المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من أصول الفقه إلى فلسفة الفقه (1 - 2)

 


عبد الجبار الرفاعي
تشهد فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة اهتماماً متنامياً في الحوزة العلمية في قم، يمكن ملاحظته من خلال تنوع الكتابات في هذا المضمار، وملاحقة طائفة من التلامذة لهذه الكتابات ومحاولة استيعابها في اطار متطلباتهم العلمية.
ويلوح في الأفق اتساع وتكامل بحوث فلسفة الفقه في الحوزة في الأيام القادمة، لاسيما اذا ما لاحظنا المسيرة العلمية الخصبة للعلوم الاسلامية ومعطيات التجربة الاجتهادية في مختلف المعارف الاسلامية فيها.ويعود ذلك الى قصور العلوم الشرعية الموروثة عن استيعاب جملة من الرؤى المستحدثة، والاجابة على الاستفهامات المتنوعة في إطارها التقليدي، ما حفّز بعض الباحثين والدارسين في حقل هذه العلوم على اقتراح تحديث وتنمية العلوم الموروثة، وبناء علوم موازية لها، تتسع لاستيعاب نمط جديد من البحوث، وكانت الدعوة لتدشين علم يهتم بفلسفة الفقه واحدة من أحدث هذه المقترحات، التي نادت بها جماعة من الدارسين في الحوزة العلمية في السنوات الأخيرة، وبادروا لتدوين عدة ابحاث تصوغ رؤى أولية لأسس هذا العلم ومداراته وغاياته، كما عقدوا بضع حلقات نقاشية للتحاور في تلك الرؤى وإنضاجها .

وفلسفة الفقه كأي علم في طور الصيرورة والتشكيل تنوعت الاجتهادات في تحديد معالمه، وبيان حدوده، وتشخيص موضوعه، واكتشاف منهجه، ومعرفة وظيفته، وموقعه في سلم العلوم الشرعية، خاصة علاقته بالفقه وأصول الفقه ومقاصد الشريعة. وبالرغم من تباين مواقف الدارسين لفلسفة الفقه إزاء هذه القضايا، غير أنهم متفقون جميعاً على ضرورة إنشاء علم يُعنى بدراسة فلسفة الفقه في هذا العصر، على غرار ما شاع من انبثاق فلسفة بجوار كل علم، تتناول تحليل ماهية ذلك العلم، وفهمها فهماً يغور في خلفياتها، ويوضح مناهجها، ويشرح التنظيم الأمثل لتلك المناهج، ودائرتها، وأهدافها، ومجموعة العوامل التي تتحكم في تقنين أسس ذلك العلم ومرتكزاته.
البواعث
انطلقت الدعوة لبناء علم يعنى بفلسفة الفقه في السنوات الأخيرة في الحوزة العلمية، وعقدت عدة ندوات ونشرت عدة مؤلفات وبحوث تعالج ماهية هذا العلم ومجاله ومسائله. ويمكن القول إنّ بواعث هذه الدعوة تتلخص بما يلي:
1- إنّ قيام الدولة الاسلامية وسعيها لأسلمة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية طرح عدداً وفيراً من الاستفهامات الفقهية الجديدة، ما لم يألفها العقل الفقهي من قبل، وتجاوزت الاستفهامات التعرف على الأحكام الشرعية الخاصة بالاجتماع الاسلامي إلى السؤال عن: مجال الفقه وحدوده، وقيمة الفقه الموروث، وأثر الزمان والمكان في الاجتهاد، وعلاقة الاستنباط الفقهي بالعلوم البشرية ومكاسبها، وأثر خلفية الفقيه ورؤيته الكونية في اقتناص مدلول النص، وضمانات موضوعية عملية الاستنباط وعدم تعرضها لتحيزات ومواقف قبلية
وغير ذلك.
ولم يكن بوسع الفقه أو علم الأصول المتداول الإجابة عن الكثير من هذه الاستفهامات، ما حفّزَ بعض الدارسين على تحليل تلك الاستفهامات واقتراح مجموعة رؤى ومفاهيم وافتراضات، تصلح لأن تشكل بنية تحتية أولية لتدشين علم جديد خارج مجال الفقه وأصوله.
2- تطور العلوم الانسانية، خاصة ما يتصل منها بوشيجة عضوية بعلم الاصول والفقه، مثل: الألسنية والاتجاهات النصوصية الراهنة، والحقوق والقانون، وفلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا... وغيرها. وانفتاح نخبة من طلاب الدراسات الشرعية على هذه العلوم، عبر تجسير العلاقة بين الحوزة والجامعة، وانخراطهم في دراسات تكميلية في فروع العلوم الانسانية في الجامعة، ومتابعة دراساتهم العليا في هذه الفروع، بل وابتعاث البعض منهم لمواصلة تعليمه في الجامعات الغربية، ثم عودته بعد التأهيل الأكاديمي لممارسة وظيفته باحثاً وأستاذاً في الحوزة العلمية.
وكان لحضور هذه النخبة في أروقة الحوزة أثر بالغ في إضاءة شيئ من الابعاد الخفية للعلاقات بين علم الاصول والفقه من جهة والعلوم الانسانية المعاصرة من جهة أخرى، واكتشاف بعض الحقول المشتركة والقواعد العامة بينهما.
وهكذا أضحى من الأهمية بمكان المناداة بصياغة فلسفة للفقه تكون بمثابة ما للعلوم الأخرى من فلسفات.
3- الشعور بضرورة اصلاح النظام التعليمي في الحوزة العلمية، وعقد عدة ندوات علمية لمناقشة هذه المسألة، ودراسة مواطن قصور العلوم والكتب المتعارفة في الدرس الحوزوي عن الوفاء بالمتطلبات المعرفية والثقافية للاجتماع الإسلامي اليوم، وتبلور جملة رؤى تدعو لاستئناف النظر في التراث، واعادة بناء العلوم الاسلامية، وتدشين حقول جديدة تواكب وتيرة التحولات الحياتية المتسارعة، وتجيب عمّا يتوالد دائماً من اشكاليات تكتنف التجربة الفقهية، فكانت فلسفة الفقه من أهم الحقول التي نادت بها طائفة من المهتمين باعادة بناء العلوم الاسلامية، باعتبار أن حيوية الاجتهاد الفقهي تستند الى حيوية الاجتهاد في بقية العلوم الاسلامية، والحرص على تنمية روح الابداع وتأصيل علوم جديدة، مثلما نمت بالتدريج العلوم الاسلامية عمودياً وافقياً بمرور الزمان.
الأغراض
ليس المقصود من كلمة (فلسفة) المضافة الى (الفقه) هو المعنى المعروف للفلسفة في تراث المعقول الاسلامي، وهو (العلم بأحوال الوجود من حيث هو موجود) لأن الفلسفة بهذا المعنى تُعنى بدراسة الوجود المطلق والاعراض اللاحقة للوجود بنحو عام، بينما فلسفة الفقه مثل بقية الفلسفات المضافة التي تطلّ على موضوعها من الخارج، وتتولى تحليله وتفسيره واستكناه أبعاده وحدوده، والتعرف على ماهية ذلك العلم، بوصفه ظاهرة قابلة للبحث والتحليل، مضافاً إلى دراسة القبليات والفرضيات المستترة وراء المقولات والقواعد الكلية للعلم، ومعرفة كل ما من شأنه أن يساهم في صياغة مفاهيم العلم ويحدّد اتجاهه ويتحكم في مناهجه.
إن النسبة بين الفقه وفلسفته كالنسبة بين القانون وفلسفة القانون، والاخلاق وفلسفة الاخلاق، والتاريخ وفلسفة التاريخ، واللغة وفلسفة اللغة... وهكذا، هي كالنسبة بين كل علم وفلسفته. فالفقه كما هو معروف يتناول الاحكام الشرعية لعمل المكلف، اي انه علم استنباط الاحكام الشرعية، وتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة بنحو مستدل، بالتوكؤ على أدوات وقواعد يجري تنقيحها في أصول الفقه. بينما لا يبحث فلسفة الفقه اسلوب الاستنباط، ولا علاقة له ببيان الموقف العملي تجاه الشريعة، وإنما يتجاوز ذلك إلى ميدان آخر يتناول فيه تشريح ماهية الفقه، واكتشاف طبيعة نسيجه الداخلي ومكوناته، وكيفية نشأته وتطوره، وتفاعله مع المؤثرات الزمانية والمكانية والبيئة الجغرافية، والتأثير المتبادل بينه وبين الاعراف والعادات والتقاليد، والعصر الذي انتج في فضائه الثقافي ومحيطه الحضاري، مضافاً إلى دراسة اصطباغ الفقه بقبليات الفقيه ومنظوره الذاتي، ولون ثقافته، وميوله، ومزاجه، وبيئته الخاصة، والمحيط الذي نشأ وترعرع فيه.
إن فلسفة الفقه ترمي لتناول هذه المسائل ودراستها خارج دائرة الاستنباط الفقهي، بما يتيح لدارسي فلسفة الفقه التوغل في عمق العملية الفقهية، وتفكيك العناصر الظاهرة والمستترة المكونة للموقف الفقهي، وانجاز قراءة اخرى لاختلاف الفقهاء، لا تستند إلى التفسير الموروث لهذا الاختلاف; لأن الباحث في فلسفة الفقه لا يقف عند السطح، بل يجري عملية حفر وتنقيب عميقة في طبقات المعرفة الفقهية، ويقودنا إلى منابع هذه المعرفة وجذورها وما تستقي به من روافد.
إنّ فلسفة الفقه تطمح لبيان حقيقة علم الفقه والكشف عن الهوية التاريخية والاجتماعية للفقه، وتحديد العناصر الراقدة خلف عملية الاستنباط، من مسلّمات وفرضيات وقبليات ومبان، تتنوع بتنوع تجارب الاستنباط، وطبيعة الفضاء المعرفي الذي تتمخّض في داخله تلك التجارب.
وبعبارة موجزة يترقب دعاة فلسفة الفقه أن يتولى هذا العلم تفكيك نسيج الفقه ليرينا كيفية صياغته، ويكشف لنا عن طبيعة المعارف والأدوات الخفية الثاوية في بنيته الداخلية، بنحو نستطيع معه تشخيص ثغوره وتخومه ومساراته، وكافة منابعه ومرتكزاته وسماته وأهدافه.
إنّ فيلسوف الفقه كأنه باحث في الآثار، فعندما يحفر الآثاري طبقات التربة ويغور في اعماق التلال الأثرية، يبتغي التعرف على النمط الحضاري السائد قبل آلاف السنين، ثم يقوم بتشكيل صورة تشي بخصائص وأحوال الحضارة موضوع دراسته، بالافادة من مجموعة لُقى واختام وألواح طينية وفخاريات أثرية، واجراء بحوث تحليلية دقيقة عليها، بتفحّص وتأمل كل شكل أو صورة أو كتابة أو اشارة مهما كانت بسيطة، وتوظيفها في قراءة تلك الحضارة.
وهكذا يعمل الدارس في فلسفة الفقه، فإنه يمارس حفريات معرفية في التراث الفقهي، بهدف بلوغ الأنساق الداخلية الخفية، والمقدمات والمبادئ والمسلمات غير المرئية التي تسبق العناصر المرئية الظاهرة في الاستنباط، وتوجّه مسار عملية الاستدلال الفقهي، سواء كانت آراء كلامية، أم مقولات فلسفية، أم علوماً اجتماعية، أم موروثات تربوية مترسبة في لاوعي الانسان منذ المراحل الأولى في حياته.
ان فلسفة الفقه تهتم بتشخيص ما يطبع المعرفة الفقهية، وما تتلون به هذه المعرفة من رؤية الفقيه الكونية، وثقافته، ومحيطه، اي انها تغامر باجتراح اسئلة غير مألوفة، أو في الاقل لم تكن متداولة فيما مضى، من قبيل: هل الفقيه المتكلم والفقيه المحدِّث والفقيه الفيلسوف والفقيه العارف يتعاطون مع نصوص الكتاب الكريم والسنة الشريفة من منظور واحد، فيستظهرون منها مدلولا مشتركاً، لاتساهم في تكوينه سوى المواضعات العرفية والتبادر اللغوي، أم أن النص يتجلّى في ذهن كل منهم بصورة تتناسب مع ما يثوي في وعيه ولا وعيه من خلفيات مسبقة؟ ثم ما هو أثر الاعراف والقيم السائدة في المجتمع في تبلور مدلولات النص؟
وما هو دور الاحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في نمو الفقه أو انكماشه؟
وما هي العلاقة بين مشاركة الفقيه في الحياة السياسية الاجتماعية واتجاهه الفقهي؟
أليست المعرفة الفقهية واحدة من ضروب المعارف البشرية؟ فهل يمكن جعلها بمعزل عن التحولات الهائلة في علوم الألسنية والقانون والنفس والتربية والاجتماع والانثروبولوجيا؟
وهل هناك علاقة بين تطور العلوم الطبيعية والعلوم البحتة والمعرفة الفقهية؟
أليس هناك تأثير متبادل بين التفكير الفقهي ومسار الحضارة الاسلامية، باعتبار الفقه أحد المنجزات العلمية لهذه الحضارة، وهو بالتالي تعبير عما تزخر به الحضارة الاسلامية من ابداع وابتكار؟ فإذا ازدهرت أية حضارة تزدهر تبعاً لذلك معارفها وفنونها وآدابها، اما اذا انكفأت وانحطت فسوف تنحط معارفها وفنونها وآدابها ايضاً، فماذا ورث الفقه الاسلامي من عصور الانكفاء والتراجع؟
وأخيراً أليست المعرفة الفقهية معرفة نسبية تاريخية محكومة بالحقبة الزمنية المنتجة في فضائها؟ فلماذا يتعامل البعض مع هذه المعرفة وكأنها معرفة مطلقة أبدية، من دون ان يدري ان الفقه لن ينفصل عن الحياة البشرية وما تحفل به من تحولات شتى ووتيرة تغيير متسارعة، ومن دون ان يميز بين الفقه والشريعة، فالشريعة خالدة فيما المعرفة الفقهية لا تنفك عن البيئة والمحيط؟
هذه نماذج من سلسلة استفهامات كثيرة يطمح دعاة فلسفة الفقه إلى اقتحامها والبحث في آفاقها. والتأمل في هذه الاستفهامات يشي بوظيفة هذا العلم ومدياته، وهذا يعني ان مديات فلسفة الفقه تتجاوز اهتمامات علم اصول الفقه المعروفة ولا تتوقف عندها، فبالرغم من ان بذور فلسفة الفقه أثمرتها بحوث الاصوليين والفقهاء وتغذت في حقل هذه البحوث، بل اعتبر أحد الباحثين علم الاصول بمثابة فلسفة للفقه، لكن فلسفة الفقه تتسع لمباحث جديدة لم يطرقها علم الاصول، ذلك أن مهمة علم الاصول تتلخص في تأمين العناصر المشتركة في عملية الاستدلال الفقهي واستنباط الاحكام الشرعية، بينما تدرس فلسفة الفقه الخلفيات، التي تسبق تلك العناصر، وتوجه آليات استخدامها في الاستنباط، وبعبارة موجزة إن فلسفة الفقه تنقلنا إلى «ماوراء اصول الفقه» و«ماوراء الفقه» فتقودنا إلى مجال آخر مختلف، وتمنحنا رؤية معمقة تبصرنا بما يكتنف فهم النصوص وتحديد مدلولاتها من عوامل، وما يوجه عملية تعاطي ادوات الاستدلال الفقهي برمتها.
ان فلسفة الفقه تضع بين يدي الفقيه أدوات اضافية ظلّت خارج دائرة الاستنباط زمناً طويلا; لأنها كانت مستترة وراء الأدوات المتداولة في الاستدلال الفقهي، ولم يشعر دارسو الفقه فيما مضى أنهم بحاجة إلى غيرما هو متاح لديهم، لا سيما أن فلسفة الفقه لا تدخل مباشرة في عملية الاستنباط، وانما تطل على هذه العملية من الخارج، وتتعامل مع نتائج ومعطيات الاستنباط، مضافاً إلى اهتمامها قبل ذلك بالمبادئ التي ينطلق منها الفقيه، ونوع المنهج الذي يستخدمه وأثره في تحديد الموقف الفقهي.
وهذا يعني أن فلسفة الفقه تستقي أدواتها من عدة علوم؛ لذلك ينبغي أن تنفتح على مكاسب العلوم الانسانية الراهنة، للاستعانة بها في حفرياتها المعرفية؛ لأن تبلور صيغة نظرية علمية لفلسفة الفقه في وعي الدارسين يتوقف على تلقي بعض الأسس في اللسانيات والهرمنيوطيقا، وفلسفة العلم... وغير ذلك.


قـــربــان الـتـــــــاريــــــخ .. العراق من لهب العقل الى رماد النفط
 

قربان التاريخ.. شهادة حية لشاعر عراقي عاش التحولات المأساوية في الحياة العراقية المعاصرة.. شهادة تأرجحت بين قيام الدكتاتورية وهيمنتها على مجمل مفاصل الحياة والفكر بقوة الحديد والنار وبين سقوط رمز هذه الدكتاتورية وصنمها.هذا الكتاب يوميات مراقبة للقمع والمصادرة والموت مثلما هو رصد لحركة الشعر والفكر.هو قراءة امتزج فيها السياسي بالشعري. عبر يوميات قامت بوصف ومن ثم فهم حوادث مأساوية اشبه بفصل كابوسي من رواية دموية حدثت في عالم آخر غير عالمنا.
 

المدى الثقافي
 

صلاح حسن

الفصل الثالث
1
الهروب
خلال زيارتي الثانية، واثناء وجودي في بغداد تلقيت دعوة من النادي الثقافي العربي - السويسري لاقامة امسية شعرية . وفي اليوم المحدد قدمني الصديق الشاعر عادل عبدالله الى الجمهور بكلمة رائعة هي مزيج من الترحيب والاشادة جعلتني اشعر بالخجل امام جمهور فارقته اكثر من اثني عشر عاما. في تلك الامسية التي استغرقت ساعة كاملة قرأت عددا من النصوص القديمة والجديدة التي كتبتها في بلدان مختلفة عشت فيها بشكل عابر قبل ان استقر في هولندا .
بعد ان انتهيت من القراءة جرى تعليق من قبل الجمهور حول النصوص التي قرأتها ، وكان الصديق الشاعر خزعل الماجدي اول المعلقين فقال :
(قلة هم الشعراء الذين قتلوا او سجنوا او شردوا من اوطانهم من اجل قصيدة في التاريخ ، وانت يا صلاح واحد من هؤلاء الشعراء.
لقد كنت اتابع ما تنشره في الصحافة العربية بشكل متواصل وكنت اشعر بالسعادة لانك ما زلت تكتب بهذا التوتر الخلاق ) . وعلق شخص اخر كان يعمل موزعا للصحف والمجلات العربية قائلا : ( لقد قرأت خبر الامسية في احدى الصحف ولدي حكاية احب ان ارويها لك حدثت معي قبل سقوط صدام حسين وهي تتعلق بك . انا اعمل موزعا للصحف والمجلات العربية ، وكما تعلم فأن أي مطبوع يأتي من خارج العراق ينبغي ان يذهب اولا الى الرقابة .
ذات يوم وصل عدد جديد من مجلة (الصدى) الاماراتية فأرسلته الى الرقابة من اجل اجازته ومن ثم توزيعه. بعد يومين وصل العدد وقد مزقت منه صفحتان، وبالتحديد الصفحات الثقافية .. فذهبت الى هناك لمعرفة السبب. قالوا لي: هنالك قصيدة للشاعر صلاح حسن منشورة في هذا العدد، وهذا الشاعر معارض وخطر واسمه في قائمة المرتدين التي اصدرها الاستاذ عدي صدام حسين . في تلك اللحظة - واقول هذا بصراحة - بدأت اتابع كل ما تنشره في الخارج اردت ان افهم كيف يمكن ان تخيف قصيدة نظاما مثل نظام صدام حسين . لقد جئت الى هنا من اجل ان استمع الى صوت الخطر في قصائدك.. انني منفعل قليلا.. انا اشكرك كثيرا واتمنى لك التوفيق).
بعد ذلك علق الصديق الشاعر كريم شغيدل وتحدث عن علاقتنا وكيف بدأت عندما كان يزور اكاديمية الفنون الجميلة في مطلع الثمانينيات قائلا: (من يقرأ قصائد الصديق الشاعر صلاح حسن، خصوصا النصوص الطويلة سيكتشف بسهولة ذلك الحس الدرامي التي تحفل به القصائد، وذلك واضح بسبب دراسته للمسرح . غير ان النصوص الجديدة التي قرأها تمتاز بالكثافة والاقتصاد اللغوي مع تضمنها الحكاية الشعرية التي هي من صميم المسرح . لقد كنت في تلك الفترة اتوقع الكثير من صلاح حسن وانا سعيد بما انجزه في غربته ) .
لقد كنت سعيدا حقا بتعليقات الاصدقاء والجمهور . كنت اريد ان اعرف ماذا جرى خلال فترة غيابي عن العراق ، لقد كنت سعيدا ومندهشا في الوقت نفسه . غير ان الذي حدث في مهرجان المربد كان مفاجئا وغير متوقع تماما وسأروي ذلك فيما بعد .
حكاية القصيدة وقصة الهرب
في عام 1991 وبعد توقف حرب الخليج الثانية وسحق الانتفاضة بأشهر اعلنت مجلة الاقلام الادبية عن مسابقة شعرية تتألف من خمس جوائز، قيمة الجائزة الاولى 1000 دينار عراقي (ما يعادل في ذلك الوقت 3000 دولار امريكي) . وقد شارك في هذه المسابقة اكثر من مئتي شاعر عراقي. وكنت في ذلك الوقت قد انجزت كتابة القسم الرابع والاخير من قصيدتي الطويلة (المحذوف.. في عدم اتضاح العبارة) وكان عنوان القسم الاخير - رماد المسلة -. من عادة الشعراء العراقيين انهم اذا انتهوا من كتابة قصيدة جديدة فأنهم يقومون بقراءتها الى اصدقائهم المقربين لمعرفة مستوى جودة القصيدة. وكالعادة قمت بقراءة قصيدتي الاخيرة لعدد من الاصدقاء ممن اثق برأيهم النقدي. وقد كانت اراؤهم في غاية الاهمية، اذكر منها تلك الاراء التي ما زالت عالقة في ذهني.
فقد قال الناقد والمفكر محمد مبارك عن القصيدة: (لقد اختزل صلاح حسن عشرة قرون من الالم العراقي في خلال عشر دقائق هي زمن قراءته لقصيدة رماد المسلة). وقال الناقد والفيلسوف خضير ميري: (استطيع ان اقول بعد قراءة هذه القصيدة ان القرآن مازال بحاجة الى اضافات). اما المرحوم الصديق الشاعر رعد عبد القادر فقد قال كلمة واحدة فقط (ايها الشاعر الباطني ) وكان يشير بذلك الى باطنية وعمق القصيدة .
وقبل ان تنتهي الفترة المحددة لتسلم النصوص سألني رعد ان كنت سأشارك في المسابقة وكان جوابي بالنفي وهو يعرف السبب . لكنه اصر على مشاركتي وقال : اذا حدث شيء قل لهم (يقصد الامن او المخابرات) ان الرموز التي تحفل بها القصيدة هي رموز اسطورية ولا علاقة لها بالحاضر . اعطيته القصيدة ونسيت الموضوع مباشرة لانني كنت اعرف ان اعضاء لجنة التحكيم سيرمونها في سلة المهملات بمجرد قراءة مضمونها .
مر اكثر من شهر كان الوسط الشعري العراقي خلاله مشغولا بقضية الجائزة لانها المرة الاولى التي يعلن فيها في العراق عن جائزة شعرية. وظلت الشائعات والتكهنات تتردد في المقاهي واتحاد الادباء عن الاسماء التي ستفوز بالجائزة حتى لحظة اعلان النتائج التي كانت غير متوقعة للكثيرين وانا اولهم :
الجائزة الاولى للشاعر صلاح حسن !!
الجائزة الثانية للشاعرة سهام جبار
الجائزة الثالثة للشاعر فضل خلف جبر
الجائزة الرابعة للشاعر نصيف الناصري
الجائزة الخامسة للشاعر محمد النصار .
وبرغم ان النتائج نشرت في الصحافة اكثر من مرة الا انني ظللت اشك في الامر وانتظرت صدور العدد الجديد من مجلة الاقلام التي ستنشر النصوص الفائزة . المفاجأة الاكبر من الفوز بالجائزة هي القصيدة المنشورة لقد قام اعضاء لجنة المسابقة بحذف الكثير من الجمل والاسطر من القصيدة وتغيير بعض الكلمات بحيث شوهوا القصيدة تماما مع الكثير من الاخطاء الطباعية واللغوية المقصودة . بأختصار : لقد ذبحوا قصيدتي من الوريد الى الوريد . ولم تكن هذه هي المرة الاولى .. فلم تسلم قصيدة لي من مقص الرقيب ابدا طيلة وجودي في العراق .
وقد يتساءل البعض لماذا لم اعترض على ذلك ؟ الجواب ببساطة شديدة .. لا احد يجرؤ على الاعتراض فذلك يعني اعترافا ضمنيا بان الشاعر او الكاتب يضمر الاساءة الى السلطة والى شخص الرئيس . هذه التهم الجاهزة اودت بحياة الكثير من المثقفين في العراق .
بعد فترة قصيرة من ذلك اجري معي الكثير من المقابلات ووجهت لي دعوات لاقامة امسيات شعرية في عدد من المدن العراقية كان اخرها في مدينة بابل مسقط رأسي في مقر اتحاد الادباء . في تلك الامسية ، وكان اغلب الحاضرين من الاصدقاء قررت ان اقرأ القصيدة كاملة ( لم اكن اشك بوجود احد منهم يعمل لصالح المخابرات ) . بعد الانتهاء من القراءة جرى حوار بيني وبين الجمهور ، تلقيت خلاله العديد من الاسئلة المحرجة عن بعض الرموز التي جاءت في القصائد وخصوصا القصيدة الفائزة . حاولت ان اقدم اجوبة دبلوماسية ولكنني لم انجح لان الحاضرين جلهم من المثقفين ويعرفون موقفي من النظام .انتهت الامسية الشعرية وبدأت بعدها امسية اخرى للخمر والسكر وهو تقليد عراقي. ولكن امسية السكر اقتصرت على عدد محدود جدا من الحاضرين هم اعضاء هيئة اتحاد الادباء ، جبار الكواز ، شكر حاجم الصالحي ، واثنان آخران لا اتذكرهما الان .
في هذه الجلسة شربت الكثير من العرق العراقي الذي له طعم مر مرارة الحياة العراقية في تلك الايام ، ولم اكن منتبها للاسئلة المفخخة التي كان يطرحها علي ( شكر حاجم الصالحي ) الذي كان يبدو وكأنه يمزح من اجل استدراجي للحديث بوضوح اكثر عن رموز القصيدة . انتهت الجلسة بعد منتصف الليل بقليل فعدت بسيارة تاكسي الى بيت اهلي في القرية . لم امكث في بابل سوى يومين عدت بعدها الى بغداد وتوجهت مباشرة الى مقهى (حسن عجمي) ملتقى المثقفين العراقيين في ذلك الوقت .
وقبل ان ادخل الى المقهى اوقفني رجل شاب لا اعرفه وقال : استاذ صلاح هناك رسالة عاجلة اريد ان ابلغك بها . كان وجه الرجل جادا ومرتبكا قليلا.. قال: ارسلني صديق يعمل في وزارة الثقافة والاعلام وفي مكتب الوزير بالتحديد ويقول ان عليك ان تغادر البلد فورا لان حياتك في خطر . بدأت ساقاي ترتعشان وانا احاول ان استوعب ما يقوله .. ثم اضاف : هناك تقرير سري خطر وصل الى مكتب الوزير عن الامسية التي اقيمت لك في مدينة بابل ويتألف من ثماني فقرات مع شريط مسجل ، كل فقرة عقوبتها الاعدام .. لقد وضع الصديق التقرير تحت اكوام البريد كي يتأخر الوزير في قراءته!!
كنت اشعر بأنني سأغيب عن الوعي بين لحظة واخرى واجتاحتني آلام معوية مفاجئة . سألت الرجل عن اسمه فقال انه فاعل خير .. ثم عن الصديق الاخر فقال انه فاعل خير ايضا واختفى في زحام شارع الرشيد. !!
عدت الى المقهى مسرعا وتوجهت مباشرة الى التواليت.. فقد اصابني اسهال شديد. ثم القيت نظرة سريعة على الاصدقاء الجالسين دون ان احييهم كأنني كنت اودعهم للمرة الاخيرة وانطلقت بسيارة تاكسي عائدا الى بابل من اجل الحصول على فيزا الى الاردن . في مديرية الجوازات ولحسن الحظ وجدت احد الاصدقاء القدامى من ايام الدراسة المتوسطة هو (باسم وتوت) الذي ختم الجواز بسرعة دون ان يسألني عن أي شيء فأخذته وانطلقت هذه المرة الى مدينة الرمادي حيث تسكن زوجتي واطفالي عند جدتهم. جمعت الاوراق الضرورية القليلة وقبلت الاطفال بسرعة وقلت لزوجتي اتركي هذا المكان فورا.. ربما لن تريني بعد الان .
كانت الساعة تشير الى السابعة مساء عندما انطلقت السيارة بأتجاه عمان . اشد ما كان يخيفني هو ان اجد اسمي على الحدود ضمن قائمة الممنوعين من السفر مما يعني نهايتي الاكيدة . بعد اقل من ثماني ساعات وصلنا الى الحدود قرابة الخامسة فجرا .. ورغم هذا الوقت المبكر او المتأخر فقد وجدنا الكثير من المنتظرين في نقطة التفتيش . وقفت في الطابور انتظر دوري ، وكنت كلما اقتربت خطوة من ضابط الجوازات اشعر بنفسي يضيق وساقي ترتخيان اكثر فأكثر . ناولته الجواز واشحت بوجهي قليلا .. كنت اخشى ان انظر في عينيه . مرت الثواني ثقيلة وبطيئة للغاية ، في حين كان قلبي يطرق جسدي كله بدوي هائل .
اعاد لي الجواز من الفتحة الزجاجية فتناولته بيد مرتجفة وانا اهم بالخروج من القاعة . كنت اتوقع انه سيناديني بعد لحظة .. كنت اخطو باتجاه الباب وانا انتظر صوته .. وصلت الى الباب وانا انتظر صوته المعدني الذي سيخترق كياني قبل ان اختفي من القاعة ... لقد كنت خارج القاعة.. لم ينادني.. ولكن آلاف الاصوات كانت تطن في اذني.. قف .. قف .. قف.
دخلنا الحدود الاردنية ووقفنا ايضا في طابور اخر للتفتيش . كانت صورة الضابط في الحدود العراقية مازالت في ذهني ، غير اني كنت اقل اضطرابا.. فليست لدي مشكلة مع الاردنيين . سألني الضابط الاردني بعد ان تناول الجواز.. انت كاتب؟ قلت، نعم. ماذا تكتب؟ قصصا للاطفال. كانت هذه افضل طريقة للتخلص من الاسئلة الكثيرة على الحدود (فالكتابة للاطفال ليست خطرة في نظر الكثير من الانظمة العربية) بمجرد خروجي من التفتيش تهاويت على مقعدي في السيارة واستغرقت في نوم عميق ولم استيقظ الا في عمان .. في الساحة الهاشمية حيث النساء العراقيات ذوات العباءات السود يفترشن ارصفة عمان ببضائعهن الكاسدة.
ذهبت الى اقرب فندق في الساحة الهاشمية، وكان قذرا ورخيصا. كنت اريد ان استحم فقط كي استيقظ من الكابوس . قال صاحب الفندق ان علي ان ادفع اجرا اضافيا اذا اردت استخدام الماء الحار.. بعد ساعة ذهبت ابحث عن مقهى (العاصمة) حيث يلتقي المثقفون العراقيون الذين هربوا من العراق فوجدت الكثير من الاصدقاء. حدثتهم باختصار عن سبب مجيئي الى عمان وطلبت منهم ان يساعدوني في الحصول على سكن رخيص لان الفنادق الجيدة غالية جدا.
قضيت الاسبوع الاول متنقلا بين غرف الاصدقاء.. كل ليلة في مكان مختلف . (يسكن العراقيون في عمان على شكل جماعات صغيرة في غرف او شقق او بيوت بعيدة عن مركز المدينة بسبب ارتفاع سعر الايجار. وعادة ما يسكن ثلاثة او اربعة في غرفة واحدة ضيقة، ينامون جميعا على الارض جنبا الى جنب وكأنهم في معسكر) .
ولانني لم استطع الحصول على مكان رخيص .. فقد قضيت شهرا كاملا اتنقل من غرفة الى اخرى . وذات يوم وانا اجلس في غاليري الفينيق الذي يديره الصديق الشاعر علي الشلاه وتشرف عليه السيدة سعاد دباح اقترب مني رجل عراقي لا اعرفه (كنت اراه يوميا في هذا المكان) وقال انه يعرفني جيدا كشاعر وانه يريد مساعدتي ، ثم اعطاني رقم هاتفه ومضى . بعد ان خرج الرجل جاءني علي مسرعا وسألني ان كنت اعرفه؟ فقلت انني لااعرفه ابدا. قال : كيف لا تعرفه.. انه ضابط في المخابرات العراقية وهو هنا لمراقبتك .. ألم تشعر بذلك؟ في تلك اللحظة قررت ان اغادر عمان الى أي مكان اخر ، ولم يكن امامي سوى سوريا.. لان البلدان العربية الاخرى لا ترحب بالعراقيين. اتصلت بالصديق الصحفي عامر بدر حسون المقيم في سوريا منذ اكثر من خمسة عشر عاما اسأله ان يهيئ لي دعوة لزيارة سوريا، فسوريا ايضا لا تستقبل أي عراقي من دون كفالة احد الاشخاص الموثوق بهم. لقد شرحت له التفاصيل ووعدني خيرا . بعد اسبوع من الخوف والضياع اتصل بي عامر ليقول لي ان الدعوة جاهزة وقد ساهم فيها صديقنا المفكر حسن العلوي. استطيع ان اقول الان ان عامر بدر حسون والاستاذ حسن العلوي انقذاني من جنون اكيد .
بقيت في سوريا سنة كاملة حيث عملت محررا في الصحافة العراقية المعارضة وكتبت مئات المقالات ضد نظام الطاغية صدام حسين وكشفت الكثير من اسرار حياة الطاغية الصغير السايكوباثي عدي . لم يكن بامكاني الاتصال بعائلتي طوال هذه السنة، فقد كانت العلاقات العراقية السورية مقطوعة. خلال هذه السنة جمعت مبلغا من المال وقررت ان اجلب عائلتي الى سوريا، ولاجل ذلك ينبغي علي اولا ان اسافر الى عمان ومن ثم الاتصال بهم من هناك. على الحدود السورية - الاردنية طلب مني ضباط المخابرات الاردنيين ، بعد ان احتفظوا بجوازي ، ان اراجع دائرة المخابرات في عمان. بعد يوم من وصولي الى عمان اتصلت ببيت اخت زوجتي في بغداد وكانت الاخبار مروعة تماما .
(لقد حضرت المخابرات العراقية الى بيتك في مدينة الرمادي بعد يومين فقط من مغادرتك بغداد وحطموا كل شيء بحثا عن وثائق او اوراق تتعلق بك ، وعندما حاولت زوجتك منعهم من دخول البيت القوا بها الى الارض وحدث عندها انزلاق في الفقرات . وكان ينبغي عليها ان تجري عملية جراحية سريعة قبل ان تصاب بالشلل.. والمشكلة الاخرى ان تكاليف العملية تقدر باربع مئة دولار ولم تكن تملك هذا المبلغ فقد طردوها مباشرة من العمل . لقد جمعنا لها هذا المبلغ واجرينا لها العملية ولكنها ما زالت تعاني من آلام كثيرة. ما الذي فعلته بحق السماء ؟ لقد حطمت حياة اهلك وعائلتك) .
صعقتني هذه الاخبار وشلت تفكيري ، وبدأت الوساوس تتناهبني . لقد ذكرت اخت زوجتي ان هذا الذي حدث لم يكن كل شيء ، فهناك تفاصيل كثيرة مؤلمة ، وامور فظيعة حصلت خلال هذه السنة . لقد طلبت من اخت زوجتي ان تحضر في اليوم التالي اطفالي وزوجتي ، فلم اعد اطيق - بعد هذه الاخبار - الاحتمال .. اريد ان اكلمهم .. ان اسمع اصواتهم .. اريد ان اعرف ما الذي حدث بالضبط . لقد اصبح كل شيء مشوشا في ذهني . كنت اشعر انني وحيد جدا وضائع ومحطم وليست لدي القدرة على القيام بأي شيء .
في المساء ذهبت الى غاليري الفينيق فوجدت المرحوم الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي هناك ، حيث رحب بي كثيرا وسألني عن سبب رجوعي الى عمان ، ولماذا ابدو مهموما الى هذه الدرجة ؟ حاولت ان اختصر القصة لان البياتي لم يكن وحده .. فقال : حسنا .. فيما بعد .. سنذهب بعد قليل الى حانة ( الهورس شو ) وسنتكلم بهدوء . عند الثامنة مساء خرجنا ، البياتي وانا واستأجرنا سيارة تكسي الى منطقة الشميساني الراقية حيث الحانة . استقبلنا صاحب الحانة بالترحاب. كانت هناك طاولة محجوزة بشكل دائم للبياتي. بعد ان احتسينا قليلا من العرق قال البياتي: (كما وعدتك قبل ان تسافر الى سوريا ، فقد كنت ابعث الى زوجتك واطفالك كل شهر مبلغا من المال .. هل هم بخير)؟
قلت: ان المسألة لاتتعلق بالمال، واخبرته بقصة المخابرات وكيف ضربوا زوجتي وكسروا ظهرها. قال : وماذا تنوي ان تفعل؟ قلت : سأتصل بهم غدا لمعرفة المزيد من التفاصيل .
قبل الثانية عشرة بقليل، وكنا قد شربنا الكثير من الكحول بدأ البياتي يشتم الدكتاتور صدام حسين ويسخر منه على طريقته القديمة (شيخ شرم). وبعد نصف ساعة اوقفت سيارة تكسي من اجل ان اوصل البياتي الى بيته كما كنت افعل ذلك قبل سنة من الان .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة