المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

يوميات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي .. نــدوات عــن الـتــجـريب والمـواجـهــة .. أدبيات التأسيس للتجريب المسرحي
 

القاهرة/ خاص بالمدى

لليوم الثاني تتوالى فعاليات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، حيث بدأت أولى فعالياته يوم أمس بندوة رئيسية حول أدبيات التأسيس للتجريب المسرحي ووثائقه (قراءات في المسارات منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى نهايات القرن العشرين) شاركت في المحور الاول من هذه الندوة مجموعة من الباحثين قدم أولهم وهو الباحث ساتوش أوكاي من اليابان ورقة بعنوان (حظيرة البشر) قدم فيها قراءة لنص (الجزيرة) الذي برر الياباني أوكاي تناوله هذا النص كونه تناوبه في شرق آسيا تلبية لنداءات كثيرة هناك منها الحدث السياسي والمواجهة الشخصية، والانعكاسات النظرية، والنص الادبي.
ثم قدم الكاتب المسرحي العراقي قاسم مطرود ورقة بعنوان: التجريب..اضافة ومعول ضد التابوات، شرح عبر ورقته هذه كيفية تحديد مسار التجريب، وتأطير أساسيات هذا التجريب، وتمرده على القواعد الثابتة ومخالفة المألوف وغزو المجهول، والبحث عن الجديد المغاير، وتوقف مطرود في ورقته عند مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا مسار اللامعقول،بفهم انه اعطى الوجه الحقيقي لمفهوم التجريب.
أما الباحث المكسيكي لويس ماريو مونكادا فقد قدم بحثا بعنوان: المسرح والهوية عبر محاور أربعة اختص كل منها بمرحلة سياسية مثل مرحلة الاستعمار الاسباني، وتأثر المسرح باللغة الاسبانية، ثم تأثره بالثورة المؤسسية والديمقراطية خاصة في مجالات الانتاج وطريقة معالجة محتوياتها، وصنع الاتصال بالجمهور مرورا بمرحلة الثمانينيات عندما تبنت الدولة رعاية الفنون وبضمنها المسرح.وقدم مونكادا عرضا تاريخيا لما مر به المسرح المكسيكي من تطورات انتجت فيما بعد نموذجا خاصا للتجريب في المسرح.
الشاعر اللبناني بول شاؤول قدم ورقة حول التجربة الرحبانية والمسرح الغنائي، منذ نهاية الخمسينيات ومحاولة الرحابنة اختراق نمط التفكير الذي استقر حول المسرح الغنائي، والتجاوز الحقيقي الذي قدمه الرحابنة في خلق اشكال جديدة من الكلمة الشعرية المغناة، المسرح الذي صهر فيه الرحابنة الجماليات الشعرية والموسيقى والفلكلور وصبوا كل هذه المكونات في بنية تمسرحت واعادت انتاج كل مكوناته الاولى.
ومن الاردن تناول الباحث محمد خير علي الرفاعي الاسئلة الاساسية التي اثارتها قضية التجريب في المسرح، محاولا الربط بين فكرة التجريب وفكرة التغيير عموما في التفكير العربي وتعلق الامر بحرية الكاتب في العالم العربي، ودور الجمهور في توفير فضاء اجتماعي وثقافي يسمح بالدخول في مراحل من التجريب تقود في النهاية نحو تأسيس خطاب مسرحي جديد.
أما الباحثة المغربية لطفية بلخير فقد دخلت لموضوع الندوة (أدبيات التجريب المسرحي ووثائقه من فكرة الكتابة الاخراجية، واخذت نموذجا وطبقت عليه بعض هذه الافكار، وهو نص (لكع بن لكع) لاميل حبيبي.
ومن مصر تحدث الباحث الدكتور محمد السيد غالب عن ان التجريب يجب ان يكون على علاقة بالثقافة المحلية، وتناول قضية التغريب الذي وقع فيه المسرح العربي عبر ترجمات مسرحية اقتطعت من سياقها التاريخي ورحلت من ثقافة إلى اخرى لتؤدي الى حصول خلط وقفزات تسببت في نشر نتائج حول خطاب التجريب المسرحي، الخطاب الذي فقد مقوماته في التفكير المسرحي العربي.
عن المكرمين في دورات المهرجان
تكريم صلاح القصب والدفراوي وآرليت يونار وروث مالتشيك

كرس مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي تقليدا مسرحيا ترك اثره على الساحة المسرحية عالميا وعربيا،وسيكرم هذا العام عشر شخصيات مسرحية عالمية واقليمية منهم الفنان الراحل ابو بكر عزت والدكتور صلاح القصب والفنان المصري محمد الدفراوي، ومن لبنان انطوان ملتقى، ومن فرنسا آرليت تيفاني، ومن الارجنتين أوسبالة وبيلتييري، ومن بولندا الكسندرا جوؤسكا، ومن امريكا روث ماك، ومن الصين زاريا ومين، ومن ايطاليا ماريو بروسبيري.
ويمكن تقديم تلخيص مركز لتاريخ التكريمات فمن العشرة مكرمين الفنان ابو بكر عزت ومحمد الدفراوي من مصر وصلاح القصب من العراق، وانطوان ملتقى من لبنان، ليصبح بذلك اجمالي الشخصيات المسرحية التي تم تكريمها خلال الدورات الثمانية عشرة 174 فنانا مصريا وعربيا واجنبيا، فقد كان المهرجان في دورته الثانية عام 1989 كرم اربعة مصريين وخمسة عرباً واربعة اجانب، وفي دورته الثالثة 1990 كرم خمسة مصريين وخمسة عرباً، وفي دورة عام 1991 كرم ثلاثة مصريين وخمسة عرباً وخمسة اجانب، وعام 1992 ثلاثة مصريين وخمسة اجانب، وعام 1994 اثنين مصريين واثنين عربا وخمسة اجانب، وفي عام 1995 اثنين مصريين واربعة عرباً واربعة اجانب، وفي دورة عام 1996 كرم اثنين مصريين وعربيا واحدا وثمانية اجانب،وفي عام 1997 كرم مصريا واحدا واثنين عربا وستة اجانب، وفي عام1998 كرم مصريا واحدا واثنين عربا وخمسة اجانب، وفي عام 1999 مصريا واحداً وكذلك عربيا واحدا وثمانية اجانب، وفي عام 2000 كرم ستة اجانب ومصريا واحداً وعربيا واحدا، وعام 2001 سبعة اجانب ومصريا واحداً وعربيا واحدا، وعام 2002 ستة اجانب وثلاثة عرباً ومصريا واحدا، وفي الدورة السادسة عشرة ثمانية اجانب وثلاثة عرباً ومصريا واحدا. وفي دورة عام 2005 ستة اجانب وثلاثة مصريين واثنين عربا.
في هذا العام من المكرمين العراقيين الدكتور صلاح القصب الذي وزعت سيرة مركزة له، قدمته بوصفه منظرا مسرحيا واكاديميا، ونشرت عنه سيرة علمية عرضت لدوره في تدريس المسرح في العراق وبعض البلدان العربية، وركزت على إشرافه على عدد كبير من الرسائل الجامعية، واشادت بجهوده في انشاء الورش المسرحية في الوطن العربي والعالم.

عروض ينتظرها الجمهور
الجمهور الذي حضر لليوم الثاني فعاليات المهرجان تركزت حوارته في مواقع المهرجان على مجموعة عروض وزعت عنها بعض الصور والفولدرات، فقد دار الكثير من الكلام حول مشاركة سوريا.. فرقة المسرح التجريبي بمسرحية (حمام بغدادي) تأليف واخراج جواد الاسدي، ومما قيل عنها انها عمل قد قدم من قبل وسعى لتأسيس جماليات سينوغرافية عبر المزج بين المساحة الفارغة والرسومات التشكيلية.
اما العرض الآخر فهو من لبنان والذي ستقدمه فرقة الاتينيه بعنوان النشيد، ترجمة واعداد غبريال يمين يعتمد على ديكور متقشف، طاولة وكرسيين واعمدة وصندوق خشبي، ليؤكد هذا العمل على فكرة الصرامة في توظيف جسد الممثل.
اما العرض الوحيد الذي يشارك فيه العراق بفرقته القومية للتمثيل فهو مسرحية (نساء في الحرب) تأليف جواد الاسدي واخراج كاظم النصار وهو عمل كان قد قدمه المخرج في العراق يدور حول ثلاث نساء عراقيات مهاجرات في المطارات بجوازات سفر مزورة.
ومسرحية من الجزائر وهي مسرحية التمرين ومن تونس مسرحية عرض بوراشكا ومن ليبيا مسرحية قطارة الملح ومن الاردن مسرحية كارمن. وهناك اعمال عديدة اخرى ستقدم في الايام القادمة.


الروايات والترجمة
 

بيدر زين
ترجمة / المدى الثقافي

ينبغي ان تكون تلك هي الاضاءة الاشد لمعاناً في عامه هذا، فليس في كل يوم يتم اقتباس عمل بتفصيل تام في مجلة النيويوركر.
غير ان شيئاُ ما ضاع في الترجمة.
لقد بدأ الحادث على نحوٍ سعيد بما فيه الكفاية عندما فتح سفير لينغستاد
sverre Lyngstad عدد 26 كانون الأول من المجلة ووجد مقالة طويلة حول الكاتب النرويجي كنوت هامسن (1859- 1952) الحائز على جائزة نوبل الذي تقوضت سمعته بفعل تأييده النازيين في أواخر حياته، وقد بذل لينغستاد جهده لرفع صورة هامسن Hamsun كأب للحداثة. وقام منذ عام 1994 بنشر دراسة نقدية لنتاج هامسن الأدبي وترجمة تسعة من أفضل اعماله الى اللغة الانكليزية، بما في ذلك "الجوع" ، "المقلاة Pan" "غوامض mysteries" و"فكتوريا" وهي الاكثر حداثة من بين اعماله.
وبالتأكيد، فإن النيويوركر اقتبست بطريقة متحررة من ترجمات لينغستاد هذه لكنها لم تذكر أسمه على الاطلاق، وعندما اتصل لينغستاد بالمجلة، قيل له ان المحررين قد خشوا ان يتسبب تضمين أسمه في "لخبطة" القطعة. وبعد الكثير من الأخد والرد، وافقت النيويوركر في نهاية الأمر على طباعة نسخة موجزة من رسالته الى المحرر، في عدد 27 شباط.
وقد قال لي لينغستاد في مقابلة بالهاتف:
"لقد تركت المقالة انطباعاً بأن الترجمات المنشورة قد هبطت للتو من السماء أو بان همسن كان قد قام بها بنفسه، فالمرء يود دائماً ان يكون معترفاًُ به لعمله، وغياب مثل هذا الاعتراف يثير كامل القضية الخاصة بوظيفة المترجم ووضعه بالذات، فيما يبدو انه يشير الى ان الاستشهادات من نصٍ مترجم يمكن القيام بها من دون أي ذكر للشخص الذي اوجدها".
والقليل من الناس سيقرّون باشراف المجلة في مثل هذه الحالة، ومع هذا يجب ان نعترف ايضاً بانها قد انجزت شيئاً من الرغبة لدى بعض القراء، والمترجمون يلعبون دوراً مركزياً كهذا في خبرتنا عن الاعمال الاجنبية التي لدينا حافز طبيعي لمحوها من الصورة.
فباختيارنا رواية (مدام بوفاري) أو (الجريمة والعقاب) فاننا ننشد الاستسلام لعبقرية فلوبير أو دوستويفسكي الشاهقة ولا نود ان يذكرنا أحد بأن جهلنا اللغة الفرنسية أو الروسية يعني اننا لا نستطيع ابداً الاستمتاع باعمالهما الأدبية، وانما فقط بنسخ معدلة منها ابدعها مترجمون موهوبون ولكن مغمورون.
وجميع المترجمين من الدرجة الاولى تقريباً ينقلون قصة وروح الاعمال الأدبية التي في المتناول- مدركين شوق بوفاري أو عذاب راسكولنيكوف- لكن حينها نتذكر فلوبير، الذي كان يجهد كما هو مشهور للعثور على المفردة الصحيحة أو المناسبة، بل ان لمحة خاطفة الى الترجمات المتبارية تبدي لنا آلاف الخيارات المختلفة للكلمات، والتي يبدل الكثير منها الايقاع، والاعراب أو التركيب والى درجات متنوعة، معنى العمل كله.
ولو أخذنا مثالاً شديد الأثر، فلدينا هنا ترجمة لينغستاد للجملة الثالثة من رواية هامسن، "فكتوريا": "عندما كبر أراد ان يكون صانع شخاط"، واليكم كيف نقلها مترجم سابق، اوليفر ستاليبراس: "عندما كبر كان سيعمل في مصنع شخاط".
وانا لا أستطيع القول أي ترجمة منهما هي الأصح، غير ان الاختلافات واضحة، فالمترجم لينغستاد يقدم لنا صبياً طموحاً صمّم على ان يضرم النار في العالم. بينما يقدم لنا ستاليبراس طفلاً ذا مصير متجهم يبدو مرسوماً سلفاً.
ان المترجمين أشبه بقساوسة يتوسطون علاقتنا بآلهة الأدب، ونحن نعتمد عليهم حتى ونحن نرغب في اتصال مباشر.
ومع ان المترجمين غالباً ما يحصلون على القليل من الرحمة، فأنهم أكثر أهمية من ذي قبل في هذا العصر العالمي، فالأدب من أراضٍ أجنبية هو واحد من أفضل الطرق لفهم واختبار الثقافات البعيدة، ومع هذا، فانه لا يمثل الا جزءاً صغيراً جداً من الكتب المنشورة في امريكا.
فمن بين 195.000 عنوان جديد طبع في اللغة الانكليزية عام 2004، (وهي أقرب سنة تتيسر لنا فيها الأرقام) لم يكن هناك الا 891 عملاً من أعمال أدب الراشدين في الترجمة، وفقاً لشركة
RR Bowker، التي تتبع آثار أرقام صناعة النشر.
ومع هذا، وبفضل عمل المترجمين البطولي والبائس الأجر في الغالب، سنكون قادرين على الاستمتاع بالكثير من الاعمال الرائعة، مثل رواية إيرين نيميروفسكي "
Suite Francaise" عن الحياة في فرنسا أبان الاحتلال النازي، "امكانية جزيرة" لميتشل هوليبيك، وهي حكاية مستقبلية عن العالم الحديث، و"seeing" وهي آخر رواية للكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل، خوزيه ساراماغو، اضافة الى ما سينفثه المترجمون من حياة جديدة في اعمال قديمة كالحرب والسلام لتولستوي.
ويذكرنا هذا كله بالمفارقة المركزية في العلاقة ما بين القراء والمترجمين: فنحن لا نستطيع العيش معهم، ولا نستطيع العيش من دونهم، في الوقت نفسه !


غونتر غراس ضمير ألمانيا الحي
 

ترجمة/ نجاح الجبيلي

في عام 1970 لاحظت مجلة "تايم" أنّ من بين العديد من المواهب المتعددة لـ"غونتر غراس" أنه يطرح السؤال المناسب في الوقت المناسب، وفي نظر البعض في ألمانيا فإن هذه الموهبة المكتشفة مصادفة منذ مدة طويلة قد تخلت عن أشهر روائي بالنسبة اليهم، لكن أخيراً وفي الرابعة والستين يبدو أن الباحث قد عاد لجني الثروة مرة أخرى.
إن رواية "غراس" الصادرة عام 2002 المسماة "التراجع" هي وصف نصف وثائقي ونصف خيالي لغرق طراد يدعى "فيلهلم غوستلوف" أصابه طوربيد من غواصة سوفيتية قرب "مرفأ دانتسغ" في بحر البلطيق عام 1945، كان الطراد ينقل مهاجرين
نساء ألمانيات وأطفالاً وجنوداً جرحى من أوربا الشرقية في أثناء تقدم الجيش الأحمر- فمات تسعة آلاف شخص وهو عدد يفوق عدد الغرقى في السفينة "تيتانيك" بست مرات. على أنه ليست دراما الرواية هي التي خلقت ضجة في ألمانيا بل حقيقة كون هذا الروائي قد اختار أن يكتب عن هذا الحدث في هذا الوقت، ولكي تفهم مغزاها عليك أن تنظر إلى الطريقة التي بها تطورت ذاكرة ألمانيا منذ عام 1945.
أشار "غراس" مؤخراً في تقرير "مؤشر الرقابة" إلى أن هذا الإصرار استمر "إلى الحد الذي لا يمر فيه أسبوع الآن إلا ويحذروننا من مخاطر النسيان" كذلك لاحظ في هذا السياق كيف "يجري تذكر المعاناة التي أصابت الألمان في الحرب في وقت متأخر من اليوم مع تردد كبير"، ويبدو أن روايته الجديدة توحي بالنسبة له ،وهو المراقب المتفوق للروح الألمانية، أن الوقت قد حان للتخلي عن هذا التردد". جعلت مجلة "دير شبيغل" هذا التحول غلافها الذي يحمل عنوان "قصة التيتانيك الألمانية"، ولمحت مجلة "دي فيلت" إلى أن "غراس يعود الآن إلى موضوع الوعي الجمعي- هل تصبح ألمانيا أخيراً طبيعية ؟".
لم يعش "غونتر غراس" بعيداً عن هذا الوعي الجمعي، فقد ولد عام 1927 في الميناء الحر القديم لـ"دانتسغ" المدينة التي استولى عليها الرايخ الثالث عام 1939 حيث أصبح "غراس" عضواً في منظمة "شباب هتلر". كان ابن بقال ونشأ في دكان يعج بروائح سمك "الرنكة" والكيروسين والفواكه المجففة والمرغرين
سمن نباتي صناعي-، الروائح التي لوثت رواياته فيما بعد (فلم ينجز إلا القلة من الكتاب مثل هذه الواقعية الشميّة التي أنجزها "غراس")، التحق بالجيش وعمره (16) سنة وجرح وأسر عام 1945 حيث كان رامي دبابة في الجبهة الشرقية، أصبح أسير حرب لمدة سنة فانهارت قناعاته بالاشتراكية الوطنية حيث أجبر على المسير عبر "داخاو"، وحين أطلق من الأسر وجد ألمانيا صُغرت ،حجماً وروحاً، إلى كسر من الحجارة ووجد نفسه بلا عمل ولا بيت.
وبين هذا الحطام كان "غراس"، الذي هو رجل عصره دائماً، يحدوه الحلم في أن يكون نحاتاً وأصبح عاملاًً لبنّاء حجر يصنع شواهد القبور، منذ ذلك الحين أصبح يبني النصب التذكارية، وبينما كان يعاد بناء مدينته المدمرة "دانتسغ" لبنة فلبنة (باسم "غدانسك") عزم على بعث الماضي وبذلك يصوغ مستقبلاً لأمته. سافر في أوائل الخمسينيات إلى أوربا بلا جذور حاملاً وطنه في قلبه (تبقى "دانتسغ" في روحه وكيانه مثلما كانت "شيكاغو" بالنسبة لـ"سول بيلو" أو "براغ" بالنسبة لـ"ميلان كونديرا"). كتب جزءاً من روايته "طبل الصفيح" بينما كان يعمل وقاداً في مرجل بباريس ووجدت بعض من تلك الطاقة المحروقة طريقها إلى كل جملة في روايته.
حين نشرت الرواية حاول العديد حظرها وتعرض للشجب كونه " من المحتمل أنه يعرض الروح والعقل الإنسانيين للخطر إن لم يكن يدمرهما"، وبينما اندفع سرده في التفصيل المسعور لسنوات النازية فإن صوته الحيوي الفوضوي والإنساني تحدث للألمان عن مستقبل أكثر تسامحاً وكمالاً. قبل "غراس" اشتراكه في جرائم الحرب لكنه آمن بضرورة الكف عن الشعور بالذنب لدى جيله. قال لأطفاله وأحفاده:" إنكم غير مذنبين، لكن عليكم رغم ذلك أن تثقوا أن هذه الأمور لن تحدث أبداً مرة أخرى. هذا كل ما في الأمر، هذا يكفي".
وبالمقارنة مع روائيين معزولين بصورة عامة عن الأحداث السياسية فمن الصعب تصور كاتب يصل قامة "غراس" تماماً، وفي تنويهها عند منحها له جائزة نوبل عام 1999 لاحظت الأكاديمية السويدية لا روعة رواياته فحسب، وبالأخص ثلاثية "دانتسغ"، بل أيضاً حقيقة أنه "في المناقشات العامة يكون مصدراً ثابتاً للقوة والتحريض"، وطوال أربعين سنة يحلل كل لقاء له مع الجمهور بدقة في وسائل الإعلام الألمانية، في البداية ككلمات عرّاف وفيما بعد ككلمات معترف.
إنجازه الكبير في ذلك الوقت
من خلال إحدى عشرة رواية ودزينة من المسرحيات وأربعين كتاباً من القصائد والمقالات- أنه قد نجح بصورة عامة في أن يجعل مساهمته في النقاش، رغم غضبه، بابتسامة هادئة وعيناه الناعستان تومضان، وهو يعشق الجاز ورب عائلة ومضيف كريم. يقول عن الأجيال القادمة :" أرجو أن يكون الناس قادرين على الضحك حين يقرأون كتبي".
على أنه في السنوات الأخيرة وجد عدد من أبناء وطنه شيئاً ثميناً في رؤيته لتسليتهم، ومنذ عام 1989 أصبح "غراس" شخصاً يثير التساؤلات في حفلة إعادة توحيد ألمانيا، وهو ينفث الدخان الكثيف من غليونه في احتفال الرأسمالية بنصرها، لأنه دائماً يذكّر أمته بمسؤوليتها نحو التاريخ. وبدلاً من الوحدة فما رآه كان شيئاً مفروضاً و "نظاماً يضم الألمان من الطبقة الأولى والثانية، كان من العسير فهم أن هؤلاء الستة عشر مليوناً من الناس(من ألمانيا الديمقراطية) يجب أن يسمح لهم بجلب تجربة حياتهم المدّمرة إلى داخل البلد الموحد". كل ذلك الشرق قد جرى تحطيمه، وما رآه يشبه احتلال هتلر للنمسا لكن بوسائل أخرى.
أعطى "غراس" تنفيساً كاملاً لهذا الإدراك الحسي في روايته الصادرة عام 1995 بعنوان:"حقل واسع". كان القراء ،وهم يتوقعون سرداً كبيراً عن توحيد ألمانيا قد أصيبوا بالخيبة بسبب المرارة الظاهرية لرؤية غراس، ووضعت مجلة "دير شبيغل" صورة على غلافها ،تكررت بشكل مقيت في ألمانيا، للناقد "مارسيل رايخ-رانيكي" وهو يمزق الكتاب تمزيقاً، ومقابل ذلك بدا "غراس" لفترة أنه يكتئب يأساً من بلده. لهذا يبدو الأمر مفاجئاً أن اليساري العنيد لابدّ له الآن من أن يظهر برواية تتعاطف مع المطالب التاريخية لليمين، وكما يلاحظ المعلق "تيموثي غارتون آش" : منذ أن سقط حائط برلين أصبح "غراس" شخصية متناقضة بصورة استثنائية خارج نطاق روح العصور في ألمانيا " ليس هامشياً أبداً، بل بعيد بصورة متزايدة". قد تكون الرواية الجديدة علامة على التقارب الجديد للكاتب لكننا لسنا واثقين تماماً.
إنها تبدو أشبه بقطعة من عمل غير منته. لقد طاردت قصة سفينة "فيلهلم غوستلوف" غونتر غراس وهي تبرز فجأة في رواية "طبل الصفيح"، ووصف كيف أن القصة ضاعت من أجل التاريخ يظهر في رواية "مئويتي"، حكاياته المئة الحالية حيث خرافة عام 1945 تظهر من مراسل حربي وهو جزء من الأنا الثانية الوطنية النشطة الذي يعترف:"رأيت السفن محملة بالمدنيين والجنود الجرحى ورؤساء الحزب يخرجون من "دانتسغ"" على الرغم من رؤيتي سفينة "فيلهلم غوستلوف" قبل ثلاثة أيام من غرقها، لم أكتب كلمة واحدة.. رأيتها كلها ولم أكتب أي شيء".

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة