|
مسرحيته
"الأيام المخمورة" يعرض حاليا في دمشق ..
المخرج
باسم قهار :أعيد إنتاج لغة النص المسرحي بصريا على الخشبة
ابراهيم حاج عبدي -
دمشق
لا
يتردد المخرج المسرحي العراقي باسم قهار في القول ان
المسرح هو عالم لا يستطيع مواصلة الحياة بدونه، فهو يعشق
المسرح إلى حد الهوس، مانحا إياه كل جهده واهتمامه،
فاستطاع أن يكرس نفسه واحداً من المسرحيين البارزين، ومنح
لاسمه حضورا لا يمكن تجاهله.
نال قهار شهادة البكالوريوس في الإخراج المسرحي من
أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد العام 1989م، كما
نال بكالوريوس معادلة من جامعة سدني في استراليا العام
1998م. وخلال تجربته المسرحية، التي تمتد لأكثر من عقدين،
قدم قهار العديد من الأعمال المسرحية بدأها في بغداد
بمسرحية "أغنية التم" عن نص لأنطون تشيخوف العام 1985م، ثم
"العنقاء" عن نص لكريستوفر راي العام 1987م، و"العميان"
لموريس ميترلينك العام 1988م. وبعد تخرجه في الأكاديمية
المذكورة قدم كذلك في بغداد مسرحية "في انتظار غودو"
لصموئيل بيكيت، ثم "ماكبث" لشكسبير العام 1992، وفي نفس
العام قدم "الخال فانيا" لتشيخوف، بالاشتراك مع المسرحي
العراقي صلاح القصب. وقدم العديد من الأعمال المسرحية في
دمشق مثل "العربانة" عن نص لمظفر النواب العام 1994م،
و"كهرب"، إخراجاً وتأليفاً، العام 2001م، و"آرابيا"،
إخراجاً وتأليفاً، قبل عامين، و"قُبل" عن نص لموريس ألبرت
قبل عام، وفي بيروت انجز بعض المسرحيات مثل "أنثى القمر"
عن نص ليوجين اونيل، كما قدم عروضا مسرحية باللغة
الإنكليزية في سدني مثل "الخادمات" لجان جينيه، و"الحارس"
لهارولد بنتر، و"جزيرة الماعز" للإيطالي ايكو بيتي وسواها،
وأقام العديد من ورش العمل المسرحية في كل من دمشق وبيروت
وسدني، كما شارك كممثل في بعض المسلسلات التلفزيونية.
في
مسرحيته الأخيرة "الأيام المخمورة" لسعد الله ونوس التي
تعرض الآن في دمشق، يسعى قهار إلى تكريس مفاهيمه ورؤاه
المسرحية، فهو يعتبر المسرح، في النهاية، "مشهدية بصرية"،
لا جملا وحوارات، وهو تعامل مع نص ونوس على هذا الأساس.
وهو يقول بان ليس هناك نص مقدس فكل النصوص يجب أن تخضع
لرؤية المخرج ولحلوله البصرية على الخشبة. حول مسرحيته
الأخيرة هذه، وبعض القضايا المسرحية الأخرى، حاورته
"المدى" التي حضرت العرض واستفسرت عن بعض الجوانب في
المسرحية. هنا نص الحوار:
*لماذا اخترت "الأيام المخمورة". ما الذي جذبك إلى هذا
النص؟
- سعد الله ونوس لا يشكل بالنسبة لي قاعدة، كما أن "الأيام
المخمورة" لا تشكل استثناء. عندما أقرأ نصا جيدا اعتبره
نصا جديدا حتى ولو كتب منذ ألف عام. وعندما دعيت لإخراج نص
لسعد الله ونوس فضلت "الأيام المخمورة" على نصوصه الأخرى،
لأن هذا النص يقترب من فهمي، وشكل إجراءاتي على الخشبة أو
ما اسميه "المشهدية البصرية". الأمر الثاني هو أن ونوس
يطرح تعريفات ومفاهيم تقليدية لعناوين اجتماعية، بالدرجة
الأساس، لكنه يفتح فضاء على التقاطع معها، أو الاختلاف
معها، أو دحضها أحيانا. وأنا سعيت للاقتراب من هذه
المفاهيم وخلخلتها، وإعادة تعريفها، أو نقدها والإطاحة
بها، كمفاهيم العار والفضيحة، والخيانة والشرف...لقد منحني
النص قدرة على نقد العار الاجتماعي والأخلاقي في
مجتمعاتنا، وعلى خلخلة مفهوم الفضيحة لأنني فهمت وتعلمت أن
الشرف يرتبط بالجنس، وعلي كفرد أو كفنان معاصر أن انقض هذا
المفهوم، لذلك سميت الخيانة في هذه العائلة، التي تشكل روح
النص وتمفصلاته، سميتها "نقدا ذاتيا".
لم يغرني في هذا النص أي شكل من أشكال اللغة. أنا لا احب
اللغة، ولا انتمي إليها على الخشبة. اللغة عائق، ولذلك
أغرقتها بالبصريات والأجساد، والأضواء. أنا اشتغل على بعض
الكلام لا على الكلام. اشتغل على ما يمنحه الكلام من قدرة
على تتابع الحدث والموقف، ولا احتفي باللغة في أي نص.
ولذلك في "الأيام المخمورة" كان عملي أشبه بعمل
الأركيولوجي الذي ينقب في الجبال ويزيل أكوام الأتربة
والترسبات بحثا عن حجر صغير كتب عليه اسم أو نقش أو صورة،
وأنا بدوري نقبت في هذا النص بحثا عن جمرة الدراما.
*ولكن لا يوجد نص مسرحي بدون لغة، فلماذا تقلل من شأنها
إلى هذا الحد؟
- لان هذه النصوص تجعل من المسرح كائنات لغوية، وتحيل
الممثل إلى ناطق باسم اللغة، فيتحول الممثل إلى صوت إذاعي
ينشد ما أراده المؤلف أو النص. إن ما أريده من تكسير اللغة
وإعادة إنتاجها بصريا على الخشبة، هو الاحتفاء البصري
تمثيلا، وموقفا، وسلوكا، وحركة، وحتى نحتا. هنا اللغة جزء
وليست هدفا أو غرضا نهائيا. ولهذا فاللغة تعين ولا تشكل
بؤرة العمل. اللغة هي عنصر كما الضوء وكما الستائر..لذلك
كانت أرواح الممثلين فوق الخشبة لا تلهث لقول اللغة إلا
بالقدر الذي تعينهم فيه هذه اللغة على إظهار حبهم،
وأشكالهم، وحركة عيونهم، وتعاملهم مع الضوء،
وإيماءاتهم..فتتحول اللغة، والحال كذلك، إلى قصيدة بصرية.
*إذا كانت اللغة هامشية إلى هذا الحد لديك، فأين تكمن قوة
أي نص مسرحي؟
- لا تكمن في اللغة كهدف، بمعنى أن القصيدة وأشكال الإبداع
الأخرى كالرواية والقصة القصيرة تذهب إلى الاحتفاء باللغة.
النص المسرحي ليس فضاء لمحاولات لغوية، ولا حفرا في اللغة،
ولا تفجيرا لها. قوة اللغة في أي نص مسرحي هي عندما تتيح
هذه اللغة كثافة درامية من مواقف وسجالات وتداعيات، وما
تمنحه من صور ومن استخراجات بصرية ومرئية، ومن فضاء تصادمي
ابعد من صدام اللغة والكلام. وأود أن أشير هنا إلى أن أحد
أهم مشاكل المسرح العربي تكمن في أننا أمة نص، وأمة قول.
النص لا يزال مستعمرة للغة. أنا أحاول في عروضي أن أحرر
العرض من سطوة وطغيان الكلام، لان المسرح هو بصر، قبل كل
شيء آخر، وأي محاولة لتأكيد اللغة في عرض مسرحي هو إنعاش
للإذاعة على الخشبة.
*وفق هذه الرؤية، كيف تعاملت مع نص "الأيام المخمورة"، وهي
من النصوص التي يصعب تحويلها إلى عرض مسرحي؟
- الشخصيات التي كنت أقرأها كانت أشبه بكائنات لغوية لا
تعرف سوى أن تتحدث، وتثرثر وتذهب في التداعيات والحكايات.
شعرت بان هناك هدرا في الكلام، وتبذيرا لغويا. كان علي أن
أقوم بما اسميه فنيا "إعادة تدوين فوق الخشبة" لهزم هذه
اللغة، وإلا سأفشل أو سأقول أناشيد لغوية لست بحاجة
لقولها. اسمي هذه الإجراءات على الخشبة إجراءات جراحية
للنص. ليس ثمة نص مقدس على الإطلاق، ومفهوم موت المؤلف
قائم بالنسبة لي. النص الحي والجديد هو النص الذي يمنحك
القدرة على تفجيره وإعادة قراءته، وإعطائه زمنا، وجغرافيا،
وبيئة مضافة. النص المغلق نص ميت، يتيم وفقير ولا يعدو
كونه كلمات باهتة أسيرة غلافين. في نص "الأيام المخمورة"
اقترحت حلولا بصرية، واستطعت الوصول إلى أعماق النص عبر
تلك الحلول.
*"الأيام المخمورة" تتحدث عن قضايا اجتماعية بالأساس، وأنت
كمسرحي عراقي ألا ترى بأن على الفنون، في هذه المرحلة
العصيبة، أن تناقش الحدث السياسي الساخن؟
- العرض الذي قدمته قبل "الأيام المخمورة" كان عرض
"آرابيا"، وكان يعبر عن روح الأزمة العراقية، وعن العنف في
العراق، ولكني تأزمت كثيرا بعد العرض. الأزمة العراقية
متحركة بكل الاتجاهات، وهي أزمة كبيرة، والأزمات الكبرى
بحاجة إلى مساحة زمنية للتأمل. هذا لا يمنع من أن أتحدث عن
وطني، وعن العنف فيه، وعن نزيف الدم غير المتوقف..لأنني لا
أستطيع أن أتجرد من ذاكرتي، ولا من انتمائي، ولا من
هويتي..مع ذلك شعرت بعد عرض "آرابيا" بأن ما أقوله هو
انحيازات ومواقف تشكل ردا على ما يجري وليس هذا هو هدف
الفن والجمال. إن الأعمال الفنية الكبرى عاشت لأنها تأملت،
وأعادت التفكير بالأزمات الإنسانية الكبرى الشبيهة بأزمة
العراق، بعد زمن من حدوثها، فإما نقضتها أو اقتربت منها أو
أطاحت بها. بالنسبة لي اعتقد بأنه يجب أن نطفئ النيران ثم
نحصي الضحايا، وبعدها نفكر وننتج وننحاز ونرفض أو نقبل
بالخيال وحده في عرض مسرحي غير قادر على التعبير ولا يشكل
انعكاسا كاملا لأزمة متورمة مثل العراق. أما "الأيام
المخمورة" فهي نص اقتربت مفاتيحه مما أفكر، ولو كان ونوس
حيا لاقترحت عليه أن يسمي النص باسم "العائلة" لما لهذه
التسمية من دفء وحميمية في الذاكرة والروح، وقد يقول أحدهم
بان تسمية العائلة أطلقت على أعمال فنية كثيرة، فارد: ليس
المهم ما تقول، المهم كيف تقول.
*لماذا لجأت، في "الأيام المخمورة"، إلى الستائر المتعددة
في شكل يمكن تسميته بلعبة الخفاء والتجلي؟
- لنأخذ تعريفا للستارة من المفهوم المتداول يوميا.
الستارة هي وسيلة حجب بالدرجة الأولى. حجب الذات عن الآخر
أو العكس، أو حجب الضوء عن المكان أو العكس، ولكنك عندما
تختار ستارة فأنت تفكر في لونها، وليس فقط في تصميمها،
ونوع قماشها. هناك عشرون مكانا في النص يتوزع بين المقهى
والبيت والميناء والمعمل والنادي الليلي..فيجب كسر كل هذا
بالخيال. الستارة في هذا العرض تلعب وظائف عدة: تخفي أو
تؤطر أو تحيل أو تحجب أو تخفي أو تمنح المكان جوا أشبه
بضوء القمر...تعاملت مع هذه الستائر لأحيل كل ما يجري إلى
حالة من حالات المفاجأة، ولأكسر توقع المتلقي تماما،
فأدخلته في لعبة توقعات وكسر توقعات، وهذه جدلية بيني
وبينه في عرض مسرحي من ساعة ونصف. حققت بهذه الستائر اكثر
من 25 مكانا، وحركت الستائر اكثر من أربع وتسعين حركة،
واقتربت من مشهدية بصرية متحركة. فكان للستائر جانب
سينوغرافي جمالي، ولكنها محملة، في الآن ذاته، بكل
الإحالات البيئية والجغرافية وحتى السيكولوجية للشخصيات.
في كثير من الحالات كان الممثل يحاط بالستائر، وهذه
الستائر تختلف بحسب الموقف النفسي فتعمل على محاصرته في
لحظات القلق، وعندما تشعر الشخصية بالفرح كانت الستائر
شفافة وبيضاء ومفتوحة على أفق واسع. ليس المهم المفردة
المسرحية المستخدمة، ولكن المهم كيف تعطي لهذه المفردة
وظيفة ودلالة ومعنى وتأويلا...في هذا العرض كان علي أن
اعرف كيف أوظف الستارة لتكون كائنا له وجود وكبرياء...
*المعروف أنك توظف كل مفردة مسرحية بوصفها كائنا دراميا.
أليس كذلك؟
- نعم. أنا أرى ان اللون والضوء، والموسيقا، والمؤثر
الصوتي..وكل ما هو مرئي ومسموع على الخشبة هي كائنات تلتقي
مع بعضها وتتناسل لإنتاج عمل فني جمالي. سيكون من خيبتي أن
اسمع أحدا يقول بان الموسيقا كانت جميلة بذاتها. هذا يعني
أنها لم تكن جميلة في العرض. ليس الضوء للإنارة، وليست
الموسيقا لتجميل المشهد..كل هذه العناصر كائنات درامية.
الضوء لا يغسل الظلام فحسب، بل يرتجف. يتحدد. يصنع الظلال.
يرتبك. يهاجم. يتراجع...وكذلك الموسيقا هي ليست باغراوند
لممثل يقول اللغة. الموسيقا بطل روحي فيه الرفض والخيال
والقبول. في أي عرض، قدمته، وسأقدمه لن اسمح بظهور أي عنصر
سياحي.
* وأنت تقدم هذه الأعمال خارج وطنك العراق، وتحقق هذه
النجاحات بعيدا عنه، ما الشعور الذي ينتابك؟
- لا أخفيك انه وفي كل عرض مسرحي، وخصوصا في ليلة
الافتتاح، أتخيل وجود أصدقاء طفولتي وأساتذتي وزملائي
وعائلتي وكل الناس الذين احبهم، والذين ينزفون الآن قلقا
وخوفا في العراق. أتخيلهم في الصفوف الأولى. وهذا هاجس
يعذبني في كل عرض. مع هذا أقول أن المسرح، كجمال، لا ينتمي
إلى المكان، ولا إلى الجغرافيا، ولا إلى اللغة. هو مثل
الخيال لا يمكن سجنه أو تأطيره بمكان، لأنه فكرة. تعذبني
مخيلتي أحيانا. اشعر بأنني رازح تحت قسوتها فهي اكبر مني
لذلك الهث خلفها، وفي أحيان أخرى أحاول لجمها. الفن
والجمال هما خيال، ولكن ماذا اصنع بجزء من مخيلتي في حمام
الدم هذا الذي يجري في العراق.
* ماذا تتذكر من سنوات المسرح العراقي حين كنت طالبا، وكيف
تنظر إليه الآن؟
- أنا جزء من المسرح العراقي، وأواصل المنجز الذي حققه
مبدعون عراقيون. لكن شكل هذه المواصلة لا يتمثل في الوفاء
للآباء، لأنه في الفن يجب أن يصبح الابن عاقا ليواصل ما
حقق من قبله. لا يدهشني إلا أستاذي صلاح القصب. انه متجدد،
ولمخيلته يقظة النار وفتوة الماء. هذا الرجل، الذي لا
أستطيع أن أراه إلا خيالا وفي الأحلام، هو أب النسبة لي.
أنا أواصل جنونه وأحلامه وجماله...أما أساتذتي الآخرين
فأنا احبهم، ولكني توقفت عن التعلم منهم لأنهم توقفوا عن
تعليم أنفسهم. كان المسرح العراقي في الستينيات
والسبعينيات مزدهرا. عقل الفنان العراقي اكبر من عقل
السياسي العراقي.
انظر إلى المنجز المسرحي العراقي حتى سنة 1990 ستجد تنوعا،
وجمالا، ومدارس، وتعددية وانفتاحا على مختلف الرؤى
والأفكار والتيارات والأشكال. كانت هناك مغامرة ومغايرة
قائمة. تمرد. غضب ورفض وتحريض...والاهم كان هناك الجمال.
المسرح في العراق، كما الشعر والفن التشكيلي، لا يموت بل
يتجدد في كل يوم. الشعر والفن التشكيلي والمسرح في العراق
هو التاريخ الحقيقي لنا.
الآن في هذه الظروف الصعبة، لا يمكن الحديث عن مسرح عراقي.
هناك محاولات واجتهادات فردية. إزاء هذا العنف، وهذا
الألم، وهذا الخوف، وهذا القتل...لن أطالب أي فنان عراقي
بان ينجز شيئا عظيما. المسرح، كما جميع الفنون، لا يزدهر
إلا في مناخ الأمن والسلم، والاستقرار، والهدوء...فأين
العراق من كل هذا الآن؟!
* أنت عملت في المسرح، وفي التلفزيون كذلك. بين المسرح
والتلفزيون أية فوارق وجدت؟
- لا اعترف بالتلفزيون، ولم تحتفظ ذاكرتي ولا يومياتي، ولا
أي البوم صور لي بصورة عن دور تلفزيوني مثلته. أنا أعمل في
التلفزيون لأدفع عن نفسي تهمة "العطل" فقط. في التلفزيون
هناك شيء سياحي. أما في المسرح هناك فكر وجمال وألم. أنا
أضع حريتي في المسرح، كشفي الكامل، وصدامي الكامل مع
الحياة، وفهمي للحياة. لذلك عندما أبدأ ببروفات عرض مسرحي
جديد أولد مثل طفل، وعند العرض الأول أموت في انتظار عرض
مسرحي آخر. المسرح بالنسبة لي هو الحياة بكل صخبها وبهائها
وقســـــــــــــــــــــــوتها وبشاعتها وبؤسها
وجمالها...
|