الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

ظاهرة إرهابية

أحمد عبد القادر

في مدينة الرمادي يرى المرء عجباً ولا يكاد يصدق ما يراه، فما إن تدخل قلب المدينة الذي هو سوقها ومركز تجارتها الضاج بالناس والمليء بالبضائع والسلع حتى ترى أكواماً هائلة من الأزبال المتراكمة بعضها فوق بعض، وفوق هذه التلال الشاهقة تطير أسراب مليونية من الذباب والبعوض والزنابير وما خفي أعظم. أتصدقون أن سوق بيع اللحم محاط من جهاته الأربع بأزبال تجعل المشتري يتقزز من طعامه إذا ما خطر بباله المنظر الآسن لأرضية المسلخ الملوثة بالدم والكروش المتناثرة على الأسفلت مع الطين والأوساخ المتراكمة لأسابيع وأسابيع؟ وحين تسأل أحد القصابين، لماذا لا تتظفون محالكم ومنطقتكم من هذا البلاء العظيم الجالب للأمراض والمقزز للنفوس؟ يجيبك هذا الشخص بفلسفة عجيبة / أخي هذا شغل البلدية. ولكن حين تقول له إن البلدية ماتت وقرأ الناس الفاتحة على روحها يجيبك هذا الإنسان ذو الضمير الميت (هل تريدني أن اصبح عامل بلدية)؟ فما عليك إلا أن تقول له (لا يا عزيزي القصاب إن عليك وعلى زملائك أن تجمعوا مبلغاً من المال وتؤجروا عمالاً وشاحنة فيقوموا بجمع النفايات والأوساخ ويلقوها خارج المدينة وهذا لا يكلف إلا النزر اليسير من وارداتكم الضخمة بلحمك المغشوش حيث ينقلب الكبش تيساً والشاة عنزاً على أيديكم البارعة).

وهذا المنظر يتكرر في هذه المدينة المهملة في كل أرجائها وخاصة في أسواقها. ففي كل شارع حفر ومياه طافحة وأزبال وركام من مواد البناء في الأزقة والفروع والعجب العجاب أن الناس تعودوا على هذه الحالة. وإني لأخشى أن تمتد هذه الحالة إلى بيوتنا ومدارسنا فتصبح الزبالة أنيس البيت، وتمسي رائحتها أريج المحبين وقبل أن تتفاقم هذه الحالة أرجو من أهالي المدينة الكرام بدلاً من الصمت عن حقهم في طرد الزبالة من مدينتهم الفاضلة. أرجو الخروج في تظاهرة ضد الحكومة المحلية، وإن تطلب الأمر ضد الحكومة المركزية داعية إلى وضع حد لهذه الظاهرة الإرهابية التي تمارسها الزبالة على مدينة الرمادي، وإلا فالأمراض قادمة والشوارع قد تصبح ذات ممر واحد بعد أن تأخذ الزبالة الممر الثاني، وعندها يحار رجال المرور فوق حيرتهم في تسيير المركبات لاسيما والممر الباقي تحتله السيارات الواقفة. إذن فلنتظاهر جميعاً وإن لم تنفذ مطالبنا نتطوع جميعاً مرة في الشهر في حملة بطولية لصد هذا الطوفان الرهيب الناجم عن موت البلدية في زمن تكاثرت فيه القمامة وتراخى الناس عن صدها حتى ألفوها.


جلولاء وجود بين سفح وضفاف

أديب أبو نوار

انحدر المساء عن الروابي... ونهض الفجر من خلل الموج ولم تأت الأغنيات، ذهب المغني أو عاد المغني وظل الزمان ترانيم سفر وحكاية محطات. هي مدينة ترتب الموال من المزارعين وتديم أيامها بالأزاميل نقراً على حجر بازلت أو غرانيت، صعبة في مرانها، وادعة في كلامها، لها رائحة سفر عبر تاريخ قريب، مر بها جنود وعندها استقر خير وفير من مواهب وزرع ونبات. فجلولاء تعرف الغيم القريب مثلما تتلألأ عند ضفاف البحيرات. بها زحمة الناس ونكهة شمال والقاب وكنى، ولها مسميات عبر أزمنة الفاتحين، خرجت من "قره غان" اسمها الأول إلى جلولاء - معركة في 16 هـ - وإليها نسب المستوفي ثكنة لجنود ملك شاه السلجوقي. وعندها تجندلت واحدة من أكبر امبراطوريات عصر ما قبل الإسلام، تجندلت وإلى البد إمبراطورية الفرس حيث تقدم الأسلاف الأوائل (هاشم بن عتبه، القعقاع، سعد بن مالك، عمرو بن مرة الجهني) ليتركوا جيش (خرزاد) - اخو رستم - هشيما في رياح.

في ملفاتها قرأنا أنها تسكن على مساحة لا تزيد عن (90) ألف دونم. ويزيد عدد سكانها عن (27) ألف نسمة، وعندها (41) مدرسة منها ست متوسطات وثانويتان ومهنية واحدة وتسع وعشرون ابتدائية وروضتان، ويستخدم ناسها مستشفى متوسط الحال والكفاءة عنده نقص ونقص ونقص في أشياء شتى تصل حد نفاد

المغذيات كما أخبرنا بذلك الطبيب المقيم الذي تحفظ على ذكر اسمه وعندها عيادة للتأمين الصحي ولريفها مركز صحي واحد يسكن في غابات شيخ بابا التي تعد واحدة من أجمل غابات الدنيا لكثافة شجرها ووفرة مائها وإنسيابية حركة الفلاحين عند تخومها. وريفها منتج على مدار العام. أرضه خصبة وفلاحوه مجدون، خاصة في زراعة القطن وزهرة الشمس والفستق، أما الفستق فهو نبات حلال يثير البهجة ويوفر مردوداً مالياً يمتع منتجيه. وقد وصلت نسبة إنتاجه في الدونم الواحد إلى (الف و750 كغم). أما الطماطة والباقلاء والرقي فالعراقيون أجمعهم على دراية ومعرفة بأسرار هذا الإنتاج.

وجلولاء مدينة مثابرة وتعمل جاهدة على تعويض ما لحقها من حيث أثر إلغاء سكة القطار الذي كان يستريح في محطاتها قبل أن يميل شرقاً إلى خانقين أو يواصل صعوده باتجاه كركوك. وبهذا المعنى دفعت إلى ساحة الإبداع قاصاً يسكن الآن في هولندا اسمه (عدنان حسين احمد) وهو ناقد ومترجم وقد منعت عنا رسائله أبان فترة النظام السابق. ومنها انطلق باتجاه باريس الصحفي (شاكر نوري) وآخر اسمه (جلال زنكبادي) الذي كان يعرف باسم (جلال ورده) وكثير من العراقيين لا يعرفون أن أحد رموز الإبداع العراقي في السينما والمسرح والتلفزيون والذي يعمل حالياً مدير لإذاعة العراق واسمه (مقداد عبد الرضا) هو جلولائي.

واليوم هناك (تحسين كرمياني) والقاصة (روناك) والموهوب في الرسم (محمد عبد الستار) أما في الجنون الصحفي فهناك رئيس تحرير أغرب مطبوع يتم إنتاجه على ورق علب السجائر وبخط السيد ويوزع في جلولاء اسمه (المرصد) أما هذا المجنون المبدع فاسمه (رحمن حسين ورده) وهو شقيق جلال زنكبادي.


سلفادور دالي. الذكرى المئوية لولادته في فينيسيا.

 

تحتفل فينيسا بالذكرى المئوية لولادة الرسام الكبير سلفادور دالي، وتقيم معرضا كبيراً يشمل اعماله الـ 300 ، التي قدمها خلال مسيرة رحلة حياته. نرى أعماله من بداياته الصعبة حتى بلوغه النصر. نشاهد في هذا المعرض أعماله الابداعية و ابتكاراته المذهلة التي حازت على اعجاب جماهيره.

في فينيسيا، عند دخولنا الى بلازو غراسي، نشاهد، معلقا فوق رؤوسنا، قطع قماشية بيضاء كبيرة و منحوتات ورقية بيضاء من الورق المقفع، فهناك مثلا اسد ورقي يقفز وسمكة تفتح فمها الكبير.

 يبدو في الحقيقة ، ان الإيطاليين ارادوا توظيف تلك المناسبة للقيام بمهرجان في فينيسيا بمناسبة العيد المئوي لولادة دالي إذ خصصت القاعات للفترة من 1950 و 1960. وفيها صور حبيبة الرسام غالا في: "ليدا اتوميكا"، و" العذراء كوادا لوبي" مادون بورت ليغات ، ، وقد تم وضعها في جو كلاسيكي قديم باهر.

تثير الاعجاب سيطرته التقنية على لوحاته التي بنى من خلالها سمعته الكبيرة وهي نبرز بطريقة بديعة وواضحة التاثيرات. ان الابداع  و النجاح كانامن مصادرها هذا التناقض، الذي انتقده السرياليون بشدة عند رسومات دالي حيث تظهر تلك القاعات ذلك الصراع: اذ لا رحمة لـ افيدا دولارس، حسب التغير الانتقامي الذي اوجده بريتون.

عند دخولنا الى صالون الطابق الاول الكبير، نرى لوحة رمزية لدالي تعود الى عام 1963، ثم خمسين لوحة تجريدية عند رؤيتها على بعد ياردتين، تتحول الى ثلاث صور للينين متنكرا بالزي الصيني و عند رؤيتها على بعد ستة ياردات، ترى وكأنها اسد ملكي. ان عائلة لينين والاسد يمكن تميزهما بشكل واضح. ان النزهة تعطي الانطباع بالسحر الضائع.

 

و في مكان منعزل، في نفس الصالون لوحة "اخي المتوفي"  وهي لوحة اخرى من عام 1963. ترى من بعيد وكأنها لـ بولك. يتكون الوجه من نقاط سمراء و سوداء تطفوا في الهواء، على نسيج غير عادي و ممزق. تحيطه الاشباح . وكأنها ذكرى في طريق التكوين او في طريق  الضياع حيث يظهرالابداع  والمهارة  جلياً في التصورية،  وهي طريقته في التعبير عن فكرته وعاطفته.

 

عملية تدريب طويلة.

التدريب والتمرين جعلتا منه فنانا و رساما محترفا. رغم انه يعطي صفة رسام لنفسه يكتفي بان يكون كذلك. ان أهمية المعرض الأساسية تكمن في أظهار هذا التقبل بين الاثنين. كم من المرات ، ونحن نمر على لوحاته ، نرى دالي يضيع؟

وكم من المرات يهرب على عكس كل التوقعات؟

رغم انه قد قالها مؤخرا، من ان بداياته لاتنم عن العبقرية، لكنه دخل شاباً يافعاً الى الساحة الفنية  و بعبقرية محترف ، عمل ثورة في الفنون الجميلة منذ نصف قرن. انه بشكل عام يجمع: الانطباعية، مابعد الانطباعية، الرمزية، الوحشية ، التكعيبية، الـمستقبلية، مابعد التكعيبية. انه يقلد، و يطبق وهذا يرى بشكل واضح. كانت تركيباته،  الالوانه القوية، و تزين الشخصيات ينقصها الوضوح.

تدريب طويل يستمر حتى نهاية عام 1920. كل الأيام يقضيها في الورشة محاولاً التغلب على بيكاسو او التخلص منه" ثم يتحول الهاجس  الى تقليد. تكسير الأشياء بشظايا حادة، لصق لحاء الشجرة على قطعة كارتون، ، كان دالي يمر في جميع تلك المراحل، ولكنه كان يجد نفسه دائما خلف بيكاسو: كان السباق خاسرا منذ البداية.

ان الانقلاب الاول للموقف حصل في أيلول 1926، في باريس، دالي يقابل بيكاسو أخيراً ويتوقف عن تعقبه غير المجدي. بدأ يقطع ويلصق إعلانات تافهة يجدها في الصحف. كان يرسم بالحبر رسومات، عن الاشباح و عن حشرات تذكرنا بـ ميرو،  الذي زاره في أيلول 1927 في فيغيراس. كان يرى ان العسل اكثر عذوبة من الدم، و بـ حماره المتعفن، و ـ امرأته المتعرية المقطعة، وتلك التي عيونها مفقوءة، ومنظر الرمل و السماء. ميرو يوافق و يقترح مساعدته. يتكلم عن دالي لدى اصدقائه السرياليين، خلال ذلك الوقت، كان دالي يعمل على : "رغبات غير مشبعة"، "الحمار المتعفن"، "ايام الربيع الاولى" تلك الاعمال التي تعود الى 1928.

بعد تردد، يصحح صيغته، الطريقة البراناوية، ظهور العناصر غير المنطقية أو البشعة في منظر خال في الشيركو و في التانغي قد تم تصويرها بطريقة غارقة في التفاصيل. لقد تم تصغير الابعاد، الاسلوب الصغير، القريب من رسم المنمنة، ترافقها تلميحات تصويرية و رسومات منحوتة، كما هو الحال لدى ميرو و ايرنست. ضوء ساطع  يضع بشكل بديهي المحيطات الدقيقة ويسود الظلال، من اجل الحصول على تاثير البقايا السفلية من خلال خداع العين. عندما تكتب كلمة ، مثلاً "امي" في "اسرار الرغبة"، فأن الخط يستلهم من مارغريت.

كانت اعماله الاولى يتم التعرف عليها من خلال بساطة الصور الحالمة ، ملعقة غير  منتهية وترمز الى العلمانية، البنية المريضة للعارضة "الموديل" ، تحية إلى جياكوميتي؟

قساوة ألمشاعر تجاه الحرب الاهلية  وقسوة الخريف.

كانت الخطوط الاولية للرسومات تقوده  غالبا بكثافة إلى عمل لوحاته، انها طريقة مباشرة و حيوية اكثر،  واقل ارباكا من ناحية التأثيرات التقنية. من الممكن ايضا ان تكون اعمال دالي الاكبر هي منحوتاته الـ 42 لعام 1934 من اجل اناشيد مالدورور. بالاسود والابيض، كانت الأفكار تتعرى ، وكانت الميتافيزيقية تستمر، وكان الانزلاقات من المعادن الى العضوية والعكس تتم بطريقة غير متوقعة.

بدأ التكرار و النشر المسرحي يهددانه بسرعة في الرسومات التي تلت ذلك، لكنه كان يعرف كرسام اين يتجه وكيف يصل

الى مقصده. كان منطقيا بحيث يزيد بصماته على المانياريسم التأنقية الايطالية و الشمالية والى الرمزية و إلى الفانتازية، من بوش الى مورو مرورا بـ غريغو و غويا، بجد نفسه، اكثر فاكثر، اكبر مانياريست في السريالية.

ان رسوماته التي يرسم بها نفسه  في " انطباعات من افريقيا " تقدمه كمشعوذ للمرئي المحاط  بأكسسواراته المفضلة ،  جالا الشفافة ، صخور و اشباح.

نضيف الى ذلك لوبستر ميكانيكي، و زرافة محترقة ، قضبان وارصفة فينيسيا و الساعات الرخوة: ان العديد من العناصر التي تتهاوى في النهاية اصبحت مايتميز به دالي.

 ثم بدءا من عام 1936، قامت الصحف و مشتري اللوحات الامريكيين بتقديم اجمل استقبال لرسومات دالي. و نعرف البقية : انتصار مشاريعه ، و شيوع اسمه عالمياً ، الدعاية ، تقديم رسوماته باستعراضات كبيرة  طوال أعوام 1950 و 1960.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة