اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الطائفيــة السياسيــة  (2-2)
 

ميثم الجنابي

اذا كان الانقسام والتجزئة الطائفية في العراق ظاهرة لها جذورها ومقدماتها التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن ارجاعها عموما الى مرحلة ما بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر حتى بداية ظهوره الجزئي الجديد في بداية القرن العشرين، فان اعادة ترسيخها في مرحلة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية دمرت كل القيمة المتراكمة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وهو الامر الذي ارجع العراق الى بداية مرحلة انتقالية جديدة.
غير ان الممارسة العنيفة للطائفية السياسية الجديدة التي تتزعمها قوى (الاقوام الصغيرة) من مذهبية شيعية وكردية عرقية اخذت تغذي القوى جميعا وتجبرها على التخندق وراء طوائف ما قبل الدولة والمجتمع المدني، وهو امر يشير الى ان هذه القوى هي الممثل النموذجي المعاصر للانحطاط والتخلف الاجتماعي، ذلك يعني انها قوى لا تعمل، من حيث الجوهر، الا على التمسك العنيد بالبنية التقليدية والعمل على استمرارها في مختلف اشكال التمايز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فهي الشروط الملازمة لبعث نفسية الانغلاق من اجل استثمارها السياسي، وهي ظاهرة متشابهة في كل مراحل التاريخ وعند جميع الأقوام والأديان من دون استثناء، الا ان خطورتها في تاريخ العراق المعاصر تقوم في محاولة افراغهما من روح المعاصرة، وهي محاولة اقرب ما تكون الى مغامرة بليدة، لانها تتعارض مع تيارين كبيرين مكونين لكينونة العراق والمهمات الضرورية لمعاصرة المستقبل فيه وهما: ان حقيقة الهوية العراقية تكمن في تاريخه الكلي بوصفه عراقا وليس تجمع اعراق، ومن ثم لا يمكن حل او تفكيك وحدته الذاتية، ان معاصرة المستقبل تفترض تذليل البنية التقليدية وتفسخها المورث من المرحلة التوتاليتارية والدكتاتورية، فالعراق لم يعرف، في كل مراحل ازدهاره الثقافي والحضاري، أي شكل من أشكال الطائفية، مع انه كان موطن ومصدر الخلافات الفكرية والدينية والفقهية والسياسية، وهي حالة ونتيجة ملازمة لطبيعة تكونه التاريخي الثقافي بوصفه كينونة تاريخية ثقافية شكلت الرافيدينية العربية الاسلامية جوهرها الذاتي. وهنا تكمن استحالة فوز اية فكرة مذهبية او عرقية فيه. وفي هذا يكمن سر النهاية الفاضحة والمخزية للصدامية، وهي حقيقة تبرهن على ان اية محاولة للخروج عن منطق الاستعراق (الهوية العراقية) سوف يؤدي بالضرورة الى الزوال والاندثار المخزي، في حين تفترض معاصرة المستقبل ارجاع العراق الى خطوط مساره التاريخي الطبيعي. وهي مهمة لا تفترضها حقيقة المعاصرة في العالم حسب، بل خصوصية التكون التاريخي للعراق نفسه بوصفه هوية ثقافية، وهي مهمة قابلة للتمظهر المتجدد، لكنها غير مقبولة في حال نفيها حقيقته المشار اليها اعلاه، و هي معارضة لا ينبغي فهمها بمعايير الرؤية الايديولوجية او السياسية بقدر ما انها تنبع من حقيقة الهوية العراقية التي تتعارض، من حيث الجوهر، مع اية محاولة او مساع ايا كان شكلها (عرقيا او طائفيا او جهويا) لتغيير اوزانها الداخلية.
من هنا تأتي مجافاة المساعي السياسية للقوى العرقية والمذهبية في جعل الطائفية السياسية اسلوبا لاحكام سيطرتها لحقيقة الهوية العراقية ومنطق تاريخها الذاتي، لانها مساع لا تفعل في الواقع الا على ترسيخ قيم ومفاهيم الجهل الذاتي، بمعنى انها تعيد انتاج الصدامية من حيث كونها خروجا على منطق الاستعراق واستفراغا للتاريخ واجترارا للزمن العابر، اي المؤقت فيه، وهي مجافاة عرضة للزوال السريع لكونها تأتي من القوى التي تعرضت اكثر من غيرها للتهميش السياسي والاجتماعي في تاريخ العراق المعاصر، اقصد بذلك الشيعة، فعوضا عن السعي الجدي لتذليل الطائفية المفتعلة للصدامية نرى توجها مؤدلجا ومنظوميا لغرس الطائفية السياسية في العراق، من خلال تصنيع وتقديم ما يمكن دعوته (بالطائفية السياسية الشيعية)، وهي اخطر انواع الطائفية في تاريخ العراق المعاصر. وخطورتها تتمثل في ثلاث قضايا كبرى: الاولى في كونها تشكل نكوصا عن مبدأ التشيع، والثانية في كونها تشكل خروجا على منطق الاستعراق، واخيرا في كونها تشكل خضوعا لنفسية الاقلية وذهنيتها.
ولعل صورتها الاولية التي تتسم بقدر كبير من الخداع السياسي الذاتي والزيف الاجتماعي يقوم في مساعي القيادات الدينية الشيعية للاستحواذ على الشيعة، وهي محاولات تشير، من حيث مضمونها السياسي والاجتماعي، الى سيادة نفسية وذهنية الطائفية السياسية، بمعنى العمل على تحويل الشيعة الى طائفة. بعبارة أخرى. ان مساعي القيادات الشيعية الدينية تقوم في محاولة الاستحواذ السياسي على الشيعة عبر تحويلهم الى طائفة، وهي محاولات لا تعني في الواقع سوى نقل الطائفية الى الشيعة والتشيع في العراق، وهو امر يتناقض مع حقيقتهما فيه. القضية، هنا، ليست فقط في ان تصنيع نفسية وذهنية الطائفية السياسية يؤدي الى صنع اخطر انواع الطائفية واتفه انواع السياسة، بل ما يترتب عليه من تصنيع الطائفة وتسويف السياسة، بينما تقوم المهمة الكبرى امام شيعة العراق في الغاء الطائفية. فهم يشكلون القوة القادرة فعلا على انجاز هذه المهمة، وفي ذلك يكمن قدرهم التاريخي ومضمون وجودهم الثقافي. وهو امر ممكن التحقيق عندما يسلك شيعة العراق سلوك الاغلبية، بمعنى تذليل نفسية وذهنية الاقلية، فالشيعة ليسوا بحاجة الى رؤية طائفية للبرهنة على ما يريدون تحقيقه، كما ان التشيع ليس بحاجة للتحقق بطائفية سياسية، لانه يتناقض مع ما يريده في العراق، لان حقيقة ارادته تقوم في حقيقة العراق نفسه. كل ذلك يضع امام الشيعة مهمة العمل على تذليل نفسية وذهنية وفكرة الاغلبية والاقلية عبر الاحتكام الدائم الى مرجعية العروبة والعراقية، وهي مهمة لا يمكن للحركة الدينية والطائفية ان تنجزها، بمعنى ان المهمة التاريخية الكبرى لانجاز مهمة التحول الفعلي من التوتاليتارية الى الديمقراطية تقوم عبر تذليل هيمنة رجل الدين والحركة الدينية والمرجعيات الدينية بارجاعها الى ميدان وجودهم التاريخي التقليدي وتذليل حماسة واندفاعة الفكرة العرقية ونفسيتها القومية من خلال ارجاعها الى حدودها التاريخية بوصفها مكونات ما قبل الدولة، لان المصير المحتوم لهيمنة المؤسسة الدينية التقليدية والعرقية القومية هو التصنيع الدائم للطائفية السياسية، وهو تصنيع لا ينتج الا انحدارا في الرؤية السياسية صوب حضيض الطائفية مع ما يترتب عليه بالضرورة من صنع دائم لمختلف أنواع المثلثات والمربعات والدوائر الهمجية.


بقايا الطورانية في العراق
 

سلام كبة

التركمان في العراق، هم أحفاد ابناء القبائل التركمانية في هجراتها القديمة من الشرق وبالأخص القبائل الياقوتية من شمال الصين الى بلاد ميديا حيث انتشرت على ضفتي دجلة والفرات سنة 100 ق.م.، والقبائل المغولية في صولتها الجنكيزخانية والتيمورلنكية والفتح العثماني للعراق سنة 941 هجرية. واستوطنت هذه القبائل من تلعفر في غرب العراق الى دلي عباس في ديالى، وشكلت الخط الفاصل الديموغرافي بين الكرد والعرب، وتمركزت الأكثرية في كركوك وطوزخورماتو و كفري و داقوق و تازه و ليلان وقزرلباط و خانقين و الرشيدية، وتعرضت القرى التركمانية للتهجير القسري والتطهير العرقي في قرى بشير وتسعين ويابجي وكومبتلر.
يعتبر التركمان من اكبر الشعوب التورانية ولهم باديتهم المعروفة ببادية الترك، وقد تمركزت أوطانهم الأولى في بوادي آسيا الوسطى بين بحر الخزر و بحر خوارزم و نهر جيحون. وقبل اعتناق الاسلام، عرفت القبائل التركمانية بالاوغوز أو الغز وحتى الخوارزمية. واسس التركمان من الأمراء السلجوقية إمارات تركمانية في العراق منها: اتابكة الموصل، بني قفجان في كركوك، بني زين الدين كجك في اربيل، الايوائية في جبل حمرين، وجاءت بعدئذ الدولة البارانية (الخروف الأسود) والدولة البايندرية (الخروف الأبيض).وقد وصلت الفتوحات الاسلامية على أيدي التركمان الى مشارف النمسا.. وقد بني سور الصين أصلا لصد الهجمات والغزوات التركمانية في عهد اوغوزخان، وانتصر التركمان بقيادة ابن أصلاف نصرا حاسما على الروم في معركة ملا ذكرت، حيث اسر إمبراطور الروم رومانومل.. كما انتصر التركمان بقيادة ايلغازي على الصليبيين في معركة تل عفرين.
من القبائل التركمانية العراقية المعروفة: البيات، قره لوس، قنبر أغا، الدامرجي،الداوودي، الونداوي، بندر، علي خان بك، النفطجي،آل كتانة، ملا الياس، آل القاضي، النائب، قوجاق، اوغلو، الخياط. أما اليوروك فهم بدو رعاة اتراك (عشائر تركية) من أرومة العثمانيين القبلية (اوغوز)، وهم قريبون في أصولهم من التركمان. ومن القبائل التركمانية التركية أفشار التي دخلت في معركة مع العثمانيين بداية القرن التاسع عشر وانهزمت أمامهم. ومن القبائل التركمانية على ضفاف نهر جيحان: دجيلي، تيجرلي، السومباسلي، بوزدوغان.
استهدفت القوانين العثمانية توطين القبائل الكردية والتركمانية، وحتى الآثورية أحيانا، معا عبر منحهم الحقول و ملكيتها التامة، وتحجيم عريكة الرجال وابناء هذه العشائر لتدجينها. تركز التقاليد التركمانية على الشهامة والشجاعة في معارك القبائل والصيد. كما وصف الجنرال جاكو الشعب التركماني على بالنحو الآتي: " التركماني قوي البنية، صبور، قنوع، له مشيته الخاصة التي تنم عن خيلاء وغرور، لأن التركمان على الفطرة مغمورون، وعلى البلاء والحكام صابرون وعلى النظام حافظون". واثناء الحرب العالمية الاولى كانت مناطق القبائل التركمانية مرتعا للفارين من الجيش وقطاع الطرق والخارجين على القانون وشرفاء الناس واللصوص والأشرار.
جهدت الحكومة التركية بقيادة أتاتورك سنة 1920 في وضع حد لسلطة الأسياد الصغار التركمان غير المحدودة وبقايا الإقطاع من دون جدوى لأن الأغنياء الجدد حلوا محلهم بتسخير القانون والقوة والافساد، وتقابلت العصابات في الجبال وتسببت في موت الناس الفقراء بينما كانت أراضي الاغوات تزداد اتساعا.الى ذلك، آثر التركمان البقاء في صفوف الشعب العراقي مع تأسيس الدولة العراقية بعد أن أمهلتهم عصبة الأمم أما الانضمام الى قطاعات هذا الشعب أو اللحاق بتركية، وانقضت مدة العامين مفضلين وحدة الشعب العراقي. وفي اول دستور للدولة العراقية عام 1925، جاء ان العرب والأكراد والتركمان شركاء في الوطن. واسهم التركمان في انتفاضة تلعفر ضد الأنكليز (انتفاضة قاج قاج)، كما جرى قمعهم بقسوة أعوام 1924 و 1946 من قبل السلطات الملكية والأنكليز وأرتكبت بحقهم المذابح. أصدرت الحكومة العراقية عام 1931 قانون رقم (74) (قانون اللغات المحلية)، وتقرر اجراء المعاملات والمحاكمات في المناطق التي فيها أغلبية تركمانية، وعلى رأسها اربيل وكركوك باللغة التركية، اما الدراسة في المدارس التي يؤمها التركمان فبالتركمانية. وقد استخدم تركمان العراق، منذ أسست الدولة العراقية، اللغة التركية الحديثة أي لهجة أسطنبول في الإعلام من صحف واذاعة وفي مؤلفاتهم الأدبية، الا انهم استعاضوا عن الحروف اللاتينية في الكتابة بالحروف العربية (العثمانية) عموما. ومع مرور الزمن في المدارس التركمانية، وفي عام 1937، لم تبق مدرسة واحدة تستخدم اللغة التركمانية في العراق.
وعموما، اتسم التركمان بالتبعثر وعدم وجودهم فوق بقعة موحدة من الأراضي وبضعف المشاعر القومية والسياسية حتى العقدين الأخيرين، والانشداد الى تركية والماضي العثماني برغم التبدلات السياسية في أنقرة والأستانة، والتزام غالبيتهم المذهب السني، وهم بالتالي كانوا من اقرب الفئات الى الإدارات المركزية والحكومات المتعاقبة السنية في بغداد. الى ذلك لم ينج التركمان من غضب دكتاتورية صدام التي أعدمت اكثر من 500 شاب تركماني من الإسلاميين ودمرت مدينة تسعين وقرية بشير واعدمت القوميين التركمان نهاية السبعينيات. وترى الأوساط التركية الحاكمة في أنقرة في التركمان ورقة الضغط الرابحة على الحركة التحررية الكردية ليجري على الدوام خلق التناقض بين الخطاب السياسي التركماني والخطاب السياسي الكردي والديمقراطي والعلماني.
لقد عانى التركمان المواقف السلبية منها:النظرة الأقلية، التأثير التركي، الطائفية، النافذة الكردية، الانعكاسات الآيديولوجية، دور النفط، قضية كركوك. ويبقى عادلا حق الشعب التركماني كثالث قومية في العراق يصل عدد نفوسها الى أكثر من ثلاثة ملايين نسمة في التمتع بحقوقه القومية والثقافية والإدارية وكشف محاولات طمس الهوية القومية والإرث الثقافي والحضاري للتركمان، ومع ذلك، هناك ضرورة لأن تفهم الحركة السياسية التركمانية خصوصية كردستان العراق وان تحافظ على التجربة الكردستانية ونهوض الفيدرالية، لا بجعل الحقوق القومية منفذا للتدخلات الإقليمية والدخول في لوحة الصراعات الإقليمية.
بعد انتفاضة آذار سنة 1991، توسع التعليم بالأحرف اللاتينية والعربية في المدارس التركمانية بالإقليم الجبلي وتوسع الإعلام السمعي والمرئي والمقروء لتتفتح الآفاق الرحبة في الاستنهال من ثقافات الشعوب الناطقة باللغة التركية التي يربو تعدادها على 200 مليون نسمة في العالم التركي.
ميزت الحركة الوطنية في العراق بين التركمان كقومية وبين الأحزاب والتنظيمات السياسية، وناضلت في سبيل حق الشعب التركماني في التمتع بحقوقه القومية والثقافية والإدارية وتطوير الديمقراطية وحماية حقوق الأنسان وتكريس حكم القانون واقامة العراق الفيدرالي البرلماني التعددي التداولي ومقاومة سياسات جعل الحقوق القومية منفذا للتدخلات الإقليمية او الدخول في لوحة الصراعات الإقليمية. ومع ذلك تعرض ويتعرض الشعب الكردي الى الدعايات المغرضة من قبل بعض القوى التركمانية المرتبطة بالنظام التركي الاستبدادي الذي لا يعترف بوجود أية قومية في تركيا بما فيها كردستان الشمالية التي تحكمها العلاقات الإستعمارية تحت ظلال أسم الديمقراطية الفارغة من الممارسة الديمقراطية، سوى شكلها وصورتها. من قبيل الإنتخابات الشكلية التي قال عنها المفكر الفرنسي جان جاك روسو، إن الناخب حر لحظة إدلائه بصوته، ومتى ما وضع بطاقة التصويت في صندوق الإنتخابات رجع عبدا. فلا يمكن تسمية دولة بالديمقراطية من دون الإعتراف بأساس الديمقراطية وهو الاعتراف بحق الشعوب في الحرية، والاعتراف بحقوق الإنسان بعيدا عن الطورانية والقومية الشوفينية والتفريس والتتريك والتعريب. يتمتع التركمان في كردستان الجنوبية، ولا سيما في مدينة كركوك بحقوقهم كافة، وهم يدرسون بلغتهم التركمانية، ولهم مؤسسات وإذاعات وقنوات تلفاز ومنظمات سياسية ومهنية. ومع ذلك، استمر تنسيق بعضهم، وهؤلاء شريحة صغيرة وقليلة من التركمان، من المأجورين لممارسة الإرهاب السياسي والإرهاب الدموي، بإغتيال العناصر القيادية الكردستانية في كركوك وغيرها لتشويه القضية الكردية وواصلوا الزعيق الديماغوجي، لا ضد الكرد حسب، بل باتجاه معاداة كل القوى الوطنية والديمقراطية (انظر البيانات والتصريحات الاخيرة للمجلس الشيعي التركماني، وتهجماتهم على الحزب الشيوعي العراقي وسكرتيره العام).
يمكننا أن نقارن ما للأقليات القومية والدينية في كردستان العراق من نعيم وما يتمتعون بها من حقوق، بماكانوا معرضين له، من قتل وتشريد على يد نظام صدام حسين المنهار على الرغم من تبؤ بعضهم المواقع القيادية لا في مؤسسات الدولة البعثية الفاشية بل في صفوف الحزب العفلقي نفسه، كما يمكننا مقارنة وضعهم اليوم مع وضع الشعب الكردي وما يتعرض له من إضطهاد في الأجزاء الأخرى من كردستان.
ان الطورانيين يحكم خطواتهم وهم استعادة مجد مفقود وجاه زائل والطورانية حركة شوفينية عنصرية تعتبر الذراع التركية للتدخل الاقليمي في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة كالعراق. وليس غريبا ان تتلاقى الطورانية والصهيونية والماسونية والاصولية والصدامية البعثية، فهي نماذج حية من الثقافات المعادية ونزعات ضيقة وطائفية، متزمتة ومتعصبة ومنغلقة على نفسها ترفض التسامح والتغيير وروح العصر. وهؤلاء جميعا في توهمهم واحلامهم، لا يألون جهدا ووسيلة إلا واستخدموها بوعي، شبكات تتغلغل، بهدوء، في نسيج الدولة ومنظمات المجتمع المدني، شبكات تعمل متكاتفة وتقود خيوط الارهاب الاسلامي الاصولي مستفيدة من قوته التعبوية وجهاديته وظلاميته. ولا يمكن للارهاب الاسلامي الاصولي ان ينمو في مناطق الارهاب بدون رعاية بعثيي صدام حسين والمخابرات العالمية، فشبكاتهم تعرف جيدا من يدخل حدود العراق من المرتزقة وتشرف على من يريد منهم طلب الجنة بتفجير الابرياء، شبكات تختطف وتطالب بالفدية، وشبكات تجمع الدعم السياسي والمالي، وشبكات تعرف كيف تدق على الوتر الحساس في الصحافة والاعلام والقنوات الفضائية زاعقة بان الامل الوحيد في نيل الاستقرار والامن هو اعادة كل بعثيي صدام حسين الى الدولة. انه ارهاب تُخطط له يوميا قوى تمتد وتنشر (كوادرها) في جسد الدولة الجديدة والنخب الحاكمة. وهذا ما تقوم به اليوم الطورانية المتشيعة.
ليس من مصلحة استراتجية التغيير السياسي والاستقرار الامني (اذا كانت هناك استراتيجية وليس مجرد حملات طارئة) ان نتوهم ان مسلسلا ارهابيا بهذا الاتساع والشدة تقف وراءه قوى محدودة لا اهداف لها غير التدمير العشوائي، وهي لا تلبث ان تستنفد مواردها وتسقط عاجلا . القوى التركمانية الوطنية والديمقراطية مدعوة للارتفاع الى مستوى المسؤولية في بناء الصرح الديمقراطي التعددي الفيدرالي لخير الشعب العراقي ككل ولجم مرتزقة الحقد الاسود. إننا مدركون أن المسؤولية الوطنية تتطلب أن نكون مخلصين للديمقراطية التعددية الفيدرالية البرلمانية، وأن مصلحة العراق تتطلب ذلك حيث يتمتع الشعبان العربي والكردي والأقليات التركمانية والكلدو آشورية والطوائف الدينية بحقوقها في حدود مسؤولياتها الإخلاقية والوطنية. وان أي خضوع للأجنبي يعد تجاوزا للحدود الوطنية.


الانتخابـــات العراقيـة  ... حضور القبيلة / غياب المواطنة
 

شمخي جبر
إذا كان الدكتور محمد عابد الجابري قد تناول عقلاً عربياً فإن هذا العقل العربي تكون داخل ثقافة إسلامية تعددت مصادرها من خلال تفاعلها مع الثقافات الأخرى يونانية وفارسية وهندية فضلاً عن التأثيرات المحلية للثقافات وأنساق التفكير التي كانت قائمة قبل الإسلام خصوصاً في العراق في منطقة الحيرة وغيرها من المناطق التي كانت تسكنها بعض الجماعات الدينية كاليهود والمسيحيين والصابئة وما لكل هذا من تأثير في الثقافة والفكر الإسلامي. فإذا كان الدكتور الجابري قد تعامل مع هذا الموضوع من وجهة نظر قومية، فهو لم يتجه اتجاهاً قومياً محضاً أو خالصاً كما كان يسميه القوميون العرب مثل المفكر السوري زكي الارسوزي، بل أن الجابري حين كان يفكر فإن عدته ثقافته وإطاره المرجعي كانا إسلاميين، وهي الثقافة التي لا يستطيع أي مفكر قومي أن يقفز عليها لأنها الثقافة والفكر الذي أغنى حياة العرب، بل هو الفكر والأيديولوجية التي حولت العربي من بدوي يجوب الصحراء إلى فاتح فتح العالم كله ففتح له العالم ذراعيه حمل رسالة الإسلام إلى العالم، بل تحول هذا البدوي الغارق في لجة أمواج بحار الرمال المتماوجة إلى الإنسان القلق الذي يفكر في الكون والوجود وعلاقته بكل هذا وكيفية ترتيب هذه العلاقة.
سقنا هذه المقدمة لا لكي نغرد مع السرب القومي الذي أدار ظهره للواقع، بل لنقول إن الإسلام هو المكون الأساس للعقل العربي إن جاز لنا أن نقول أن هناك عقلاً عربياً، بل إننا نرى أن هناك عقولاً متعددة، فهناك العقل العراقي والعقل المصري والعقل المغربي. نعم قد يجمع هذه العقول جامع مشترك هو الإسلام أو العروبة، إلا إننا نجد أن هناك مكونات أخرى ساهمت في تكوين هذه العقول، يقع في المقام الأول من هذه المؤثرات البيئة المحلية وخصوصياتها. وحين نقول البيئة نعني بها العامل الطوبوغرافي للمنطقة وتأثيراته في الفرد والمكونات الثقافية المحلية في كل منطقة التي لا يستطيع أي باحث أن يتجاهل تأثيراتها في تكوين عقل الفرد في سلوكه وطريقة تفكيره وردود أفعاله وأحلامه وأوهامه وعمرانه وملبسه وغذائه وطريقة عيشه ومجمل حياته الاقتصادية، إضافة إلى ذلك الأحداث التاريخية والحياة السياسية عبر التاريخ الإسلامي وما تركه من أثر في تكوين شخصية الفرد، وكذلك الأثر الذي يتركه ظهور الطوائف والمذاهب الذي أفضى بدوره إلى تكوين بنى ثانوية لها خصوصيتها داخل البنية الأم. نقول مثلاً أن هناك وحدة اجتماعية استهدفها الإسلام من أجل وحدة المجتمع وتحقيق بنية مجتمعية عقلانية هي القبيلة، إلا أنها بقيت راسخة في العقل العربي.
يرى ابن خلدون أن مصدر الترابط في العصبية هو أمر فطري في الطبيعة البشرية أساسه "النعرة على ذوي الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة" يرى ابن خلدون أن أهم إنجاز حققه الإسلام في هذا المجال هو استخلاف أبي بكر على الرغم من أنه كان من الفرع الضعيف من قريش، فيقول: إنها كانت لحظة رحمانية ما لبثت أن تهدمت على يد بني أمية الذين حولوه إلى حكم عضوض، وهكذا تهدمت الكثير من القيم ونهضت قيمة من اشتدت وطأته ووجبت طاعته حتى قيل لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وهو تبرير شرعية استيلاء أهل الشوكة والغلبة على الحكم بعد الخلفاء الراشدين باعتبار أن الناس لا ينقادون إلا إلى القوى، وقد أدى بهم الأمر في هذا المجال إلى تكريس نظرية الشوكة والغلبة كما يقول محمد عابد الجابري، وهكذا تم التخلي عن المبادئ الأولى وصوغ نظرية جديدة فتحت الباب على مصراعيه أمام الحكام المستبدين وأهوائهم فتلقفوها كما الكرة كما يقول أبو سفيان وتوارثوها في أبنائهم وداخل عشيرتهم مما أحدث شرخاً كبيراً في عقل الأمة من خلال السكوت عن الشورى بل إسقاطها حيث تدوسها حوافر خيول القبيلة في معارك الجمل وصفين ومن ثم واقعة الطف الرهيبة التي حققت فيها القبيلة (اروع) انتصاراتها وأخذ غبار المعركة معه جميع المبادئ الأولى. وبهذا تكون القبيلة ومعها النسق القرابي بكل أشكاله وتمظهراته قد حقق انتصاراً كبيراً. ليس هذا فقط، بل إن المسلمين يجمعون على أن الخلافة انقلبت مع معاوية إلى ملك عضوض وهم يجعلون من تنازل الحسن لمعاوية ومبايعته له وانضمام معظم ما تبقى من الصحابة وكثير من الجماعة) وهنا نرى أن الدين حين ينقلب إلى سياسة أو رابطة سياسية ينقسم كغيره من الروابط التي تقوم على أساس المصلحة والقوة، ويصبح لاتباعه أفراد وجماعات عصبية من العصبيات التي تستأثر بخدمة غرض أو تهدف إلى إحراز مغنم أو تقوية نفوذ في الصراعات الناشئة في الميدان الوطني أو الإنساني، فإن زعماءه يتجهون إلى مختلف القوى الظالعة ويأخذون يحتمون بها أو يحمونها حفاظاً على مصالحهم ومصالحها فينصرون الظلم الظاهر أو المستتر ويدعمون الأوضاع الفاسدة بدلاً من أن يسعوا إلى إصلاحها أو إزالتها، فيتحول الدين إلى ورقة يلعبها السياسيون.
تعد العصبية عند ابن خلدون الشكل الأساسي للجماعة التي تهدف إلى غرض معين، سواء كانت مهنية أم اجتماعية أم سياسية، فيتحول الدين إلى عصبة لا تختلف في بنيتها عن القبيلة. ولقد تعاظم الأمر سوءاً في تعدد الطوائف التي ينطبق عليها مفهوم (العصبية) حسب رأي ابن خلدون في العصبية، إذ إنها تتحول إلى عبء على النظام الاجتماعي لأنها تصبح قبيلة مضافة إلى ما موجود من قبائل، وبهذا يتحول المجتمع إلى مجموعة من الأنساق القرابية، والنسق القرابي هو الرابطة الدموية الحقيقة أو المفترضة أو الموهومة أو المدعاة فلابد من أن نقول بوجود عقل قرابي، وهو مجموعة النظم والقوانين والقيم الناظمة لسلوك وطريق تفكير الفرد الذي ينتمي لأي نسق قرابي. إن العقل القرابي هو أحد مكونات العقل العربي، وهذا العقل الفرعي يخمل مرة ويظهر على السطح مرة أخرى كلما توفرت الظروف لظهوره أو دعت الحاجة لوجوده وهو من مكونات العقل العربي الكامنة. فإذا كان هذا العقل قد تعرض إلى ضربة قاسية اول ظهور الإسلام فإنه تربع على عرش الفكر العربي في حكم الدولة الأموية. وإذا كان قد حقق يقظة وتثويراً آخر فإنه حققه في مطلع القرن العشرين حيث كان المجتمع العراقي موزعاً على أساس الوحدات العشائرية التي كانت تشكل كياناً سياسياً مستقلاً. وقد عزز استقلاليته (قانون دعاوى العشائر) الذي أصدره الانكليز عام 1916 وثبت سيطرة رؤساء العشائر على فلاحيهم وعزز مكانة رؤساء الأفخاذ والعشائر عن طريق إعطائهم وظيفة المحافظة على الأمن والقبض على المجرمين وحماية المواصلات وسدود الأنهار وجمع الضرائب إضافة إلى تزويدهم بالأسلحة. حين سن قانون العشائر في العراق وتعرض لضربة قاضية بعد ثورة 1958 التي ألغت القوانين العشائرية، وشرع قانون الإصلاح الزراعي تفتتت ملكيات الإقطاع مما أضعف من سلطات شيوخ العشائر، وضعفت سلطة مؤسسة العشيرة على افرادها الذين أقبلوا على الدولة لتحقيق الحماية لهم والدفاع عن حقوقهم، وأصبحت الدولة هي الحاكمة هنا كان تحالف المؤسستين التقليديتين العدوتين للخلاص من عدوهم المشترك ثورة 1958، فكان لهما ما أرادا، إلا أنه على الرغم من التحالفات التي حدثت في بعض الأوقات بين المؤسسة الدينية والعشيرة، إلا أن العشيرة بقيت محكومة من داخل نسقها الثقافي (حيث تحكمها السواني "جمع سانية" وهي مجموعة من النظم والقوانين والأعراف تحكم من خلالها العشيرة وتنظم العلاقة بين العشيرة والعشائر الأخرى، فكانت العشيرة لا علاقة لها بالشريعة، تسودها مفاهيم جاهلة كالفصلية والنهوة. وإذا كانت الشريعة تحكم على الزاني جلدة لغير المتزوجة والرجم للمتزوجة، فإن العرف العشائري يحكم بالقتل لكلتا الحالتين، لأن ما يحكم العشيرة (شيخ سواني) أو (عارفة سواني). وهكذا بقيت العشيرة بعيدة عن الشريعة في كل حياتها على الرغم من ولائها الظاهري للمؤسسة الدينية إن هاتين المؤسستين (الدينية والقبيلة) مؤسستان قرابيتان لأن إحداهما تربط فيما بين إتباعها رابطة الدم، فيما تربط اتباع الثانية رابطة المعتقد، وكلاهما تنظر إلى أفراد المجتمع الآخرين نظرة تفريقية تبعيدية باعتبارهم اباعد لا يرتبطون بهما بأي من الرابطتين المذكورتين. إلى الآن لم نستطع الخروج من شرنقة العصبية، لم ننتقل من نظام العصبة وثقافته إلى نظام المؤسسة وثقافته، حيث يوجد نظام المؤسسة على السطح وعلى مستوى الشكل والمظهر، بينما بقي نظام العصبية هو النظام الفاعل وإن لم يظهر للعيان. العصبية تختلف عن نظام المؤسسة في شيء مهم هو طبيعة الروابط التي تجعل هؤلاء الأفراد يتضامنون بعضهم مع بعض، فالروابط في نظام العصبية تقوم على صلة النسب والقرابة، أما في نظام المؤسسة الحديثة فالروابط تقوم على الالتزام والإمكانات والقدرات لخدمة الصالح العام من دون محسوبية أو منسوبية وبغض النظر عن الروابط العرقية والدموية أو الدينية أو الطائفية.
بعد أول نجاح للعملية السياسية في العراق بعد التغير في 9/4 الذي تمثل بأول ممارسة ديمقراطية في 30/1/2005، لابد لنا من مناقشة وتفحص مخرجات هذه الممارسة الديمقراطية وما انتجتهن فنصل إلى نتيجة أولية هي أن العقل القرابي حقق فيها انتصاراً كبيراً من خلال ممارسة سلطات واسعة وضغط كبير على الأفراد وتوجيه إرادتهم عن طريق إجراء آلية من التفاعل الرمزي بين الأفراد لتنميط سلوكهم وتوجيههم نحو العملية الانتخابية باعتبار أن الانتخابات وما يتمخض عنها هما عنوان لانتصار القبيلة أو الطائفة، فوضعت خيارات الناخب داخل هذا النسق القرابي تحديداً، وعليه أن لا يخرج من هذا الإطار في خياراته، لأن أي خيار آخر يعد خروجاً على الجماعة. وبهذا، أخذ الفرد بالتخلي عن الكثير من قناعاته، بل عن بعض ما يحقق مصالحه حتى يستطيع ان يحقق توقعات الجماعة التي ينتمي إليها، لأنه إن لم يفعل هذا يصبح في نظر جماعته غير متماثل مع معاييرها ومنحرفاً عنها فتهبط مكانته داخل الجماعة، وهكذا يقع تحت ضغط وهيمنة (السلط) المتنفذة داخل المجتمع، التي تمارس ضغطها على الفرد من أجل تحقيق أهدافها، وتتمثل هذه السلطات بـ(القبيلة والطائفة)، فوقع وعي الفرد ولا وعيه تحت طائلة ضغطها فتجاذبته كل واحدة منها حسب آليات العمل التي تعتمدها، وبالتالي تغييب الحس الوطني داخل الفرد، فتصبح هذه المكونات الفرعية هوية بديلة عن الهوية الوطنية من خلال ضغطها على الفرد للتخلي عنها مصورة لها أن الوطنية والمواطنة والوطن هي من همشه وغيبه أو اضطهده راسمة له صورة ذهنية مفزعة عن الوطن، وبالتالي عن من يشاركونه الوطن من المكونات الأخرى التي لاتقع ضمن النسق القرابي الذي ينتمي إليه، فعليه، والحال هذه، الاحتماء بها كونها الهوية الحقيقية والحضن الدافئ الذي يحتضنه، وحين تعمل هذه الجماعة بآلية الأقربون أولى بالمعروف فإنها تعمل وفق ثنائية على الفرد ألا يتحرك إلا وفقها (الأقربون / الأبعدون).
علينا أن نؤكد حقيقة هي أن النسق القرابي ينمو ويتعاظم مع ضعف الدولة التي تعد الإطار الذي يحتضن كل المكونات في حالة قوتها ووجود مؤسساتها، إلا أن ضعفها يجعل هذه المكونات تنطلق من الإطار لتطرح نفسها بديلاً عن الدولة من خلال بناء نفسها مؤسسياً وتحاول ان تكون بديلاً عن مؤسسات المجتمع المدني الذي هو مؤسسات تطوعية إرادية يقيمها الناس وينضمون إليها أو يحلونها أو ينسحبون منها على النقيض من مؤسسات النسق القرابي التي يسميها محمد عابدي الجابري مؤسسات المجتمع البدوي / القروي التي تتميز بكونها مؤسسات طبيعية يولد الفرد منتمياً إليها مندمجاً فيها لا يستطيع الانسحاب منها مثل القبيلة والطائفة اللتين تؤديان دوراً كبيراً في تهميش المجتمع المدني والغائه كونها بديلاً عنه حين تلبس لباس العصر على اعتبار اللباس قد اصبح رمزاً أيديولوجياً عند بعض النخب. وحسب د. فالح عبد الجبار فإن تهميش وإلغاء المجتمع المدني يجعلان المجتمع مكوناً من أفراد مقطوعي الجذور مع أية منظمة أو مؤسسة اجتماعية حديثة وهم يعيدون ارتباطهم بالمؤسسات التقليدية كالطائفة والقبيلة. وهكذا، يمارس على الفرد نوع من الاستفراد والاستغفال والتضليل فتشكل شرخاً كبيراً في الهوية الوطنية من خلال تضخيمها للانتماء الطائفي والقبلي والقومي على حساب الانتماء الوطني الجامع المشترك مع المكونات الأخرى. وبدلاً من أن يكون هذا الطيف الواسع من المكونات عامل قوة في النسيج الاجتماعي، يعمل سدنة النسق القرابي والقائمون عليه على تحويله إلى ورقة ضغط تهدد الكيان الاجتماعي برمته للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية حرمت منها على مدى طويل واستعادة ما فاتها من فرص تاريخية، فتعمل على توسيع النزعة الطائفية والقومية والقبلية مما يجعل أفرادها يقعون ضحية الدعوة للتخندق خلف متاريس الطائفية والقومية والقبلية تاركين خندق الوطن فارغاً إلا من الذين تشبثوا به وجوداً وهوية، هكذا، عزفت على هذين الوترين (القبلي / الطائفي) بمهارة خلال عملية الانتخابات فكان عزفهما مسموعاً أطرب المجتمع لأن أذنه تستسيغ هكذا أنغام تربت واستذوقتها فسكرت على أنغامها الأفئدة والعقول فسيرت هذه المعزوفات الجموع كما تشتهي وكما تريد، فنجح العازفون، وكانت النتائج الصالح العقل القرابي، وكان العقل الطائفي أكثر نجاحاً في توجيه أتباعه مع أو ضد الانتخابات لأنه يمتلك من الوسائل ما يكفي لترويج خطابه الذي يتميز بنجاحه في مخاطبة القلوب قبل العقول لأن القلوب يسهل على هذا الخطاب قيادها لأنه خطاب عاطفي، فتقع تحت تأثيره بسهولة ويسر، إما العقول فصعب قيادها وتحتاج لجهد طويل وعمل دؤوب وآليات العمل في بيئتها معقدة وتستغرق زمناً طويلاً، وحتى الذين امتنعوا عن المشاركة في الانتخابات نجحوا في دعوتهم لمقاطعتها ومن ثم حرمان أبناء طائفتهم من ممارسة حق من حقوقهم، فكانت رقصتان عمقتا الحس القرابي الطائفي والقبلي، والخاسر الوحيد هو المجتمع ووحدته.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة