المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عــــن رحلة فراشة نحو السراج

صادق الصائغ

يقول عبد الرحيم ياسر، صنو مؤيد نعمة وقرينه في الكاريكاتير، انه يرفض تلفظ صفة"مرحوم" امام أسم مؤيد، كلما ورد على لسانه، ويضيف:
" لقد اضحى بعد طول معاشرة جزءاً مني، لغةً وفناً وحواراً واسلوب عيش، وصار مستحيلاً علي تصوره ميتاً". ومثل هذا الشعور ورد ويرد في اغلب الكتابات التي تدفقت بعد موت مؤيد، وانا نفسي هتفت:"مستحيل"،عندما اخبرني الصديق كامل شياع في لندن ان مؤيد مات!! وها" ان المدى" تذكي نفس الجذوة،عن طريق اعادة نشر رسوماته، مؤكدة انه حاضر بيننا بعناد.ولعل مثل هذا الاحساس يتعزز في دواخلنا كلما تعرفنا على فنان اصيل يكون الخط الموصل بين عمله واسلوب عيشه لا ينفصلان، ومثل هذه الحالة موجودة بوضوح عند مؤيد فكأنهما- عمله واسلوب عيشه- ولدا معا.

ان مؤيد الاخلاقي، ناعم، خجول، مستمع أكثر منه متحدث،حتى ليبدو، لأول مره تلتقيه، انه من شهود هذا العالم الصامت،لكن هسيسه يعلو بضحكة خفية تكون خافتة في اول الأمر، ثم تصبح ذات طعم اليف وعذب،، وغالباً ما تتسرب نكتة الطفلة، الى محدثه، كما الى رسوماته المعدة لعدد اليوم التالي في الجريدة.
منذ اللحظة الأولى لفحص اعمال مؤيد يدرك المرء انه من الذين لم يتملصوا من الالتزام بموضوعة الحرية التي هي، بالنسبة إليه، فدية الخلق الفني. لقد مر قبل هذا بتجارب واوضاع سياسية صعبة، لكنه لم يهن ولم يستسلم، فهو من الذين يتسيرون بكبريائهم والحنو ويتمسكون بقيم الفن التي تطبع اخلاق الموهوبين. وفي هذين السياقين، الاخلاقي والفني يستعصي تصور مؤيد ميتاً. وقد يميل البعض الى احتساب موته مزحة اخرى بين مزحاته،وحتى لو تيقن انه مات فعلاً فسيكون محتملاً ان نسمح لأنفسنا بأن نتصور إنه، بعد قليل، سينهض،ليشرح لنا حقيقة ما حدث له، بعد الموت،باسلوبه المرح الساخر!!.
****
الكاريكاتير جنس تشكيلي صعب، وصعوبته تبتدي من اول لحظة، في قدرته على ابقاء الفكر في حالة نقدية يقظة.ولانه يقع في خضم حياة متحركة، أي في جدل الفن والسياسة والفلسفة والموقف، فهوبكل الحسابات، فن ديمقراطي بامتياز، واحدى مفارقاته قدرته على المراوغة واللعب بالمعاني والاشكال، حتى ليمكن،بالمرونة التي في خصوصيته، تحويل الشيئ الى عكسه،فتكون الملهاة مأساة، والمأساة ملهاة. ويمكن بمثل ما يمتلك في حساسية واستغلال ان يكون عاصفاً ولا يمكن السيطرة عليه، كما هو الحال في القضية التي اثارها احد رسامي الدانيمارك الذي اطلق شرارة الكراهية واغلق باب الفهم المستعصي في اكثر من بلد اوربي، لكنه في حالة معاكسة، يمكن ان يكون حيا وانسانيا وشاعرياً،ممسكاً باللحظة الهاربة التي تبتهج فيها الروح بغتة، ويصبح في هذه الحالة، الحكمة الصحيحة التي تفرض نفسها على الجميع،بدون مناقشة.
في العالم الثالث، يواجه الكاريكاتير اقسى انواع القمع،ويقف، لهذا السبب،مضطراً في المنطقة التوافقية الآمنة، لكنه يكون عارماً ومؤثرا،عندما تتوفر له متطلباته الداخلية. واذكر لمؤيد حكاية ضاحكة تعرف مهمة رسام الكاريكاتير بالشكل التالي: رجل ساءه ان يرى كلباً ينهش المارة ويزعجهم بالنباح، فكان، بعد ان يئس من اسكاته، ان ادخل ذراعه في فم الكلب،متوغلاً الى احشائه، ثم، وبقبضته القوية، قلبه على"بطانته"،ما اضطر الكلب الى ان يقلب طريقته بالنباح، فبدلاً من ان ينبح بـ" عوعو"،كما تفعل الكلاب عادة، صار يصيح:" وعوع....وعوع"!!
وينهي مؤيد حكايته بالقول: عندما يأخذ رسام الكاريكاتير نفسه على محمل الجد تكون مهمته استخراج الحقيقة من"حلك السبع"، وإلا فلن تبقى له حقوق في رسوماته.ويبدو ان اقدار مؤيد حتمت عليه ان يقوم بهذا الدور،لكن بطريقة لا تخلو من درامية، فبين الذين يتكلمون ويصمتون في اوقات الشدة،يظهر،عادة،شخص ما،يتبرع بتعليق الجرس في رقبة الوحش،ولأن أجناس التعبيركانت، لسبب ما صامتة او مذهوله أو خائفة أو غير مستوعبة بعد، ما يجري امام العين وعلى الشاشات الفضائية فقد تعين على جنس الكاريكاتير ان يقوم بهذه المهمة، وتعين على مؤيد ان يكون الأبرز بين قليلين،ممن سيواجه الارهاب بريشة عزلاء وجسد نحيل،فكأنه بهذا، ودون قصد او ادعاء،سيكون المتقدم الى المجهول،لملء ذلك الفراغ الصامت،محارباً بالنيابة عن كل الذين آثروا السكوت،بحجة ان الظهور العلني امام الارهاب يعد انتحاراً ميؤوساً منه!!.
* * * * *
لابد لمن يعرف مؤيد عن قرب، من ان يقر بانه، ومنذ البداية حمل نفسه محمل الجد، فكان التزامه اخلاقيا بالدرجة الاولى، ومنذ ان اعدم البعثيون زميله وصديقه المقرب في جريدة" طريق الشعب"، المصمم والخطاط الفنان الشيوعي سامي العتابي، بحجة انه زورباسبورت لأحد اصدقائه، من الذين ارادوا الإفلات من قبضة البعثيين الى الخارج،عرف مؤيد انه،هو الآخر، معرض للمقاضاة،بنفس الطريقة. لكن ما يُعرف عن الفنان، في حالات الخوف والخطر، ان يكون التحدي مَسَرتةًً المختارة. وفي الحالات التي يصعد فيها الخوف الى درجاته العليا يحتفظ الفنان لنفسه بشيء من هذا التحدي، فالوجود النزيه يقارن،حتى في هذه الحالة، بالحب، ومؤيد، المحب للحياة، وبالبصيص القليل المتروك له منها،يُعد بين القادرين على اختراق لعنة الخوف المظلمة التي تثقل على الناس في ساعات الشدة، لذا،كانت رحلته في الحياة قصيرة،واشبه برحلة فراشة مضطرمة نحو سراج النور.
* * * * * *
عندما بلغ الارهاب ذروته،وصارت اصالة اسلام الزرقاوي لا تقاس إلا بتعذيب الضحية قبل الموت، والا بقلع العيون، قبل احتزاز الرؤوس، وعندما صارت كاريكاتيرات مؤيد، بالمقابل، حية ومتوفرة بين الايادي كل صباح، ومتعرضة للارهاب بسخرية نشيطة، بدأ القلق يتسرب الى قلوب محبيه. ولان الحياة بطبيعتها، غير متلاحمة،،وفي بعض الاحيان مضحكة ومجنونة، فقد ترادفت في اذهان اصدقاء مؤيد اسئلة مقلقة عن جنون مؤيد أسئلة من نوع: ما الخيار المتروك لمؤيد؟هل سيدعه الارهابيون يعود الى بيته سالماً؟ هل سيجتاز الشارع،بعد اتمام عمله في الجريدة، وهو الذي لا يضع في حسبانه حساباً للاشراك المنصوبة له؟ هل سينجو هذه المرة؟
مثل هذه الاسئلة تخطر،على الأغلب، في بال زوجته واطفاله كل يوم، في وقت يكون فيه مؤيد متابعاُ مشيته العادية الى البيت، وبرأسه فكرة جديد سيعالجها في اليوم التالي، وهكذا تجري،بين عالم الضحك واحتمالات الموت،تغييرات حاسمة في الوعي والعقلية.
يقول عبد الرحيم:
كنت اخاطبه بالتلفون قائلاً:
- معود... اهلك خبصوني بالتلفونات.. ألا تتحسب للخطر؟
فيجيب ضاحكاً:
هاي شنو رحيم؟!.. انت هم بديت تخاف؟!
*****
في الرسم الضاحك يجب القول ان شجاعة مؤيد كانت واعية وملتزمة. فاختيار الارهاب،بهذه الغزارة،موضوعا يومياً للسخرية، يصيب،حتى القارئ،بقطع النفس، وانه بهذا، يعيد طرح سؤال" ماهو الكاريكاتير، بمستوى عقلي وجمالي واخلاقي، وهو هنا،لاول مرة في تاريخ الكاريكاتير العراقي، يعطي للسخرية الضاحكة ما كان ينقصها: قيمتها العقلية الرصينة.
* * * * *
لعل اهم ما يميز كاريكاتير مؤيد هو اشتغاله على ثنائية السخرية والالم في وقت واحد، فنحن،حتى تحت سطح التسلية، نتحسس لمسات للالم الصامت، الكامن داخل مؤيد والمتسرب الى السطح على شكل ضحكة متهكمة، تتحول، في النهاية، الى تأمل. في السينما،مثلاً، نرى تشارلي شابلن يقلب الاخطاء المضحكة الى تفكير، وفي المنلوج الضاحك ننتبه الى ان عزيز علي، فناننا العظيم، يخضع التهكم الاسود الى موازنة عقلية،بحيث يتولد، بالتالي، عطف انساني وربما شعرايضا.إن مؤيد،في هذا السياق يفعل الشيئ نفسه. واذكر ان عزيز علي تحدث مرة عن ضرورة هذه الثنائية بالقول:"بعض الناس يظنون ان الساحة التي ولجها هي التسلية، وانا،اذ اسلم للمستمع بهذا الحق
حق التسلية احرص على ان اُشبِّعها بما تحويه من مرارة، فبدون هذا العنصر يتحول المنولوج الى مجرد طيش فحسب.
ان مؤيد يشتغل على الخط نفسه، فهو لا يكتفي بانتاج مفارقة تفضي الى ضحكة، بل يتوصل الى ملامسات حانية تحتوي على ألم وحنو وحب وشجاعة، يخصصها عادة للمضطهدين والفقراء والمحرومين.
*****
ينتمي مؤيد الى جيل الستينيات الباحث،في الشعر والمسرح والتشكيل،عن منهج فني واخلاقي يخرج عن حدود التوافقية الصامتة التي فرضها العسف، ابان حكم صدام حسين. وعلى طراز المنتمين الى صفوف الحركة الوطنية انحاز مؤيد الى اليسارالمفكر، اخذا منه فلسفته الجمالية والاخلاقية، متجنبا، رغم اتجاهه التشبيهي واقعيته المباشرة التي انتهت الى طريق مسدود في نهاية الخمسينيات على يد الرسام غازي.لقد كان دخول مؤيد الى عالم الكاريكاتير اشارة ملفتة لدخول حركة الحياة في الجسم الميت. كان غازي، قبل مؤيد، بمقياس الزمن الميكانيكي، رائدا في الجيل الاول، فرسوماته الواقعية الباحثة عن الرمز الشعبي قد اجتذبت اهواء الناس، رغم ان سخريتها القاسية كانت، في اغلب الاحيان، تنوش البسطاء من المقهورين والمعذبين، ونظراً لخبرته السياسية البسيطة فقد كان يسمح لنفسه بتبرئة الطبقة الحاكمة من أي عسف او دنس اوخطيئة. اما مؤيد فقد احتفظ بالاركان الانشائية الموجودة في لوحة غازي، واهمها التشبيه الواقعي، إلا انه استحضرها برؤية جديدة.لقد ادخل عليها الوعي والتشكيل والتكوين بشكل خاص، معتمداَ تناقضات الاسود والابيض، مراعيا في الابعاد توازن الكتل، مدخلا الظلال في التفاصيل، أما اهم ما انجزه فهو تحريك ما هو ثابت امام العين، وهو الجديد في الكاريكاتير العراقي ككل. وبهذا الانجاز ابقى المسافة فاصلا ضروريا بين جنس الكاريكاتير واللوحة التشكيلية.
ومع ان التشبيه هو صفة اساسية في الكاريكاتير، إلا ان تجنب النقل المباشر والتقليد والتكرار هو ما يفرد لمؤيد خصوصيته. ويقول مؤيد، بهذا الصدد انه يحرص على ابقاء متفرجه في حالة يقظة، فعن طريق تسريب عنصر التوتر الى مناخها الداخلي، وعن طريق التحريك الداخلي يتوصل الى ايجاد صلات متوترة بين الشخوص، بحيث تنتقل شحنات الانفعال من الاجسام الى تفاصيل الوجه،ثم الى المناخ العام.
لقد توصل مؤيد، في الفترة الاخيرة، الى ذروة نضوج لم يمهلها الزمن لتكون مكتملة، إلا انها، بالتاكيد،كانت مهيأة للانفتاح على آفاق جديدة، واذا لم يكن مؤيد خلق لنا نموذجاً شعبياً يمرر عبره الاحداث والمشاعر وردود الافعال، كما هو الحال عند ناجي العلي في شخصية حنظلة، فانه ملأ رسوماته بلغة فنية حية،وديناميكيات تتحرك في اكثر من موضع في الذاكرة والخلفيات غير المرسومة، جاعلا من الصراع بين ما هو رجعي وتقدمي، بين ما هومحدث وقديم ثيمته الضرورية والمحببة.
* * * * *
تقول المفارقة ان انجز خطوة اخرى في طريق المصاعب،فقد نجا من موت متوقع على يد الارهابيين، لكن،ليختطفه منا موت آخر، يستعصي على محبيه ومترقبي تتابع الفصول تصور مكانه خالياً، وحمدا لله، فلا يزال لدينا في هذا الحقل الصعب والنادرخضيرالحميري وعبدالرحيم ياسر، ومثلما لا يستطيع عبد الرحيم ان يتصوره ميتاً، يصر المحبون ايضا على اعتبار موته مجرد مزحةعابرة، وهذه ميزة الارواح الشفافة التي، عبرابداعها،يختلط موتها بحياتها،حيث لا يكون موتها موتاً،بل حياة أخرى تثير فضول الاجيال القادمة من رسامي الكاريكاتير، خاصة اولئك المصرين على ارتياد نفس الدرب الذي سلكه مؤيد. ولان مؤيد من هذا النوع فسنظل نستعذب شعورنا بأنه لا يزال حياً بيننا، وسنظل، كلما تصفحنا "المدى" نستعذب حضوره، بصوته الضعيف وابتسامته التي تطفو على كل قلب، ليروي لنا، على طريقته، حقيقة ما حدث له بعد موته. وقد تظل ظلاله مهومة في رسومات الاجيال القادمة، ممن تأثروا به وأحبوه.


تحذيرٌ ومقاربة

محمود أمين العالم
أيها القارئ العزيز، حذار أن تصدِّقَ عنوان هذا الكتاب! فكتابته لم تتم وتتحقّق، كما يزعم عنوانُه، بالطباشير! فهي ليست بالكتابة السَّطحية التي يمكن أن تُمسحَ أو تُنسى بمجرد مغادرتِها. بل هي بالحق، وفي غير مغالاة، كتابةٌ بالحفر العميق في حقائقَ وظواهرِ تجاربنا الثقافية القومية والإنسانيّة، التراثية والمعاصرة عامة، التي تظلُّ تتابعنا وتلاحقنا بعد قراءتها. ولهذا أرجو أن تتأهَّبَ في قراءتك لعمليتيْ هدمٍ وبناء- معرفيًّا وموقفًا في وقت واحد- حول العديد من همومنا الثقافية والحياتيّة السائدة والمهيمنة.

والحق أن قراءتي لفصول هذا الكتاب، على تنوّعها ووحدتها معا، كانت لحظةً معرفيّةً حضاريّةً متنامية، تجمعُ بين تراثِ الماضي الإنسانيّ بعامة، وليس القوميَّ فحسب، وأزمةِ الحاضر وجسارةِ استشرافِ المستقبل. فلقد وجدتني في حضرةِ كاتبةٍ على مستوى رفيعٍ من الامتلاك العميق الحيّ لثقافتنا العربية، لا من حيث لغتها رفيعة المستوى فحسب- وهذا أمر ندُرَ عند العديد من كتابنا- بل في تراثِها الإبداعيّ الفكريّ والأدبيّ والبلاغيّ كذلك، فضلا عن معرفتها وتمثّلها الجوانب المهمة من التراث الثقافي الإنسانيّ الغربي والشرقيّ على السواء، وبخاصةٍ في توجهاته وخبراته المتمردة والمتجاوزة للمفاهيم السُّلطويّة والأحاديّة والمركزيّة والإطلاقيّة والغائيّة المفروضة. واستطاعت الكاتبةُ باقتدار أن توحّد في هذا بين أحدث الخبرات الإبداعية في مجال التعبير الأدبيّ من ناحية ومجال فنِّ المعمار الهندسيّ- وهو واحدٌ من تخصّصاتِها- من ناحية أخرى. هذا الفنُّ الذي كان طليعةَ الاتجاه ما بعد الحداثيّ وملهمَه في الفنِّ والأدب على السواء، هذا فضلا عن استبصارها الحميم بالتداخل بين العِلْم من ناحية والفنِّ والأدب من ناحية أخرى. إنها بحق محاولة جادّةٌ عميقة تكشف ما بين مختلف المنجزات والحقائق الإبداعية من تواصلٍ وتفاعل خلاّق. ولهذا تقول الشاعرة والمعمارية "فاطمة ناعوت" في فصل بديع من فصول كتابها هذا بعنوان "العمارةُ والشعر": " حين قرأتُ حواراتِ أفلاطونَ الأربعة لأول مرة، اندهشتُ كثيرا لأنني لاحظت أن آليةَ الحوار وتسلسَله خطوةً خطوة، وصولا إلى النتائج والنظريّات، تتطابق مع آليةِ تحقيق نظرياتِ الهندسة الفراغية ونظريات الجبر والمنطق الرياضيّ". على أن هذه الرؤية الكاشفة الحميمة بين مختلف المنجزات العلميّة والفنيّة والأدبية التي تتميّز بها هذه الكاتبة لا تقف في كتابِها هذا عند حدود العلاقة بين الحوار الأفلاطونيّ والنظرية الهندسيّة، وإنما نتبيّنها كذلك منهجا عاما في طرائق تناول العديد من القضايا وبخاصة معالجتها البالغة الخصوبة لقضيّة الترجمة في مقال "مرآة ابن رشد" على سبيل المثال. فالترجمة عندها ليست مجردَ نقلِ المخطوطاتِ والكتب من لغةٍ إلى لغة بل هي "العملُ على احتلالِ درجةٍ أرقى من درجاتِ العبور والاختراق كي تلجَ وتنهلَ من "الجوهر العميق" لروح حضارة أو فكر ما."، وتقول أيضًا: " وبإجراء قراءة سريعة للتاريخ، سوف نجد ارتباطا، يكاد يكون شرطيا، بين ازدهار وُرقّي مجتمع وبين انتعاش حركة الترجمة فيه وتكريس مبدأ الاتصال الثقافي مع الحضارات الأخرى. ولنا في واقعنا العربي خير مثال. لم تنتعش الحضارة والفكر الإسلاميان مثلما حدث في عصر المأمون (813-833م)، الذي جاهر باعتناق فكر المعتزلة بما ينطوي عليه من إعمال "العقل"، عوضًا عن "النقل" السلفيّ الجامد الأعمى، وإزكاء شعلة التنوير بين أرجاء الأمة".
وإذا انتقلنا من هذه القضية العامة، أي قضية الترجمة، سنتبين نفس المنهج الكاشف عن العلاقات والتفاعلات على طول هذا الكتاب- على تنوّع موضوعاته- في قضيّة جزئيّة هي قضية "النحو والصرف" في اللغة العربية. ففي مقال "ما وراء سقوط سيبويه"، الذي شاركت به الكاتبة مشاركةً إيجابية في الندوة حول كتاب شريف الشوباشي "لتحيا اللغة العربية، يسقط سيبويه"، تعرضُ فاطمة ناعوت لقضية النحو عرضا نتبيّن فيه نفس هذا المنهج الحريص على كشف العلاقات والتفاعلات بين عناصر القول وأبنيته، فتقول: " من الدلائل الأخرى على عبقرية الموسيقى في علم النحو مادة "الممنوع من الصرف"، ليس فقط في الاختيار المدهش للكلمات التي يجب ألا تُصرف لدواعٍ موسيقية مثل (مساجد- كنائس
مصر- مكة - سجاجيد.... الخ)، لكن الأجمل هو علامة (جر) تلك الكلمات وهي (الفتحة) عكس ما هو سائد في اللغة وهي (الكسرة) كعلامة للجر". على أنها تنتهي بحكمٍ عام وهو أن أزمةَ الخطاب اللغويّ العربيّ مرتبطةٌ بتدني المستوى الثقافي للفرد العربي في الزمن الراهن. غير أن الكتاب لا يقف عند الأحكام العامة، وإنما يحرص كذلك على تقديم الأدلة التطبيقية لإثبات مفاهيم بعينها في بعض القضايا الإشكالية وخاصة قضيّة الترجمة، بل قضية الفهم عامةً، وما تتعرّض له اللغة تاريخيا وجغرافيا من تحوّلات وتحوّرات. ولهذا كما تقول فإن " اللغةَ تحوّرُ نفسَها وتعيدُ خلقَ ذاتِها بشكل مستمرٍ ببطءٍ حينًا، كما تراكم الغبار فوق سطح مصقول، وبسرعة في حين آخر، كما فتوحات البلاد، (....)،. ففي اللغة العربية كمثال فقدت المجازات والكنايات القديمة دلالاتها ففقدت شرعيتَها بل ومعناها." ولهذا "فالقارئ لعمل أدبي مترجم يجب أن ينتبه إلى أنه لا يقرأ الأصلَ عينَه بل يقرؤه عبر حواجزَ أفقيةٍ (جغرافية) وكذا رأسية (زمنية). ولكن إلى أي درجة من الدقة ومطابقة الأصل صيغَ هذا العمل؟ هذا سؤال على جانبٍ من التعقيد كبير حيث الفيصل غائب. ولكنني كقارئة لا أتوقف طويلا عند هذا السؤال حين أجدُ تباينات في طرح العمل نفسه عبر ترجمات عديدة له." وهنا تتدخل فاطمة ناعوت "كقارئة" لكن بجسارة "الكاتبة" فتقول بصراحة محبّبة: "بل إن هذا الأمر قد يبهجني قليلاً ويثير مكامنَ المكر في داخلي فأوسّع مساحة الاجتهاد لأطرحَذهنياً- ترجمةً مغايرةً قد يكون المبدعُ بريئاً منها!". ولهذا تسارع بتقديم مثالٍ يبرهن عمليا على أن الترجمة- كما تقول- فعل تحوّل أفقيٍّ ورأسيٍّ بأن تختار مشهدًا مشهورًا من الأدب الكلاسيكيّ القديم، وهو اللقاء الشهير الذي تم بين هكتور وزوجته في الكتاب السادس من إلياذة هوميروس، في ترجمات عديدة له من الإغريقية القديمة للإنجليزية بلغت إحدى عشرة ترجمة مختلفة بين الشعر والنثر عبر مترجمين كبار من بلدان شتى، ثم تقوم بترجمتها جميعًا من الإنجليزية إلى العربية، لتؤكد ما تقول به من أن طبيعة فعل الترجمة هو فعل إبداع يخضع للفروقات والتباينات أفقيا ورأسيا. ولهذا أخذت تتكشّف تلك التباينات بين الأصل الإغريقي ومختلف الترجمات الإنجليزية فيما يؤكد ما ذهبت إليه الكاتبة. وهو جهد رفيع المستوى وعميق الدلالة قامت به الشاعرة والمترجمة فاطمة ناعوت دعما لتأكيد- كما تقول- "معنى التباين الأفقي الجغرافي بين منظومات اللغات المختلفة من ناحية وأيضًا التباينات الرأسية الزمنية التي فيها تتغير طرائق الخطاب وتتحوّر اللغة ذاتها عبر العصور."على أنه من أبرز قضايا هذا الكتاب الخصب، قضية الشعر الجديد أو ما يسمى قصيدة النثر التي تدافع عنها ناعوت لا باعتبارها شاعرة فحسب، وإنما أيضا من زاوية تجدد الخبرات الإنسانية تحررًا من القيود التقليدية، واعترافًا بالتنوع والتجدد في الفكر والسياسة والاجتماع والفنون على السواء.وهكذا تخرج بنا في النهاية من قضية حريّة التعبير الأدبيّ والفنيّ إلى حريّة التعبير الفكريّ عامةً، وذلك بمناسبة اعتقال الشاعر السعودي "علي الدوميني" لمجرد أنه تجرأ ووقّع على وثيقةٍ تطالبُ السلطاتِ السعودية بإجراء إصلاحاتٍ ديمقراطية داخل البلاد وإطلاق حرية الإبداع الأدبيّ تجديدا للحياة ذاتها!
ولهذا يكاد ينتهي هذا الكتاب العميق المسؤول الممتع بلقاءٍ حميم بين "الشعر والحرب"! فتقول: " أليس الشعرُ حربًا على تقليدية اللغة؟ والصورةُ الشعرية الميتافيزيقية أو الفانتازية حربًا على المنطق؟ ألا يُعدُّ المجازُ والاستعارات والتقنيات الشعرية مثل تراسل الحواس والسوريالية واللازمنية وغيرها من الأدوات والتيمات التي دَرجَ على استخدامها الشعراء لونا من الجموح والانقضاض على الواقع والصراع ضد المألوف؟ بل أليس الشعرُ ذاتُه محاولةً لهدم العالم وإعادة بنائه؟ (...) إن الفنَّ بشكلٍ عام هو حربٌ ضد العادة. فالاعتياد هو كعبُ أخيلِ الفرح، وأولى الخطوات نحو الموت." وهكذا يكون الشعر وهكذا يكون الفنُّ بعامة كسرًا للمنطق وحربا ضدَّ المألوف، كما يقول هذا الكتاب. فهل انتهى الكتاب بهذه الكلمات والرؤى العامة؟ لا. فما أكثر الكنوز الفكرية الأخرى التي يمتلئ بها هذا الكتاب الزاخر بالأفكار والقيم والمعارك دفاعًا عن الحياة والحرية والإبداع والتقدم المعرفيّ والإنسانيّ إلى غير حد. هذا كتابٌ يُعدُّ إضافةً عميقةً وجادةً ملهمَة إلى تراثنا النقديّ العربيّ المعاصر وتستحقُّ عليه الشاعرةُ والناقدة فاطمة ناعوت كل تقدير واعتزاز.


رسالة لندن: الموسيقى توحد العراق
 

سعدي عبد اللطيف - لندن

غصت قاعة بروناي مساء الجمعة 23 مايو (ايار) بقوس قزح عراقي من العرب والاكراد والتركمان: شيعة وسنة ومسيحيين وصابئة ويهوداً يجمعهم عشق العراق وموسيقاه واغانيه وتراثه. ومن الاجانب: انجليزاً وايرلنديين وطلياناً ويابانيين... الخ مفتونين بسومر وبابل واشور والف ليلة وليلة. طلعت علينا فرقة (انهار بابل) لتصدح بموسيقى واغان ارامية وعبرية ويهودية عراقية.
وتألقت الدكتورة سارة مناسى بقيادة الفرقة والعزف على الايقاع. فيما تصاعد صوت مغنية الاوبرا (كميلية) ليحيلنا الى ايام بابل ويسحبنا مع مرافقيها المغنين الرجال عبر العصور الى حاضرنا الراهن. وتساءلت: من اجاز اقتلاع اغلب هؤلاء بالقوة ليوطنوا في ارض غريبة حلم غرباء غربيون بايجاد وطن بني على خرافة منسية. هؤلاء الذين حافظوا على تراث الاجداد والاباء والذي يتعرض يوما بعد يوم للنسيان والانقراض. اطل بعدها صهيب هاشم الرجب يعزف على (الجوزة), هذه الالة العجيبة التي سحرت الغربيين غرابتها. وقدم صهيب مقطوعات ذكرتنا ببغداد العتيقة واثارت بنا الحنين. واتحفنا النجم العراقي المطرب كريم حسين باغانيه الريفية والحديثة وصوته ذي المساحات الواسعة. واهتز الحاضرون طربا بالاغاني العذبة ورافقوه بالغناء والتصفيق. وانصت الحضور بشغف للحوار الشجي الذي دار بين الموسيقار احمد مختار (يناديه طلبته واصدقاؤه الاجانب بـ المايسترو تحببا) على العود والفنان حسن فالح على القانون وبراعته المدهشة. كان الحوار يجري بصوت مهموس تارة ويتصاعد عالياً تارة اخرى. وعراقيون كثر هم على الفة بابداعات احمد مختار الموسيقية و منها الاشراف على هذه التظاهر الموسيقية.
واختتم الحفل بمفاجأة ابهرتنا حلاوتها. فرقة سومر التي تجيء لاول مرة من السويد الى لندن. لم نكن نعرف عنها شيئا رغم شهرتها في الدول الاسكندنافية. وابدع قائد الفرقة طلال عبد الرحمن في اداء الاغاني الصعبة، لكن ما هبط علينا كالصاعقة الاصوات العذبة للمغنيتين الاجنبيتين (أنا) و(ماريان) اللتين ظلتا تصدحان باغان عراقية مثل (غريبة من بعد عينج يا يمة.. هذا الحلو جاتلني ياعمة.. يبايابة اشلون عيون عندك يابة) كان يصعب حتى العثور على اخف لكنة في لفظهن لكلمات الأغاني! لقد صفق الحاضرون وقوفا وطويلا من الانتشاء عند نهاية وصلتيهما الغنائيتين. كان هذا الكرنفال خاتمة لاسبوع الموسيقى العراقية الذي جرى بين 19-23 حزيران. لقد رعت المهرجان جامعة لندن (سواس) قسم الموسيقى و" برنامج رازيت للثقافة من اجل السلام " و بأشراف الموسيقي احمد مختار صاحب الفكرة الذي عمل طويلا وبدأب منذ أكثر من عام للتهيئة للمهرجان وبالتالي الى نجاحه الرائع. بدأ اسبوع الموسيقى بمحاضرة قيمة لخبير الموسيقى حسقيل قوجمان الذي قدم شرحا وافيا عن فنون المقام: الفصول، الايقاعات،الآلات المستخدمة واهم مطربيه وعازفيه. وسبق لقوجمان ان اصدر كتاباً بعنوان " الموسيقى المعاصرة في العراق" و مؤخراً صدر له كتاب "المقام: الموسيقى التراثية للعراق" بالانجليزية. و في اليوم التالي قدم البروفسور اون رايت وهو احد اهم الاساتذة في علم موسيقى الاعراق والشعوب في العالم، ويدرس الموسيقى واللغة العربية في جامعة سواس. واستعرض رايت تاريخ الموسيقى العربية منذ العصر العباسي متطرقا الى ماجاء في كتاب الاغاني لأبي الفرج الاصفهاني ومعرجا على الموشحات الاندلسية نزولا الى الوقت الحاضر مدعمة بالشواهد المكتوبة والتسجيلات القديمة. واقام احمد مختار يوم الاربعاء ورشة عمل موسيقية، ومختار استاذ نظريات الموسيقى العربية ومادة الايقاع ومادة العزف العملي على العود في سواس, شرح خلال الورشة الالوان الموسيقية في العراق وتطرق الى الاطوار الريفية التي تؤدى في الجنوب والغناء البدوي والكردي والموسيقى الالية الصرفة المستخدمة في العراق كما تحدث عن خصوصية الانغام الموسيقية في العراق، واشار الى بعض الايقاعات العراقية النادرة وخصوصياتها ايضا.اما الدكتورة سارة فقد قدمت في اليوم التالي شرحا وافيا عن الملحنين العراقيين اليهود الذين قدموا للموسيقى العراقية الحانا بقيت خالدة لحد يومنا هذا مثل (هذا مو انصاف منك) لصالح الكويتي وعن الموسيقيين اليهود الذين اسسوا الكثير من الجالغيات البغدادية والفرق العراقية. لقد شابت المهرجان نواقص قليلة وعد مختار بتلافيها في المهرجان السنوي المقبل للموسيقى العراقية. وقد علل غياب الموسيقى الكردية الى الاعتذار في اللحظة الاخيرة ولاسباب شخصية لعازفة الهارب والمغنية تارة الجاف والعازف المدهش حسين الزهاوي واخيرا لابد من تقديم شكر خاص للموسيقار احمد مختار على جهوده القيمة ودعوة الموسيقيين والمغنين العراقيين كافة الى تقديم اقصى الدعم وكذلك الجهات المسوؤلة في الحكومة العراقية التي لاتبدع الا في مجال المحاصصة الطائفية الكريهة والقادة السياسيين العراقيين الجدد الذين لانعرف من اي مستنقع جاء بعضهم في غفلة من الدهر والذين يبذلون جهودا خلاقة لجر المجتمع العراقي الذي لم يعرف التمييز الطائفي او الديني او العرقي الى حمام دم. ويبقى الفنانون والشعراء والكتاب والمثقفون الاحرار املنا في تقديم ابداعات العراقيين داخل الوطن وخارجه.


مسرحيته "الأيام المخمورة" يعرض حاليا في دمشق .. المخرج باسم قهار :أعيد إنتاج لغة النص المسرحي بصريا على الخشبة

ابراهيم حاج عبدي - دمشق

لا يتردد المخرج المسرحي العراقي باسم قهار في القول ان المسرح هو عالم لا يستطيع مواصلة الحياة بدونه، فهو يعشق المسرح إلى حد الهوس، مانحا إياه كل جهده واهتمامه، فاستطاع أن يكرس نفسه واحداً من المسرحيين البارزين، ومنح لاسمه حضورا لا يمكن تجاهله.
نال قهار شهادة البكالوريوس في الإخراج المسرحي من أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد العام 1989م، كما نال بكالوريوس معادلة من جامعة سدني في استراليا العام 1998م. وخلال تجربته المسرحية، التي تمتد لأكثر من عقدين، قدم قهار العديد من الأعمال المسرحية بدأها في بغداد بمسرحية "أغنية التم" عن نص لأنطون تشيخوف العام 1985م، ثم "العنقاء" عن نص لكريستوفر راي العام 1987م، و"العميان" لموريس ميترلينك العام 1988م. وبعد تخرجه في الأكاديمية المذكورة قدم كذلك في بغداد مسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت، ثم "ماكبث" لشكسبير العام 1992، وفي نفس العام قدم "الخال فانيا" لتشيخوف، بالاشتراك مع المسرحي العراقي صلاح القصب. وقدم العديد من الأعمال المسرحية في دمشق مثل "العربانة" عن نص لمظفر النواب العام 1994م، و"كهرب"، إخراجاً وتأليفاً، العام 2001م، و"آرابيا"، إخراجاً وتأليفاً، قبل عامين، و"قُبل" عن نص لموريس ألبرت قبل عام، وفي بيروت انجز بعض المسرحيات مثل "أنثى القمر" عن نص ليوجين اونيل، كما قدم عروضا مسرحية باللغة الإنكليزية في سدني مثل "الخادمات" لجان جينيه، و"الحارس" لهارولد بنتر، و"جزيرة الماعز" للإيطالي ايكو بيتي وسواها، وأقام العديد من ورش العمل المسرحية في كل من دمشق وبيروت وسدني، كما شارك كممثل في بعض المسلسلات التلفزيونية.

في مسرحيته الأخيرة "الأيام المخمورة" لسعد الله ونوس التي تعرض الآن في دمشق، يسعى قهار إلى تكريس مفاهيمه ورؤاه المسرحية، فهو يعتبر المسرح، في النهاية، "مشهدية بصرية"، لا جملا وحوارات، وهو تعامل مع نص ونوس على هذا الأساس. وهو يقول بان ليس هناك نص مقدس فكل النصوص يجب أن تخضع لرؤية المخرج ولحلوله البصرية على الخشبة. حول مسرحيته الأخيرة هذه، وبعض القضايا المسرحية الأخرى، حاورته "المدى" التي حضرت العرض واستفسرت عن بعض الجوانب في المسرحية. هنا نص الحوار:
*لماذا اخترت "الأيام المخمورة". ما الذي جذبك إلى هذا النص؟
- سعد الله ونوس لا يشكل بالنسبة لي قاعدة، كما أن "الأيام المخمورة" لا تشكل استثناء. عندما أقرأ نصا جيدا اعتبره نصا جديدا حتى ولو كتب منذ ألف عام. وعندما دعيت لإخراج نص لسعد الله ونوس فضلت "الأيام المخمورة" على نصوصه الأخرى، لأن هذا النص يقترب من فهمي، وشكل إجراءاتي على الخشبة أو ما اسميه "المشهدية البصرية". الأمر الثاني هو أن ونوس يطرح تعريفات ومفاهيم تقليدية لعناوين اجتماعية، بالدرجة الأساس، لكنه يفتح فضاء على التقاطع معها، أو الاختلاف معها، أو دحضها أحيانا. وأنا سعيت للاقتراب من هذه المفاهيم وخلخلتها، وإعادة تعريفها، أو نقدها والإطاحة بها، كمفاهيم العار والفضيحة، والخيانة والشرف...لقد منحني النص قدرة على نقد العار الاجتماعي والأخلاقي في مجتمعاتنا، وعلى خلخلة مفهوم الفضيحة لأنني فهمت وتعلمت أن الشرف يرتبط بالجنس، وعلي كفرد أو كفنان معاصر أن انقض هذا المفهوم، لذلك سميت الخيانة في هذه العائلة، التي تشكل روح النص وتمفصلاته، سميتها "نقدا ذاتيا".
لم يغرني في هذا النص أي شكل من أشكال اللغة. أنا لا احب اللغة، ولا انتمي إليها على الخشبة. اللغة عائق، ولذلك أغرقتها بالبصريات والأجساد، والأضواء. أنا اشتغل على بعض الكلام لا على الكلام. اشتغل على ما يمنحه الكلام من قدرة على تتابع الحدث والموقف، ولا احتفي باللغة في أي نص. ولذلك في "الأيام المخمورة" كان عملي أشبه بعمل الأركيولوجي الذي ينقب في الجبال ويزيل أكوام الأتربة والترسبات بحثا عن حجر صغير كتب عليه اسم أو نقش أو صورة، وأنا بدوري نقبت في هذا النص بحثا عن جمرة الدراما.
*ولكن لا يوجد نص مسرحي بدون لغة، فلماذا تقلل من شأنها إلى هذا الحد؟
- لان هذه النصوص تجعل من المسرح كائنات لغوية، وتحيل الممثل إلى ناطق باسم اللغة، فيتحول الممثل إلى صوت إذاعي ينشد ما أراده المؤلف أو النص. إن ما أريده من تكسير اللغة وإعادة إنتاجها بصريا على الخشبة، هو الاحتفاء البصري تمثيلا، وموقفا، وسلوكا، وحركة، وحتى نحتا. هنا اللغة جزء وليست هدفا أو غرضا نهائيا. ولهذا فاللغة تعين ولا تشكل بؤرة العمل. اللغة هي عنصر كما الضوء وكما الستائر..لذلك كانت أرواح الممثلين فوق الخشبة لا تلهث لقول اللغة إلا بالقدر الذي تعينهم فيه هذه اللغة على إظهار حبهم، وأشكالهم، وحركة عيونهم، وتعاملهم مع الضوء، وإيماءاتهم..فتتحول اللغة، والحال كذلك، إلى قصيدة بصرية.
*إذا كانت اللغة هامشية إلى هذا الحد لديك، فأين تكمن قوة أي نص مسرحي؟
- لا تكمن في اللغة كهدف، بمعنى أن القصيدة وأشكال الإبداع الأخرى كالرواية والقصة القصيرة تذهب إلى الاحتفاء باللغة. النص المسرحي ليس فضاء لمحاولات لغوية، ولا حفرا في اللغة، ولا تفجيرا لها. قوة اللغة في أي نص مسرحي هي عندما تتيح هذه اللغة كثافة درامية من مواقف وسجالات وتداعيات، وما تمنحه من صور ومن استخراجات بصرية ومرئية، ومن فضاء تصادمي ابعد من صدام اللغة والكلام. وأود أن أشير هنا إلى أن أحد أهم مشاكل المسرح العربي تكمن في أننا أمة نص، وأمة قول. النص لا يزال مستعمرة للغة. أنا أحاول في عروضي أن أحرر العرض من سطوة وطغيان الكلام، لان المسرح هو بصر، قبل كل شيء آخر، وأي محاولة لتأكيد اللغة في عرض مسرحي هو إنعاش للإذاعة على الخشبة.
*وفق هذه الرؤية، كيف تعاملت مع نص "الأيام المخمورة"، وهي من النصوص التي يصعب تحويلها إلى عرض مسرحي؟
- الشخصيات التي كنت أقرأها كانت أشبه بكائنات لغوية لا تعرف سوى أن تتحدث، وتثرثر وتذهب في التداعيات والحكايات. شعرت بان هناك هدرا في الكلام، وتبذيرا لغويا. كان علي أن أقوم بما اسميه فنيا "إعادة تدوين فوق الخشبة" لهزم هذه اللغة، وإلا سأفشل أو سأقول أناشيد لغوية لست بحاجة لقولها. اسمي هذه الإجراءات على الخشبة إجراءات جراحية للنص. ليس ثمة نص مقدس على الإطلاق، ومفهوم موت المؤلف قائم بالنسبة لي. النص الحي والجديد هو النص الذي يمنحك القدرة على تفجيره وإعادة قراءته، وإعطائه زمنا، وجغرافيا، وبيئة مضافة. النص المغلق نص ميت، يتيم وفقير ولا يعدو كونه كلمات باهتة أسيرة غلافين. في نص "الأيام المخمورة" اقترحت حلولا بصرية، واستطعت الوصول إلى أعماق النص عبر تلك الحلول.
*"الأيام المخمورة" تتحدث عن قضايا اجتماعية بالأساس، وأنت كمسرحي عراقي ألا ترى بأن على الفنون، في هذه المرحلة العصيبة، أن تناقش الحدث السياسي الساخن؟
- العرض الذي قدمته قبل "الأيام المخمورة" كان عرض "آرابيا"، وكان يعبر عن روح الأزمة العراقية، وعن العنف في العراق، ولكني تأزمت كثيرا بعد العرض. الأزمة العراقية متحركة بكل الاتجاهات، وهي أزمة كبيرة، والأزمات الكبرى بحاجة إلى مساحة زمنية للتأمل. هذا لا يمنع من أن أتحدث عن وطني، وعن العنف فيه، وعن نزيف الدم غير المتوقف..لأنني لا أستطيع أن أتجرد من ذاكرتي، ولا من انتمائي، ولا من هويتي..مع ذلك شعرت بعد عرض "آرابيا" بأن ما أقوله هو انحيازات ومواقف تشكل ردا على ما يجري وليس هذا هو هدف الفن والجمال. إن الأعمال الفنية الكبرى عاشت لأنها تأملت، وأعادت التفكير بالأزمات الإنسانية الكبرى الشبيهة بأزمة العراق، بعد زمن من حدوثها، فإما نقضتها أو اقتربت منها أو أطاحت بها. بالنسبة لي اعتقد بأنه يجب أن نطفئ النيران ثم نحصي الضحايا، وبعدها نفكر وننتج وننحاز ونرفض أو نقبل بالخيال وحده في عرض مسرحي غير قادر على التعبير ولا يشكل انعكاسا كاملا لأزمة متورمة مثل العراق. أما "الأيام المخمورة" فهي نص اقتربت مفاتيحه مما أفكر، ولو كان ونوس حيا لاقترحت عليه أن يسمي النص باسم "العائلة" لما لهذه التسمية من دفء وحميمية في الذاكرة والروح، وقد يقول أحدهم بان تسمية العائلة أطلقت على أعمال فنية كثيرة، فارد: ليس المهم ما تقول، المهم كيف تقول.
*لماذا لجأت، في "الأيام المخمورة"، إلى الستائر المتعددة في شكل يمكن تسميته بلعبة الخفاء والتجلي؟
- لنأخذ تعريفا للستارة من المفهوم المتداول يوميا. الستارة هي وسيلة حجب بالدرجة الأولى. حجب الذات عن الآخر أو العكس، أو حجب الضوء عن المكان أو العكس، ولكنك عندما تختار ستارة فأنت تفكر في لونها، وليس فقط في تصميمها، ونوع قماشها. هناك عشرون مكانا في النص يتوزع بين المقهى والبيت والميناء والمعمل والنادي الليلي..فيجب كسر كل هذا بالخيال. الستارة في هذا العرض تلعب وظائف عدة: تخفي أو تؤطر أو تحيل أو تحجب أو تخفي أو تمنح المكان جوا أشبه بضوء القمر...تعاملت مع هذه الستائر لأحيل كل ما يجري إلى حالة من حالات المفاجأة، ولأكسر توقع المتلقي تماما، فأدخلته في لعبة توقعات وكسر توقعات، وهذه جدلية بيني وبينه في عرض مسرحي من ساعة ونصف. حققت بهذه الستائر اكثر من 25 مكانا، وحركت الستائر اكثر من أربع وتسعين حركة، واقتربت من مشهدية بصرية متحركة. فكان للستائر جانب سينوغرافي جمالي، ولكنها محملة، في الآن ذاته، بكل الإحالات البيئية والجغرافية وحتى السيكولوجية للشخصيات. في كثير من الحالات كان الممثل يحاط بالستائر، وهذه الستائر تختلف بحسب الموقف النفسي فتعمل على محاصرته في لحظات القلق، وعندما تشعر الشخصية بالفرح كانت الستائر شفافة وبيضاء ومفتوحة على أفق واسع. ليس المهم المفردة المسرحية المستخدمة، ولكن المهم كيف تعطي لهذه المفردة وظيفة ودلالة ومعنى وتأويلا...في هذا العرض كان علي أن اعرف كيف أوظف الستارة لتكون كائنا له وجود وكبرياء...
*المعروف أنك توظف كل مفردة مسرحية بوصفها كائنا دراميا. أليس كذلك؟
- نعم. أنا أرى ان اللون والضوء، والموسيقا، والمؤثر الصوتي..وكل ما هو مرئي ومسموع على الخشبة هي كائنات تلتقي مع بعضها وتتناسل لإنتاج عمل فني جمالي. سيكون من خيبتي أن اسمع أحدا يقول بان الموسيقا كانت جميلة بذاتها. هذا يعني أنها لم تكن جميلة في العرض. ليس الضوء للإنارة، وليست الموسيقا لتجميل المشهد..كل هذه العناصر كائنات درامية. الضوء لا يغسل الظلام فحسب، بل يرتجف. يتحدد. يصنع الظلال. يرتبك. يهاجم. يتراجع...وكذلك الموسيقا هي ليست باغراوند لممثل يقول اللغة. الموسيقا بطل روحي فيه الرفض والخيال والقبول. في أي عرض، قدمته، وسأقدمه لن اسمح بظهور أي عنصر سياحي.
* وأنت تقدم هذه الأعمال خارج وطنك العراق، وتحقق هذه النجاحات بعيدا عنه، ما الشعور الذي ينتابك؟
- لا أخفيك انه وفي كل عرض مسرحي، وخصوصا في ليلة الافتتاح، أتخيل وجود أصدقاء طفولتي وأساتذتي وزملائي وعائلتي وكل الناس الذين احبهم، والذين ينزفون الآن قلقا وخوفا في العراق. أتخيلهم في الصفوف الأولى. وهذا هاجس يعذبني في كل عرض. مع هذا أقول أن المسرح، كجمال، لا ينتمي إلى المكان، ولا إلى الجغرافيا، ولا إلى اللغة. هو مثل الخيال لا يمكن سجنه أو تأطيره بمكان، لأنه فكرة. تعذبني مخيلتي أحيانا. اشعر بأنني رازح تحت قسوتها فهي اكبر مني لذلك الهث خلفها، وفي أحيان أخرى أحاول لجمها. الفن والجمال هما خيال، ولكن ماذا اصنع بجزء من مخيلتي في حمام الدم هذا الذي يجري في العراق.
* ماذا تتذكر من سنوات المسرح العراقي حين كنت طالبا، وكيف تنظر إليه الآن؟
- أنا جزء من المسرح العراقي، وأواصل المنجز الذي حققه مبدعون عراقيون. لكن شكل هذه المواصلة لا يتمثل في الوفاء للآباء، لأنه في الفن يجب أن يصبح الابن عاقا ليواصل ما حقق من قبله. لا يدهشني إلا أستاذي صلاح القصب. انه متجدد، ولمخيلته يقظة النار وفتوة الماء. هذا الرجل، الذي لا أستطيع أن أراه إلا خيالا وفي الأحلام، هو أب النسبة لي. أنا أواصل جنونه وأحلامه وجماله...أما أساتذتي الآخرين فأنا احبهم، ولكني توقفت عن التعلم منهم لأنهم توقفوا عن تعليم أنفسهم. كان المسرح العراقي في الستينيات والسبعينيات مزدهرا. عقل الفنان العراقي اكبر من عقل السياسي العراقي.
انظر إلى المنجز المسرحي العراقي حتى سنة 1990 ستجد تنوعا، وجمالا، ومدارس، وتعددية وانفتاحا على مختلف الرؤى والأفكار والتيارات والأشكال. كانت هناك مغامرة ومغايرة قائمة. تمرد. غضب ورفض وتحريض...والاهم كان هناك الجمال. المسرح في العراق، كما الشعر والفن التشكيلي، لا يموت بل يتجدد في كل يوم. الشعر والفن التشكيلي والمسرح في العراق هو التاريخ الحقيقي لنا.
الآن في هذه الظروف الصعبة، لا يمكن الحديث عن مسرح عراقي. هناك محاولات واجتهادات فردية. إزاء هذا العنف، وهذا الألم، وهذا الخوف، وهذا القتل...لن أطالب أي فنان عراقي بان ينجز شيئا عظيما. المسرح، كما جميع الفنون، لا يزدهر إلا في مناخ الأمن والسلم، والاستقرار، والهدوء...فأين العراق من كل هذا الآن؟!
* أنت عملت في المسرح، وفي التلفزيون كذلك. بين المسرح والتلفزيون أية فوارق وجدت؟
- لا اعترف بالتلفزيون، ولم تحتفظ ذاكرتي ولا يومياتي، ولا أي البوم صور لي بصورة عن دور تلفزيوني مثلته. أنا أعمل في التلفزيون لأدفع عن نفسي تهمة "العطل" فقط. في التلفزيون هناك شيء سياحي. أما في المسرح هناك فكر وجمال وألم. أنا أضع حريتي في المسرح، كشفي الكامل، وصدامي الكامل مع الحياة، وفهمي للحياة. لذلك عندما أبدأ ببروفات عرض مسرحي جديد أولد مثل طفل، وعند العرض الأول أموت في انتظار عرض مسرحي آخر. المسرح بالنسبة لي هو الحياة بكل صخبها وبهائها وقســـــــــــــــــــــــوتها وبشاعتها وبؤسها وجمالها...


محاولة أولية للتعرّف على محمود البريكان (1-3)

صلاح نيازي

وُلِدَ محمود البريكان عام 1931 بمدينة الزبير لأبوين نجدييْن. كان والده تاجرَ أقمشة، ومعروفاً بثرائه. امتلك بيتيْن فخميْن واحداً بالبصرة وآخر بالزبير. لمحمود ستة أخوة، وترتيبه الثاني بينهم، بعد الأخت الكبرى خاتون، وكانت أوّل معلمة زبيرية بالزبير.
أُعْجِب محمود في صباه، بجدّه لأمّه، واسمه"أحمد الخال". كانت له مكتبة بيتية كبيرة تضم بالإضافة إلى المراجع، المجلاّت والدوريّات. إلى ذلك كان عضواً في مكتبة الزبير الأهلية. تعرّف محمود في الغالب، أوّل ما تعرّف، على الكتاب عن طريق جدّه. طالما تردّد على هذه المكتبة، وطالما استشهد بأقوال جدّه.
لا نعرف إلاّ النزْر عن سنوات دراسة محمود بالبصرة، ما عدا ما ذكره محمود عبد الوهاب عنه، يوم كانا في الصفّ الثاني المتوسط. قال:" انتزع المدرّس عن قصدٍ مسبق، دفتراً بغلاف أنيق من بين مجموعة دفاتر الإنشاء التي بين يديه، ونادى:
_ محمود داود البريكان
"نهض من مقعده في الزاوية اليسرى من الصفّ، طالب معتدل القامة، يتدثر بمعطفٍ خفيف. مشى نحو المدرس إزاء السبورة. ناوله المدرّس الدفتر، وطلب منه أن يقرأ الإنشاء الذي كتبه. فجأة أصبح الصفّ مكاناً آخر، وارتعشت في وجوهنا كلماتُ محمود وصورُهُ وجملهُ كأنها تتواثب تحت جلودنا
…"
قد نقرأ فيما ذُكِر أعلاه نبوغاً صغيراً مبكراً، ولكنْ مما يلفت النظر، ما ورد في وصف دفتر الإنشاء بأنّه ذو "غلاف أنيق". هل كان البريكان يهتمّ بالشكل اهتمامه بالمضمون وربّما أكثر؟ سنرى ذلك فيما بعد.
ما بين عام 1950-1951، أُصيبت تجارة الوالد بنكسة، هل لهذه الحادثة أثرٌ في شعره؟
هل كانت منعطفاً نفسيّاً في حياته، بحيث جعلته ينكبّ على الكتاب؟
ما علاقة الأبن بالأب؟ هل كان الأب ذا سطوة مستبدة داخل البيت، بحيث أصبح القصر _على فخامته- سجناً من نوعٍ ما؟ ولماذا ألحّ البريكان على تصوير السجناء، وهو لم يدخلْ سجناً؟ يقول رشيد ياسين:"شغلتْ مسألةُ السجن، والأهوال التي يلاقيها المسجونون فكرَ البريكان إلى الحدّ الذي جعله يعود إليها ليعالجها في شعره مرّةً بعد مرّةً حتّى بدا وكأنّ الأمر من الاستحواذ المضني.ومَنْ يقرأْ قصائد البريكان حول هذا الموضوع والمنولوجات الدرامية الفريدة التي كتبها على ألسنة بعض السجناء يصعبْ عليه أنْ يُصدّق أنّ هذا الشاعر لم يدخل السجن، وأنّ هذا الوصفَ الدقيقَ الموجع لمعاناة السجين وأحاسيسه وأفكاره، إنّما هو نتاجُ قدرةٍ فائقة على استبطان مشاعر الآخرين وتمثّلها
…"
للبريكان، لا شكّ،"قدرة فائقة" على استبطان المخلوقات الحيّة، وقد تطوّرت في سنوات النضج الثقافي، إلى استبطان الجمادات. لكنْ هل كان البريكان يصوّر سجناً وسجناء، أم بيئة مغلقة، وحصاراً نفسياً، وإحباطاً؟
المعروف أنّ البريكان درس القانون في كلية الحقوق، لمدّة سنتيْن، على غير رغبة منه. انصبّ همّه على دراسة الفلسفة، ولكنّه أذعن إلى مشيئة والده، في البداية، ثمّ ترك الدراسة.يبدو أنّ كشف علاقة محمود بأبيه ضرورية في أية دراسة أكاديمية، لأنها تلقي ضوءاً جديداً على معظم المفهومات الغامضة التي تشيع في قصائده المهمّة.
قبل الانتقال إلى مرحلة تالية، ينبغي ذكر أمر يبدو ذا أهميّة خاصّة. فقد كان لمحمود مكتب فخم نسبياً
ومنعزل داخل البيت. في هذا المكتب، عُدّة كاملة من أدوات الخطّ والرسم. كان محمود خطّاطاً ورسّاماً.
نما إلى علمي، إنّه كان ينسخ من كبار الخطّاطين، ويقلّد أو يعيد رسمَ أشهر اللوحات العالميّة الأجنبيّة.
قيل لي كذلك، إنه في هذا المكتب كان ينعزل عن ضوضاء أخوته الصغار في الطابق الأسفل.
هل كان المكتب يا تُرى صومعة تعلّم فيها محمود الجَلَد والتدرّب على الاتقان؟ هل تعلّم فيه الصمت الخلاّق وما أكثره في شعره؟ ربما هو الشاعر العراقي الوحيد الذي جعل مادّة الصمت لغة أساسيّة في القصيدة. هل لهذا السبب كان الصخب في شعره لا يعني الضجيج بقدر ما يعني فوضى ناشزة تقطع الانسجام؟
لكن ما ثقافة البريكان؟
ربّما لم يذكرْ أحدٌ من الذين اعتنوا بالبريكان وشعره، شيئاً عن الكتب الأدبية العربية التي كان مولعاً بها، كما لم يسألْه أحد من الذين أجروا معه مقابلات عن ذلك.كلّ ما أخبرونا به أنه كان مهتمّاً بالفلسفة، وبالموسيقى الكلاسيكية، وكان معجباً أشدّ الإعجاب بالشاعر الهندي طاغور، الذي يقول عنه:"شاعر حقيقيّ عميق الروح والذين يظنّون أنّه مجرّد وصّاف ينظرون إلى صوره الظاهرة ولا ينفذون إلى روحه".ومن الشعراء الذين أعجب البريكان بهم:" ريلكه يتميّز بتعبيره عن قلق الروح، لوركا لشعره نكهة خاصّة، وطريقته في استعمال الصور بديعة. تي. أسْ.إليوت شاعر يعي موقفه، وفي النماذج الجيّدة من شعره فنّ خاصّ. ومسرحيّته الشعريّة:"مقتل في الكاتدرائيّة" عمل فريد في ميدان صعب للغاية. بابلو نيرودا وناظم حكمت في أفضل حالاتهما يخلقان شعراًّ له أبعاده على بساطته الظاهريّة (وإن كانا في بعض حالاتهما يجنحان إلى النثريّة)، وهناك آخرون. الشاعر الاسباني خمينث الذي يلفت النظر بغنائيته في زمن يكاد يودّع الغنائية. فروست الحميم الرحب كالسهول. باسترناك المنتفض في ثلوج الوحدة. ييتس،باوند، أراغون وغيرهم، وشعراء ما بعد الحرب مثل يفتشنكو. والحقيقة إنني أميل إلى الشعراء الذين يمثلون نوعاً من عظمة الروح الإنسانية، ولا يبهرني التأنّق والاصطناع
…" (حوار أجراه حسين عبد اللطيف).
يمكن الاستدلال من التصريحات أعلاه على تنوّع قراءات البريكان الشعرية الأجنبية في مرحلة لاحقة في حياته، ولكنْ ما من ذكر لمكوناته الأولى. بالإضافة فالآراء التي طرحها تلذذية مثيرة ولكن قد يصعب علينا أن ندخلها في أيّ باب من أبواب النقد. أما جنوح نيرودا وناظم حكمت"في بعض حالاتهما إلى النثريّة"، فلا يمكن أن يصدر رأي كهذا إلاّ ممن يعرف اللغتين الاسبانية والتركية، لأن السبب قد يعود إلى الترجمة..بالإضافة إلى ذلك فليست النثريّة
عيبا بالمطلق، وإنما قد تكون سبباً أساسياً في جودة النص كما عند شيكسبير وأليوت مثلاً.
على أيّة حال، أوّل ما يثير الانتباه في شعر البريكان وكذلك في نثره، عباراته المثقلة برنين سحيق لا يتأتّى إلى أحد إلاّ بعد طول تأمّل وتنقير في الأساليب القديمة، وإلاّ بعد تشبّع بها.
يبدو أنّ البريكان، ولا أدري هل كان متديناً أمْ لا، قد استلف من القرآن ثلاثة عناصر أساسية، هي:
1-    الظلمات. 2- النور. 3- الرياح.
تكرّرت"الظلمات" و"النور" مرات عديدة جداً في شعر البريكان، وفي كلّ مرّة تقوم بنفس الدور. أي أنها بقيت خاماً لم يصنّع منها شيئاً جديداً. يقول في قصيدة:"عندما يصبح عالمنا حكاية":
"على الظلمات كانت أرضهم تطفو لغير مدى
تعاف الشمس دكنتها ويكره جدبها القمرُ
وعصر النور كان زمانهم، لم تشهدِ"العُصُرُ"
من الظلمات ما شهدا"
(لا يفوتنا أنّ الظلمة في القرآن تقوم بمثابة الرحم الذي يولد منه النور، أو الانبعاث عموماً)، أمّا الرياح فقد تطوّرت في شعر البريكان من قوّة دينية تدميرية مسيّرة، إلى رمز لانفتاح الجهات ومعها انفتاح الحريّة:"أوثر أن أبقى
|على جوادي. وأهيم من مهب ريح| إلى مهبّ ريح" (من قصيدة عن الحريّة)، وإما أن تكون أمارة من أمارات الخراب الكلّي، كما في قصيدته:
"سقطتْ فنارات العوالم دون صوتٍ. الرياحْ
هي بعدُ سيّدة الفراغ. وكلّ متجه مباحْ"
المعروف بين النقّاد أنّ أسلوب البريكان في بعض قصائده المجوّدة ذو خصيصة مختلفة عن الشعراء المجايلين له، بغضّ النظر عن أفضليّته على غيره أم لا. من أين جاء هذا الاختلاف؟ من الرسم؟ من الموسيقى؟ من السينما؟
ذكر لي أحد أقرباء محمود المقرّبين، المقيمين بلندن أنْ كان محمود يبعث إليه برسائل، ربما يحتفظ ببعضها الآن، يطلب فيها كتباً فلسفية باللغة الإنكليزية، وكتباً أخرى عن حياة الرسّامين والموسيقيين العالميين، وضمن القائمة أيضاً أعمال موسيقية، وأوبرات مع نصوصها.
ذكرنا في أوّل هذه المداخلة، أنّ محمود كان رسّاماً يحاكي لوحات عالمية. كيف استفاد البريكان من الرسم في بناء الصورة الشعريّة؟
في قصيدة:"خطّان متوازيان" يقول البريكان:
"يندفع الرصيفْ
إلى المدى، حافته الدكناء صخريّهْ
تعكس أضواء رصاصيهْ
ترسم خطّاً ذاهباً عنيفْ
إلى المدى
يندفع الرصيف
مندفعاً بألف مصباح لها رفيف
وخضرة في جنّة الليل الخرافيّهْ
ترسم خطّاً غامضاً خفيفْ
إلى المدى
وفوق أرض الشارع الكبير
ظِلٌّ، وإنسان وحيد يسير"
عالج الشاعر هذه القصيدة _ كما لا يخفى _ كمعالجة لوحة رسم. وهذا سرّ وقوفها بين بين. ما يهمنّا هنا لا نجاحها النسبي ولا إحباطها، وإنّما طريقة البريكان في المحاكاة.
من حيث الألوان استخدم الشاعر:"الحافة الدكناء"،"الأضواء الرصاصية"،"المصباح"،"خضرة في جنّة الليل"
"خطّاً غامضاً خفيف"، و"ظلّ".
أمّا التعابير التي تدلل على أنّ الشاعر تعامل مع القصيدة كلوحة في أتّون التشكّل، فهي مثلاً:"يندفع الرصيف، إلى المدى". الرصيف لا يندفع، ولكنّ الخطّ المرسوم على اللوحة هو الذي يمتدّ باندفاع إلى عمق المدى. وما انعكاس الأضواء الرصاصية على حافة الرصيف الداكنة، ما هو إلاّ تفاعل الألوان وتداخلاتها داخل اللوحة. بالإضافة إلى تعبيري:"ترسم خطّاً ذاهباً"، و"ترسم خطّاً غامضاً خفيف".
تحرّكت اللوحة برفيف المصابيح لأنّ برفيفها ستتغيّر الأشكال والظلال، ويسير الإنسان الوحيد.
ازدادت الأبيات غموضاً، والغموض عنصر أساسي في كلّ عمل فنيّ عميق، في جملة:"في جنّة الليل الخرافيّة". هكذا أدخل الشاعر عنصراً تأريخيّاً بدائياً، فتوسّعت الحيرة، لا سيّما أنّ القصيدة تنتهي بإنسان وحيد يسير. لماذا كان وحيداً؟ من أين جاء؟ وإلى أين ذاهب؟ وهل عنوان القصيدة:"خطّان متوازيان"، يدلّ على طول المسافة، وإلى أنّه لن يصل إلى شيء؟.
ما تقدّم أعلاه مجرد افتراضات، مع ذلك لا بدّ من إضافة افتراض آخر. ما علاقة هذه القصيدة بلوحة الرسّام الهولندي
Miendert Hobbema (1638-1709) المعنونة:" الطريق في ميدلهامس" التي وُصِفتْ بأنها:"من أكثر اللوحات شهرة في العالم". في هذه اللوحة طريق تصطفّ على جانبيه أشجار عالية نحيفة الجذوع بلا اغصان ولكن رؤوسها متعرّشة بالأوراق الداكنة الخضرة. الطريق يواجه المشاهد بخطّينْ متوازييْن. الخطّان عريضان في البداية ولكنهما يوهمان أنهما يقتربان من بعضهما كلّما ابتعدا وكأنهما سيلتقيان في النهاية، ولكن هيهات. شَبّه النقّاد، انحدار اصطفاف الأشجار بانحدار أعمدة التلغراف.
هذه اللوحة معروضة في الـ
NATIONAL GALLERY بلندن، وهي موجودة عادة في دليل المتحف.
الاختلاف بين قصيدة البريكان وهذه اللوحة هو الاختلاف بين ثقافتين أو بيئتيْن. جعل البريكان الرصيف صخريّاً لا تدري من أين يبتدئ ولا أين ينتهي وكأنّه شارع مبلّط في صحراء. ما من مخلوقات لحميّة أو نباتية، ما من وبر أو شعر أو ريش، وحتى ما من سماء، لأنّ البريكان عتّمها بدليل وجود المصابيح. رفيف المصابيح ذاته يذكّر برعب مصابيح هيتشكوك المتحركة في المواقف المفزعة. بهذه المثابة قلّص البريكان المشهد حتى يزيد من وحدة ذلك الإنسان السائر، وكأنّ الدنيا ستطبق عليه.
أمّا لوحة"هوبيما" فمعنية بمادّة الحياة والإخصاب والسموّ الروحي. إنها قبل كلّ شيء، معنيّة بالنموّ. في هذه اللوحة تقف أنت كمُشاهد في وسط شارع ترابي طازج إنْ صحّ التعبير، عليه بقايا نداوة. النداوة بحدّ ذاتها إخصاب من نوع ما، بعكس قصيدة البريكان المعنية بالتقلّص. إلى يمين اللوحة رجل، يشذّب أشجاراً، أقصر من قامته، إنّه بلا شكّ يهيّئها لحياة أفضل، وفي الوقت نفسه يجدّدها. بعد ذلك، نرى منعطفا ًإلى اليمين يقف في بدايته فتى وفتاة في حوارهامس عميق، لأنّ رأسيهما متقاربان وخلفهما بيت. إلى الشمال نرى من بعيد كنيسة، وبها أعطى الرسّام قيمة روحية للمشهد. هذه القيمة الروحية تمثلت بثلاثة عناصر. أوّلاً علو الأشجار الذي دلّل على علوّ السماء، ذلك لأن الأشجار المتوازية على الجانبين قريبة من المُشاهد فلا بدّ له في أن يرفع رأسه ألى أعلى حتى يراها. وثانياً ما أن يرفع راسه حتى يرى غيوماً بيضا متفرقة عالية جدّاً، ومعها نوارس شاهقة وصغيرة فوق سمت الرأس تقريباً. لوحة تتغنى بالإخصاب بأعمق هارمونية، وأثرى تواشجاً.
قبل أن ننسى، في الشارع الترابي النديّ يقابلك من بعيد رجل يمشي بتؤدة مع كلبه. الكلب لا ينظر إلى الأمام وإنما هو ملتفت إلى شماله صوب الفتى والفتاة. ولأنهما سيمرّان بك فلا بدّ من أن الطريق الترابي سيمتدّ خلفك أي أنّه طريق مفتوح، وكأنّ الحياة لا نهاية لها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة