ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

خلود الانسان
 

د. خزعل الماجدي

في العصر الاسطوري السومري قبل الطوفان والعصر البطولي السومري بعد الطوفان مباشرة نلمح مجموعة من الملوك والحكماء والابطال الذين سعوا إلى الخلود وحاولوا نيله.. ومن أطرف ما ينبئنا عنه تراث وادي الرافدين هذا التدرج الواضح والمنطقي في محاولات نيل الخلود.
ففي العصر الاسطوري لما قبل الطوفان نعثر على ثلاث شخصيات بشرية اساسية حاولت نيل الخلود هي على التوالي (آداباً، اينميدر - أنا، أوتونابشتم)، اما شخصية ديموزي الرابعة فلا نستطيع ان نجزم بانها بشرية بل ان فيها جذراً الهياً تحدثنا عنه عند الحديث عن الموت المؤقت للآلهة في اسطورة انينتا وديموزي، وتكاد شخصية ادابا تطابق شخصية آدم وهناك في اسطورته ما يدل على هذا التطابق.. ان صعود اداباً إلى اله السماء آنو وقيام ثلاثة آلهة هم (ايا، تموز، كزيرا) بغشه كي لا يتناول شراباً وطعام الخلود، فيها دلالة كافية على نزوع الانسان الاول نحو الخلود ورفض الآلهة هذا المبدأ. وقد فشل اداباً في الحصول على الخلود.
الشخصية الثانية الباحثة عن الخلود هي شخصية الملك السومري اينميدر - أنّا ملك سبار (الذي استدعي إلى حضرة الآلهة، ولكن هذا لا يعني أنه نال الخلود وانما كان استدعاؤه لتسليمه اسرار فن كهانة الفأل او العرافة
Baru فقط، حيث انه كان واحداً من بين سبعة ملوكٍ قدامى ذكر عنهم في احد النصوص بأنهم تسلموا (سر آنو) لوح الآلهة، لوح الفأل، اسرار السماء والأرض وانه علّمها إلى ابنه مما يدل بوضوح على انه نفسه لم يكن يتوقع ان يبقى خالداً في الحياة ولذلك ورث ما يعرفه إلى ابنه).
وبذلك نرى ان البديل عن الخلود عند هذا الملك كان المعرفة اما الملك الثالث الذي لا يشوب خلوده شيء فهو (اوتو نابشتم او زيو سدرا) وهو آخر الملوك الاسطوريين قبل الطوفان وتوضح لنا ملحمة كَلكَامش حصول هذا الملك على الخلود وعيشه بعيداً عن الانسان في فم الأنهار عند الجنة الالهية دلمون وهو الانسان الوحيد (مع زوجته وقائد مركبه) الذي نال الخلود وستتسرب هذه الشخصية لاحقاً إلى الخضر في التراث الاسلامي لا إلى نوح الذي يموت ويترك ابناءً ثلاثة هم (سام وحام ويافث). لكن اوتونابشتم عندما حصل على الخلود لم يعد بامكانه أن يعيش مع الناس او يحكمهم بل أصبح بعيداً قرب مركز الخلود الإلهي يعيش وحدةً قاسية بعيدة فلم يصل اليه مغامر من البشر سوى كَلكَامش بعد أهوال ومصاعب كبيرة ووجده ساكناً لا حول له ولا قوة سوى ذلك الأبد الذي لا يعرف ماذا يفعل به ثم ان اوتونابشتم كان من الواضح عدم معرفته بسر الخلود الذي منحته له الآلهة فهو لم يعرف كيف يدل كَلكَامش عليه لانه لا يعرفه اما عتبة الخلود التي أعطاها لكَلكَامش فقد كانت هي الاخرى تمويهاً لكَلكَامش لأنها لا تعطي الخلود بدليل ان الافعى عندما تناولتها لم تمنحها الخلود او الشباب لكنها كانت تعمل على تبديل دوري لقشرتها يعطي انطباعاً عن تجدد الحياة ويشير إلى ما في الافعى والعشب من امكانات للشفاء من الامراض مثل الشيخوخة. لقد اختار اوتونابشتم حلّ الخلود الساكن الإلهي لكنه فقد في الوقت نفسه السعي نحو الخلود وعناصره البشرية الدرامية وسلبه هذا الخلود امكانية معرفته الدقيقة بسر الخلود فاختار معرفة كاذبة او شكلية او رمزية تمثلت في عشبة الخلود.
اما في عصر البطولة السومري بعد الطوفان مباشرة فنرى في سلالة كيش وهي أول سلالة بعد الطوفان مغامرة البحث عن الخلود عند ايتانا الذي يحل مشكلة الخلود عن طريق التكاثر فهو يصعد إلى السماء ويجلب نبات الولادة من الإله آنو ويتعالج به فينتهي عقمه ويلدُ ولداً.. وهنا يظهر الحلّ العقلاني الثاني البديل عن الخلود، فالخلود يستمر في الابناء والتكاثر لانه سيحمل ذرية الانسان إلى المستقبل، لكن جلجامش يعطي حلاً أرقى وأشد عقلانية وقوةً وهو بقاء الذكر عن طريق العمل الصالح بعد ان يثبت في ملحمته استحالة حصول الانسان مهما كان بطلاً او فيه مسّ إلهي على الخلود الجسدي وان الخلود الحقيقي يكمن في العمل الذي يعلي ذكر الانسان واسمه بين الناس، ولعل كَلكَامش كان قد اعطى حلاً مشابهاً لخلود الذكر عندما ذهب هو وصديقه انكيدو إلى غابة الارز ليضع اسمه في سجل الآلهة والابطال الخالدين وكان الخلود عبر الاسم هو أحد المعتقدات الرافدينية الأساسية فالوليد الحديث يعطى اسماً مباشرة بعد ولادته ليبقى اسمه هذا يتردد على الألسن وربما عبر التأريخ حتى اذا مات مبكراً، وتعتبر عقيدة الخلود عبر الاسم اساسية في واحدة من وجوهها الذي يشبه بقاء الاسم في سجل الآلهة والابطال الخالدين وهو ما فعله كَلكَامش قبل أن يهتدي إلى الخلود عبر الاعمال الصالحة.
ان كَلكَامش ينتمي إلى سلسلة من ابطال وملوك اوروك بعد الطوفان وهم (مكي كاشر، اينمر كار، لوكَال بندا ثم كَلكَامش) كل هؤلاء كانوا مغامرين وبحثوا عن البطولة والحكمة إلا ان كَلكَامش استطاع ان يتفوق عليهم في عظمته ومغامراته وقد وصل إلى دلمون (فردوس الآلهة) ورأى اوتونابشتم ولكنه برغم ان ثلثيه من الآلهة لم يستطع نيل الخلود، لقد اوضحت ملحمة كَلكَامش التي هي ملحمة البحث عن الخلود أن الخلود الحقيقي للإنسان يكمن في بطولته وحكمته وقدرته على عبور الأهوال وأخيراً فان أعماله العظيمة ستبقى مذكرةً به عبر اسمه.
يمكننا بعد بحثنا في اهم الشخصيات الرافدينية الباحثة عن الخلود وضع نتائج بحثها في الشكل المرسوم حسب اهميته، فاذا وضعنا الخلود الالهي في مركز دائرة البحث عن الخلود باعتباره أبعد واعمق نقطة في هذا السعي فيمكننا ان نضع دائرة اوتونابشتم حوله باعتبارها متحققة فيه تليها دائرة انميدر أنا (المعرفة) تليها دائرة كَلكَامش (الاسم والعمل) تليها دائرة اينانا (التكاثر) ثم دائرة ادابا (فشل الخلود) وهي ابعد الدوائر عن الخلود.
ان عناصر الخلود الرافديني تنتقل باكملها إلى التراث التوارتي بطريقة تكاد تكون متشابهة ففي (الرواية التوراتية عن الفردوس الاول وسقوط الانسان التي استلهمت روايات دينية اقدم، نجد ان الموت يظهر إلى الوجود في نفس الوقت الذي يكتشف فيه الانسان الفعل الجنسي الذي بواسطته يبتكر الحياة. ومع اكتمال هذين الضدين المتعاونين يدخل الانسان في الزمن المادي ويهبط إلى الحضارة ليبتدئ الحضارة. لقد جلب آدم وحواء على نفسيهما الموت بعد اكلهما من ثمرة الجنس المحرمة ولكنهما قد اختارا لذريتهما من الجنس البشري نوعاً آخر من الخلود، هو خلود النوع الناجم عن دينامية المتناقضات، لا خلود الفردوس الساكن الذي يشبه العدم) (9) واذا كان الخلود الإلهي مستحيلاً على البشر فقد اعطى التراث العراقي حلولاً اخرى للخلود عن طريق المعرفة او العمل او التكاثر وهي الحلول الواقعية التي يعمل بها الانسان المعاصر المعرفة او العمل او التكاثر وهي الحلول الواقعية التي يعمل بها الانسان المعاصر لكي يضمن خلوداً ما، فحل التكاثر هو حلّ شعبي يستعمله الناس بوعي او دون وعي لبقاء الذرية والنسل وكذلك الاسم اما العمل الصالح هو حلّ يسعى اليه الناس القادرون على تقديم عمل نافع ومفيد يذكرون به.
وحلّ المعرفة هو حل خاص تسعى إليه نخبة من الناس العلماء والمتبصرين لتقدم إلى البشر ما عجز عنه العمل والتكاثر.
وتتضمن جميع هذه الحلول نوعاً من المعاناة والحيوية والنشاط التي يتحقق بعدها نوع ما من الخلود، ولو نظرنا بعمقٍ إلى هذه الحلول او العناصر لوجدنا انها وجدت في الفردوس متجاورة مع بعضها ففي جنة عدن التي هي جنوب وادي الرافدين توجد شجرة الحياة (وهي شجرة الخلود) وتوجد (شجرة المعرفة) وكان آدم قد سمى الأشياء كلها حتى يحددها ويعرفها لقد كانت هذه عناصر الخلود في الجنة الإلهية الساكنة) ولكن ما أن حل العقاب الإلهي بآدم لانه اراد معرفة سر شجرتي الحياة والمعرفة حتى ظهر سعي آخر نحو الخلود عبر (التكاثر والعمل) فقد اصبح التكاثر بديلاً عن شجرة الحياة واصبح العمل بديلاً عن العلم والمعرفة. وعرف آدم وحواء وبدأت مرحلة الحمل والنسل وكان أحد عناصر العقاب هنا هو الطلق والألم وكذلك كان العمل عنصر العقاب لآدم حتى يستطيع الاستمرار في الحياة. وهكذا كان العقاب الإلهي القاضي بمنع منح الخلود الإلهي فاصلاً باتجاه خلود انساني من نوع آخر عبر العمل والتكاثر.. وبذلك ضم التراث الرافديني عناصر الخلود الخمسة الحياة الابدية والمعرفة والاسم والعمل والتكاثر وستكون هذه العناصر فلسفة الخلود الرافديني ولا يمكن بدونها التعرف عليه.
في مقارنةٍ بسيطة بين التصورات والحلول التي قدمتها الحضارتان العراقية والمصرية نجد ان الحضارة المصرية قدمت حلولاً اكثر شعرية وأقل واقعية لقضيتي حياة ما بعد الموت والخلود، فقد حفل التراث المصري باهتمام قلّ نظيره لحياة ما بعد الموت للملوك او لعامة الناس فهي حياة مكملة للحياة الدنيا وليس هناك إلا حاجز الموت الرقيق الذي يعني ببساطة تعرض الانسان لمحاكمة شاملةٍ لأعماله يقوم بها اوزوريس وحاشيته فأما أعمال سيئة يعاقب عليها بالتدمير من قبل مردة العالم الأسفل او أعمال جيدة يكافأ عليها بالعيش في فردوس العالم الأسفل مع أرواح الخيرين، أما الملوك فلهم فردوس سماوي شمسي يعيشون مع الآلهة مباشرة بعد الموت.. ولذلك لم يحفل التراث المصري بمشكلة البحث عن الخلود لأن الخلود كان مضموناً للملوك والابطال والناس الأخيار.. فلماذا يبحث عنه الناس قبل حلول الموت وقد انتقلت تأثيرات هذا التراث إلى الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلامية بشكل واضح اكثر من التراث الرافديني الذي كانت حلوله علمانية بعض الشيء.. اما خلود الآلهة عند المصريين فأمر بديهي وان ما يتعرض له بعض الآلهة من موتٍ مؤقت يناغم ايقاع الطبيعة ايضاً ولكننا على العموم نجد ان (الآلهة والكائنات الانسانية قد حكم عليهم ان يعيشوا على الارض فانهم ايضاً قد حكم عليهم ان تكون لهم مخاوفهم وافراطهم وان يتزوجوا زوجاتهم وان ينجبوا اطفالهم وأخيراً قد حُكم عليهم أن يموتوا وان تحسب عدد سنين حياتهم على الأرض وتسجل).


زمن الثقافة الشعبية
 

باسم عبد الحميد حمودي
يخلط بعض باحثي الثقافة الشعبية والتراث الشعبي اصناف هذا الحقل من العلوم الانسانية بالتاريخ والآثار، فاذا بدأ العمل في بحث عن الازياء بدأ بالحديث عن التنقيبات الاثارية للملوك والاسر الحاكمة الاخرى والمعابد ليدرس ازياء تلك الفترات السحيقة حتى يصل بنا إلى العصور الحديثة.
واذا كان البحث مقتصراً على اغاني العمل نقب الباحث في الاصول التاريخية لاغاني العمل قبل ان يصل بنا العصر الحالي، وهنا تنشأ مشكلة اخرى.
ما الفرق بين العصر الحاضر و(العصر) المتعلق بالثقافة الشعبية؟ وبكلمة اخرى كيف نستطيع التفريق تاريخياً بين عصرين او زمنين: زمن الفولكلور والزمن الحالي؟
اسئلة كثيرة دارت في اذهان المعنيين بالفولكلور حيث كثر الجدل في ارتباط التراث الشعري العربي - مثلاً - بالشعر العامي او الشعر الشعبي، ومن هذا الجدل تفرعت اسئلة (واجوبة) حول شعبية الشعر العمودي القديم الذي استمد من لغة القوم في مكة والمدينة حيث كانوا يتكلمون لغة واحدة هي الفصحى لا غيرها وبذلك كان شعرهم شعبياً.
وقد اصبح شعراً تراثياً بعد ان جرت الاعوام والعصور ولكي لا تتسرب الاسئلة من اذهاننا نقول ان الشعر العربي القديم كان شعر الطبقة المثقفة وانه لم يكن شعبياً تماماً، وان اختلافاً حاصلاً بين (لهجات) العرب كان قائماً، لذا لم يكن شعر المعلقات - على سبيل المثال - شعبياً بل هو شعر الخاصة من الناس وهذه واحدة كما يقولون اما علاقة التراث الشعبي بالآثار فان الامر يتعلق بسياقات البحث الفولكلوري فليس كل بحث من هذا النوع بحاجة للرجوع إلى التنقيبات الاثارية الا بما يعزز البحث ويعطيه علميته وصدقه ولا ضير في ان نستعين بالمادة الاثارية او التاريخية لكن هذه المواد محسوبة على عصورها وازمانها، اما زمن الفولكلور المتفق عليه علمياً فتحدده نظريتان في البحث، الاولى تعتبر ما هو فولكلوري يتعلق باصناف التراث الشعبي قبل تسعين عاماً وما تعدى ذلك زمنياً فهو تاريخ، والثانية تنادي به ذلك نظرية اخرى ترى ان الثقافة الشعبية تمتد طولا وعرضاً وتداخل (على سبيل المثال) بين اصول الاغنية الحديثة التاريخية القريبة واصولها البعيدة، كما انها تعتبر ان البحث في التطور اللغوي للمفردة العامية ينبغي له ان يراجع تاريخياً اذ ان عدداً كبيراً من الكلمات العامية العراقية يحمل معه رواسبه السريانية والمندائية والآشورية وغيرها.
كما ان بحثاً عن العادات والتقاليد ينبغي له ان يحفر بعيداً في اصول اية عادة وتطورها (او انحسارها واسباب ذلك).
ومن هنا نشأ هذا التداخل بين العلوم الانسانية المتعددة وعلم التراث الشعبي الذي يرتبط بكل العلوم والازمان مع احتفاظه بخصوصيته كعلم يرتبط بانسان اليوم وثقافته غير الرسمية.


وقفات على الغصن .. مكتب العلوجي والحجية
 

طلال سالم الحديثي

من يقرأ هذا العنوان كما قرأته على صفحة كتيب صغير للدلالة والتعريف يخال أن الأمر يتعلق بمكتب للعقار او مكتب لبيع مواد البناء الأولية أو مكتب للاستيراد والتصدير وما شئت من مكاتب لا يحصرها عد.
ولكن ما تخاله وأخاله لا يعدو كونه وهماً تزيله عبارات تعريف ترد بعد العنوان تقول: مكتبنا عيادة ثقافية، وهنا نفاجأ مرة اخرى باستعمال جديد لكلمة (عيادة) التي لم نعهد استعمالها إلا في شأن الطب والأطباء وإن كنت قد وجدت أن بعض بلدان المغرب العربي وبالتحديد في الجزائر تستخدم كلمة (عيادة) في شؤون غير شؤون الطب اذ تجدهم يقولون عيادة تصليح الساعات او عيادة المحامي.. الخ، ولعل عند الشيخ جلال الحنفي (رحمه الله) ما ينفعنا بهذا الخصوص. بعدها نقرأ: اذا كان مألوفاً ان يحرس الطبيب صحة المواطن، ويذود المحامي عن الحق المهدور، ويواكب المهندس ذوقنا الحضاري في حدود الاستشارة والفتوى والاقتراح والتنفيذ، فلماذا لا يكون مألوفاً ان يستقيم (مكتب العلوجي والحجية) عيادة ثقافية تنقطع إلى خدمات البحث والكتاب؟ أفليس من حق الأديب والمؤرخ والمحقق أن يستطلع هذا المكتب دعماً لنتاجه ووقاية من الوهم والخطأ والزلل إنه: يزود الباحثين والطلاب بما يحتاجون إليه من المراجع والمصادرة ويضع المناهج للكتب والابحاث باسلوب سليم، ويكتب مذكرات الاشخاص ويشرف على طبع الكتب والمجلات وينظم الفهارس لجميع الكتب كفهارس الاعلام والحضارة والبلدان والاقوام والكتب والآيات والأحاديث والأمثال والشعر والمذاهب كما ينظم الفهارس السنوية للمجلات والمخطوطات ويطهر الكتب والابحاث من الغلط اللغوي والخطأ النحوي والتصحيف وينشر الكتب ويضع التصاميم على أغلفتها وأغلفة المجلات، كما إنه يرشد الباحث والمحقق إلى مواطن المخطوطات العربية ويقدم خدمات ثقافية في حقل الترجمة من اللغتين الانكليزية والفرنسية إلى العربية وبالعكس ويشكل الكتب بالحركات ويعرف بالمطبوعات في الجرائد والمجلات، ويصدر ايضاً طائفة من الكتب الفولكلورية والادبية.
وقد حقق المكتب شيئاً كثيراً مما ورد فيما سبق من سطور ونشر كتباً من ابرزها كتاب العلوجي عن الطب العراقي. غير ان غائلة المادة اغتالته وطوت أمره في غيهب النسيان، أفلا يحق لنا ان نذكر لقرائنا اليوم شيئاً من مفاخر الماضين الذين كانوا يعشقون الثقافة فوق عشقهم للحياة ومنهم عبد الحميد العلوجي وعزيز الحجية رائدان من رواد الكتابة في التراث الشعبي.


في الثقافة الشعبية الصومالية
 

المدى الثقافي

لا تزدهر الآداب والفنون وتعطي أزهارها وثمارها في حديقة الحياة إن لم تكن هذه الحديقة في أحسن أحوالها، فضاءً وماءً وخصباً ورعايةً واهتماماً يومياً منتظماً. أما اذا انقلبت أحوال هذه الحديقة رأساً على عقب فطالها الخراب وعبثت بها الوحوش والأرانب والجرذان، فإن أزهار الآداب والفنون وثمارها اليانعة تصبح مجرد ذكرى لا تبعث إلا على الحسرة والأسف والحزن.
فمن يفكر اليوم في الصومال بما كانت عليه في أيامها الخالية، وقبل ان تخربها الصراعات القبلية والفئوية الدموية شرّ تخريب، من فضاءات ثقافية مزدهرة بكل ألوان الفنون والآداب والنشاطات الشعبية ذات النكهة الصومالية العربية والأفريقية المميزة؟
وعندما يرى المرء ما آلت إليه حال هذا البلد الذي كان بلداً ذات يوم فأصبح مجرد ساحةً للقتل والمجاعة والجفاف، فانه لا يخطر في باله ان هذا البلد قد عرف ذات يومٍ مختلف ألوان الثقافة والعطاء الفني والفكري، من شعرٍ وقصة ونقدٍ وموسيقا ورقصٍ وفنون تشكيلية وصناعات شعبية فولكلورية.
نعم، كان هناك كل هذا في الصومال، أيام عافيته واستقراره وحضوره الفتي في الساحة الدولية. ذكرني بذلك ما نشرته مجلة (الأقلام) العراقية في عددٍ لها في السبعينيات، ووجدت ان من المناسب أن أقوم بدوري في تذكير غيري بما كانت عليه الثقافة الصومالية من غنىً بالعطاء الفني ومن اقتران الشعر بالغناء والموسيقا والرقص حد الاندماج.
فالشعر الصومالي، بألوانه المختلفة، مقترن بالغناء منذ عصورٍ بعيدة، حيث يعيش المواطن الصومالي الغناء والرقص كطقسٍ من طقوسه اليومية، ويحفظ الرعاة ويرددون عشرات القصائد الرعوية. والصوماليون يسمون الشاعر مغنياً، والقصيدة أغنية. وعندما يقف شاعر صومالي وراء منصه فلا تتوقع أنه سيقرأ، إنه حتماً سيغني وبإيقاعات مختلفة!
وعندما كانوا يتحدثون عن شعراء تقليديين كبار امثال البطل القومي المعروف السيد محمد عبد الله حسن، أو الشعراء قمان، راجي، علي روح، سلام عربي، فإنهم يتحدثون عن ملاحهم باعتبارها ضرباً من الغناء الشعبي الذي تتناقله الأجيال شفاهاً.
ولهذا كان الشعراء الجدد آنذاك أمثال محمد علي كربيه، حسن حاجي، عبد الله سنجوب وغيرهم يوجهون اهتمامهم الشعري إلى كتابة الأغنية وتقديمها إلى ملحن لتقدم في الحفلات أو الإذاعة.
وقد عاشت حركة الشعر العربي في الصومال على هامش معطيات التراث الشعبي العربي، ولم تبلغ المحاولات الشعرية بالعربية حد إتقان كتابة القصيدة التقليدية بضبط اوزانها ولغاتها وأساليبها. وتبقى قصائد السيد محمد عبد الله حسن التي قيلت في مطلع القرن العشرين من أفضل ما كتب بالعربية من شعر في الصومال. وذلك عائد لاسباب تتعلق بما عاناه هذا القطر من محاولات الاستعمار لجره إلى مواقع التخلف والتجزئة، وتشويه تراثه العربي الإسلامي الأصيل.
على أن الشعر الصومالي، ما كتب منه بالصومالية او العربية، وعلى اختلاف مستوياته الفنية، قد عبر عن الحس العربي بوحدة المصير ومقارعة الامبريالية والتمييز العنصري وعن التطلعات الاشتراكية التقدمية، كما في هذا المقطع من قصيدة لعبد الله سنجوب حيث يقول:
إطرحي
عنكِ إلى الأبد
نيران الطغيان والتمييز العنصري
هيا يا أفريقيا
وحدة البشر ومساواة الجميع
طريق للسلام
ولكن..
حين يزول سلطان العقل
وتندلع الأهواء
فالسيف وحده الحكم!
وهذا ما حصل بالضبط للصومال حين "زال سلطان العقل.. وآندلعت الأهواء"، حيث اصبح سيف الميليشيات وأمراء الحرب والعصابات المتوالدة هو الحكم في نزاعاتها التي لن تنتهي إلا بانتهاء الحالة التي نبه اليها الشاعر.
ويفرح محمد علي كربيه لقيام الثورة ووعودها بتحقيق الحرية والاشتراكية فيقول:
طال انتظارنا لهذا اليوم السعيد
طالما عانينا من شقاءٍ لا يوصف
ثمَّ أقبلت الثورة
فلنتعاهد على حماية مكاسب ثورتنا
والذود عن حياض الحرية والاشتراكية
وتتشبع روح الصومالي بحب الرقص والغناء، إلى الحد الذي يجعله حتى في مجال المسرح لا يستسيغ أي مسرحية تخلو من أغنيةٍ أو رقصةٍ أو إيقاع طبل، وهذا يفسر ما كان يبديه المسرح الوطني من اهتمام بتقديم الرقصات الفلكلورية الصومالية.
وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى نمطين من الرقص الصومالي الشعبي، هما: الرقص الطقوسي والرقص الترفيهي، حيث كان الأول يؤدى في جميع أنحاء القطر تهدئة لقوى الشر والحيوانات المفترسة الهائمة في الغابات، وخوفاً من الامراض والجفاف واللصوص وقوى الطبيعة المدمرة من صواعق وفيضانات وعواصف، ولهذا فهو ينطوي على دلالات روحية أو أسطورية.
اما الرقص الترفيهي، فكان يؤدى في المناسبات الاجتماعية والوطنية والدينية، تعبيراً عن مشاعر الفرح والاطمئنان والرضا.
ويتضمن كل نوع من هذين النوعين رقصات لها أجواء وايحاءات خاصة مرتبطة بمضامين شعبية ودلالات اجتماعية.
وتنتشر الفنون التشكيلية هي الأخرى في أوساط الشعب المختلفة، حيث تغص أرصفة ومخازن مقاديشو بالتحف الفنية من أعمال الخشب والعاج والجلود التي تتجلى فيها خبرة الفنان الصومالي وبراعته، وتتنوع أشكالها وشخوصها الأسطورية والخرافية، وتعرض للبيع كسلعة، فلا يهم الفنان ذكر اسمه عليها، تماماً كما هي الحال مع اللوحات الفنية التي تزين جدران المحال والمؤسسات والبيوت من دون اسماء الفنانين الذين أبدعوا لغرض العيش.
هكذا كانت حال الحياة الصومالية الشعبية والثقافية قبل الكارثة التي ألمت بكل جوانبها البشرية والاقتصادية والاجتماعية. وليس بعيداً ان تنقلب الحال مرةً أخرى فيستعيد الصومال عافيته وحضوره الوطني والدولي ودوره الفاعل في ازدهار الثقافة العربية والافريقية هناك.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة