصصة بحقل البناء الى القدوم الى المدينة من شتى
محافظات العراق ولهذا فأنت تسمع في الشارع والسوق والفندق
والمسجد وفي المطاعم والمقاهي اللغات العربية والكردية
والتركمانية فالسليمانية مدينة تحتضن العراق كله والشكوى
الوحيدة التي تتكرر هنا هي غلاء أسعار إيجارات البيوت
والفنادق والسلع، ويعلق البعض على ذلك بمرح، ذلك من حق
السليمانية فهي مدينة أوروبية وان تكلمت لغات مختلفة.
|