الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عثمان علي يضرب مثلاً في البطولة ويستشهد
 

"عثمان علي" في بيت الشهيد عثمان علي التقينا أناساً شرفهم الله بمكرمة الشهادة والمنزلة العليا التي أرادها الله لهم باستشهاد ولدهم وفلذة كبدهم الوحيد. حينما دلفت إلى المنزل البسيط المتواضع في حي الأعظمية لم أتفاجأ بقوة الأب علي عبد الحافظ وحينما قلت له عظم الله أجرك باستشهاد ولدك أجابني وعظم الله لكم الأجر فيه أيضاً فهو الأبن البار لكل العراقيين وليس ولدي وحسب وحينما ذهب لإنقاذ أخوته وأهله كان موعده مع الأنبياء والصديقين والأولياء الطاهرين.
 

يتوقف قليلاً أبو عثمان ويقول: (كنت أعلم أنه من أهل الآخرة لا الدنيا فكل أفعاله تدل على ذلك فهو محب للخير والمساعدة وكان لا يتردد عن فعل أي شيء يجد فيه خيراً للآخرين وقبل أيام من الحادثة كان يقول لي: أبي أتمنى أن أرضيك وأن أرد إليك جزءاً من تعبك في تربيتي، وقد كان يدرس ويعمل كي يساعدني، لذا أصر أن يعمل في فرن قريب من بيتنا كي يعيلنا لقد كان صديقي وأخي وأبني فهو الوحيد بين أثنتين سأفتقده) وأذكره كل صلاة ومع كل تكبيرة أذان لكن عزائي أنه في عليين وفي أعلى مراتب الشهادة لأنه جعل من روحه جسراً لإنقاذ أرواح آخرى كتبت لها الحياة) اختنق بعبرته وهو يقول: (يعز علي فراقه وأن لا أراه مجدداً لكن حسبي الله ونعم الوكيل وحسبي أنه بين الشهداء والصديقين والأنبياء).
والدة الشهيد: لقد ودعته عريساً
(لم أتمالك دموعي وأنا أقف أمام أم البطل الشهيد عثمان فتساقطت دموعي دون أن أحس وشعرت بالضعف أمام قوتها وإيمانها بقضاء الله وقدره تحدثت وهي تردد لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله الذي شرفني بكرامة شهادته.
كان ولدي منذ طفولته محباً للخير والمساعدة ومحبوباً من الجيران وبين أقرانه، وقبل أيام كان يردد كلمات كثيرة لم أفهمها إلا بعد أن اختاره الله وكنت أحثه على اجتياز الامتحان في أحد دروسه المؤجلة وأقول له: لقد اتعبتني يا ابني وأنا أقول له أدرس فيقول سترتاحين مني قريباً. وقبل يوم واحد ذهب إلى المقبرة القريبة منا وزار قبر عمه حسن المدفون فيها ورجع يقول لي هناك فسحة من الأرض بجانبه ترى من سيدفن بقربه؟ وشاء الله أن يكون في اليوم التالي هو من ضمته تلك الفسحة من الأرض.
لقد كان سباحاً ماهراً كما هو حال أهل المنطقة ولم أخش يوماً أنه سيغرق وفي صبيحة ذلك اليوم وبينما كنا نهم بتناول فطورنا الصباحي سمعنا المنادي من جامع أبي حنيفة يقول: أنجدوا إخوانكم من الموت في نهر دجلة فركض مسرعاً وعيونه تودعني بابتسامة الرضا عما سيقوم به، ليلتحق بأبناء المنطقة.
وبين كل لحظة وأخرى كانت أم عثمان تقول: الحمد لله رب العالمين واضافت: حينما تأخر بعثت بطلب ابن عمه مصطفى كي يبحث عنه لكنه أتى ليقول: أنه أصيب باختناق بسيط وهو يعالج في مستشفى النعمان وهكذا ذهبت مع والده وأهلنا فلم أجده وهناك علمت أنه نقل إلى مستشفى مدينة الطب للعلاج. واتضح لي بعدها أنه استشهد).
وعن شعورها بما يعنيه موقف ولدها واستشهاده أثر ما قام به من عمل بطولي كبير قالت: (نحن العراقيين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) فالمصيبة واحدة والذين أنقذهم ولدي هم أهلنا دون النظر إلى عرق أو مذهب وكل من يريد أن يزرع البغضاء والفرقة ليس منا وهو كافر بنعمة هذه الأرض وبكل القيم التي تربينا عليها وأين هي الفرقة فأسم ابني عثمان ووالده علي وأخ زوجي حسن وابن جيرانهما حسين ونحن متصاهرون ومنصهرون بين بعضنا البعض كالماء والتراب لنشكل لبنه في بنيان جسد الإنسان العراقي؟).
ثم تحدثت خالته أم أحمد قائلة: (عندما سمعنا الخبر كنا نحاول تكذيبه وقلنا ربما سيأتي بعد قليل لكننا تأكدنا أنه ذهب شهيداً وهو يحاول إنقاذ النساء والأطفال من النهر إلى اليابسة. كان شاباً يمتلأ حباً وخيراً ولم يكن يبالي بالأخطار في سبيل الآخرين برغم خوفنا عليه).
أما عمته سوسن عبد الحافظ آخر من كلمها على الموبايل فقالت: (كان يكلمني باستمرار ويداعبني بإرسال الرسائل وقبل يوم واحد كنت نائمة على السطح ورن الموبايل في الساعة الثانية عشرة ليلاً وعندما وجدت رقمه وجدته فوق رأسي ضاحكاً ليقول أجلسي عمتي لنتحدث، لقد جفاني النوم وفي اليوم التالي من الفاجعة حاولت أن أطلبه أكثر من مرة فرد على الهاتف شخص آخر وقال: أنا من مدينة الصدر وهذا الهاتف أمانة عندي أرجو أن تتسلموه وعلمت أنه استشهد مع الآخرين).
آخر من تحدث صديق طفولته وأبن عمه مصطفى وقال: (ذهبنا جميعاً لنجدة إخواننا الزوار الشيعة فكنا نتسابق كي ننقذ ما نستطيع إنقاذه فالأعداد كبيرة وانشغلنا بإنقاذ الأطفال والنساء والشيوخ أولاً وكان عثمان في وسط النهر أنقذ خمس نساء ومعهم طفلان لكن التعب أخذ منه مأخذه وتمسكت به أمرأة ثقيلة الوزن تشابكت يداها حول عنقه ولم يستطع سحبها لتسحبه بدورها إلى الأسفل وحينما هرعت لإنقاذه بصعوبة إلى اليابسة كان في لحظاته الأخيرة ولم تستطع الإجراءات والإسعافات الأولية في التنفس الاصطناعي من إرجاعه إلى الحياة ليفارقنا ويذهب إلى الجنة وليكتب صورة عن حكاية من حكايات المآثر الخالدة في سجل الشهداء).
 


 1000 حمامة بيضاء تصعد إلى السماء!

محمد درويش علي

 

صرخة مشبوهة من مغرض، أودت بحياة ألف عراقي، وبعدد كبير آخر من الجرحى، كانوا يرومون الوصول إلى الكاظمية، لزيارة مرقد الامام موسى الكاظم (ع) في ذكرى استشهاده لقد كانت هذه الصرخة النشاز، بمثابة موتٍ وزعه بين هؤلاء الأبرياء الذين لا ذنب لهم، ولم يرتكبوا أية خطيئة، بل كانوا يؤدون طقوساً وشعائر دينية يؤمنون بها.
لقد سقط هؤلاء الأبرياء المندفعون وسط الحشود التي اقتربت من الأربعة ملايين، في نهر دجلة، وغرقوا فيه، تلاحقهم الرحمة والغفران من الملايين التي استنكرت الحادث من شعبنا، بكل مذاهبه وأديانه وطوائفه، تاركين الخزي والعار يلاحق أولئك السفاحين الذين لم يرتووا من دماء الأبرياء في كراج النهضة، ومدينة الحلة، وطريق اللطيفية، ومدينة الموصل، وغيروا من خططهم الدنيئة لإلحاق الأذى بأبرياء آخرين سموم التفرقة بين العراقيين.
لقد اختار الأبرياء طريق الشهادة، وكانت أرواحهم مثل حمامات بيض صعدت إلى السماء، لتعانق هناك أرواح الشهداء الذين سبقوهم من أجل العراق. وفي غمرة الحدث الجلل، وغرق هؤلاء الأبرياء في دجلة انبرى عدد من شباب منطقة الأعظمية، تحدوهم الروح العراقية، ورموا بأنفسهم في النهر، وأنقذوا ما تيسر لهم من اخوتهم أبناء المدن العراقية الأخرى، مبرهنين لأولئك الإرهابيين والمغرضين على ان العراق واحد، ولا فرق بين مذهب وآخر أو بين دين وآخر، أو مدينة وأخرى. فالشر هو الشر ينال من الجميع، والخير هو الخير يغمر الجميع.
سنذكر هؤلاء الشهداء دوماً بفخر واعتزاز ومحبة، وعسى ان تخلدهم وزارة الثقافة، بجدارية فوق الجسر أو بالقرب منه، من خلال تكليف عدد من الفنانين بذلك، فيها ألف حمامة بيضاء تصعد إلى السماء، وهذا ليس بالأمر الصعب!.


 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة