|
وقائع
طاولة المدى المستديرة عن الحالة التضخمية ..
الاتجاهات الراهنة للتضخم في العراق
- خفض التضخم لايتم
الا عبر ضبط الظاهرة النقدية
- وصل مؤشر التضخم
الى 70% في افضل شهورنا غزارة بالانتاج
- الاقتصاد
العراقي يتخبط في ظواهر الركود التضخمي بمستويات مثيرة
للقلق
د.
مظهر محمد صالح
تركت الاتجاهات السعرية
التي عاشها الاقتصاد العراقي منذ بدايات عقد التسعينيات من
القرن الماضي حتى العام 2006 متوسطات تضخم سنوية بلغت
قرابة 50% لتعكس ثمة مشكلة هيكلية باتت متأصلة في مكونات
ومداخل الاقتصاد الكلي في العراق الذي ما فتىء يعاني من
ظاهرة اختلال التوازن بين قطاعات الانتاج السلعي (باستثناء
القطاع النفطي حاليا) وبين قطاعات الخدمات والتوزيع التي
مازالت تعمل لمصلحة النشاطات الخدمية الهامشية او ضعيفة
الانتاجية .
وعلى الرغم من حصول تطورات سعرية ايجابية مهمة بينتها حالة
الهبوط النسبي في اتجاه الظاهرة التضخمية واعتدال الاسعار
والاسعار النسبية ولاسيما خلال السنوات الثلاثة
الاخيــــرة 2003
– 2006 التي بلغ
التضخم فيها قرابة 32% سنويا وفق متوسط 12 شهرا لكل سنة
ذلك بعد تغير النظام السياسي في العراق والتحول نحو بدايات
الاندماج في الاقتصاد الدولي، الا ان تبدلا جوهريا آخر اخذ
يطرأ على اتجاهات الظاهرة التضخمية مجددا ومنذ شهر شباط
2006 وحتى الوقت الحاضر (بعد ان سجل شهر كانون الثاني من
العام 2006 متوسطا سنويا بلغ 20% وهو الاقل خلال الاعوام
الثلاثة المنصرمة) اذ سجل الرقم القياسي لاسعار المستهلك،
كمؤشر للتضخم، في نهاية شهر مايس من العام 2006 معدلا قدره
53% مقارنة بشهر مايس من العام 2005، ليضع الاقتصاد
العراقي مجددا في متوسط الاتجاهات التضخمية التي لم يعدها
الا ابان فترة الحصار الاقتصادي .
كما اخذ التضخم مساراً جديداً آخر فاقت متوسطاته الشهرية
مؤشرات الفترة الطويلة بعد ان بلغت نسبة الزيادة الشهرية
في الرقم القياسي لاسعار المستهلك في تموز من العام 2006
قرابة 70% مقارنة بالنسبة نفسها من العام 2005. مما يعني
ان ثمة مرحلة ثالثة هي في غاية الحرج الاقتصادي عكستها
اتجاهات التضخم مجدداعند تجاوزها مستوى سنوياً فاق نسبة
50% ليصل الى 70% في شهر يعد من افضل شهور العراق غزارة في
الانتاج ولاسيما في مجال الانتاج الزراعي والنشاط
الاقتصادي العام .
*
تنعقد اليوم الجلسة التاسعة لطاولة المدى المستديرة الخاصة
بموضوعة الحالة التضخمية، ويشارك فيها الخبير الاقتصادي
الدكتور مظهر محمد صالح بالبحث المنشور الذي عرضناه ضمن
مواكبتنا لفعالية الطاولة.
مصادر
الظاهرة التضخمية ومسبباتها
تؤكد المؤشرات التضخمية الشهرية الراهنة ان ثمة فقرات قد
اسهمت بشدة في تطور اتجاه التضخم الشهري
Trend
وتحوله من 12ر3 نقطة
مئوية في شهر مايس ليرتفع بشكل لافت للنظر الى نحو 23ر4
نقطة مئوية في شهر تموز (لاحظ التفاصيل في الجدول رقم 2)
اذ اوضحت تلك التفاصيل المشار اليها في الجدول انفا بان
قرابة 85% في حركة اتجاه
Trend
الرقم القياسي لاسعار
المستهلك في العراق منذ ايلول 2003 حتى تموز 2006 (أي ما
يزيد على 6ر3 نقطة مئوية من اصل التغيرات الشهرية البالغة
23ر4 نقطة مئوية ) تعزى تأثيراتها السعرية بالدرجة الاساس
الى الفقرات الآتية :-
الايجار بنسبة 7ر41%
الغذاء بنسبة 8ر23 %
الوقود بنسبة 6ر19 %
اخرى بنسبة 9ر14%
100%
واذا ما قورنت التطورات السعرية الراهنة بمستويات البطالة
ومعدلاتها المرتفعة التي بلغت هي الاخرى نحو 50%، فان ذلك
يؤكد ما يشير الى ان الاقتصاد العراقي يتخبط في ظواهر (الركود
التضخمي
Stagflation)
بمستويات مثيرة للقلق، في وقت ما زال فيه القطاع الحقيقي
يعاني من تدن في معدلات انتاجيته وتعطل في مستويات انتاجه
والذي تؤشره حالة القصور الواضح في نشاطات العرض الكلي
لقطاعات حيوية في الاقتصاد، مثل قطاعات الطاقة والوقود
والنقل والمواصلات وقطاعات الخدمات الانتاجية المهمة
الاخرى. واذا ما ادركنا درجة اختلال التوازن بين قطاعات
الانتاج السلعي وبين قطاعات الخدمات والتوزيع، فيمكن
ملاحظة ان القطاع النفطي الذي بات يحتل وحده نسبة قدرها
70% في مكونات الناتج المحلي الاجمالي، في حين ما زالت
تقتصر مساهمة القطاع الصناعي الى حدود منخفضة لاتتجاوز
نسبتها 5ر1% في تركيب ذلك الناتج.اما القطاع الزراعي الذي
تتسع اريافه الى اكثر من 8 ملايين مواطن فان مساهمته هي
الاخرى لاتتعدى 5ر6% في تركيب الناتج المحلي الاجمالي.
وعلى اساس هذا الواقع المختل، حظي قطاع الخدمات بالنصيب
الاكبر في الناتج المحلي الاجمالي بعد القطاع النفطي، اذ
احتل قطاع الخدمات نسبة 22% من مكونات ذلك الناتج الاجمالي.
وعلى مستوى التشغيل، وعند النظر الى القطاع النفطي الذي
لايساهم في مكونات تشغيل قوة العمل العراقية الا بنسبة
منخفضة لاتتعدى في الاحوال كافة 2% منها، فان ذلك يعني ان
98% من قوة العمل باتت تستوعبها قطاعات لاتتعدى مساهمتها
في الناتج المحلي الاجمالي 30% وتهيمن عليها نشاطات خدمية
هشــة التكويـن
soft activities.وباستبعاد
القطاع النفطي من تركيب معادلة الاقتصاد الوطني ترتفع
مساهمة قطاع الخدمات في تكوين الناتج المحلي الاجمالي الى
نسبة تزيد على 60% من الاجمالي مما يؤشر ان الاقتصاد
العراقي بات اقتصادا خدميا ضعيف الانتاج وتأتي خطورة مثل
هذا الاختلال باتجاهين :-
الاول : سيادة قطاع خدمات دون توافر جهاز انتاجي متطور
ومرن في الوقت نفسه، مما يعني توليد دخول نقدية تمثل قدرات
شرائية تزيد من ضغوط الطلب، وازاء عجز الانتاج المحلي
لمواجهته، يتمدد الطلب على السلع المستوردة للتعويض مما
يضع ضغوطاً قوية على ميزان المدفوعات ويرفع من درجة تزايد
الاعتماد على الخارج
والاخر : ان النشاط الانفاقي المتزايد دون استجابة مناسبة
من الجهاز الانتاجي المحلي قد امسى بالضرورة القوى الدافعة
لنمو الضغوط التضخمية، التي تترك آثارها السالبة على حركة
الانتاج المحلي ومستويات المعيشة وقدرات الفرد
الشرائية.فنفقات الموازنة العامة وحدها هي الاخرى ارتفعت
من 45 ترليون دينار في عامي 2004 و 2005 على التوالي والتي
زادت تقديراتها في العام 2006 لتبلغ قرابة 65 ترليون دينار
ويتوقع ان تبلغ المستويات نفسها في العام 2007.ومن اللافت
للنظر ان هذه النفقات التي يغلب عليها الطابع الجاري
الاستهلاكي تشكل نسبة غريبة التكوين حيث انها لاتقل عن 99%
من الناتج المحلي الاجمالي.كما ان قوى الصرف الهيكلية في
تلك الموازنة من رواتب واجور ونفقات تحويلية مختلفة باتت
تفوق قدرات العراق الانتاجية اجمالا اذا ما استبعدنا
القطاع النفطي كقطاع ريعي .
ان سيادة قطاع الخدمات الهامشية في مكونات النشاط
الاقتصادي باتت معروفة في تأثيراتها السلبية على تكوين
وتركيب سوق العمل العراقية والقدرة على التوظيف او
الاستخدام المنتج، اذ إن نسبة الاستخدام الناقص فيها
incomplet
employment تزيد
على 22% من مكونات قوة العمل وهي على الرغم من ذلك تدرج
ضمن احصاءات البطالة الفعلية في قوة العمل الناشطة
اقتصاديا ولا يضم قطاع الخدمات الهامشية سوى مهن ونشاطات
تنتمي الى خدمات ضعيفة الانتاجية وتستوعب في الاحوال كافة
نسبة 50 % من قوة العمل الاجمالية في قطاع الخدمات والتي
تعد كما ذكرنا آنفا ضمن تصنيفات البطالة في سوق العمل على
الرغم من حصول العاملين فيها على دخل ولكن ذلك الدخل يعد
دخلا هامشيا يجعلها دون مستوى خط الفقر، الامر الذي يؤشر
مدى تغلغل قطاع الخدمات ضعيفة الانتاجية في جسم الاقتصاد
العراقي. كما إن لهذا القطاع الهامشي القدرة على التوسع
والاستيعاب المستمر لقوة العمل وتعطيلها في آن واحد، مما
يعني تدهورا مستمرا في انتاجية قطاع السلع والخدمات والذي
يولد ضغوطا تضخمية مضاعفة بما في ذلك الضغوطات التي يتعرض
اليها سعر الصرف
الحقيقي وفق الاثر الاقتصادي المعروف بـEffect
Blassa- Samulson.
واذا كان الاقتصاد
العراقي يمثل انموذجا للاقتصاد الريعي، أي الاقتصاد الذي
ترتبط مصادر الدخل فيه بالطلب الخارجي بغض النظر عن
الانتاج والانتاجية، فان الدولة العراقية هي بلا شك مركز
الثروة ومصدر الدخل الاساس للبلاد، ولكن على الرغم من ذلك
فما زالت فلسفة الانفاق العام وسلوكياته في الموازنة
العامة تمثل انموذجا للدولة الريعية وان التوسع في النفقات
مقابل التخلي النسبي عن التحصيل الضريبي هي مسألة تأسست
تاريخيا في سلوكيات المالية العامة ذلك بان يذهب الانفاق
الى المستفيدين سواء المحتاجين منهم حقا ام غير المحتاجين
الامر الذي شجع من ظاهرة ما يسمى بالركوب المجاني
Over riding
وعلى نطاق واسع اذ يطلب
الفرد من الدولة من دون مقابل يدفعه، وهو امر يؤشره ضعف
قدرة السلطة المالية على الامتداد الضريبي تاريخيا، فضلا
عن صعوبة اصلاح برامج الدعم في الموازنة التي تقدر نسبتها
حاليا سواء المباشرة منها ام غير المباشرة 80% من الناتج
المحلي الاجمالي، مما يعني انغماس النفقات الحكومية في
التوسع المستمر لتغطية نشاطات تتعدى في مضمونها مفهوم دور
الدولة فــي توفير السلـع العامة
Public – goods
ازاء مساهمة افراد
المجتمع الضعيفة في التعبير عن فهمهم الفلسفة الضريبية
ودورها كمصلحة عامة يسهم الفرد فيها من دخله الحقيقي في
رفد موارد متطلبات بناء العدالة الاقتصادية والاجتماعية
على وفق احتياجات الموازنة التي تقابل تلك الامتدادات
والتوسعات في الانفاق العام (اذ مازال الفرد يعيش دوما على
مخيلة حقه في الريع النفطي مقابل التجنب الضريبي).
وبغض النظر عن هذا وذاك، فان مصادر الظاهرة التضخمية
ومسبباتها الراهنة في العراق تنطلق من اساسيات واقعية
مؤشرة نتائجها الرقمية تفصيليا في الجدول رقم 2 ويمكن
تفسيرها بما يأتي :-
1 -ان التحرير الجزئي
libraliztion
لبعض اسعار السلع
والخدمات المقدمة ضمن برنامج الدعم الحكومي قد ترجمت الى
حالة هيجان في المستوى العام للاسعار مما اشر في الوقت
نفسه ان الاسعار النسبية لبعض السلع الحاكمة لها اثر دالي
على المستوى العام للاسعار ومن ثم التحكم في اتجاهات
الظاهرة التضخمية.ولاسيما مواد البطاقة التموينية والوقود
واية خدمات حكومية ملازمة تقدم مجانا او شبه مجاني.
2 -ان التدخل الاداري الحكومي المرتبك سواء على مستوى
ادارة نظام البطاقة التموينية او توزيع الوقود من منافذ
التوزيع والمحطات الرسمية، ادى الى تقلبات سعرية مجهولة
الاتجاه ولدت اسواقا سوادء او رمادية فاقت قدرة الاقتصاد
الوطني والمواطن على التحمل. فنتائج المسح السريع الذي
اجراه الجهاز المركزي للاحصاء في منتصف هذا العام اشرت ان
اسعار الوقود والمحروقات باتت تستهلك ما بين 30
– 60% من الدخل
الشهري القابل للصرف للمواطن العراقي.علما ان الرقم
القياسي لاسعار الوقود والاضاءة بلغ في شهر تموز من العام
2006 نحو (173516) نقطة مقابل الرقم القياسي لاسعار
المستهلك البالغ (18577) نقطة.أي ان اسعار المحروقات
والاضاءة فاقت الرقم القياسي لاسعار المستهلك بعشرة اضعاف
(100= 1993 سنة الاساس)
3 -ان توقف انتاج الكثير من المنتجات المحلية الصناعية،
والزراعية وغيرها ممن تمتع بالقدرة التنافسية والميزة
المقارنة في التجارة الخارجية لانخفاض اثمانها النسبية،
ادى الى احلال مثيلاتها المستوردة من منافذ دولية واقليمية
على وفق الاسعار العالمية لها، مما رفع الرقم القياسي
للسلع المتداولة في السوق المحلية الى مستوياتها السعرية
الدولية وهو الامر الذي افقد المنتج العراقي ميزة ما يسمى
wide price level
disparities مع
بلدان العالم والذي كان سائدا لمصلحة بعض منتجات نشاط
الانتاج المحلي في العقود البعيدة الماضية.
4 -اخذت اسعار الخدمات المحلية تلاحق اسعار السلع المحلية
والمستوردة بصورة مذهلة وتتطابق معها، بعد ان كانت تتباطأ
lagged
لسنوات عند ملاحقتها
اسعار تلك السلع.وعلى هذا الاساس بدأت الخدمات تتزايد
اسعارها بمستويات تجارية
commercialized
وعلى رأسها خدمات الايواء
وايجار الدور السكنية.موضحين ان نقصا حادا في الطلب على
وحدات السكن يمثل الاساس في تكوين الظاهرة التضخمية والذي
تمثله فجوة السكن البالغة (2) مليون وحدة سكنية حاليا
ترتفع الى (4) ملايين وحدة سكنية على وفق تعريف العائلة
والسكن اللائق.
3 -الحلول والمقترحات(اطروحات في مواجهة التضخم)
اذا كان الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً يعتمد على موارد
النفط في تسيير نشاطاته الاقتصادية وتعظيم الرفاهية
الاقتصادية فيه، فان ثمة استطراداً يوضح ان السبيل لمواجهة
حالة التضخم الراهن يتحقق عبر واحدة من الثوابت المتأتية
من تعظيم القدرة الشرائية للدينار العراقي من خلال ربطه
بسلة عائدات النفط بدلا من الانشداد الى الحالة الاقتصادية
الراهنة. وان تحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود لابد من
ان يتم عبر مكون وحيد ومستقر معادل للقيمة
numeraire
وهو الدينار العراقي ضمن
ترصين وبناء قيمة الوحدة النقدية العراقية ازاء العملة
الاجنبية.اذ بينت التجربة التي مارستها السياسة النقدية في
السنوات القليلة الماضية في استخدام وسائلها لتحقيق
الاستقرار والتي جاءت نجاحاتها عبر عدد من اشكال المزادات
التي يقيمها البنك المركزي العراقي ويتم فيها تداول مختلف
الموجودات المالية للسيطرة على مناسيب السيولة النقدية
وتحقيق الاستقرار وخفض التضخم.بيد ان مزاد العملة الاجنبية
الذي يأتي على رأس تلك المزادات، بات وحده يمتلك الفاعلية
والقدرة على امتصاص الكتلة النقدية المصدرة بمعدل مرة ونصف
المرة خلال السنة الواحدة بلا التأثير على الاحتياطيات
الدولية للعراق، مما يعني ان ثمة سيطرة قوية على نمو
التدفقات النقدية وتهدئة الضغوط التضخمية من خلال نشاطات
سوق الصرف المركزية ودورها في استهداف التضخم.
التضخم مصدره توسع
الكتلة النقدية
لما تقدم، يأتي الجواب على ذلك الاستطراد في معالجة التضخم
من خلال تقوية سعر صرف الدينار العراقي، بعد الاخذ
بالحسبان حقيقة ان التضخم واستمراره في الامد الطويل (مهما
كانت مصادره ومسبباته في الامد القصير ولاسيما اهتزازات
قطاع العرض supply
shocks التي
نواكبها حاليا)، مصدره في النهاية النمو وتوسع الكتلة
النقدية وان خفض التضخم لايتم الا عبر ضبط الظاهرة النقدية
وثبات معدلات النمو النقدي على نحو يحقق الاستقرار
الاقتصادي الذي هو من مسؤولية السياسة النقدية كما يقول
ملتن فريدمان.ولكن مثل هذا الاستطراد في معالجة التضخم من
خلال رفع قيمة الدينار العراقي في سوق الصرف لابد من ان
يأخذ بالحسبان ما يأتي:
ان الطبيعة غير المستقرة في الطلب على النقود من خلال تحوط
الافراد بالعملة الاجنبية وعـد الاخيرة خزيناً مستقراً
للقيمة ووسيلة مناسبة لحماية ثرواتهم، ادت بالمجتمع
الاقتصادي العراقي الى تبني عادات ادخارية واكتنازية
متنوعة لثرواتهم يأتي في مقدمتها المستوى العالي من التحوط
بالعملة الاجنبية وهــو الامر الذي عـزز من ظاهرة الدولرة
Dollarization
بمختلـف
اتجاهاتهــا .
فمن المعروف ان التحول مما يسمى باستهداف الكتلة النقدية
الى استهداف التضخم نفسه من خلال استهداف اداة سعر الصرف،
يأتي نتيجة عوامل اساسية استندت الى طبيعة دالة الطلب
النقدي والعوامل المؤثرة فيها وفي مقدمتها توافر مستوى
متناسب من النشاطين الاقتصادي والسعري بحيث يجعل نسبة
النقود الى الدخل تنمو بصورة مستقرة تتوافق والنمو المالي
والاستقرار الاقتصادي الكلي. ونظرا لضعف توافر هذه
الاستمرارية سواء في النمو المالي ام في حالة الاستقرار،
قـد يلجأ الجمهور في الغالب الى حيازة بدائل من الموجودات
السائلة وغيرها في ادارة حقائبهم تأتي على رأس تلــك
الموجودات العملة الاجنبية. لذا فان النمو النقدي واية
سياسات نقدية تستهدفه بشكل مباشر لابد ان تتآكل وتنحرف عن
اهدافها بسبب حالة اللااستقرار وتأثيراتها على دالة الطلب
النقدي مما يجعل السياسة النقدية نفسها تعمل بعيدا عن
اهدافها المرسومة وان البديل المناسب امامها إزاء هذه
الحالة هو استهداف التضخم بذاته .
لذا، فان استهـداف التضخم من خلال استهداف سعر الصرف
Foreign Exchange
Targeting حتى وان
تـم في اطار برنامج معلن للسياسة النقدية يعني ان المثبت
الاسمي المعتمد حاليا
Nominal Anchor
سيتغير من مستوى الى
مستوى آخر وسيترك اثـره باتجاهين: الاول ان التوقعات
العقلانية للجمهور ستتأثر حالا من خلال تعاظم درجة الاحلال
من الدولار الى الدينار لتجنب اية خسائر قدرية محتملة
Windfull Losses
والآخـر فان نظام
سعر الصرف سيكون نظاما اكثر مرونة من وضعه الحالي وسيعمل
باتجاه الصعود التدريجي لمصلحة الدينار العراقي
Flexible upward .
كما ان احتمال فزع
الجمهور Panic
بالتخلي عن
موجوداتهم من العملة الاجنبية فورا لمصلحة الدينار العراقي
والاحتفاظ بالدولار الحدي حسب، يعني ان هناك حالة هلع
مضادة للدولرة
Dedollarization
لمصلحة الدينار
Dinarization .
وان مثل هذا السلوك سيضع السياسة النقدية امام حراجة النمو
المفاجئ في الكتلة النقدية بسبب سرعة الاستبدال او الاحلال
النقدي المشار اليه آنفا وهو امر سيعمل باتجاه معاكس
لتحقيق هدف الاستقرار ولاسيما في الفترة القصيرة او
المتوسطة مولدا ضغوطاً تضخمية نقدية قـد تخفف من وطأتها،
بالتزامن، حالــة الارتفاع الشديدة في الطلب على النقد
بالدينار العراقـــي .
واخيرا وبغية الحفاظ على الرفاهية الاقتصادية للمجتمع من
خلال توافر اداة نقدية مستقرة فضلا عن اهمية الحفاظ على
ثروة الجمهور المعرّفة بالموجودات الاجنبية وحماية
تعاقداتهم المختلفة وتعظيمها بما بتناسب والهدف المنشود من
رفع سعر صرف الدينار العراقي وخفض التضخم، يقتضي توافر
ادوات اضافية في وسائل السياسة النقدية تعد جوهرية في
توفير التحوط اللازم للجمهور وتضفي في الوقت نفسه استقرارا
على دالة الطلب النقدي وتجنب الافراد اية خسائر ازاء حصول
مفاجآت ضارة ناجمة عن تغيير نمط واهداف السياسة النقدية
وتحويل الاقتصاد العراقي من حالة التخبط في ظاهرة تضخمية
متأصلة في مكوناته وتفاصيله الى مناخ اقتصادي مستقر يوفر
الازدهار والتفاؤل والنمو بصورة اكثر وضوحا وفق اشتراطات
المرحلة القادمة . |