المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

المثقف والانترنت .. الانترنت ضرورة وليس ترفاً
 

محمد درويش علي

يشكل الأنترنت اهمية كبيرة في حياة الناس جميعاً، لا سيما المثقف تحت أي عنوان كان، سواء أكان شاعراً أم قاصاً ام صحفياً ام ناقداً، لأن المعلومات التي ترد فيه تمثل عملية تواصل ما بينه وبين الآخرين، بينه وبين الثقافات الاخرى، التي لابدّ من معرفتها، والدخول في تفاصيلها.
اذا ما كنا بالأمس نحتاج الى ايام واشهر للإطلاع على معلومات، أو كتاب، أو أي نشاط فكري وثقافي آخر، فإن كل هذه، بالإمكان مد جسور التواصل معها، في وقتٍ لا يستغرق الا دقائق. أي ان أي نشاط ثقافي هو في متيسر المثقف، في الوقت الذي يريد.
ان الانترنت اختصر لنا الكثير الكثير، لذلك فانه يشكل علاقة تقدم وتطور في حياتنا، ليس بإمكاننا الاستغناء عنها.
ومن هذه الأهمية التي يشكلها الانترنت، قمنا بهذا الاستطلاع وطرحنا السؤال على ستة مثقفين، ما بين قاص وشاعر وصحفي وهو (كيف ينظر المثقف العراقي الى المواقع الثقافية في الانترنت) وكانت هذه الاجوبة التي حصلنا عليها منهم مشكورين.
أول المتحدثين كان القاص والصحفي كاظم حسوني، الذي تمنى ان يكون الانترنت في كل بيت من بيوت المثقفين لأهميته اذ قال:
ربما سيسحب الانترنت في المستقبل القريب البساط من تحت وسائل الاعلام الاخرى كالصحف والمجلات، اذ نرى جنوح الكثير من الكتاب والمثقفين الى الاكتفاء بالكتابة بواسطة الانترنت بمواقعه المتعددة، الذي جعلهم في غنى عن النشر في الصحف، فضلاً عن ذلك يتميز الانترنت بمخاطبة القارئ في كل مكان في العالم، وهذا ما لم تحققه الصحيفة المحلية التي لم توفر مثل هذا الانتشار.
لقد جعل الانترنت العالم وكأنه قرية صغيرة، وبات من المتاح ان تخاطب القارئ في الصين، او كندا، او السودان، وغيرها من بقاع الارض بيسر.
المثقفون العراقيون بدأوا يتجاوبون مع هذه الوسيلة الحضارية بشكل سريع، واتمنى ان يدخل الانترنت في بيت كل مثقف واديب وكاتب عراقي لنلحق بركب الحضارة والمدنية الحديثة.
وكان للمترجم مزاحم حسين رأي مغاير، اذ اعتبر الانترنت وحشاً يقتل براءة قراءة الكتاب، لأن قراءة الكتاب شيء، والانترنت شيء آخر ولخص فكرته بما يأتي:
الانترنت ذلك العالم الواسع البديع والمخيف معاً الذي جعل العالم أشبه بقرية صغيرة، والمثقف يقف ازاءه مندهشاً فهو بوابته على كل ما يصدر في مجال الادب والثقافة عموماً ويمكن للانترنيت ان يوفر جهد ومال الكاتب أو الباحث لانه يستطيع ان يستخدمه في أي وقت يشاء وفي أي مكانٍ يقصده، وليس بمقدور الباحث والكاتب ان يقتني أو يشتري ما يريد من المصادر والدراسات والكتب لكونها كما اسلفنا تشكل عبئاً عليه ولكن نرى معظم مثقفينا ومبدعينا ينأون عنه ولا يحيطونه بالاهتمام الكافي لكون أغلبهم لا يجيدون التعامل معه أو تصفح مواقعه ولا يغيب عن بالنا ان قراءة الكتاب مطبوعاً لها من اللذة والتوق ما يعادل بل ما يفوق التصفح الالكتروني حتى ان القارئ للكتاب تبقى في ذهنه الكثير من الافكار أو حتى ممكن ان يتذكر صفحاته فهناك علاقة أيمائية نفسية تجعل المثقف أو الكاتب يقف بقدسية ازاء الكتاب أما الانترنت فانه يراه وحشاً تكنولوجياً يحاول أن يسحب منه براءته وافتتانه وهيامه بالاشياء أو تأملها ومن هنا يقف المثقف ازاء الانترنت وقفة خوف وخشية من ان يسلبه هذا الاختراع براءته ودهشته الاولى نحو الاشياء ومن هنا نجد هذا الخوف والنزوع عنه مبالغاً فيه لأن الانترنت يمكن ان يكون اكبر عون للكاتب أو الباحث ليصل الى مبتغاه شريطة أن يتآلف مع هذا الاختراع وأن يروّض نفسه للتعايش معه.
فيما اعتبر القاص شوقي كريم حسين، الانترنت حرية تفيض بكلمات وهجها شعرا وألقها قصصاً، وكسرا لحاجز النشر الذي كان يعانيه المثقف العراقي اذ قال: الانترنت هذا الكائن المدهش، الذي ظل غريباً عنا لسنوات طوال، كنا نشعر بالخجل حين نراه عبر التلفاز او نسمع به عبر رسائل الاصدقاء، لكنه وبألفة محب ما لبث ان تجاوز الحدود ليعبر لنا، حاملاً سلالاً من ثمار الامل والحب والاخاء، صدفة وجدنا اسماءنا مدونة عبر صفحات ما كنا لنعلمها من قبل، حافظ مدهش للتواريخ وقوال من الدرجة الاولى، اول ما فعله عمله في كسر حاجز النشر، فلقد تجاوز حدود الناشر والمحرر، ليقتحم الحياة، ويقدم المبدع العراقي عبر مواقع ثقافية كان لها حضور متميز فوجدنا كتابات الامبراطور والكاتب العراقي والحوار المتمدن وغيرها لقد كسر المثقف العراقي حاجز الاحتكار، وبدأ يتعامل مع الموضوع بحرية اكبر وانطلاق اعم، فبعد ان كان الخوف سائداً، عادت الحرية لتفيض بكلمات وهجها شعراً وألقها قصصاً.
لم يعد الانترنت غريباً، بل صار مألوفاً في البيت، والمدرسة، والمقهى، وصار العالم يتعرف على كتّاب العراق لانهم اسهموا في بناء مواقع خاصة بهم تعنى بالمسرح والادب والفن.. تلك هي الانطلاقة الاولى لكنها مدهشة، اما عن الآتي فأعتقد ان أدباء العراق سوف يحتكرون هذا الناقل الجميل مثلما احتكروا لسنوات وعقود النشر في المجلات والجرائد العربية رغم الم الحصار ووجع الجوع والسجون والاعتقالات العشوائية.
وكان للناقد والصحفي عيسى الصباغ، رأي اخر أذ اعتبر الانترنت من المظاهر الثقافية والحضارية المهمة، لا سيما اذا ما انتهت مظاهر العنف في مجتمعنا وقال بهذا الصدد:
ان المواقع الثقافية التي يتضمنها الانترنت او التي يُنشر عليها تلعب دوراً فاعلاً في توصيل قيم الثقافة وتبادل الافكار والاراء وتفعيل الادوار الثقافية على مختلف اتجاهاتها وتياراتها ومن المؤكد ان هذه القنوات الثقافية فاعلة في المجتمعات التي تعير اهتماماً بها اذ يمكن الحصول على وسائلها بيسر ودون تعذّر، وفي مجتمع يعاني احباطات وتلكؤات في مجمل حياته الاجتماعية والاقتصادية مثل المجتمع العراقي فأن هذه القنوات تكاد تكون مقتصرة على شرائح معينة وذلك لتعذر الحصول على وسيلة الاتصال أولاً ولعدم اتقان استخدامها ثانياً لذلك نرى ان ما ينشر على هذه المواقع يكون محصوراً بين فئات المستخدمين وهم قلة.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات فقد أثبتت تلك المواقع الثقافية فاعليتها بين هذه الفئات واستطاعوا أن يوصلوا آراءهم وافكارهم بجرأة ما كان للصحافة أن تنشر شيئاً منها، وهنا تأتي اهمية هذه المواقع واعتقد أن مجتمعنا اذا استطاع ان يتخلص من مظاهر العنف واذا ما تحسنت اوضاعه الاقتصادية فأن لهذه الوسائل الحديثة شأناً آخر واغتنم الفرصة هنا لأشير الى موقع (كتابات) للزميل أياد الزاملي إذ استطاع هذا الموقع ان يحقق حضوراً لافتاً للنظر بين المثقفين العراقيين في الداخل والخارج كما استطاع ان يؤسس روابط متينة الامر الذي عزز قيم الثقافة ودفع بعربتها الى الامام.
وعدّ الشاعر علي خصباك الانترنت حالة من السرور و هي لا تخلو من الاسماء العراقية المتميزة ابداعياً ومن فضائل التكنولوجيا ان انجبت هذا الجهاز العجيب الغريب فقال: كان من فضائل التكنولوجيا ان انجبت هذا الجهاز العجيب الغريب والذي وصلنا مؤخراً، كون العراق كان يعيش خارج الكرة الارضية، ومن فضائل الانترنت الجمة صرنا نقرأ آخر الاخبار الطازجة وما يدور في كل اصقاع العالم بما في ذلك مواقع تعنى بالثقافة والادب والفن، وهكذا وجد الاديب والكاتب العراقي نفسه متواصلاً مع هذه المواقع بل اختصرت له كثيراً من الامور فيما يخص النشر ونحو ذلك فصرنا نقرأ لأدباء عرب ونطلع على آخر نتاجاتهم وفي الوقت ذاته صار يقرأ لنا الاخرون ما ننشره على الانترنت لكن ثمة اشياء تحدث وحدثت واقصد بهذه الاشياء (السرقة) فيأتي احدهم ويطلع على مادة معينة (ويلطشها لطشاً) ومن ثم تنشر في الصحف، بل ان بعضهم أسس له اسماً وحاز على هوية نقابة الصحفيين أو اتحاد الادباء بفضل الانترنت، على كل حال ان فائدة المواقع الثقافية هي تفعيل للمشهد الثقافي واطلاع على النتاج العربي والعالمي ومحاولة الاستفادة من التجارب والتي كنا نقرأها متأخرين في بطون الكتب وما يسر في المواقع الثقافية الحضور البهي للأديب العراقي في المواقع الثقافية.
واخيراً قال الشاعر منصور الريكان ان المواقع الثقافية ما هي الاّ عملية تواصل بين كل الاجيال الثقافية، وكذلك ما بين ادب الداخل والخارج.
وأضاف: انا من المتابعين للمواقع الثقافية في الانترنت وهي الحوار المتمدن وكتابات والامبراطور وفضاءات وبيت الشعر العراقي والاديبات الاماراتية وكيكا والافق وكتاب عراقيون وشباب مصر ومتابع للادب الثقافي العربي وما تفرزه المرحلة الثقافية المعاصرة ولكن هناك تباين في مستويات ادباء المواقع اعلاه. وانها قد افرزت كتاباً مرموقين على مستوى المرحلة فللحوار المتمدن اتجاهها اليساري ولها ادباؤها المتميزون ويكتب فيها من له باع في الثقافة وانني اعتبرها من اهم المواقع العربية وذات اصالة اما كتابات فهي في الدرجة الثانية وفضاءات لها الادباء العرب المتميزون اما انا فلا ارتاح لما ينشر في موقع كيكا اذ انها متقوقعة ولم تأت بالجديد أما الامبراطور وبيت الشعر فإن ما يميزها هو التدخل في صميم الادب العربي وخدمته وان اطلاعي على هذه المواقع اظهر الافرازات الشعرية والقصصية لادب ما يسمى بادب المنفى وادب الداخل.
الآن وبعد كل هذا، هل للمواقع الثقافية من تأثيرات على المثقف؟ وهل ان المثقف العراقي يتفاعل معها؟
ان الأجوبة ما زالت بحاجة الى تمعن والى رؤية اخرى، كلما ازددنا تعلقاً بالأنترنت وبالمواقع الثقافية فيها!


يوليـانا فولـف تتسلم جـائـزة " بيـتـر هوخـيل " للشــعر

ترجمة: سلمى حربة

تسـلمت الشاعرة الألمانية الشابة " يوليــانا فولف Uljana Wolf في أواسط هــذا العام في برلين جائزة " بيتر هوخيل Peter Huchel" و قيمتــها عشرة آلاف يورو ، وهي من أشهــر جوائز الشــعــر في ألمــانيا و أرفعــها مرتــبة ،تمنــح لأفـضـل ديوان جديـد من الشعر ،و يعد بيتر هوخيل الذي تحمـل الجائزة اسمه واحداً من كبار الشعراء في ألمانيا و هذه الجائزة حملت اسمه تخليدا له ، ولد هوخيل في إحدى ضواحي برلين في 4/3/1904 وتوفي في 30/4/1981 وقد عرف بأشعاره ذات الصياغة الكلاسيكــية المتينة ، شغــل فتــرة من حياته رئيسا لتحـرير مجلة " العــقل و الشكــل " .

إن المشرف على هذه الجائزة هو إذاعة الجــنوب الغربي لألمانيا بالاشتراك مع ولاية باد فوتمبرك ، و كان " كوخاني ..اشتريت خبزا " ديوان شعر يوليانا فولف الذي صدر عام 2005 عن دار نشر كوك بوك ضمن سلسلة الشعر ، هو الفائز هذه المرة من بيـن عدد كبيــر من المتقدمــين لنيـل هذه الجائزة من البلدان الناطقة بالألمانية، و بهذا وجدت الشاعرة لها موقــعا بين الأسماء الكبــيرة في عالــم الشعر ، إن اعتراف لجنة التحكيم بمكانتها الشعرية يعد تحولا كبيــرا و نقلة نوعيــة تمتعت بها كشاعرة شابـة لــم يتجــاوز عمرها بعد السابعة و العشرين ، و قد أخذ اسمها رقم 23 في قائمة من فازوا بجائزة " بيتر هوخيل " التي حصل عليها لاول مرة عام 1984 الشاعر " مانفريد بيتر هاين " عن ديوانه "التوقيع المجاور " ، و من الأسماء المشهــورة التي حصلت أيضا على هذه الجــائزة : فولف كرستين عن ديوانه " الأرض عند مايسن " سنة 1987 ، و لودفيك كريفـه عن ديوانه " هي تضحك و أشعــار أخرى "سنة 1992، و كوندر هربورك عن ديوانه " البيت المحترق " سنة 1993 ، وفولــف كانك هيــبيك عن ديــوانه " صور من الحـكــايات " سنة 2002 .
وقــد جــاء في قـرار لجــنة التحكــيم التي تتــكون من سبعة أسماء من المعــروفين في نشاطاتهم الأدبية و الإبداعية و المعرفية : أن الشاعرة في هذا الديوان أعطت القناعة الواضحة و الشديدة ، بأنها صوت خاص يمتلك قوة شعــرية انفتحــت على مناطــق لغوية واسعة ، وهذا ما أعطاها الحرية في صياغة صور مذهلة و مدهشة تنبع من تجربة وجدانية عميقة ،و في الوقت نفسه يمتلك شعـرها الإتقــان و الدقة التي تفاجئ القــارئ .وقد جــاء في قــرار لجنــة التحكيم أيضا : قلة من الشعراء من اعتنى بوصف الطبيــعة هذه العناية الفائقة ، و بدخول هذه المناطق اللغوية المدهشة ، التي تتجسد في المجازات و التدفق اللغوي و الصور المبتكرة .و يوليانا فولف واحد منهم .
و في متابعة لموضوع الجائزة كتب الملحق الأدبي لجريدة "
Reissner Anzeiger رايسنر أنتسايكر : إن جوهر صورها الشعرية و روحها يتركز في ما هو خيالي ، الصــور عندها تصغــر حتى تكــاد تكون لوحات مصغرة و رسوم منمنمة . و ذكرت جريدةBerliner Morgenpost برلينر مورننك بوست : إن الأشياء عندهــا كالكلمات و الكلمات كالأشياء ،و هذا لم نعد نراه في شعر غيرها من الشعراء الشباب هذه الأيام . و قد كتبت عنها جريدة Hamburger Abendbldtt هامبوركر آبند بلات بعد حصولها على الجائزة مباشرة : لطــالما رددت الشاعــرة مقــولتــها " إن الحقــيقــة بسيطة "فكان شعرهــا في هذا الديـوان فيـه الكثير من تجسيد هذه المقولة ،أكثر من أربعين قصيــدة في هذا الديوان ، جميعها تكشف لنا حقيقـة تلك الأشيــاء الحميــمة و المألوفــة بالكلمات المتـداولة البسيطة التي تكاد تكــون يومية ولكن ليس بمقدور أحد تقليدها ، أليست هي الحقيقة المتداولة يوميا ؟ و لكن بالانفعال الشعري الملموس ، دون تحليلات غريبة ، تصــف حياتــها في ألمانيــا و بولنــدا ،و في شرنقة نصوصــها تصور المناظر الطبيعية من القطارات المسافرة أو و هي تقف في المحطات الصغيرة تنتظر برهــة قبل أن تعــاود الرحــيل ، غالبا لا تقول شعرا مباشرا ولكــن برمزيــة لا لعب بالكلمات فيها و لا غمــوض.
ولدت يوليانا فولف في برلين عام 1979 ، و هي تعيش فيها الآن ،درست علوم اللغة الألمانية فيها أيضا بجامعة
Humboldt هومبلت ،كما درست علم تاريخ الحضارة في مدينة كرا كاو و وارشو في بولندا ، و قد حصلت عام 2003 على جائزة " فيرك شتات " النمساوية ، و قد أدارت مؤسسة ثقافية للتعريف بالأعمال الأدبية بالاشتراك مع بعض الأدباء الشباب .
بعد نيـل الشاعرة يوليــانا فولف الجائزة ضيَّفها راديو ألمانيا الثقافي لعمل مقابلة معها ، أجابت فيها عن بعض الأسئلــة التي تتعــلق بها و بشعرها ، و قرأت بعضــا من قصائد ديوانها ، وهذه ترجمــة للحديث الذي دار معها :
سؤال :بالطبــع ،فوزك بالجائزة أفرحك كثــيرا، هل جعلك الفوز تفكــرين أيضا بشيء من الخــوف ، و كثير من الفخر؟
فولف : نعم ، عندما أبلغت بالجائزة ذهلت ، أو دعني أقول انتابني إحساس ذو حدين .
سؤال : ماذا تقصدين بذلك ؟
فولف : الفخر و الاعتزاز مقابل الرهبة و الخوف ،هذه هي مشاعري ، و هذا ناتج عن المسؤولية التي سوف أحملها الآن يجب أن أفكــر أكثر قبل أن أقــدم على شيء .
سؤال :لقد وصلـت و أنت بعد في بدايــة حياتك الأدبية الى قمة ما يتمناه الكــثير من الشعراء في ألمــانيا ، ماذا تريـدين أن تحققيه أكــثر من هذا في المستقــبل ؟
فولف : نعم ، بعد حصولي على الجائزة ،أشعر الآن أني يجب أن أكون قاسية على نفسي أكثر ، لكني أظن أني سأواصل عملي بكل بساطة وكأني لم أحقق شيئا ، و أحاسب نفسي على كل شـيء ، ماذا يصــلح لكي أفعله و ماذا لا يصلح ،المهم بالنسبة لي أن أواصــل كتــابة الشعر .
سؤال : أنت درست الادب و تاريخ الحضارة و تعملين الآن موظفة بمكتبة عامة في وسط برلين ، في تقديري أن حياة الشاعر يجب أن تكون على غير هذه الحال أو يمارس نشاطا غير هذا ، هذا شيء غير حقيقي .
فولف : نعم ، هذا صحيح .
سؤال : و ما هو الشيء الحقيقي ؟
فولف :الحقيقي أني أبتعد عن ذلك في كثير من الأحيان لأجلس في أي مكان ، كتابة الشعر تحــتاج الى الهــدوء ولكن صخب الحــياة ضروري أيضا كمادة يختزنها الشاعر لتكون إحدى مكوناته أثنــاء كتابة الشعر ، و كما أن الشاعر لا يستطيع كتابة الشعر طوال اليوم فإنه أيضا لا يستطيع أن يمضي وقته بالصخب .
سؤال : أذن كتابة الشعر يمكن أن تكون في أي وقت ؟
فولف :متى يأتي الإلهام ، متى تساورني الأحاسيس الشعرية في الأعماق أكتب قصائدي .
سؤال : الإحساس الشعري هو قبل كل شئ بالنسبة إليك ؟
فولف : و هذا ما يجعلني أحتاج في كل الأحوال الى الكثير من الهدوء و التأمل ، الى الكثير من التركيز ،لكي تتشكل الأشياء في رأسي ، لذلك لا يجوز أن أكتب الشعر و أنا أعمل لأن ذهني سيكون مشغولا بالأشياء الأخرى ، على العموم ، الليل من أفضل الأوقات لكتابة الشعر .
سؤال : هل ستجعلك الجائزة التي نلتها تكتبين أكثر ؟
فولف : هذا صحيح .
سؤال : و لن تتوقفي ؟
فولف : نعم .
سؤال : ولماذا نعم ؟
فولف :لقد أصبحت طريقة التعبير مهمة جدا بالنسبة لي ،أنا أرى العالم من خلال اللغة و الشعر ، و لا تنس أني أرى في ذلك الكثير من المتعة و التسلية ، يمكن للمرء أن يجد كل شيء في الشعر .
سؤال : بدأت الكتابة في الثانية عشرة من عمرك ، هل بمقدورك تذكر الأشعار الأولى ؟
فولف :لا أتذكر منها شيئا ، أنا أعرف فقط أني في وقت ما كتبت أولى قصائدي وكانت ذات طبيعة بدائية ، المشاعر فيها من النوع الذي يمكن للمرء أن يجده ببساطة في كثير من الشعر الذي من هذا النوع ،لكن لماذا كتبت ذلك الشعر و ما هي دوافعه ، الجواب لا أدري.
سؤال : نريد أن نسمع منك ، ماذا ستختارين للقراءة ؟
فولف :سأختار قصيدة " كتابي المتفرد
Flurbuch " و الكتاب هنا هو رجوع الى الكلمة الأولى التي سجلت في كتاب الخليقة الأول ، في هذه القصيدة بحث عن آثار الأجيال ، و هي من ثمانية مقاطع قصيرة :
_ كتابي المتفرد _
( 1 )
آبائي ، رجال بسطاء
أبناؤهم ، مثلي أنا

نحن نسأل القدر
و المصير نحمل سره

آباؤنا كلمة
تتجول في الغابة المظلمة
( 2 )
آبائي ، ليسوا رجالاً بسطاء
أبناؤهم ، مثلي أنا

قدرنا في سنارة الصيد
من دون الطعم لا نقدر على العطاء

آباؤنا كلمة
تتجول في الغابة المظلمة
( 3 )
أخوتي ليسوا رجالاً بسطاء

الكلمة الأولى ، قلتها
نسيت السكوت ،الكلمة الثانية

اختلف الباقي منك
لكن نجح في مسعاه
( 4 )
آبائي رجال مغامرة
الأول رحل ، و الثاني نادى
و الثالث قضى زمنا بتوثيق الأواصر
الأخير دفع الثمن
( 5 )
آبائي ليسوا رجال مغامرة
الأول مكث
الثاني بكى
الثالث لم يكن عنده وقت
الأخير احتفظ ببطاقات سفر الى مناطق مجهولة
( 6 )
الفم هو مجرد فم
كتابنا المتفرد
نحمله بنشاط في قلوبنا

كل شيء موثق
حتى الحب ، بالتاريخ و المكان
( 7 )
الحزن ملاذنا
عندما نتربص
نحن الذين بين قوسين داخل الجمل
حبنا يتسكع في الطرقات
يتجول في بطاقات السفر
( 8 )
آبائي ، لم يكونوا قوافي بسيطة
صحح تصورك

الحب مراهنة على دخان
أو هو عقب سيجارة بفلتر .


افتتاح الدورة 18 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي

قاسم محمد عباس
موفد المدى الى القاهرة
افتتحت يوم امس فعاليات الدورة الثامنة عشرة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي بحضور نخبة كبيرة من المسرحيين من مختلف دول العالم، وقد تضمن الافتتاح الذي حضره وزير الثقافة المصري لوحات عبرت عن مقتطفات من اعمال مسرحية مشهورة شكلها واخرجها الفنان خالد جلال.
قدمت فقرات الافتتاح الفنانة داليا البحيري حيث رحبت بالمشاركين الذين ضمتهم قاعة دار الاوبرا معلنة عن بدء اعمال المهرجان.
وتشارك في الدورة الحالية دول عربية بينها الجزائر وتونس والعراق والسودان والأردن والسعودية واليمن وسوريا وعمان بالإضافة إلى دول أجنبية منها فرنسا واليونان وبلغاريا وأوكرانيا والمكسيك وهولندا وكوريا.
وقال الوزير إنه إلى جانب الندوة الرئيسية للمهرجان والتي تحمل عنوان "التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية" فان إدارة المهرجان ستخصص ندوة من اجل لبنان وستحمل عنوان "لبنان والمسرح العربي."
وتحدث فوزي فهمي رئيس اللجنة التنفيذية للمهرجان قائلاً أن الندوة ستتناول "تأثير لبنان المهم والواضح في تأسيس المسرح العربي إلى جانب مصر."
وأضاف أن العرض المسرحي اللبناني "النشيد" المأخوذ عن نص الكاتب المجري جورجي شويدا سيفتتح أنشطة الدورة الحالية. .
وأشار الوزير حسني إلى أن نفقات سفر الفرقة اللبنانية تحملها المغني المصري عمرو دياب رافضا انتقادات البعض بأنه كان من الأجدر أن يتولى القائمون على المهرجان هذه المهمة.
وقال الوزير ردا على سؤال بشأن الإجراءات الأمنية التي ستطبق خلال الدورة الحالية "إجراءات الأمن تجري على قدم وساق. لن يتم إطلاقا إقامة أي عمل مسرحي في مكان غير مأمون أو مشكوك في سلامة الأمن فيه."
ويكرم المهرجان هذا العام عددا من الشخصيات المسرحية العربية والعالمية بينهم الممثلان المصريان محمد الدفراوي وأبو بكرعزت والكاتب والمخرج العراقي صلاح القصب والمخرج والممثل اللبناني أنطوان.

المدى وضيوف المهرجان
التقت المدى ليلة الافتتاح مجموعة من المشاركين في المهرجان ، فتحدثوا عن المهرجان وافتتاحه.
المخرج احمد عبد الحليو قال : لم افهم اللهجة اللبنانية جيدا حيث قدم في حفل الافتتاح عرضا مسرحيا لبنانيا، ولكن العرض جميل خاصة انه يدور بين شخصيتين تناقشان القضايا الراهنة ومشكلات مجتمعنا.
وكانت للمخرج احمد عبد الحليو ملاحظات فنية حول عرض الافتتاح تناولت رؤية المخرج وايقاع العمل.
الناقدة الدكتورة نهاد صليحة قالت : ان العرض اللبناني كان شديد الرقة وقدم فكاهة مؤلمة على نحو راق.
اما الناقد القطري حسن رشيد فقد تحدث عن المهرجان وعرض الافتتاح بالقول: هو عرض قدم في اطار العبث انطلاقا من فكرة محاصرة الانسان العربي وسط مشكلات راهنة ومعقدة، وقد حاول المخرج ان يغلف عرضه بواقع الوطن العربي وبخاصة لبنان، لكن العمل كان اقرب الى الترهل.
الشاعر والمسرحي اللبناني بول شاؤول تحدث عن عرض الافتتاح قائلا :
انه عرض مميز ومعبر، ويبقى في النهاية عملاً ينزع نحو التضامن العميق مع لبنان.
الفنان سعد اردش اكد على اهمية المهرجان بالقول: الحضور كبير ومميز هذا العام وعرض الافتتاح جيد، وقدم نظرة ايجابية وصادقة عن معاناة الشعب اللبناني.
الناقد المصري ابراهيم الحسين وجد ان عرض الافتتاح جاء عرضا بسيطا وطويلا ، وتحدث عن ازمة حقيقية نحياها لكن يتوجب ان تقدم بتركيز اكبر.
الكاتب الدكتور رفيق الصبان قال : يمكن القول ان العرض مؤثر وفاعل على الرغم من قسوة ما يقدم بهذه البساطة.
وتشهد هذه الدورة مشاركة مسرحية اجنبية واضحة ، حيث توافدت فرق وشخصيات مسرحية الى دار الاوبرا، ومن الشخصيات التي اعلن عن تكريمها في هذا المهرجان الدكتور صلاح القصب وابو بكر عزت وآرليت تيفاني من فرنسا وغيرهم من الفنانين توزعوا على بلدان امريكا اللاتينية واوربا وامريكا .


مسرحية الخادمات في القاهرة التجريبي


مسرحية الخادمات تأليف الكاتب الفرنسي جان جنية وإخراج العراقي المخرج رسول الصغير وتمثيل الهولنديات اناماريا دي براون بدور كلير وكاميليا هنسما بدور سولانج ومنوشكا كرال بدور السيدة والإضاءة لري فاسن والدراماتورج احمد شرجي ستكون حاضرة في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي وهي من إنتاج فرقة المسرح الحديث في هولندا ومن الجدير بالذكر ان المسرحية عرضت في عدة مسارح في هولندا وهي أحدث إنتاج لفرقة المسرح الحديث .
خادمتان وسيدة ثرية في بيت واحد الخادمات يحاولن التخلص من السيدة بقتلها ,هذه هي الفكرة الفلسفية التي انطلق منها جان جنية في كتابة النص في محاولة لتسليط الضوء على الصراعات الطبقية في مرحلة كتابة النص أما المخرج رسول الصغير فأعاد كتابة النص بطريقته وحاول تسليط الضوء على السلطة والتسلط والتحكم بمصائر الآخرين من خلال أشخاص أنتجهم المجتمع وسوق لهم وعندما تمكن هؤلاء الأشخاص من الأمر مارسوا التسلط على من أنتجهم ... فكرة المخرج إن الشعوب هي التي تصنع دكتاتوراييها.. وأصنامها..


حوار مع المسرحي حازم كمال الدين: العلاقة مع الوطن مشروع نقدي وليس ذاكرة للبكاء
 

وديع شامخ
حازم كمال الدين فنان مسرحي حملَ هاجس التجديد منذ بداياته الأولى مع المسرح العراقي، وتحديدا مع فرقة المسرح الفني الحديث، إذ ساهم في أعمالها وهو طالب في السنة الرابعة في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1977-1978. ولا يخفى على المتتبع لمسيرة المسرح العراقي، الدور المشرق لهذه الفرقة في تاريخ المسرح العراقي. بعدها غادر كمال الدين العراق ليصل الى بلجيكا، في رحلة تراجيدية تخللتها محطات مؤلمة، مثّلت مأساة النزوح العراقي المتكرر للمنافي. ولم يكن المنفى عند كمال الدين وطنا نقيضا او لقيطا، بقدر ما كان مشروعا لأعادة العلاقة مع الوطن إبداعيا -نقديا.فكانت الأعمال المسرحية التي قدّمها في المنفى " تشير دون لبس الى سعيه لإلغاء الحدود الثقافية ، وتؤشر بوضوح الى ان نتائج مثل هذا العمل يمكن ان تكون مسرحا ناقدا في عالمنا المعاصر.
*
هل كان وجودك في المنفى تحقيقا لأحلامك ؟
-أكيد، إذا كنت تقصد أحلامي المسرحية
- نعم اقصد هذا .
-سأصارحك باني كنت احمل عقدة النقص أمام المشروع الإبداعي الغربي.كنت مقلدا للمسرح الأوربي منذ ستانسلافسكي، وبريشت وآرتو. لأننا في الوطن لم نستطع ان نكون شركاء مع الذهنية الجديدة. فكان المسرح بالنسبة لنا مجموعة من الأقنعة ، قناع تاريخي ، قناع ميثولوجي، لكي نمرر رسالة المسرح في ظل حكم الديكتاتور.وهنا جاءت أهمية ما يسمى بالمنفى ليّ، او بتعبير آخر كان المنفى هو وجود ظرف حياتي مستقر لإنجاز التجربة الإبداعية.
*
حتى لا نتشتت في تجربتك الإنسانية وقلقها وتأثيرها على تجربتك الابداعية. كيف تسنى لك ان تُوفق بين مشروعك كأنسان مستلب في المنفى، ومبدع في معادلة القطيعة الفاعلة مع تاريخك الفني والشخصي في العراق ؟
-أذا ما استثنيت حياتي الشخصية في محطات الترحال المتعددة، ستجد ان استقراري في بلجيكا منحني مسارا نوعيا لفهم دور المسرح في الحياة. لقد تخليت عن دور المسرح السياسي التعليمي، ايقنت ان الاسئلة بدورها التجريدي قادرة على القيام بدور اشاري يتوافق مع تطور الانسان الحليم الذي يفهم بالاشارة . فكان الجسد موضوعي الاول . الجسد هو المعنى الواقعي للانسان ويمثل الاطار الحقيقي لوجوده واحلامه ،عبر طرح الاسئلة.
*
أتيت الى العراق بمشروع مسرحي مختلف؟
-نعم أتيت لوصل ما انفصل.
* ما هو مفهومك الجديد لرسالة المسرح للعراق ، سيما ان المسرح العراقي قد شهد الكثير من التجارب التي تلاقحت مع المنجز المسرحي الأوربي ؟
-لا اعتقد ان أيّ جديد بالمنطوق الزمني يحمل حداثته المفترضة، فالحداثة رؤيا قبل كلّ شيء. لكن الظرف الذي أعيشه في بلجيكا يسمح لي تحديدا لتأشير القطيعة بين المسرح العراقي ، وتطورات العلاقة ودوره في الحياة . فانا بعد ربع قرن من الغياب العاطفي عن الوطن،أحمل لبسا غريبا بين مشاعري ومشاعر أمي ، هي الكائن الذي تجعّد من فراقي.فهل اسمح لنفسي ان أكون هذا الكائن المجعّد أمام مشروعي المسرحي!
*
ماهي ملامح مشروعك المسرحي الجديد؟
-لا يمكن تلخيص مشروعي نظريا دون مشاهدة اعمالي،ولكني على المستوى النظري ارى ان المسرح شيء جميل وله خطابه الخاص، وهو وسيلة لتبادل اللقاء بين البشر. في المسرح ليس هناك حدث مركزي وانما هناك احساس عام تولده المسرحية بتاثيرها الجمالي على المشاهد.تماما كالرقص الفردي او الجماعي في حفلة عرس.كما اني ارى ان المسرح ليس المؤلف او المخرج فقط، وانما هو الممثل والمشاهد. فعندما ارمي حجرا في بركة آسنة، ليس هدفي هو احصاء الحلقات المائية المتكونة اثر رمي الحجارة، بقدر ما اعنى بعملية تحريك الآسن، والابتعاد عن النظرة الاحادية للعمل المسرحي عموما.
*
بعد ربع قرن من الغياب عن العراق ، عرضتم في بغداد مسرحية ( ساعات الصفر)، وقد اثارت الكثير من ردود الفعل والجدل الساخن. ما تعليقك؟
-ان ثيمة المسرحية هي متوالية من الأسئلة طرحتها في العراق عن سبب ظهور الديكتاتور الدائم منذ جلجامش وحتى صدام حسين. ولقد عرّجت بهذه الاسئلة على ذاكرة الطفولة وعلاقتنا بالميثولوجيا لنصل الى سؤال جوهري هو (من أنا وكيف اكون نفسي). لقد عرضنا المسرحية في قاعة منتدى المسرح في شارع الرشيد في ظل ظروف مناخية قاسية بلغت الحرارة فيها 57 درجة مئوية، مع ظروف امنية سيئة. واما عن الجدل الذي اثارته المسرحية فهو جدل صحي وطبيعي ازاء كل ما هو جديد ، وفي تقديري ان اهم فعل حقّقته رؤيتي الفنية للمسرح هو تكوين (فرقة القرين) من مجموعة من المسرحيين العراقيين الذين سيرسخون مفهومنا في المسرح العراقي.
*
ما هي المعايير التي افترضتها لاختيار الممثلين العراقيين لتوصيل رسالتك ؟
- لديّ مهمة واضحة تتمثل في معالجة القطيعة التي يعانيها المسرح العراقي مع المسرح العالمي بسبب الظروف السياسية، فانا اعمل بجد على وصل ما انفصل. ولأيماني بطاقة المبدع العراقي الخلاقة، تمت عملية اختيار الفنانين ليس على اساس انتمائهم السياسي السابق او الحاضر، ولا على اساس تاريخهم في المسرح العراقي، ولا على اساس العمر والليونة الجسدية او الحالة الصحية. اعتمدت فقط على مبدأ الألتزام والصدق، ومن خلال هذا المعيار نجح الفنان العراقي باستيعاب منهج مسرحي جديد سيكون رافدا من روافد التنوع الجمالي للحركة المسرحية العراقية.


فنون الأداء المسرحي .. حين يكون الجسد فكرا

د. محمد حسين حبيب

تتخذ لغة الجسد الإنساني وبالمعنى العام أهمية خاصة في التعاملات الحياتية، بوصفها الأسلوب الامثل لتبادل المعلومات والأفكار بين الأشخاص دون استخدام لغة اللسان، ويعتقد علماء النفس بأن 60 % من حالات التخاطب والتواصل بين الناس تتم بصورة شفاهية، أي عن طريق الإيماءات والإيحاءات والرموز، لا عن طريق الكلام اواللسان، والبعض منهم يرى إن هذه الطريقة ذات تأثير قوي، أقوى بخمس مرات من ذلك التأثير الذي تتركه الكلمات، ويذكر أن هناك مئتين وخمسين ألف حركة / إيماءة جسدية معروفة الدلالات تصدر بأفعال مرئية، بل يذكر آخرون رقما آخر يبدو فيه شيئ من المبالغة وهو وجود (سبعمائة وخمسين ألف) حركة / إيماءة تصدر من مختلف مناطق الجسد الإنساني وأعضائه ومكوناته الحاوية على (أربعمائة مليون خلية) تعد الأساس البيولوجي للإنسان .
لغة الجسد هي لغة المجتمعات القديمة، لغة بدائية سائدة ومهيمنة آنذاك، وباتفاق عدد كبير من علماء الانثربولوجيا، وحتى بعد اكتشاف الكتابة ظلت الإيماءات الجسدية بوصفها أشكالا ناتجة عن ثقافة البيئة نفسها، " وان هذه الإيماءات تكون متوارثة، ضمن العائلة او القبيلة او المنطقة الواحدة، معناها ينحصر بين أهلها ولا يفقه معناها من هم خارج الدائرة .. " (1) فلغة جسد رجل الجبل مغايرة للغة ابن الساحل، والجسد في الحرب شكلا وحركة يكون مغايرا في حركته وشكله في أيام السلم .
ويرى عبده خال إن مصطلح ثقافة الجسد " قفز الى واجهة الثقافة العربية .. وان هذا المصطلح لم يؤخذ بزاويته المنفرجة، بعيدا عن التجنيس فتمركز في هذه الدراسات حول ثقافة الجسد متخذا من الأنثى أنموذجا . "(2) .. فما الذي يدفع ادوارد سعيد مثلا الى تقديم دراسة عن الراقصة (تحية كاريوكا) إلا إعطاء الأنثى أهمية غيّب من خلالها الذكورية الجسدية .
ويمكن أن نشير هنا، الى توظيف الجسد الأنثوي نفسه بلغته الباثة وسط فضاءات الكبت والتابو وغريزة الآخر، توظيفه في مجالات التجسس سياسيا وعسكريا، فالزعيمة (شولاكوهين) جاسوسة إسرائيلية عراقية الأصل وبحسب فريد الفالوجي الذي يشير الى كيفية توظيف الموساد جسدها في التجسس وتكوين علاقات جنسية مع اكبر الشخصيات من ذوي المناصب العليا وسقوط عدد من المسؤولين حينها (في خمسينيات القرن الماضي) سقوطهم (صرعى لغة الجسد) على حد قوله .(3)
ونشير أيضا الى لغة الصم والبكم ووجود المعاهد او المدارس الخاصة بتعليمها بوصفها لغة عالمية موحدة تستند الى حركة اليدين وملامح الوجه حصرا بهدف تقديم معان يفهمها الجميع، مثالنا في ذلك الشخص الذي يؤدي لنا نشرة الأخبار كاملة في زاوية شاشة التلفاز معتمدا حركات ايمائية وعلى يديه ووجهه حصرا دون باقي جسده هي الحركات الايمائية ذاتها التي يفهمها جماعة الصم والبكم، ولو قيض لأحدنا متابعة الحركات مع سماعه الكلمات وبشكل مستمر فسوف يصل لمرحلة يفهم فيها تقريبا معنى كل حركة إيمائية من دون الحاجة الى سماع كلمات النشرة الإخبارية .
في ضوء ما تقدم، يمكننا تقسيم حركة الجسد الى : حركات غريزية، تعبر عن حاجة ما . وحركات تقليدية، تعبر عن الحاجة والرغبة في آن واحد . وحركات قصدية (فنية) غير تقليدية (لغة جسد مسرحية) وهذه الأخيرة هي موضوعنا الأساس في هذه السطور .
لقد مر المسرح وعبر عصور ومراحل تاريخية قديمة ومتعددة كان الاعتماد فيها على جسد الممثل في أدائه وخاصة في المسرح الشرقي المتكون (من الهندي / والصيني / والياباني) .. بل تزايد الاهتمام بلغة الجسد، حقبة بعد اخرى، لدى الكثير من مخرجي المسرح الحديث، انطلاقا من التشكيك بقدرة اللفظ في المسرح في إيصال المعاني والدلالات المسرحية، من جهة، والبحث عن لغة عالمية مسرحية موحدة من جهة اخرى .. فما محاولات وتجارب وتنظيرات كل من : ادوارد كوردن كريج، و ادولف ابيا، و ماير خولد، و انطوان ارتو، و غروتوفسكي، و يوجينو باربا ، و بيتر بروك، و روبرتو بوتشللي، و ليشيك مونجيك، و الفن ايلي، و جورجيت جبارة، و جنى الحسن، و عبد الحليم كركلا، ... إلا إيمانهم بان للجسد قدراته الخلاقة وإمكانياته الجمالية لا بوصفه جسدا يتحرك، بل جسدا يفكر وينتج المعنى والجمال صانعا توازنا ما بين الروح والجسد من جهة، وما بين الجسد والواقع من جهة اخرى . ترى مالدافع وراء تحويل كبرى المسرحيات العالمية الى باليه راقص دون حوار يذكر تصل إمكانيات الجسد فيه الى مديات خرافية فوق الواقع .. نجد هيبة للجسد فيها مخيفة جماليا ...
ويصف ضياء يوسف غداة مشاهدته مسرح الباليه الأمريكي في مقالته الموسومة (التنفس من خلال الجسد كله) يقول : " مع راقصي الباليه الأمريكي، يمكن تخيل الجسد آلة موسيقية منفردة، كل حركة هي نقرة، وكل ميل هو استعداد لغزو الأذن بالتواء حنون .. " ونجد مرح ألبقاعي تكتب عن فريق الفن ايلي للرقص المسرحي بقولها : " استطاع فريق الفن ايلي أن يأخذ المشاهد في سيولة تقوسات الجسد .. وضربات الأقدام، وشهقات السواعد، من خلال تصعيد مكثف للاداء الجسماني العضلي تتحول بواسطته الحركة الى قراءة ضمنية لنص غير معلن في سلوك درامي يميل الجسد الى لغة شعرية تتراص فيها المعاني وتندفع الانفعالات في حمى مشهدية باذخة لها لسعة التحدي
النشوة . فالراقصون والراقصات على المسرح إنما يكشفون عن لغة العالم الواحدة التي تتشكل في إسقاطات العاطفة الجسد، وتنتشر يايماء من العلاقات الإنسانية المعقدة بجل التباساتها ونتوءاتها وانجرافاتها الصاخبة . "
((مقدس / لعبي / جمالي)) مقولة من ثلاث كلمات يستعين بها كريماس، ليكشف عن مختلف أنماطه الإيمائية ويخرج بتصنيف ثلاثي :
- إيماء ذو طابع مقدس (الطقوس الأسطورية ولا تهدف الى التواصل)
- إيماء لعبي (لا يهدف الى شيء)
- الرقص الفلكلوري وقد يهدف الى التواصل وقد لا يهدف.
إن تقسيمات كريماس لأنواع الإيماءات المستعملة في المسرح قد أسعفت الدارس في التعرف على والتعامل مع
لغة الجسد المسرحية، برغم وجود أحيانا بعض المقاطع الإيمائية الخالية من المعنى كالذي نجده مثلا في الباليه الذي لا يمكن أن ننسب معنى محددا لكل وحداته الحركية.
وعراقيا،لاسيما في السنوات الأخيرة، أخذت لغة الجسد وفن إخراج الحركة (الكوركراف) والرقص الايقاعي والإيمائي، شيوعها في فضاءات العرض العراقية، ولو إنها جاءت متأخرة عن التجارب العالمية والعربية التي أسلفنا ذكرها .. ولو إنها أيضا
أي المحاولات العراقية برغم كونها تجارب لم تزل غضة في هذا المجال، إلا أن ما قدم من عروض جسدية إيمائية راقصة، يعد إشارة مهمة الى استعداد أصحابها لتقديم الأفضل برغم الحاجة الملحة لاكتساب الخبرات العلمية وتحسين مستلزمات ذلك التخصيص ووضع برنامج مستقبلي عبر سنوات ليست بالقليلة .. وإيجاد المدارس والمعاهد المتخصصة، وقبل ذلك تطوير الخبرة العراقية المتمثلة بمدربين ومخرجين كوركراف يمتلكون المواصفات العلمية التي من شأنها الأخذ بلغة الجسد العراقية الى مصاف الجهود العالمية والعربية الساعية لتأسيس لغة عالمية للمسرح في هذا الكون برمته .
ومن المهم الاشارة هنا الى زيارة فنان الحركة ومخرجها ومؤديها (طلعت السماوي) الى العراق عام 2000 م واثر زيارته تلك على تفعيل هذا الفن الأدائي المسرحي المهم وتقديمه العروض والمحاضرات والاماسي الثقافية عن تخصصه وفي أكثر من محافظة عراقية .. فضلا عن تشكيله أكثر من جماعة او إشرافه على تدريب مجموعات شبابية نذكر منها إشرافه وتدريبه فرقة مردوخ وتوليه المهام الإخراجية لمسرحية نار من السماء .. كل هذا كان من شأنه ان ينبه الى أهمية هذا اللون من فنون الأداء المسرحي ذات الأبعاد الجمالية التي احتضنها بعد ذلك شبان المسرح العراقي برغم عدم تكاملية تجاربهم وحاجتهم للاستمرارية التدريبية التي يعاني منها ممثلنا العراقي كثيرا .
ولكي لا تذهب جهود ومحاولات كل من : (طلعت السماوي) / (منعم سعيد) / (محسن الشيخ) / (ضياء الدين سامي) / (احمد محمد عبد الأمير)، وغيرهم من أسماء وفرق شبابية تشكلت مؤخرا .. لكي لا تذهب جهودهم المهمة سدى، ولكي نبقي على استمرارية البعض منهم، يتوجب على مؤسسة المسرح العراقي (أشخاصا وواجهات) العمل على زيادة خبراتهم وتوفير السبل الكفيلة بترصين تخصصهم بغية إظهار لغة الجسد المسرحية بصورتها التي نتمنى ونحلم .
وهناك وظيفة للنقد والناقد المسرحي العراقي في دراسة ومتابعة هذا الجانب المهم من الخطاب المسرحي القابض على ارفع مستوى من الدلالات الإنسانية السامية .
وأختم حديثي مع ما قالته (مارتا جراهام) وهي صاحبة تعاليم ومنهج في الرقص الحديث لمسرح ما بعد الحداثة في مجال المسرح وفنون الأداء، ولها خبرتها الشخصية المهمة في تعليم الرقص المسرحي .. ولقد وجد فيها دوريس همفري في كتابه اشكال الرقص الحديث، عام 1961م .. وجد إن ابتكارات (مارتا جراهام) ومعاصريها هي محاولات لإعادة اكتشاف الوظيفة التعبيرية للرقص من خلال التوجه المباشر للعناصر الجوهرية للشكل الكوريغرافي (أي التصميم الحركي)(4) بعد أن رفضت (جراهام) اللغات التقليدية للرقص الكلاسيكي ومفرداته.
فهي ترى في الرقص تجسيدا خارجيا يرتبط فيه التعبير الجسدي عن المشهد الطبيعي الداخلي للنفس، بالخصائص الشكلية للرقص كأحدى وسائط التعبير . وهكذا تصبح الوظيفة التعبيرية للرقص أمرا يتخطى مجرد انتهاج أسلوب معين او السعي الى التعبير عن شيء معين، بل تصبح طاقة تكمن داخل الشكل نفسه كأحدى الخصائص المتأصلة في الطبيعة الأساسية للحركة .. وفي هذا تقول (جراهام) :
" إن الرقص طريقة مختلفة للتعبير عن الأشياء . ورغم انه لا يعبر بصورة حرفية او أدبية إلا أن كل ما يأتيه الراقص من أفعال
حتى في أعمق اللحظات تعبيرا عن العواطف الذاتية له معنى محدد يقينا . ولو كان بمقدورنا أن نعبر عن هذا المعنى بالكلمات لفعلنا، لكنه يكمن خارج دائرة الكلمات، وخارج دائرة فنون النحت والتصوير . فخارج هذه الدوائر، وداخل الجسد، يوجد ذلك المشهد الطبيعي الداخلي للنفس الذي ينكشف من خلال الحركة "(5).

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة