|
الانتخابـــات العراقيـة ...
حضور القبيلة / غياب
المواطنة
شمخي
جبر
إذا كان الدكتور محمد
عابد الجابري قد تناول عقلاً عربياً فإن هذا العقل العربي
تكون داخل ثقافة إسلامية تعددت مصادرها من خلال تفاعلها مع
الثقافات الأخرى يونانية وفارسية وهندية فضلاً عن
التأثيرات المحلية للثقافات وأنساق التفكير التي كانت
قائمة قبل الإسلام خصوصاً في العراق في منطقة الحيرة
وغيرها من المناطق التي كانت تسكنها بعض الجماعات الدينية
كاليهود والمسيحيين والصابئة وما لكل هذا من تأثير في
الثقافة والفكر الإسلامي. فإذا كان الدكتور الجابري قد
تعامل مع هذا الموضوع من وجهة نظر قومية، فهو لم يتجه
اتجاهاً قومياً محضاً أو خالصاً كما كان يسميه القوميون
العرب مثل المفكر السوري زكي الارسوزي، بل أن الجابري حين
كان يفكر فإن عدته ثقافته وإطاره المرجعي كانا إسلاميين،
وهي الثقافة التي لا يستطيع أي مفكر قومي أن يقفز عليها
لأنها الثقافة والفكر الذي أغنى حياة العرب، بل هو الفكر
والأيديولوجية التي حولت العربي من بدوي يجوب الصحراء إلى
فاتح فتح العالم كله ففتح له العالم ذراعيه حمل رسالة
الإسلام إلى العالم، بل تحول هذا البدوي الغارق في لجة
أمواج بحار الرمال المتماوجة إلى الإنسان القلق الذي يفكر
في الكون والوجود وعلاقته بكل هذا وكيفية ترتيب هذه
العلاقة.
سقنا هذه المقدمة لا لكي نغرد مع السرب القومي الذي أدار
ظهره للواقع، بل لنقول إن الإسلام هو المكون الأساس للعقل
العربي إن جاز لنا أن نقول أن هناك عقلاً عربياً، بل إننا
نرى أن هناك عقولاً متعددة، فهناك العقل العراقي والعقل
المصري والعقل المغربي. نعم قد يجمع هذه العقول جامع مشترك
هو الإسلام أو العروبة، إلا إننا نجد أن هناك مكونات أخرى
ساهمت في تكوين هذه العقول، يقع في المقام الأول من هذه
المؤثرات البيئة المحلية وخصوصياتها. وحين نقول البيئة
نعني بها العامل الطوبوغرافي للمنطقة وتأثيراته في الفرد
والمكونات الثقافية المحلية في كل منطقة التي لا يستطيع أي
باحث أن يتجاهل تأثيراتها في تكوين عقل الفرد في سلوكه
وطريقة تفكيره وردود أفعاله وأحلامه وأوهامه وعمرانه
وملبسه وغذائه وطريقة عيشه ومجمل حياته الاقتصادية، إضافة
إلى ذلك الأحداث التاريخية والحياة السياسية عبر التاريخ
الإسلامي وما تركه من أثر في تكوين شخصية الفرد، وكذلك
الأثر الذي يتركه ظهور الطوائف والمذاهب الذي أفضى بدوره
إلى تكوين بنى ثانوية لها خصوصيتها داخل البنية الأم. نقول
مثلاً أن هناك وحدة اجتماعية استهدفها الإسلام من أجل وحدة
المجتمع وتحقيق بنية مجتمعية عقلانية هي القبيلة، إلا أنها
بقيت راسخة في العقل العربي.
يرى ابن خلدون أن مصدر الترابط في العصبية هو أمر فطري في
الطبيعة البشرية أساسه "النعرة على ذوي الأرحام أن ينالهم
ضيم أو تصيبهم هلكة" يرى ابن خلدون أن أهم إنجاز حققه
الإسلام في هذا المجال هو استخلاف أبي بكر على الرغم من
أنه كان من الفرع الضعيف من قريش، فيقول: إنها كانت لحظة
رحمانية ما لبثت أن تهدمت على يد بني أمية الذين حولوه إلى
حكم عضوض، وهكذا تهدمت الكثير من القيم ونهضت قيمة من
اشتدت وطأته ووجبت طاعته حتى قيل لا تدين العرب إلا لهذا
الحي من قريش، وهو تبرير شرعية استيلاء أهل الشوكة والغلبة
على الحكم بعد الخلفاء الراشدين باعتبار أن الناس لا
ينقادون إلا إلى القوى، وقد أدى بهم الأمر في هذا المجال
إلى تكريس نظرية الشوكة والغلبة كما يقول محمد عابد
الجابري، وهكذا تم التخلي عن المبادئ الأولى وصوغ نظرية
جديدة فتحت الباب على مصراعيه أمام الحكام المستبدين
وأهوائهم فتلقفوها كما الكرة كما يقول أبو سفيان وتوارثوها
في أبنائهم وداخل عشيرتهم مما أحدث شرخاً كبيراً في عقل
الأمة من خلال السكوت عن الشورى بل إسقاطها حيث تدوسها
حوافر خيول القبيلة في معارك الجمل وصفين ومن ثم واقعة
الطف الرهيبة التي حققت فيها القبيلة (اروع) انتصاراتها
وأخذ غبار المعركة معه جميع المبادئ الأولى. وبهذا تكون
القبيلة ومعها النسق القرابي بكل أشكاله وتمظهراته قد حقق
انتصاراً كبيراً. ليس هذا فقط، بل إن المسلمين يجمعون على
أن الخلافة انقلبت مع معاوية إلى ملك عضوض وهم يجعلون من
تنازل الحسن لمعاوية ومبايعته له وانضمام معظم ما تبقى من
الصحابة وكثير من الجماعة) وهنا نرى أن الدين حين ينقلب
إلى سياسة أو رابطة سياسية ينقسم كغيره من الروابط التي
تقوم على أساس المصلحة والقوة، ويصبح لاتباعه أفراد
وجماعات عصبية من العصبيات التي تستأثر بخدمة غرض أو تهدف
إلى إحراز مغنم أو تقوية نفوذ في الصراعات الناشئة في
الميدان الوطني أو الإنساني، فإن زعماءه يتجهون إلى مختلف
القوى الظالعة ويأخذون يحتمون بها أو يحمونها حفاظاً على
مصالحهم ومصالحها فينصرون الظلم الظاهر أو المستتر ويدعمون
الأوضاع الفاسدة بدلاً من أن يسعوا إلى إصلاحها أو
إزالتها، فيتحول الدين إلى ورقة يلعبها السياسيون.
تعد العصبية عند ابن خلدون الشكل الأساسي للجماعة التي
تهدف إلى غرض معين، سواء كانت مهنية أم اجتماعية أم
سياسية، فيتحول الدين إلى عصبة لا تختلف في بنيتها عن
القبيلة. ولقد تعاظم الأمر سوءاً في تعدد الطوائف التي
ينطبق عليها مفهوم (العصبية) حسب رأي ابن خلدون في
العصبية، إذ إنها تتحول إلى عبء على النظام الاجتماعي
لأنها تصبح قبيلة مضافة إلى ما موجود من قبائل، وبهذا
يتحول المجتمع إلى مجموعة من الأنساق القرابية، والنسق
القرابي هو الرابطة الدموية الحقيقة أو المفترضة أو
الموهومة أو المدعاة فلابد من أن نقول بوجود عقل قرابي،
وهو مجموعة النظم والقوانين والقيم الناظمة لسلوك وطريق
تفكير الفرد الذي ينتمي لأي نسق قرابي. إن العقل القرابي
هو أحد مكونات العقل العربي، وهذا العقل الفرعي يخمل مرة
ويظهر على السطح مرة أخرى كلما توفرت الظروف لظهوره أو دعت
الحاجة لوجوده وهو من مكونات العقل العربي الكامنة. فإذا
كان هذا العقل قد تعرض إلى ضربة قاسية اول ظهور الإسلام
فإنه تربع على عرش الفكر العربي في حكم الدولة الأموية.
وإذا كان قد حقق يقظة وتثويراً آخر فإنه حققه في مطلع
القرن العشرين حيث كان المجتمع العراقي موزعاً على أساس
الوحدات العشائرية التي كانت تشكل كياناً سياسياً مستقلاً.
وقد عزز استقلاليته (قانون دعاوى العشائر) الذي أصدره
الانكليز عام 1916 وثبت سيطرة رؤساء العشائر على فلاحيهم
وعزز مكانة رؤساء الأفخاذ والعشائر عن طريق إعطائهم وظيفة
المحافظة على الأمن والقبض على المجرمين وحماية المواصلات
وسدود الأنهار وجمع الضرائب إضافة إلى تزويدهم بالأسلحة.
حين سن قانون العشائر في العراق وتعرض لضربة قاضية بعد
ثورة 1958 التي ألغت القوانين العشائرية، وشرع قانون
الإصلاح الزراعي تفتتت ملكيات الإقطاع مما أضعف من سلطات
شيوخ العشائر، وضعفت سلطة مؤسسة العشيرة على افرادها الذين
أقبلوا على الدولة لتحقيق الحماية لهم والدفاع عن حقوقهم،
وأصبحت الدولة هي الحاكمة هنا كان تحالف المؤسستين
التقليديتين العدوتين للخلاص من عدوهم المشترك ثورة 1958،
فكان لهما ما أرادا، إلا أنه على الرغم من التحالفات التي
حدثت في بعض الأوقات بين المؤسسة الدينية والعشيرة، إلا أن
العشيرة بقيت محكومة من داخل نسقها الثقافي (حيث تحكمها
السواني "جمع سانية" وهي مجموعة من النظم والقوانين
والأعراف تحكم من خلالها العشيرة وتنظم العلاقة بين
العشيرة والعشائر الأخرى، فكانت العشيرة لا علاقة لها
بالشريعة، تسودها مفاهيم جاهلة كالفصلية والنهوة. وإذا
كانت الشريعة تحكم على الزاني جلدة لغير المتزوجة والرجم
للمتزوجة، فإن العرف العشائري يحكم بالقتل لكلتا الحالتين،
لأن ما يحكم العشيرة (شيخ سواني) أو (عارفة سواني). وهكذا
بقيت العشيرة بعيدة عن الشريعة في كل حياتها على الرغم من
ولائها الظاهري للمؤسسة الدينية إن هاتين المؤسستين
(الدينية والقبيلة) مؤسستان قرابيتان لأن إحداهما تربط
فيما بين إتباعها رابطة الدم، فيما تربط اتباع الثانية
رابطة المعتقد، وكلاهما تنظر إلى أفراد المجتمع الآخرين
نظرة تفريقية تبعيدية باعتبارهم اباعد لا يرتبطون بهما بأي
من الرابطتين المذكورتين. إلى الآن لم نستطع الخروج من
شرنقة العصبية، لم ننتقل من نظام العصبة وثقافته إلى نظام
المؤسسة وثقافته، حيث يوجد نظام المؤسسة على السطح وعلى
مستوى الشكل والمظهر، بينما بقي نظام العصبية هو النظام
الفاعل وإن لم يظهر للعيان. العصبية تختلف عن نظام المؤسسة
في شيء مهم هو طبيعة الروابط التي تجعل هؤلاء الأفراد
يتضامنون بعضهم مع بعض، فالروابط في نظام العصبية تقوم على
صلة النسب والقرابة، أما في نظام المؤسسة الحديثة فالروابط
تقوم على الالتزام والإمكانات والقدرات لخدمة الصالح العام
من دون محسوبية أو منسوبية وبغض النظر عن الروابط العرقية
والدموية أو الدينية أو الطائفية.
بعد أول نجاح للعملية السياسية في العراق بعد التغير في
9/4 الذي تمثل بأول ممارسة ديمقراطية في 30/1/2005، لابد
لنا من مناقشة وتفحص مخرجات هذه الممارسة الديمقراطية وما
انتجتهن فنصل إلى نتيجة أولية هي أن العقل القرابي حقق
فيها انتصاراً كبيراً من خلال ممارسة سلطات واسعة وضغط
كبير على الأفراد وتوجيه إرادتهم عن طريق إجراء آلية من
التفاعل الرمزي بين الأفراد لتنميط سلوكهم وتوجيههم نحو
العملية الانتخابية باعتبار أن الانتخابات وما يتمخض عنها
هما عنوان لانتصار القبيلة أو الطائفة، فوضعت خيارات
الناخب داخل هذا النسق القرابي تحديداً، وعليه أن لا يخرج
من هذا الإطار في خياراته، لأن أي خيار آخر يعد خروجاً على
الجماعة. وبهذا، أخذ الفرد بالتخلي عن الكثير من قناعاته،
بل عن بعض ما يحقق مصالحه حتى يستطيع ان يحقق توقعات
الجماعة التي ينتمي إليها، لأنه إن لم يفعل هذا يصبح في
نظر جماعته غير متماثل مع معاييرها ومنحرفاً عنها فتهبط
مكانته داخل الجماعة، وهكذا يقع تحت ضغط وهيمنة (السلط)
المتنفذة داخل المجتمع، التي تمارس ضغطها على الفرد من أجل
تحقيق أهدافها، وتتمثل هذه السلطات بـ(القبيلة والطائفة)،
فوقع وعي الفرد ولا وعيه تحت طائلة ضغطها فتجاذبته كل
واحدة منها حسب آليات العمل التي تعتمدها، وبالتالي تغييب
الحس الوطني داخل الفرد، فتصبح هذه المكونات الفرعية هوية
بديلة عن الهوية الوطنية من خلال ضغطها على الفرد للتخلي
عنها مصورة لها أن الوطنية والمواطنة والوطن هي من همشه
وغيبه أو اضطهده راسمة له صورة ذهنية مفزعة عن الوطن،
وبالتالي عن من يشاركونه الوطن من المكونات الأخرى التي
لاتقع ضمن النسق القرابي الذي ينتمي إليه، فعليه، والحال
هذه، الاحتماء بها كونها الهوية الحقيقية والحضن الدافئ
الذي يحتضنه، وحين تعمل هذه الجماعة بآلية الأقربون أولى
بالمعروف فإنها تعمل وفق ثنائية على الفرد ألا يتحرك إلا
وفقها (الأقربون / الأبعدون).
علينا أن نؤكد حقيقة هي أن النسق القرابي ينمو ويتعاظم مع
ضعف الدولة التي تعد الإطار الذي يحتضن كل المكونات في
حالة قوتها ووجود مؤسساتها، إلا أن ضعفها يجعل هذه
المكونات تنطلق من الإطار لتطرح نفسها بديلاً عن الدولة من
خلال بناء نفسها مؤسسياً وتحاول ان تكون بديلاً عن مؤسسات
المجتمع المدني الذي هو مؤسسات تطوعية إرادية يقيمها الناس
وينضمون إليها أو يحلونها أو ينسحبون منها على النقيض من
مؤسسات النسق القرابي التي يسميها محمد عابدي الجابري
مؤسسات المجتمع البدوي / القروي التي تتميز بكونها مؤسسات
طبيعية يولد الفرد منتمياً إليها مندمجاً فيها لا يستطيع
الانسحاب منها مثل القبيلة والطائفة اللتين تؤديان دوراً
كبيراً في تهميش المجتمع المدني والغائه كونها بديلاً عنه
حين تلبس لباس العصر على اعتبار اللباس قد اصبح رمزاً
أيديولوجياً عند بعض النخب. وحسب د. فالح عبد الجبار فإن
تهميش وإلغاء المجتمع المدني يجعلان المجتمع مكوناً من
أفراد مقطوعي الجذور مع أية منظمة أو مؤسسة اجتماعية حديثة
وهم يعيدون ارتباطهم بالمؤسسات التقليدية كالطائفة
والقبيلة. وهكذا، يمارس على الفرد نوع من الاستفراد
والاستغفال والتضليل فتشكل شرخاً كبيراً في الهوية الوطنية
من خلال تضخيمها للانتماء الطائفي والقبلي والقومي على
حساب الانتماء الوطني الجامع المشترك مع المكونات الأخرى.
وبدلاً من أن يكون هذا الطيف الواسع من المكونات عامل قوة
في النسيج الاجتماعي، يعمل سدنة النسق القرابي والقائمون
عليه على تحويله إلى ورقة ضغط تهدد الكيان الاجتماعي برمته
للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية حرمت منها على مدى طويل
واستعادة ما فاتها من فرص تاريخية، فتعمل على توسيع النزعة
الطائفية والقومية والقبلية مما يجعل أفرادها يقعون ضحية
الدعوة للتخندق خلف متاريس الطائفية والقومية والقبلية
تاركين خندق الوطن فارغاً إلا من الذين تشبثوا به وجوداً
وهوية، هكذا، عزفت على هذين الوترين (القبلي / الطائفي)
بمهارة خلال عملية الانتخابات فكان عزفهما مسموعاً أطرب
المجتمع لأن أذنه تستسيغ هكذا أنغام تربت واستذوقتها فسكرت
على أنغامها الأفئدة والعقول فسيرت هذه المعزوفات الجموع
كما تشتهي وكما تريد، فنجح العازفون، وكانت النتائج الصالح
العقل القرابي، وكان العقل الطائفي أكثر نجاحاً في توجيه
أتباعه مع أو ضد الانتخابات لأنه يمتلك من الوسائل ما يكفي
لترويج خطابه الذي يتميز بنجاحه في مخاطبة القلوب قبل
العقول لأن القلوب يسهل على هذا الخطاب قيادها لأنه خطاب
عاطفي، فتقع تحت تأثيره بسهولة ويسر، إما العقول فصعب
قيادها وتحتاج لجهد طويل وعمل دؤوب وآليات العمل في بيئتها
معقدة وتستغرق زمناً طويلاً، وحتى الذين امتنعوا عن
المشاركة في الانتخابات نجحوا في دعوتهم لمقاطعتها ومن ثم
حرمان أبناء طائفتهم من ممارسة حق من حقوقهم، فكانت رقصتان
عمقتا الحس القرابي الطائفي والقبلي، والخاسر الوحيد هو
المجتمع ووحدته. |