|
التضخم الاقتصادي في العراق
أسباباً وآثاراً ومعالجات
الدكتور ابراهيم موسى
الورد
جامعة بغداد / كلية الأداره والاقتصاد
العراق بلد الموارد والخيرات، ارض السواد، بلاد الرافدين
ذلك التاريخ الممتد في اعماق الزمن رخاءً وتطوراً
واستمراراً. واجه اقتصاده ولايزال عدداً من المشكلات
الاقتصادية لعل ابرزها بل واعمها، التضخم الاقتصادي الذي
شكل موجات متتالية منذ ثلاثة عقود، تزايدت وتائر نموها في
عقد التسعينيات من القرن الماضي ومازالت إلى الان تشكل
تحدياً كبيراً على مستوى سياسات الاقتصاد الكلي وعلى مستوى
السياسات الجزئية
عجز
مستمر في الموازنة العامة، توزيع الايرادات العامة على
بنود الانفاق بشكل لا يخدم عملية التنمية الاقتصادية بحيث
ان بنود الانفاق التجاري تستحوذ على مجمل ايرادات الموازنة،
انخفاض في قيمة العملة العراقية وتدهور سعر صرفها. ولعل من
ابرز اثار التضخم هو ذلك التوزيع غير العادل للثروة حيث
تجاوزت نسبة فائض العمليات عام 1998 اكثر من (90%) من
الدخل القومي في حين حققت نسبة تعويضات المشتغلين اقل من
(10%) من ذلك الدخل، فاذا اضيف إلى ذلك التشوه الكبير في
هيكل الاسعار ومن ثم تعطل مؤشر الجدوى الاقتصادية (بمعنى
ان الاسعار لاتعكس الكلفة الحقيقية)، لادركنا كيف انعكس كل
ذلك على المستوى المعاشي للمواطن فتدهور الدخل الحقيقي له
حتى ان نسبة من هم عند خط الفقر المطلق اصبحوا يشكلون الان
اكثر من (40%) من سكان العراق.
ان الظاهرة التضخمية الراهنة جاءت تحت تاثير متزايد في
تقلب اوضاع القطاع الحقيقي في الاقتصاد الكلي بدءاً من عام
1980 وحتى الان وعدم قدرة هذا القطاع بكل مكوناته على
الاستجابة إلى ضغوط الطلب الكلي بما في ذلك المؤشرات
العالية التي بلغتها مستويات الانفاق الجاري في الموازنة
العامة للدولة كما اشرنا سابقاً.
التضخم هو (ارتفاع معدل الأسعار، أي انخفاض قيمة الوحدة
النقدية) أو هو (الارتفاع المستمر في الأسعار وليس مجرد
أسعار مرتفعة) وقد اشار كينز إلى أن (التضخم الصحيح هو
الوضع الذي لا تؤدي فيه أية زيادة إضافية في مجموع الطلب
إلى زيادة إضافية في الإنتاج). وقد تنوعت مصادر التضخم
بحسب النظريات التي فسرته حيث ان التفسير النقدي للتضخم
يرجع كل حالات (عدم الاستقرار) وارتفاع الأسعار إلى زيادة
في كمية النقود، أي إن التضخم هو ظاهرة نقودية صافية تتأصل
وتستديم بواسطة السياسات النقدية والمالية المتوسعة (التمويل
بالعجز والتوسع الائتماني والتوسع في عمليات سعر الصرف من
قبل المصارف المركزية).
وهكذا، من وجهة النظر هذه فأن السيطرة على التضخم تتطلب
شرطاً ضرورياً وكافياً هو السيطرة على عرض النقود، كأن
ينمو عرض النقود بمعدل يتسق مع نمو الطلب على النقود وعند
أسعار مستقرة. إن معدل التضخم سوف ينخفض وتزال التشوهات في
الاقتصاد من خلال تقليص الطلب الإضافي باستخدام السياسات
المالية والنقدية وكذلك السيطرة على الأجور والحد من
معدلات الصرف ذات القيم العالية (Over
(Valued وهكذا فأن
النموذج النقودي يتأسس على دالة طلب مستقرة على الأرصدة
النقدية الحقيقية. ومثل هذه الأرصدة تكون مطلوبة لأغراض
المعاملات ولأغراض الاحتياطات ومستوى هذه الأرصدة يفترض إن
يكون دالة على مستوى الدخل الحقيقي وكلفة الفرصة البديلة
للاحتفاظ بالنقود. إن عرض النقود يعد متغيراً خارجياً يمكن
إن يسيطر عليه من قبل الحكومات (السلطات النقدية) وفي هذا
النموذج يكون التضخم هو نتيجة التوسع في عرض النقود بسرعة
أكبر من الطلب على النقود. وهكذا فأن أصحاب هذا الرأي يرون
إن النمو المستقر والمستدام يمكن إن يتحقق فقط في بيئة من
استقرارية النقود.
اما التفسير الهيكلي فيرى ان الاقتصاد النامي يتصف بعدة
صفات مثل عدم مرونة حركة عناصر الإنتاج وعدم التوازن بين
الطلب والعرض في مختلف القطاعات الاقتصادية،كما إن نواقص
السوق والقيود التكنولوجية تحد من حركة الموارد استجابة
إلى إشارات السوق. لذلك ينبغي دراسة التضخم وتحليله في ضوء
التركيب الهيكلي للاقتصاد القومي قيد الدراسة. وهكذا ينظر
إلى التضخم بوصفه نتيجة لوجود عدد من الاختناقات المحددة
أو القيود المحددة في الاقتصاد الوطني وهو يكون حتمياً في
ظروف أي اقتصاد يحاول إن ينمو بسرعة في ظل وجود اختناقات
أو قيود.
إن التغيرات الجوهرية التي تتطلبها عملية التنمية
الاقتصادية لا يمكن إن تحصل من خلال آلية لسوق تعمل ضمن
هياكل سوق ناقصة تتصف بمحدودية حركة الموارد وبحالات عدم
توازن وحالات عجز مختلفة ولذلك فأن التحليل الهيكلي كان
يهتم بتشخيص وتحليل تلك الاختناقات الجوهرية بشكل عام
واهمها ما يتعلق بثلاثة قيود هي:
أ. عدم مرونة عرض المواد الغذائية.
ب.قيد العملة الأجنبية.
ج.قيد الميزانية.
فبالنسبة للقطاع الزراعي هناك اعتقاد من قبل المدرسة
الهيكلية بان التحضر وارتفاع الدخول قاد إلى زيادة سريعة
في الطلب على المواد الغذائية التي لا يمكن للقطاع الزراعي
توفيرها إذ إن استجابة العرض كانت ضعيفة جداً بسبب القيود
الهيكلية ضمن القطاع نفسه وهكذا فأن العرض غير المرن يؤلف
أو يشكل عنصراً تضخمياً هيكلياً. اما القيد الثاني قيد
العملة الأجنبية فهو ناشئ بسبب أن معدل نمو إيرادات العملة
الأجنبية لم يكن كافياً لمواجهة الارتفاع السريع في الطلب
على الاستيرادات الذي تخلقه مجهودات التنمية المتسارعة
والنمو السكاني السريع ومجهودات التصنيع التي تتم في ظل
بيئة من قيود ومحددات تكنولوجية وعدم توازن هيكلي ونواقص
في حركة عناصر الإنتاج إن النقص في الاستيرادات وارتفاع
أسعار الاستيرادات قد ولد ارتفاعات في الأسعار وصعوبات في
موازين المدفوعات تجبر البلد على تخفيض قيمة عملته وهذا
بدوره يزيد من الضغوط التضخمية.
اما القيد الثالث وهو النقص في الموارد المالية الداخلية (عجز
الموازنة) فان مجهودات التنمية قد زادت من المدى الضروري
لتدخل الدولة في الاقتصاد وبخاصة في تجهيز الهياكل
الارتكازية سواء الاجتماعية منها أم المادية ولكن الإيراد
الحكومي كان نادراً ما يتوسع بما فيه الكفاية وبسرعة
ليقابل النمو في الإنفاق وأهم الأسباب في ذلك جوانب متعددة
من هياكل الضريبة ونظم ضريبية وتوسعات ضريبية تعاني من
التخلف كونها هياكل ونظماً و مؤسسات غير كفوءة في تحصيل
النسب المعقولة من الإيرادات الضريبية للدولة. ولذلك فأن
عدم كفاية الإيراد كان يعالج في الغالب من خلال عملية
التمويل بالعجز والذي يترتب عليه أثار تضخمية كبيرة.
وخلاصة ماسبق وتجاوزاً للعديد من النظريات والتفسيرات
الأخرى وخاصة نماذج التوقعات الرشيدة وما طرحته المدارس
الاقتصادية الحديثة الأخرى مثل مدرسة اقتصاديات جانب العرض
وغيرها فأني أرى إن التضخم ظاهرة اقتصادية وعلى الرغم من
ذلك فأن هناك وعياً أكبر الآن حول إن دراسة أسباب التضخم
وما يترتب على وجوده لا يمكن إن يقتصر على التحليل
الاقتصادي فحسب بل يجب إن يتم عبر دراسة وتحليل الهياكل
السياسية والاجتماعية للمجتمع وكما يقول البرت هيرشمان (لقد
اصبح واضحاً إن جذور التضخم تقع في الهيكل الاجتماعي
والهيكل السياسي عموماً وفي الصراع السياسي والاجتماعي
والصراع في الإدارة..)وسيكون من الصعوبة إيجاد اقتصادي سوف
لا يتفق على إن القوى الاجتماعية والسياسية تلعب الدور
الحاسم في خلق أو تسبب التضخم وكذلك في النجاح والفشل في
سياسات مكافحة التضخم أو محاربة التضخم.
إن أيا" من التفسيرات النقودية أو الهيكلية غير كافية بحد
ذاتها ونحن بحاجة إلى الاعتماد على كلتيهما في توضيح ظاهرة
التضخم. إن وجود الحكومة ذات القوة الكافية على كبح بعض
العناصر المولدة للتضخم هو شرط ضروري ولكنه غير كاف لتخفيف
التضخم ولذلك يمكن القول إن آثار السياسة المالية في
الاقتصاد القومي تعتمد على السياسة النقدية المنفذة من قبل
الحكومة وقد أجمعت سياسات الاقتصاد الكلي ذات المدخل
النقدي وذات المدخل الكنزي على إن التضخم في المدى الطويل
هو ظاهرة نقدية ذلك إن معدل نمو النقود يؤثر في الإنتاج في
المدى القصير فقط إذا كان الاقتصاد القومي يعاني من حالة
ركود وطاقات عاطلة ويكون تأثيره كبيراً في الأسعار حينما
يكون الاقتصاد القومي متواجداً عند مستوى الاستخدام الكامل.
وهكذا يرى بعض الاقتصاديين ونتيجة دراسة وتحليل العلاقة
بين استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي إن تثبيت أو استقرار
معدل التضخم ربما يكون الهدف الأكثر ملاءمة للسياسة
الاقتصادية في البلدان النامية،من تقليل أو تصغير معدل
التضخم.
لقد أوضحت الدراسات الاقتصادية إن معدلات التضخم قبل عام
1980 كانت معتدلة حيث ارتفع الرقم القياسي لاسعار المستهلك
بنسبة (5%) للمدة 1960- 1968 وبلغت الزيادة في الرقم
القياسي لتكاليف الاستثمار (6.5%) اما الرقم القياسي
لاسعار الجملة فقد ارتفع بنسبة (4.3%) فقط.
ونتيجة لارتفاع وتائر التنمية الاقتصادية في العراق وتأميم
النفط وتصحيح أسعاره فقد شهدت المدة بعد عام 1968 زيادة في
عرض النقد من (32.5) مليون دينار عام 1972 إلى (139.8)
مليون دينار عام 1974 وبعد عام 1975 كان لزيادة التدفقات
النقدية تأثيرها الواضح على مسيرة الاقتصاد العراقي مثلما
كان للإنفاق الحكومي نتيجة المجهود الحربي خلال الحرب
العراقية- الايرانية تأثير مباشر في الحركة العامة للأسعار
في الاقتصاد العراقي. ولحين انتهاء الحرب عام 1988 فقد
اتجه الرقم القياسي لاسعار المستهلك نحو الارتفاع طيلة
المدة من (112.8%) عام 1971 إلى (397.3%) عام 1988 مسجلاً
في ذلك معدل نمو سنوي بلغ(11.3%).
وهنا ينبغي الإشارة إلى حقيقة إن الأرقام الرسمية المنشورة
قد تخفي حقيقة إن المواطن العراقي يتعامل مع السوق المحلية
وما تفرضه من أسعار فعلية قد تتباين مع الأسعار الرسمية.
إن المستهلك العراقي كان يتعامل بسعر السوق الفعلي الذي
يطلق عليه (سعر السوق السوداء أو الموازية) إن الأسعار
الموازية هي التي ينبغي إن تمثل المتغير الحقيقي بالتحليل
الاقتصادي. ذلك إن الأسعار الرسمية للمواد الاستهلاكية
مثلاً لا تعكس الموازنة بين العرض والطلب في السوق
العراقية لأنها مجرد أرقام إعلامية لا غير،عليه فأن معدلات
التضخم بالاقتصاد العراقي كانت أضعاف المعدلات الرسمية
نظراً لارتفاع الأسعار، يستثنى من ذلك أسعار السلع
المدعومة وهي الحبوب والسكر التي حافظت على ثبات أسعارها.
وهكذا ارتفع عرض النقد من (625.6) مليون دينار عام 1975
إلى حوالي (2650.2)مليون دينار عام 1980 أي بنسبة(324%)
وبمتوسط نمو سنوي بلغ (29%) ونستنتج من تحليل مكونات عرض
النقد ومصادره إن حالة العراق قبل الحصار تشير إلى إن
عملية تصدير النفط الخام أصبحت مساوية لطبع نقود ورقية
جديدة حيث كانت هناك صورة من الارتباط التلقائي بين عمليات
الإنفاق الجاري والاستثماري وخلق النقود الوطنية ذات الأصل
النفطي مما ترتب عليه اثر توسعي في المعروض النقدي بشكل
عام والعملة في التداول بشكل خاص.
استمر عرض النقود بالارتفاع من(3645.5 مليون دينار عام
1981 إلى(8316.7) مليون دينار عام 1987 بمتوسط نمو سنوي
بلغ(18.7%) ومن تحليل مكونات عرض النقد خلال هذه المدة
يتضح إن الزيادة الكلية في عرض النقد تعود إلى الزيادة في
الائتمان المحلي التي تحققت بفعل زيادة الإصدار النقدي
الذي بلغ مثلاً (3481.1) مليون دينار عام 1981 وذلك لتمويل
العجز الكبير في الميزانية العامة للدولة وهو فعل تضخمي
بطبيعته فضلاً عن الاقتراض الخارجي أو اقتراض الحكومة من
مصادر غير حقيقية اي من البنك المركزي.
وإذا قارنا معدل النمو في كمية النقود المتداولة التي تعكس
قوى الطلب الكلي بمعدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي
وهو المصدر الرئيس لقوى العرض الحقيقي للسلع والخدمات فسوف
يتبين لنا فوراً الاختلال الحاد بينهما.فقد نمت بمعدل سنوي
قدره(29%) خلال المدة 75-1980 ونما الناتج المحلي الإجمالي
(بالأسعار الثابتة لعام 1975 بمعدل نمو سنوي قدره(8،8%)
وخلال المدة 1980-1988 بمعدل(18.7%) في حين نما الناتج
بمعدل(5،5%) ومن ثم يكون معدل الضغط التضخمي كآلاتي.
29%-8،8%=20.2%خلال المدة 1975-1980
18.7 –
5،5 = 13.2% خلال المدة
1980-1988
يتضح من ذلك تولد اختلال خطير في العلاقة بين كمية النقود
وحجم الناتج المحلي الحقيقي، إن هذا الاختلال يمثل قوة
شرائية في السوق لم يستطع سيل السلع المحلي والخدمات
المتوفرة للشراء من مقابلتها وهو يمثل فائض الطلب الذي
يدفع الأسعار نحو الارتفاع. لقد بلغ فائض الطلب الصافي
حوالي(10814.3) مليون دينار خلال المدة 1975-1980 وارتفع
إلى حوالي (27003.3) مليون دينار خلال المدة 1980-1988.
ومعنى ذلك إن قوى الطلب الكلي في الاقتصاد العراقي كانت
تزداد سنوياً في المتوسط بنحو (42%) عن الحجم الحقيقي
للسلع والخدمات التي أنتجها جهاز الإنتاج المحلي بالإضافة
إلى ما تم استيراده من الخارج. إن هذه الزيادة في الطلب
الكلي أحدثت ضغطاً تضخمياً أدى إلى ارتفاع الأسعار
بالمعدلات المرتفعة التي صورتها لنا الأرقام القياسية
للأسعار، كما أدت إلى ظهور سوق سوداء واسعة النطاق عملت
على إرباك نظام السوق برمته الأمر الذي يعني إن معدلات
التضخم الحقيقية هي أضعاف ما تذكره الأرقام الرسمية.
اما بعد عام 1990 ونتيجة للحصار الاقتصادي وما أحاط به من
ظروف معروفة فيتبين من الجدول (1) ان نسب فائض الطلب إلى
المعروض السلعي قد ازدادت بمعدل نمو سنوي مركب بلغ
(115.6%).
لقد افرز الحصار الاقتصادي مجموعة من الظواهر والحالات
الاقتصادية السلبية التي وجدت تعبيرها بشكل مباشر وغير
مباشر في مختلف المؤشرات الاقتصادية ومنها المستوى العام
للأسعار، مما انعكس في ضغوط تضخمية متسارعة شهدتها جميع
أسعار السلع والخدمات.
وبهدف الوقوف على تطور حركة الأسعار ومعدلات التضخم التي
اتسم بها الاقتصاد العراقي خلال المدة 1989-2002 اعتمدت
البيانات الخاصة بالأرقام القياسية لاسعار المستهلك
(1988=100) التي تؤكد ارتفاع الأسعار بشكل جامح. كما يتبين
من الجدول رقم (2):
ان من المؤشرات الرئيسة للتضخم الذي يعاني منه الاقتصاد
العراقي خلال مدة الحصار هي الضغوط التضخمية الناتجة عن
ارتفاع تكلفة الإنتاج أو كلفة المعروض السلعي التي تنتج
بسبب ارتفاع كلفة عناصر الإنتاج وخاصة المستلزمات الداخلة
في العملية الإنتاجية والمستوردة منها على وجه الخصوص فضلاً
عن صعوبة الحصول عليها مما يؤثر في اضطراب الأسعار نتيجة
خلل غير مقصود. ويزداد تأثير هذه العوامل عندما ترتفع
معدلات التكاليف عن معدلات الإنتاجية والتي تكون بدورها
نتاجاً لعدم الفعالية والكفاءة في توزيع الموارد وهذا
بدوره يؤدي إلى تدهور طاقات المجتمع وقدرته على الادخار
وتكوين رأس المال ويدل هذا أيضا على ارتفاع تكاليف التنمية
وعدم تحقيق معدلات أعلى للنمو والاستخدام.
واستكمالاً لموضوع العوامل الرئيسة المسببة للتضخم فأن
أبرزها والذي تزايدت حدته خلال المدة قبل عام 2003 هو عامل
فائض المعروض النقدي الذي يكتسب أهمية قصوى في تفسير ظاهرة
التضخم ويمكن متابعة ذلك من خلال البيانات المتاحة عن هذه
المدة اذ ازداد عرض النقد من (24670) مليون دينار عام 1991
إلى حوالي (2898189) مليون دينار عام 2003 اي بنسبة نمو
سنوي مركب بلغت حوالي (44.3%) في حين لم ينم الناتج المحلي
الاجمالي بالاسعار الثابتة الا بمعدل نمو سنوي مركب بلغ
(10.8%) ويعني ذلك كما يتبين من الجدول (3) ان الضغط
التضخمي خلال المدة 1991-2003 كان بحدود (33.5%) وهي نسبة
كبيرة جدا بالتاكيد.
يلاحظ من الجدول (3) ايضا ان بدء العمل باتفاقية النفط
مقابل الغذاء مع الامم المتحدة وما أعقبها من برامج
وسياسات ترشيدية وفرض بعض القيود على الإنفاق العام وعلى
تمويل العجز وموازنة الدولة عن طريق الإصدار النقدي الجديد
والبحث عن مصادر أخرى لتمويل هذا العجز وتنمية الإيرادات
الضريبية وغيرها قد ادى إلى انخفاض الضغط التضخمي إلى
حوالي (2%) ولكنه عاد إلى الارتفاع بعد ذلك ليصل إلى
(10.1%) خلال المدة 2000-2003
يمكن القول بأن الوضع السعري في الاقتصاد العراقي في عقد
التسعينيات قد اتسم بالسمات والمظاهر التالية:
أ. فسح المجال وبصورة أوسع لقوى السوق وعاملي العرض والطلب
في تحديد الأسعار لذلك نجد إن معدلات الأسعار كانت تتجه
بصفة عامة نحو الارتفاع.
ب. إلغاء ما تبقى من حالات التسعير الإداري الذي كانت
تمارسه بعض الجهات الحكومية وخاصة لسلع القطاع الخاص
والمختلط.
ج. تم منح الوزارات القطاعية مرونة اكبر لتسعير منتجاتها
وخدماتها بالصورة التي تتوافق مع حركة الاقتصاد العراقي
وحالة السوق المحلية.
وبالرغم من هذه الاجراءات التي قامت بها الدولة حينذاك الا
انه وبسبب علاقة الأرتباط السالبة بين التضخم وسعر صرف
الدينار العراقي فقد صاحب انخفاض سعر صرف الدينار العراقي
خلال المدة 1990-2003 موجة من الارتفاعات في المستوى العام
للأسعار بالشكل الذي عرض الاقتصاد الوطني لصدمات خارجية
وداخلية أدت إلى حدوث سلسلة من الآثار المتراكمة على
الاقتصاد تفاوتت بين اثر انخفاض سعرالصرف والتضخم والتي
كانت بمثابة حلقة مفرغة بينهما.
وينبغي التأكيد هنا على إن التضخم قد ولد تفاوتاً في توزيع
الدخول بين الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة وانخفاضاً
في مستوى تشغيل الطاقات الإنتاجية وبالتالي تناقص فرص
العمل.إن معدلات البطالة تعد مؤشراً اقتصادياً يستدل منه
على حسن أداء السياسة الاقتصادية للحكومة وعلى اتجاهات
الاقتصاد الوطني ومن المعروف إن هناك مقايضة دائمة بين
معدل تضخم واطئ ومعدل بطالة مرتفع وبالعكس، الا ان وضع
الاقتصاد العراقي خلال السنوات الثلاث الماضية قد اتسم
بزيادة نسب البطالة التي تراوحت بين (28%) في احسن تقدير
وحوالي (50%) في بعض التقديرات التي تأخذ بنظر الاعتبار
البطالة الجزئية وفقدان الكثير من العاملين في دوائر
الدولة المنحلة لفرص عملهم.
ان نسب البطالة المرتفعة قد اقترنت بنسبة تضخم مرتفعه
تجاوزت نسبة ارتفاعها حوالي الـ(70%) في شهر تموز 2006
مقارنة بالشهر الذي سبقه، وقد يعود السبب في هذه النسبة
العالية إلى ان الاوزان التي يستخدمها الجهاز المركزي
للاحصاء تعطي للمواد الغذائية نسبة (62%) من الرقم القياسي
لأسعار المستهلك وقد شهدت اسعار المواد الغذائية ارتفاعاً
حاداً يعود اغلبه إلى تدني مرونة القطاعات السلعية
الاساسية (الزراعة والصناعة) اضافة إلى قطاعات النقل
والمواصلات والطاقة وعدم قدرتها على الاستجابة إلى ضغوط
الطلب الكلي.
واخيراً نؤكد على ضرورة مناقشة الآثار الاقتصادية
والاجتماعية للتضخم ومحاولة التخفيف من الأعباء التي
تحملتها بعض شرائح المجتمع وخاصة ذوي الدخول المحدودة
الذين كانوا ضحية عدم تحقيق المعادلة بين الأجور المدفوعة
والأسعار ورغم المحاولات التي تبذلها الدولة في هذا المجال
ينبغي التفكير الآن في وضع سياسات أجرية تعالج الأزمات
التي تعاني منها الكثير من الشرائح الاجتماعية وهناك
الكثير من البدائل يمكن مناقشتها.
كذلك ينبغي مناقشة مسألة مهمة ارتبطت ونشأت عن التضخم وهي
التفاوت في توزيع الدخل فإذا كانت هناك فئات معينة اكتنزت
نسبة كبيرة من الدخل القومي وسيطرت على أنشطة اقتصادية
معينة ذات مردودات مالية وربحية عالية، فأن منطق العدالة
يشير إلى ضرورة إتاحة الفرصة للآخرين بشكل متساو فإذا أتيح
المجال لبعض الشرائح وخاصة من القطاع الخاص للاستفادة من
آلية السوق الحرة (العرض والطلب) وتحقيق ثروات غير
محدودة.فأنه ينبغي أيضا منح الشرائح الاجتماعية الأخرى ذات
الفرص المحددة في الحصول على فرص العمل التي تحقق لها
دخلاً تقتنع به وأقصد تلك الشرائح من العاملين في الدولة
والخاضعين لقوانينها والذين يتسلمون دخلاً شهرياً
منخفضاً.فأما إن نتيح المجال للجميع للاستفادة من آلية
السوق الحرة،أو نخضع الجميع لآليات وتعليمات وقوانين ذات
أهداف تصب في تحقيق المنافع العامة.
وهكذا نرجو مناقشة جميع ما أفرزته حقبة الحصار من آثار
اجتماعية واقتصادية نتجت عن ظروف غير طبيعية وخلقت بيئة
اقتصادية استغلها البعض للإثراء والسيطرة على نسبة مهمة من
ثروة المجتمع. ومحاولة إصدار التشريعات التي تهدف إلى
تحقيق العدالة ومصلحة الجميع
… |