|
في
الثقافة الشعبية الصومالية
المدى
الثقافي
لا تزدهر الآداب والفنون وتعطي أزهارها وثمارها في حديقة
الحياة إن لم تكن هذه الحديقة في أحسن أحوالها، فضاءً
وماءً وخصباً ورعايةً واهتماماً يومياً منتظماً. أما اذا
انقلبت أحوال هذه الحديقة رأساً على عقب فطالها الخراب
وعبثت بها الوحوش والأرانب والجرذان، فإن أزهار الآداب
والفنون وثمارها اليانعة تصبح مجرد ذكرى لا تبعث إلا على
الحسرة والأسف والحزن.
فمن يفكر اليوم في الصومال بما كانت عليه في أيامها
الخالية، وقبل ان تخربها الصراعات القبلية والفئوية
الدموية شرّ تخريب، من فضاءات ثقافية مزدهرة بكل ألوان
الفنون والآداب والنشاطات الشعبية ذات النكهة الصومالية
العربية والأفريقية المميزة؟
وعندما يرى المرء ما آلت إليه حال هذا البلد الذي كان
بلداً ذات يوم فأصبح مجرد ساحةً للقتل والمجاعة والجفاف،
فانه لا يخطر في باله ان هذا البلد قد عرف ذات يومٍ مختلف
ألوان الثقافة والعطاء الفني والفكري، من شعرٍ وقصة ونقدٍ
وموسيقا ورقصٍ وفنون تشكيلية وصناعات شعبية فولكلورية.
نعم، كان هناك كل هذا في الصومال، أيام عافيته واستقراره
وحضوره الفتي في الساحة الدولية. ذكرني بذلك ما نشرته مجلة
(الأقلام) العراقية في عددٍ لها في السبعينيات، ووجدت ان
من المناسب أن أقوم بدوري في تذكير غيري بما كانت عليه
الثقافة الصومالية من غنىً بالعطاء الفني ومن اقتران الشعر
بالغناء والموسيقا والرقص حد الاندماج.
فالشعر الصومالي، بألوانه المختلفة، مقترن بالغناء منذ
عصورٍ بعيدة، حيث يعيش المواطن الصومالي الغناء والرقص
كطقسٍ من طقوسه اليومية، ويحفظ الرعاة ويرددون عشرات
القصائد الرعوية. والصوماليون يسمون الشاعر مغنياً،
والقصيدة أغنية. وعندما يقف شاعر صومالي وراء منصه فلا
تتوقع أنه سيقرأ، إنه حتماً سيغني وبإيقاعات مختلفة!
وعندما كانوا يتحدثون عن شعراء تقليديين كبار امثال البطل
القومي المعروف السيد محمد عبد الله حسن، أو الشعراء قمان،
راجي، علي روح، سلام عربي، فإنهم يتحدثون عن ملاحهم
باعتبارها ضرباً من الغناء الشعبي الذي تتناقله الأجيال
شفاهاً.
ولهذا كان الشعراء الجدد آنذاك أمثال محمد علي كربيه، حسن
حاجي، عبد الله سنجوب وغيرهم يوجهون اهتمامهم الشعري إلى
كتابة الأغنية وتقديمها إلى ملحن لتقدم في الحفلات أو
الإذاعة.
وقد عاشت حركة الشعر العربي في الصومال على هامش معطيات
التراث الشعبي العربي، ولم تبلغ المحاولات الشعرية
بالعربية حد إتقان كتابة القصيدة التقليدية بضبط اوزانها
ولغاتها وأساليبها. وتبقى قصائد السيد محمد عبد الله حسن
التي قيلت في مطلع القرن العشرين من أفضل ما كتب بالعربية
من شعر في الصومال. وذلك عائد لاسباب تتعلق بما عاناه هذا
القطر من محاولات الاستعمار لجره إلى مواقع التخلف
والتجزئة، وتشويه تراثه العربي الإسلامي الأصيل.
على أن الشعر الصومالي، ما كتب منه بالصومالية او العربية،
وعلى اختلاف مستوياته الفنية، قد عبر عن الحس العربي بوحدة
المصير ومقارعة الامبريالية والتمييز العنصري وعن التطلعات
الاشتراكية التقدمية، كما في هذا المقطع من قصيدة لعبد
الله سنجوب حيث يقول:
إطرحي
عنكِ إلى الأبد
نيران الطغيان والتمييز العنصري
هيا يا أفريقيا
وحدة البشر ومساواة الجميع
طريق للسلام
ولكن..
حين يزول سلطان العقل
وتندلع الأهواء
فالسيف وحده الحكم!
وهذا ما حصل بالضبط للصومال حين "زال سلطان العقل..
وآندلعت الأهواء"، حيث اصبح سيف الميليشيات وأمراء الحرب
والعصابات المتوالدة هو الحكم في نزاعاتها التي لن تنتهي
إلا بانتهاء الحالة التي نبه اليها الشاعر.
ويفرح محمد علي كربيه لقيام الثورة ووعودها بتحقيق الحرية
والاشتراكية فيقول:
طال انتظارنا لهذا اليوم السعيد
طالما عانينا من شقاءٍ لا يوصف
ثمَّ أقبلت الثورة
فلنتعاهد على حماية مكاسب ثورتنا
والذود عن حياض الحرية والاشتراكية
وتتشبع روح الصومالي بحب الرقص والغناء، إلى الحد الذي
يجعله حتى في مجال المسرح لا يستسيغ أي مسرحية تخلو من
أغنيةٍ أو رقصةٍ أو إيقاع طبل، وهذا يفسر ما كان يبديه
المسرح الوطني من اهتمام بتقديم الرقصات الفلكلورية
الصومالية.
وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى نمطين من الرقص الصومالي
الشعبي، هما: الرقص الطقوسي والرقص الترفيهي، حيث كان
الأول يؤدى في جميع أنحاء القطر تهدئة لقوى الشر
والحيوانات المفترسة الهائمة في الغابات، وخوفاً من
الامراض والجفاف واللصوص وقوى الطبيعة المدمرة من صواعق
وفيضانات وعواصف، ولهذا فهو ينطوي على دلالات روحية أو
أسطورية.
اما الرقص الترفيهي، فكان يؤدى في المناسبات الاجتماعية
والوطنية والدينية، تعبيراً عن مشاعر الفرح والاطمئنان
والرضا.
ويتضمن كل نوع من هذين النوعين رقصات لها أجواء وايحاءات
خاصة مرتبطة بمضامين شعبية ودلالات اجتماعية.
وتنتشر الفنون التشكيلية هي الأخرى في أوساط الشعب
المختلفة، حيث تغص أرصفة ومخازن مقاديشو بالتحف الفنية من
أعمال الخشب والعاج والجلود التي تتجلى فيها خبرة الفنان
الصومالي وبراعته، وتتنوع أشكالها وشخوصها الأسطورية
والخرافية، وتعرض للبيع كسلعة، فلا يهم الفنان ذكر اسمه
عليها، تماماً كما هي الحال مع اللوحات الفنية التي تزين
جدران المحال والمؤسسات والبيوت من دون اسماء الفنانين
الذين أبدعوا لغرض العيش.
هكذا كانت حال الحياة الصومالية الشعبية والثقافية قبل
الكارثة التي ألمت بكل جوانبها البشرية والاقتصادية
والاجتماعية. وليس بعيداً ان تنقلب الحال مرةً أخرى
فيستعيد الصومال عافيته وحضوره الوطني والدولي ودوره
الفاعل في ازدهار الثقافة العربية والافريقية هناك. |