|
الأستاذ
الجامعي وقلق الدفاع عن ثقافة الحياة
-
أكثر من (300) أستاذ عراقي اغتيلوا، و(3000) هاجروا
-
قلق الموت ظاهرة منتشرة في الوسط الأكاديمي
-
(91%) يخشون ميتة مؤلمة
-
(66%) يلاحقهم هاجس التعرض للقتل في أية لحظة؟!
بغداد/
المدى
ببصيرة
يقطر منها الأمل، كتب الفيلسوف "سبينوزا" (1632-1677)م:
(الإنسان الحر لا يفكر بالموت إلا أقل القليل، لأن حكمته
هي تأمل الحياة لا الموت).
ولكن ماذا لو كان الموت هو الذي يفكر بالإنسان الحر دونما
توقف...يلاحقه في شوارع المدينة، ويترصده في الزقاق إلى
بيته، ويتجلى له حتى في منامه وفي أعمق هواجسه مع ذاته حين
يكون قابعاً خلف جدران حجرته يفتش عن أي معنى للحياة؟!
ماذا لو أن شعباً بأكمله يقف في (طابور) نهايته غير
منظورة، وبدايته مقصلة تصعد وتهبط بالتحالف مع ذبذبات
بندول الزمن
وهل هي مفارقة كونية أو ضرورة
سيكو–تاريخية أن "قلق الموت" لدى العراقيين ارتبط لديهم
منذ البدء ب"قلق الخلود" وبالبحث التراجيدي عن تفسير متسق
لعبث الوجود والفناء؟! فعندما اكتشف "جلجامش" الذي ثلثاه
إله وثلثه انسان أن الموت مكتوب عليه كما كتب على صديقه
"انكيدو"، أنشد حزيناً:
(لقد أفزعني الموت حتى همتُ على وجهي
إذا متُ، أفلا يكون مصيري مثل "انكيدو"
وإلى "أتونابشتم" أخذتُ طريقي وحثثتُ الخطى
لأسأله عن لغز الحياة والموت!)
سيكولوجية الموت
بعيداً عن ماهية الموت، وجذره الديني أوالفلسفي، وعما إذا
كان فناءً أم وجهاً آخر لحياة أخرى، يتناول علم النفس
الحديث مفهوم الموت على أنه (كف تام للوعي أو الشعور،
وتوقف المخ عن أداء دور المايسترو في قيادة العمليات
الحركية والحسية الدنيا، والوظائف العقلية العليا)، دارساً
بوسائله السريرية والميدانية استجابات الأشخاص الذين فقدوا
عائلاً أو عزيزاً، والتي تتفاوت من الحزن والحداد إلى
الاكتئاب والانتحار، وما يصاحب هذه الاستجابات من مظاهر
انفعالية وحركية، وانعكاساتها على الصحة النفسية والجسمية
والمهنية بوجه عام، ومساعدتهم للتغلب على أحزانهم والتكيف
مع ظروفهم الجديدة.
كما يهتم علم النفس بدراسة انفعالات الناس ومشاعرهم
واتجاهاتهم السلبية نحو مفهوم الموت، والتي تكوّن
باجتماعها ما ندعوه ب(قلق الموت)
Death Anxiety، والذي عرّفه
"ديكستاين" Dickstein
بالقول: (إنه التأمل الشعوري في حقيقة الموت، والتقدير
السلبي لهذه الحقيقة).
وذهب بعض النفسانيين أبعد من ذلك، إذ وجدت "ميلاني كلاين"
أن الخوف من الموت هو أصل كل القلق الذي يصيب المرء في
حياته، وأساس كل الأفكاروالتصرفات العدائية المشاكسة لدى
البشر. وكتب "فرويد" (1856 – 1939)م في أحد أبحاثه عن
الموت والحرب: (لايمكن تصور موتنا بالحقيقة، وإن تصورناه
فإننا نعمل ذلك كأحياء متفرجين. لذلك فمدرسة التحليل
النفسي تؤكد وتعتقد أن في قرارة الانسان "اللاشعورية"
اقتناعاً بالخلود).
يتألف "قلق الموت" من ثلاثة أبعاد، هي: الخوف من الاحتضار،
والخوف مما سيحدث بعد الموت، والخوف من توقف الحياة. كما
يمكن تمييز أربعة جوانب فيه، هي: الخوف من موت الذات، ومن
احتضار الذات، ومن موت الآخرين، ومن احتضار الآخرين.
وبرؤية مقاربة، أمكن استخراج أربعة عوامل مستقلة لقلق
الموت، هي: الخوف من المجهول، ومن المعاناة، ومن الوحدة،
ومن التلاشي الشخصي.
قلق الموت عراقياً
إن هذه الأبعاد والجوانب والعوامل المكونة لسيكولوجية قلق
الموت، أصبحت اليوم الظاهرة الأكثر حضوراً وهيمنة في
الواقع العراقي، بل يمكن القول أن أغلب مفردات الحياة
اليومية قد حُرّفت وشوهت لتتوافق في مضمونها البيولوجي
والاجتماعي والنفسي مع "أحقية" الموت وسلطانه الشامل، إذ
توصل الفرد العراقي بجميع فئاته وانتماءاته إلى اقتناع
متين بأن الهدف الأغلى أصبح(عدم الموت) فحسب بدلاً من
(الحياة)؛ مع ادراكه الدقيق أن المقصود بالموت هو الاغتيال
والتفجير ورشقات الرصاص التائهة!
وتتصدر فئة المثقفين والتكنوقراط قائمة هؤلاء الباحثين عن
"عدم الموت"، إلا أنه من العسير الحصول على أرقام دقيقة،
غير أن الوقائع والدراسات توحي بأن الأطباء والأكاديميين
عرضة للخطر بوجه خاص. ففي تقرير لمنظمة (هيومان رايتس
ووتش) صدر في تشرين الثاني 2005، أوضح بعض الأكاديميين
العراقيين أن هذه الهجمات هي وسيلة للقضاء على النخبة
المثقفة في العراق؛ إذ يقول نائب رئيس احدى الجامعات
العراقية: (إن الضحايا يغطون طيفاً واسعاً من الاهتمامات
البحثية، والتوجهات السياسية المختلفة، والعقائد الدينية
المتباينة؛ والقاسم المشترك الوحيد بينهم هو نبوغهم؛
وأعتقد أن هناك خطة لتجريد العراق من عموده الفقري
العلمي).
فطبقاً لإحصائية أعلنتها وزارة الصحة العراقية، أودت
الأوضاع الأمنية المتدهورة منذ نيسان 2003م وحتى حزيران
2006م بحياة (720) طبيباً وملاكاً صحياً، فيما قدرت
احصاءات أخرى غير رسمية عدد الذين هاجروا هرباً من القتل
والاختطاف بحدود ألفي طبيب.
ووفقاً لدراسة سابقة قامت بها وزارة الصحة العراقية،
وانتهت منها في نيسان 2005، فإن الجماعات المسلحة اختطفت
ما يتراوح بين (160) و(300) طبيب عراقي منذ نيسان 2003،
وقتلت أكثر من (25). وقد فر نحو (1000) طبيب من البلاد،
حسبما جاء في الدراسة، ويتبعهم نحو (30) آخرين في المتوسط
كل شهر.
وفي تصريح، أعلن رئيس رابطة التدريسيين الجامعيين في
العراق أن عدد الذين تم اغتيالهم من التدريسيين الجامعيين
حتى صيف 2006م، وصل إلى (172)، بينما بلغ من هاجر منهم
(3000)، أما اذا شملنا الاستشاريين والمحاضرين فان العدد
يتجاوز (300) قتيل، وهذا لايشمل الاطباء الاستشاريين
والمهندسين وأئمة المساجد الحاصلين على الشهادات العليا.
وفي دراسة أعدها الطبيب الاستشاري العراقي (إسماعيل
الجليلي)، وعُرضت في (المؤتمر الدولي حول اغتيال
الأكاديميين العراقيين)، الذي عُقد في العاصمة الإسبانية
مدريد في نيسان 2006م، أوضحت التحليلات الاحصائية أن (80%)
من عمليات الاغتيال استهدفت العاملين في الجامعات، ويحمل
أكثر من نصف القتلى لقب أستاذ وأستاذ مساعد، وأكثر من نصف
الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد، تلتها البصرة، ثم الموصل،
والجامعة المستنصرية. و(62%) من العلماء المغتالين يحملون
شهادات الدكتوراه، وثلثهم مختص بالعلوم والطب، و(17%) منهم
أطباء ممارسون، وقد قتل ثلاثة أرباع العلماء، الذين تعرضوا
لمحاولات الاغتيال. هذا القتل "المضبوط" يؤكد قناعة
الدكتور الجليلي، أن عمليات الاغتيال والاختطاف تتبع النمط
المعروف باسم "مجزرة السلفادور"، وهي في الواقع سلسلة
مجازر أشرفت على تنفيذها وكالة المخابرات المركزية
الأميركية في بلدان عدة في أميركا اللاتينية.
إن هذه المعطيات والاحصاءات (ومن دون الخوض في أبعادها
السياسية والأمنية)، تقدم مؤشراً أولياً على حجم الآثار
النفسية المدمرة التي قد يتركها قلق أساتذة الجامعة
العراقيين من احتمالات الخطف والقتل. فقد كشفت دراسات
أجريت في مجتمعات شرقية وغربية مستقرة نوعاً ما، أن قلق
الموت يتناسب طردياً مع الاكتئاب، والانطواء الاجتماعي،
وسهولة التأثر بالمشاعر، والتوتر، والأعراض العصابية،
والأعراض الذهانية؛ وإنه يتناسب عكسياً مع الثقة بالنفس،
والمهارات الاجتماعية، والانبساط، وقوة التحمل، وتوقير
الذات، وتحقيق الذات، والاتجاهات الموجبة نحو الذات، وقوة
الأنا، والاحساس بالغاية من الحياة. كما أشارت دراسات أخرى
إلى أن ازدياد ذكاء الفرد يقلل من خوفه من الموت، وإن خوف
الطبقة الوسطى من آلام الاحتضار أكثر من خوف الطبقات
الدنيا والعليا منه، وإن الخوف من الموت يتناقص نتيجة
التعرض لمستويات أعلى من التعليم، وإن النساء أكثر قلقاً
حيال الموت من الرجال. إلا أنه لا يوجد اتفاق بين نتائج
الدراسات حول طبيعة العلاقة بين قلق الموت وكل من التدين
والعمر.
وللإسهام الريادي بتقصي المسارات النفسية التي يمكن لقلق
الموت أن يسلكها في الشخصية العراقية المثقفة، قام فريق
بحثي من الجمعية النفسية العراقية، بتصميم مقياس لقلق
الموت مكون من (15) فقرة، تتم الاجابة عليه بخمسة بدائل
تتراوح بين "موافق جداً" و"غير موافق اطلاقاً"، وتطبيقه
على عينة من أساتذة جامعتي بغداد والمستنصرية، ذكوراً
وإناثاُ، من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه، ومن مختلف
الفئات العمرية والرتب العلمية (أستاذ، أستاذ مساعد، مدرس،
مدرس مساعد). وقد تمخض التحليل الاحصائي للنتائج عما يأتي:
* إن عينة الأساتذة تعاني قلق الموت.
* إن الإناث أكثر معاناة لقلق الموت من الذكور.
* لا يوجد ارتباط بين قلق الموت والرتبة العلمية، بمعنى أن
قلق الموت يرتفع وينخفض بمعزل عن الرتبة العلمية للأستاذ
الجامعي.
* لا يوجد ارتباط بين قلق الموت والفئة العمرية، بمعنى أن
قلق الموت يرتفع وينخفض بمعزل عن عمر الأستاذ الجامعي.
أما نسب موافقة الأساتذة على فقرات المقياس، فتحددت
بالآتي:
* أخشى أن أموت ميتة مؤلمة. (91%)
* أفكر في موت الأحباء. (81%)
* أخشى التدهور الجسدي الذي يصاحب الموت البطيء. (72%)
* يقلقني أن يكون الاحتضار مؤلماً جداً. (69%)
* يرعبني منظر جسد ميت. (66%)
* أشعر أن الموت في كل مكان. (66%)
* يلاحقني هاجس أن أتعرض للقتل في أي لحظة. (66%)
* أفكر في موتي الشخصي. (53%)
* أفضل أن أتجنب صديقاً يحتضر. (53%)
* أود تجنب الموت مهما كلفني الأمر. (50%)
* أفكر في الموت قبل ذهابي إلى النوم مباشرة. (47%)
* الموت أفضل من حياة مؤلمة. (38%)
* أشعر بانني أقرب إلى الموت مني إلى الحياة. (31%)
* أخاف بشدة أن أموت. (31%)
* ترعبني فكرة تفسخ الجسد بعد الموت. (28%)
استنتاجات
إن نظرة استقرائية لمجمل هذه النتائج، وأخرى انتقائية لبعض
النتائج، ستقودانا إلى الآتي:
* إن "قلق الموت" ظاهرة منتشرة لدى هذه العينة من أساتذة
الجامعة العراقيين، إذ لا يقترن هذا القلق بعمر معين أو
رتبة علمية معينة، مما يدل على تأثيره المنتشر لديهم. أما
النساء فأبدين قلقاً حيال الموت أكثر من الرجال، وهي نتيجة
متسقة مع الأدبيات النفسية السابقة التي فسرت ذلك بالقول
أن المرأة عموماً تشعر بأمان أقل، ومن ثم يكون قلقها من
الموت أعلى، كما إن توقعات الأدوار الجندرية تتطلب في
العادة من الذكور أن يكونوا "شجعاناً" لا يظهرون خوفاً أو
قلقاُ بهذا الصدد، فضلاً عن إن قلق النساء المرتفع لا
يتعلق فقط بموتهن شخصياً بل بموت أزواجهن أيضاً.
* تصدّر الخوف من (ميتة مؤلمة) اهتمامات أفراد العينة،
وتبعه القلق من (موت الأحباء). وتؤشر هاتان الفكرتان مستوى
الاحتراق النفسي والشعورالحاد بالتهديد اللذين يعانيهما
الأستاذ الجامعي العراقي في رحلته اليومية بين بيته وقاعة
المحاضرة.
* إن ثلثي أفراد العينة فأكثر، يساورهم القلق من ميتة
مؤلمة، ومن منظرجسد ميت،إلى جانب أفكار اقتحامية بأن الموت
يحيط بهم في كل مكان وإنهم معرضون للقتل في أي لحظة. وقد
تعني هذه التوصيفات أن عناصر وسواسية وأخرى اضطهادية بدأت
تتغلغل في تفكير الأستاذ الجامعي.
* تمحورت الأفكار (الفقرات) التي حازت تأييداً تراوح ما
بين نصف أفراد العينة إلى ربعهم فقط، حول تجنب الموت،
والتفكير به، والخوف منه، ومدى قرب الفرد منه، مما يعكس
لامبالاة نسبية نحو المفهوم التقليدي للموت إذا ما طرح
مجرداً من الألم والتهديد بالقتل.
* * *
إن المهمة الجوهرية التي تضطلع بها الشخصية الأكاديمية، هي
صنع الحياة بأسمى غاياتها، ابتداء من المحاضرة الجامعية،
ومروراً بالبحث العلمي النظري أو المختبري أو الميداني،
ووصولاً إلى رص الحقائق الخالدة في مكتبة العقل البشري.
فهل يمكن لدافع صنع الحياة هذا في النفس البشرية، أن
يتعايش مع قلقها العميق والموضوعي من الاغتيال وآلام
الموت؟!
يبرهن الواقع العراقي كل يوم على أن قلق الموت لدى
أكاديميي الجامعات العراقية لم يشكل عائقاً أمام وعيهم
الحضاري العميق بأن استماتتهم في الدفاع عن ثقافة الحياة،
هو الوسيلة الوحيدة الناجعة على المدى البعيد، لنزع أنياب
الموت الغادر، ورد الاعتبار لمفهوم "الخلود" بديلاً من كل
ثقافات التغييب والإفناء!
|