|
في مقابلة
مع مدير زراعة ذي قار:
عدم استقرار قوانين أدارة الاراضي أثر سلبا على الزراعة
محمد شريف أبو ميسم
تبلغ
المساحة الادارية لمحافظة ذي قار خمسة ملايين دونم، وهذه
المساحة الشاسعة التي عرفت بالبطائح، كانت تزخر لغاية
الثمانينيات من القرن الماضي، بغابات النخيل وبوفرة
المحاصيل الزراعية المختلفة والثروة الحيوانية الهائلة
بمختلف انواعها (اسماك - طيور - مجترات - ماشية)..
بيد
ان كارثة زراعية - اقتصادية حلت بهذه المدينة.. تجلت بابشع
ملامحها في تسعينيات القرن الماضي، بعد ان تم تجفيف
الاهوار وأبيدت على اثر ذلك ثروة حيوانية هائلة من الاسماك
والطيور والمجترات، وانهارت مقومات الزراعة في المناطق
القريبة منها، فهاجر سكانها الذين لا يجيدون عملاً سوى
العمل الزراعي إلى المحافظات الاخرى بحثاً عن لقمة العيش..
ورافق ذلك ايقاف العمل بمشروع المصب العام الخاص بنقل مياه
البزل إلى البحر، وهو مشروع خطط له منذ عام 1956، فاستحال
مصبه الرئيسي إلى جدول يحمل مياه السقي المخلوطة بالمياه
المالحة والعكرة وسمي بنهر القائد، وعلى اثر ذلك تم احتباس
المبازل الفرعية، مما رفع نسبة ملوحة الارض، فلم يتبق من
الاراضي الزراعية المستصلحة في عموم المحافظة سوى (12000)
دونم مع قلة كفاءتها وهي تشكل الآن نسبة اقل من 1% من
المساحة الاجمالية، علماً ان 70% من سكان هذه المحافظة
يعملون في القطاع الزراعي.. وقد حاولنا النظر في الواقع
الزراعي الحالي لهذه المدينة التي تشكل ملمحاً مهماً
ورئيساً في مشهد الاقتصاد العراقي، بعدما قيل عن الخطط
والمشاريع والاموال التي رصدت لدعم الزراعة فيها، وعن
اعادة الحياة لاهوارها.. فقد قيل ان الجانب الايطالي منح
مبلغاً قدره (600) الف يورو لمديرية زراعة ذي قار، وان
المصرف الزراعي خصص ملياري دينار عراقي لدعم صغار الفلاحين
في هذه المحافظة، وان المياه قد عادت إلى اهوار هذه
المدينة، وان ثمة مشاريع استثمارية كبيرة يجري الحديث
عنها.. فما مدى صحة ما يقال؟ وهل استطاع القائمون على امر
الواقع الزراعي ان يغيروا بعضاً من ملامح المأساة
الاقتصادية التي شوهت وجه المدينة..؟
مدير زراعة ذي قار السيد عبد الحسين صالح قال لنا: ان ما
قيل عن مبلغ الـ 600 الف يورو ليس صحيحاً، مجمل الحكاية ان
الجانب الايطالي وعد بتقديم معونة ولم نتسلم أي شيء، إلا
ان وسائل الاعلام تناقلت الرقم على انه 600 الف يورو.. اما
بخصوص الملياري دينار التي خصصها المصرف الزراعي ضمن صندوق
قروض الفلاحين، فان عمليات التسليف التي يقدمها المصرف
لصغار الفلاحين، تتراوح ما بين مليونين إلى عشرة ملايين
دينار لكل فلاح تبعاً لنوع المشروع وحجمه..
ولكن المشكلة في اجراءات التسليف، التي دفعت بالكثير من
الفلاحين إلى العزوف عن القرض خاصة ان شرط وجود اربعة
كفلاء من بين موظفي الدولة، او تقديم عقار ضامن أمر صعب
على الفلاحين الذين يعيشون في الارياف ولا يملكون سوى عقود
اراضيهم التي ربما لا تغطي اصل القرض لكونها مملوكة للدولة
او شيئاً من هذا القبيل وعموماً فان الواقع الزراعي في
محافظة ذي قار يستند إلى مقومات طبيعية وبشرية مهمة، لكنها
ظلت متواضعة ومتذبذبة او متدنية في معدلات الانتاج الزراعي
الكمي والنوعي في الجانبين النباتي والحيواني وذلك لضعف
وتردي وتخلف الوسائل التي تحرك وتفعل تلك المقومات، حيث
كان لهذا التدني اسبابه الموضوعية الموروثة معقدة التركيب
(اقتصادية، اجتماعية، سياسية، تشريعية..).
ان عدم استقرار التشريعات القانونية لادارة الاراضي
الزراعية اثر تأثيراً سلبياً إزاء تنمية الانتاج الزراعي
جراء المنازعات العشائرية حول حيازة الاراضي الزراعية
والتقاطع الحاصل بين السندات العثمانية والاوامر والبيانات
البريطانية، ثم جاء قانون الاصلاح الزراعي 117 لعام 1970
الذي الغى قانون تسوية حقوق الاراضي الصادر عام 1932 فقد
تم الاستيلاء على الاراضي الزائدة عن الحد الأعلى من
الملاكين من دون تعويض وفي عام 1983 صدر قانون 35 وتبعه
قرار 364 لسنة 1990 الذي ساعد وشجع على بروز طبقات جديدة
من اغنياء المزارعين، اضافة إلى استغلاله من قبل اصحاب
النفوذ والسطوة من الضباط والعسكريين والحزبيين، وبجانب
هذا التردي القانوني وعدم الاستقرار هنالك عوامل مهمة اخرى
منها تردي وتدهور الاراضي والمياه بعوامل الملوحة والتلوث،
فالملوحة العالية لمياه نهر الفرات يبلغ معدلها نحو 3500
جزء لكل مليون جزء وقد تصل إلى 5000 جزء لكل مليون جزء عند
شحة المياه كما تحمل مياه نهري الفرات ودجلة (فرعه الغراف)
مخلفات صناعية ومياه مجار ثقيلة منها السائلة والصلبة،
الكيمياوية والبيولوجية، حيث تعتبر محافظتنا مجمعاً كبيراً
لكل تلك المخلفات من المنابع وحتى المصب. اضف إلى ذلك
التدني في مستويات انتاج واستخدام التكنولوجيا المتطورة في
الزراعة والمياه..
*إزاء هذا الواقع ماذا قدم القائمون على الواقع الزراعي من
اجل الخروج من هذه المعضلات؟
-لدينا الكثير من المشاريع والخطط.. فمن أجل النهوض
بالواقع الزراعي في محافظتنا التي عانت الاهمال ابان العهد
السابق والتي تضررت على اثره شريحة واسعة من ابناء
المحافظة فتركوا أراضيهم وهاجروا إلى المحافظات الاخرى
طلباً للعيش، فقد خاطبنا كلجنة زراعية في المحافظة وزارة
الموارد المائية من اجل شمول الاراضي الزراعية والبساتين
على جانبي نهر الفرات بشبكات البزل وادراج تنفيذ استصلاح
متكامل لجميع الاراضي التي تخدمها مشاريع البزل المختلفة
واستئناف العمل في المبازل المتوقفة عن العمل.. ولدينا
افكار لاعتماد الزراعة المحمية من خلال اقامة البيوت
البلاستيكية الكبيرة للزراعة العمودية بسبب ضعف الانتاجية
في اراضينا لتملحها ولتقليل الهدر بمياه السقي باستخدام
الري بالتنقيط.. اما بخصوص المشاريع التي تنفذ حالياً من
قبل مديرية الزراعة فهي تقع ضمن مشروع الخدمات الارشادية
الزراعية بتخصيص سنوي مقداره 437 مليون دينار، حيث تم
تسليفنا الدفعة الاولى وقدرها (109) ملايين دينار أي بنسبة
25% وهذه المشاريع هي: تطوير انتاج الفطر باستخدام
المخلفات الزراعية وينفذ بناحية النصر بتخصيص 100 مليون
دينار، ومشروع تطوير الذرة الصفراء او البيضاء، وينفذ في
ناحية الدواية بتخصيص (170) مليون دينار ومشروع تطوير تسلم
وتبريد وحفظ الحليب، ينفذ بقضاء الجبايش او احدى نواحيه
بتخصيص 100 مليون دينار، ومشروع تربية النحل ينفذ بقضاء
الشطرة بتخصيص 67 مليون دينار.. وهنالك مشاريع تنفذها
الهيئات العامة والشركات المرتبطة بوزارة الزراعة في
محافظة ذي قار ومن هذه المشاريع، مشروع تحسين واكثار
البذور مثل تحسين زراعة الرز والشلب ومشروع لبحوث مشاريع
الثروة الحيوانية، مثل تربية وتحسين الابقار المحلية،
وتطوير وتحسين الجاموس العراقي في منطقة الاهوار، وانشاء
مراكز للتلقيح الاصطناعي، ومشاريع لتكثير وزراعة النخيل
ومشروع تثبيت الكثبان الرملية ومكافحة التصحر.. وقد رصد
لهذه المشاريع بما فيها المشروع الارشادي مبلغ قدره (1434)
مليون دينار ضمن الخطة الاستثمارية لعام 2006 اضف إلى ذلك
فقد تم اختيار موقعين لتربية وتنمية الاسماك في قضاء
الجبايش وكرمة بني سعيد (هور السناف) وموقع آخر لتحسين
وتربية الجاموس في ناحية الحمّار وموقع لتربية وتحسين
الابقار العراقية المحلية في ناحية البطحاء.
*ماذا بخصوص النخيل؟ وهل اصيب المتبقي بحشرة الحميرة او
حشرة الدوباس؟..
-لدينا مساحات من النخيل تبلغ اكثر من 25 الف دونم.. ومن
حسن الحظ ان الظروف البيئية في مدينتنا غير ملائمة لانتشار
حشرة الدوباس إلا ان حشرة الحميرة تعتبر من الآفات المهمة
والخطرة التي يتعرض لها النخيل في مدينتنا.. وكانت مكافحة
هذه الحشرة تتم عن طريق استخدام الطائرات المحورة (طائرات
عسكرية محورة لاغراض المكافحة) وهذه الطائرات انتهى عمرها
الزمني، فبحثت الدولة عن مصادر اخرى للطيران الزراعي ولكن
هنالك ظروف حالت دون ذلك.. فتم التعاقد لشراء الطائرات إلا
ان العقود ما زالت غير منفذة، وحصرت في المنطقة الوسطى
لمكافحة حشرة الدوباس فاضطررنا تحت هذه الظروف، إلى ان
تكون المكافحة البديلة عن طريق توزيع المبيدات الكيمياوية
مجاناً على الفلاحين، حيث تخلط مع حبوب اللقاح لمكافحة
حشرة الحميرة، وسعينا مع الجهات الايطالية والبريطانية
وبالتنسيق مع مجلس المحافظة وحصلنا على مبلغ بسيط تمت من
خلاله مكافحة عشرة آلاف دونم من مجموع 25 الف دونم، بواسطة
100 (مرشة ارضية) سعة 100 لتر مع شراء مبيدات كيمياوية
مناسبة، وكانت نسبة الانجاز 100% للمساحات التي كافحناها.
*شاركنا الحديث السيد كاظم توفيق مدير قسم الثروة
الحيوانية في مديرية زراعة ذي قار - متحدثاً عن مشروع
تأجير المسطحات المائية المعلن عنه في مديرية زراعة ذي قار
وعن البرامج المتبعة لاعادة النشاط من اجل استثمار هذه
الثروة المهدورة حيث قال:
-كان تأجير المسطحات المائية سابقاً لاغراض أمنية، حيث
كانت الاهوار ملاذاً آمناً لمعارضي النظام السابق، فكانت
تعليمات ديوان الرئاسة السابق هي المعتمدة في اجراءات
التأجير من قبل المؤتمنين من الاسلاف القاطنة، ليتحملوا
المسؤولية الامنية عمن يأوي إلى تلك المسطحات من معارضي
النظام والغرض من التأجير في الوقت الحاضر لحماية الثروة
السمكية من الصيد الجائر والاهوار التي تطل عليها محافظتنا
هما هور السناف وهور الحمّار وتبلغ مساحة الاهوار قبل
التجفيف من (1056000) إلى (1048000) دونم أما حالياً فلا
تتجاوز (400000- 4500000) دونم وهي لا تتمتع باستقرار في
الكتلة المائية مما يؤثر سلباً في نمو وتكاثر الاحياء
المائية، والغرض من التأجير في الوقت الحاضر، هو التأجير
للثروة السمكية وليس للارض، فالجهة المسؤولة هي الهيئة
العامة لتنمية الثروة السمكية والعقد يقر من قبلها اما
التثمين فيتم بمشاركة عضو من الهيئة العامة لتنمية الثروة
السمكية وعضو من مديرية الزراعة.. حالياً الاهوار غير
مستغلة بشكل رسمي لذلك يحصل الصيد بالبطاريات وبالسموم
وليس هنالك سلطة تنفيذية قادرة على وقف هذا النوع من
الصيد، لذا فقد وجدنا ان ايجار المسطحات المائية لشخوص او
شركات من اجل حماية الثروة السمكية، ومن شروط العقد، اطلاق
الاصبعيات من اجل تنمية الثروة السمكية والحفاظ عليها،
واذا نجحنا في تطبيق القوانين في المسطح المائي، فان تطبيق
تلك القوانين ومتابعة المخالفين سيكون امراً سهلاً في
اسواق البيع وثمة ملاحظة مهمة اود ذكرها في هذا الصدد،
تتعلق بنشاط بعض منظمات المجتمع المدني المعنية بشؤون
الاهوار، فمن المفترض ان تتم نشاطات هذه المنظمات تحت
اشراف وعلم دوائر الزراعة، لان الكثير من هذه المنظمات لا
علم لها بالجوانب الفنية والعلمية فتجلب بعض اعمالها الضرر
بدل الفائدة، اذ ان هنالك لجنة تسمى اللجنة التوجيهية
لانعاش الاهوار في وزارة الزراعة، تضم مختلف الاختصاصات
الفنية وهي تعمل باشتراك مع وزارة الموارد المائية، وترفع
مشاريعها وتوصياتها لمركز انعاش الاهوار في وزارة الموارد
المائية.
*ما ملاحظاتكم بخصوص تسليف مشاريع الثروة الحيوانية..
-هنالك جملة ملاحظات ولكن من اهمها.. هو المطالبة بزيادة
مبلغ القرض نتيجة لارتفاع اسعار الافراخ وتكاليف التربية،
وكذلك المطالبة باعطاء قروض لانشاء مشاريع الثروة
الحيوانية بفوائد مناسبة.. وكذلك المطالبة بان يكون الحقل
نفسه ضامناً للسلفة بدلاً من العقار، وذلك لصعوبة الحصول
عليه احياناً.
|