|
قـــربــان الـتـــــــاريــــــخ ..
العراق
من لهب العقل الى رماد النفط
قربان التاريخ.. شهادة حية لشاعر عراقي عاش التحولات
المأساوية في الحياة العراقية المعاصرة.. شهادة تأرجحت بين
قيام الدكتاتورية وهيمنتها على مجمل مفاصل الحياة والفكر
بقوة الحديد والنار وبين سقوط رمز هذه الدكتاتورية
وصنمها.هذا الكتاب يوميات مراقبة للقمع والمصادرة والموت
مثلما هو رصد لحركة الشعر والفكر.هو قراءة امتزج فيها
السياسي بالشعري. عبر يوميات قامت بوصف ومن ثم فهم حوادث
مأساوية اشبه بفصل كابوسي من رواية دموية حدثت في عالم آخر
غير عالمنا.
المدى
الثقافي
صلاح
حسن
الفصل
الثالث
1
الهروب
خلال زيارتي الثانية، واثناء وجودي في بغداد تلقيت دعوة من
النادي الثقافي العربي - السويسري لاقامة امسية شعرية .
وفي اليوم المحدد قدمني الصديق الشاعر عادل عبدالله الى
الجمهور بكلمة رائعة هي مزيج من الترحيب والاشادة جعلتني
اشعر بالخجل امام جمهور فارقته اكثر من اثني عشر عاما. في
تلك الامسية التي استغرقت ساعة كاملة قرأت عددا من النصوص
القديمة والجديدة التي كتبتها في بلدان مختلفة عشت فيها
بشكل عابر قبل ان استقر في هولندا .
بعد ان انتهيت من القراءة جرى تعليق من قبل الجمهور حول
النصوص التي قرأتها ، وكان الصديق الشاعر خزعل الماجدي اول
المعلقين فقال :
(قلة هم الشعراء الذين قتلوا او سجنوا او شردوا من اوطانهم
من اجل قصيدة في التاريخ ، وانت يا صلاح واحد من هؤلاء
الشعراء.
لقد كنت اتابع ما تنشره في الصحافة العربية بشكل متواصل
وكنت اشعر بالسعادة لانك ما زلت تكتب بهذا التوتر الخلاق )
. وعلق شخص اخر كان يعمل موزعا للصحف والمجلات العربية
قائلا : ( لقد قرأت خبر الامسية في احدى الصحف ولدي حكاية
احب ان ارويها لك حدثت معي قبل سقوط صدام حسين وهي تتعلق
بك . انا اعمل موزعا للصحف والمجلات العربية ، وكما تعلم
فأن أي مطبوع يأتي من خارج العراق ينبغي ان يذهب اولا الى
الرقابة .
ذات يوم وصل عدد جديد من مجلة (الصدى) الاماراتية فأرسلته
الى الرقابة من اجل اجازته ومن ثم توزيعه. بعد يومين وصل
العدد وقد مزقت منه صفحتان، وبالتحديد الصفحات الثقافية ..
فذهبت الى هناك لمعرفة السبب. قالوا لي: هنالك قصيدة
للشاعر صلاح حسن منشورة في هذا العدد، وهذا الشاعر معارض
وخطر واسمه في قائمة المرتدين التي اصدرها الاستاذ عدي
صدام حسين . في تلك اللحظة - واقول هذا بصراحة - بدأت
اتابع كل ما تنشره في الخارج اردت ان افهم كيف يمكن ان
تخيف قصيدة نظاما مثل نظام صدام حسين . لقد جئت الى هنا من
اجل ان استمع الى صوت الخطر في قصائدك.. انني منفعل
قليلا.. انا اشكرك كثيرا واتمنى لك التوفيق).
بعد ذلك علق الصديق الشاعر كريم شغيدل وتحدث عن علاقتنا
وكيف بدأت عندما كان يزور اكاديمية الفنون الجميلة في مطلع
الثمانينيات قائلا: (من يقرأ قصائد الصديق الشاعر صلاح
حسن، خصوصا النصوص الطويلة سيكتشف بسهولة ذلك الحس الدرامي
التي تحفل به القصائد، وذلك واضح بسبب دراسته للمسرح . غير
ان النصوص الجديدة التي قرأها تمتاز بالكثافة والاقتصاد
اللغوي مع تضمنها الحكاية الشعرية التي هي من صميم المسرح
. لقد كنت في تلك الفترة اتوقع الكثير من صلاح حسن وانا
سعيد بما انجزه في غربته ) .
لقد كنت سعيدا حقا بتعليقات الاصدقاء والجمهور . كنت اريد
ان اعرف ماذا جرى خلال فترة غيابي عن العراق ، لقد كنت
سعيدا ومندهشا في الوقت نفسه . غير ان الذي حدث في مهرجان
المربد كان مفاجئا وغير متوقع تماما وسأروي ذلك فيما بعد .
حكاية القصيدة
وقصة الهرب
في عام 1991 وبعد توقف حرب الخليج الثانية وسحق الانتفاضة
بأشهر اعلنت مجلة الاقلام الادبية عن مسابقة شعرية تتألف
من خمس جوائز، قيمة الجائزة الاولى 1000 دينار عراقي (ما
يعادل في ذلك الوقت 3000 دولار امريكي) . وقد شارك في هذه
المسابقة اكثر من مئتي شاعر عراقي. وكنت في ذلك الوقت قد
انجزت كتابة القسم الرابع والاخير من قصيدتي الطويلة
(المحذوف.. في عدم اتضاح العبارة) وكان عنوان القسم الاخير
- رماد المسلة -. من عادة الشعراء العراقيين انهم اذا
انتهوا من كتابة قصيدة جديدة فأنهم يقومون بقراءتها الى
اصدقائهم المقربين لمعرفة مستوى جودة القصيدة. وكالعادة
قمت بقراءة قصيدتي الاخيرة لعدد من الاصدقاء ممن اثق
برأيهم النقدي. وقد كانت اراؤهم في غاية الاهمية، اذكر
منها تلك الاراء التي ما زالت عالقة في ذهني.
فقد قال الناقد والمفكر محمد مبارك عن القصيدة: (لقد اختزل
صلاح حسن عشرة قرون من الالم العراقي في خلال عشر دقائق هي
زمن قراءته لقصيدة رماد المسلة). وقال الناقد والفيلسوف
خضير ميري: (استطيع ان اقول بعد قراءة هذه القصيدة ان
القرآن مازال بحاجة الى اضافات). اما المرحوم الصديق
الشاعر رعد عبد القادر فقد قال كلمة واحدة فقط (ايها
الشاعر الباطني ) وكان يشير بذلك الى باطنية وعمق القصيدة
.
وقبل ان تنتهي الفترة المحددة لتسلم النصوص سألني رعد ان
كنت سأشارك في المسابقة وكان جوابي بالنفي وهو يعرف السبب
. لكنه اصر على مشاركتي وقال : اذا حدث شيء قل لهم (يقصد
الامن او المخابرات) ان الرموز التي تحفل بها القصيدة هي
رموز اسطورية ولا علاقة لها بالحاضر . اعطيته القصيدة
ونسيت الموضوع مباشرة لانني كنت اعرف ان اعضاء لجنة
التحكيم سيرمونها في سلة المهملات بمجرد قراءة مضمونها .
مر اكثر من شهر كان الوسط الشعري العراقي خلاله مشغولا
بقضية الجائزة لانها المرة الاولى التي يعلن فيها في
العراق عن جائزة شعرية. وظلت الشائعات والتكهنات تتردد في
المقاهي واتحاد الادباء عن الاسماء التي ستفوز بالجائزة
حتى لحظة اعلان النتائج التي كانت غير متوقعة للكثيرين
وانا اولهم :
الجائزة الاولى للشاعر صلاح حسن !!
الجائزة الثانية للشاعرة سهام جبار
الجائزة الثالثة للشاعر فضل خلف جبر
الجائزة الرابعة للشاعر نصيف الناصري
الجائزة الخامسة للشاعر محمد النصار .
وبرغم ان النتائج نشرت في الصحافة اكثر من مرة الا انني
ظللت اشك في الامر وانتظرت صدور العدد الجديد من مجلة
الاقلام التي ستنشر النصوص الفائزة . المفاجأة الاكبر من
الفوز بالجائزة هي القصيدة المنشورة لقد قام اعضاء لجنة
المسابقة بحذف الكثير من الجمل والاسطر من القصيدة وتغيير
بعض الكلمات بحيث شوهوا القصيدة تماما مع الكثير من
الاخطاء الطباعية واللغوية المقصودة . بأختصار : لقد ذبحوا
قصيدتي من الوريد الى الوريد . ولم تكن هذه هي المرة
الاولى .. فلم تسلم قصيدة لي من مقص الرقيب ابدا طيلة
وجودي في العراق .
وقد يتساءل البعض لماذا لم اعترض على ذلك ؟ الجواب ببساطة
شديدة .. لا احد يجرؤ على الاعتراض فذلك يعني اعترافا
ضمنيا بان الشاعر او الكاتب يضمر الاساءة الى السلطة والى
شخص الرئيس . هذه التهم الجاهزة اودت بحياة الكثير من
المثقفين في العراق .
بعد فترة قصيرة من ذلك اجري معي الكثير من المقابلات ووجهت
لي دعوات لاقامة امسيات شعرية في عدد من المدن العراقية
كان اخرها في مدينة بابل مسقط رأسي في مقر اتحاد الادباء .
في تلك الامسية ، وكان اغلب الحاضرين من الاصدقاء قررت ان
اقرأ القصيدة كاملة ( لم اكن اشك بوجود احد منهم يعمل
لصالح المخابرات ) . بعد الانتهاء من القراءة جرى حوار
بيني وبين الجمهور ، تلقيت خلاله العديد من الاسئلة
المحرجة عن بعض الرموز التي جاءت في القصائد وخصوصا
القصيدة الفائزة . حاولت ان اقدم اجوبة دبلوماسية ولكنني
لم انجح لان الحاضرين جلهم من المثقفين ويعرفون موقفي من
النظام .انتهت الامسية الشعرية وبدأت بعدها امسية اخرى
للخمر والسكر وهو تقليد عراقي. ولكن امسية السكر اقتصرت
على عدد محدود جدا من الحاضرين هم اعضاء هيئة اتحاد
الادباء ، جبار الكواز ، شكر حاجم الصالحي ، واثنان آخران
لا اتذكرهما الان .
في هذه الجلسة شربت الكثير من العرق العراقي الذي له طعم
مر مرارة الحياة العراقية في تلك الايام ، ولم اكن منتبها
للاسئلة المفخخة التي كان يطرحها علي ( شكر حاجم الصالحي )
الذي كان يبدو وكأنه يمزح من اجل استدراجي للحديث بوضوح
اكثر عن رموز القصيدة . انتهت الجلسة بعد منتصف الليل
بقليل فعدت بسيارة تاكسي الى بيت اهلي في القرية . لم امكث
في بابل سوى يومين عدت بعدها الى بغداد وتوجهت مباشرة الى
مقهى (حسن عجمي) ملتقى المثقفين العراقيين في ذلك الوقت .
وقبل ان ادخل الى المقهى اوقفني رجل شاب لا اعرفه وقال :
استاذ صلاح هناك رسالة عاجلة اريد ان ابلغك بها . كان وجه
الرجل جادا ومرتبكا قليلا.. قال: ارسلني صديق يعمل في
وزارة الثقافة والاعلام وفي مكتب الوزير بالتحديد ويقول ان
عليك ان تغادر البلد فورا لان حياتك في خطر . بدأت ساقاي
ترتعشان وانا احاول ان استوعب ما يقوله .. ثم اضاف : هناك
تقرير سري خطر وصل الى مكتب الوزير عن الامسية التي اقيمت
لك في مدينة بابل ويتألف من ثماني فقرات مع شريط مسجل ، كل
فقرة عقوبتها الاعدام .. لقد وضع الصديق التقرير تحت اكوام
البريد كي يتأخر الوزير في قراءته!!
كنت اشعر بأنني سأغيب عن الوعي بين لحظة واخرى واجتاحتني
آلام معوية مفاجئة . سألت الرجل عن اسمه فقال انه فاعل خير
.. ثم عن الصديق الاخر فقال انه فاعل خير ايضا واختفى في
زحام شارع الرشيد. !!
عدت الى المقهى مسرعا وتوجهت مباشرة الى التواليت.. فقد
اصابني اسهال شديد. ثم القيت نظرة سريعة على الاصدقاء
الجالسين دون ان احييهم كأنني كنت اودعهم للمرة الاخيرة
وانطلقت بسيارة تاكسي عائدا الى بابل من اجل الحصول على
فيزا الى الاردن . في مديرية الجوازات ولحسن الحظ وجدت احد
الاصدقاء القدامى من ايام الدراسة المتوسطة هو (باسم وتوت)
الذي ختم الجواز بسرعة دون ان يسألني عن أي شيء فأخذته
وانطلقت هذه المرة الى مدينة الرمادي حيث تسكن زوجتي
واطفالي عند جدتهم. جمعت الاوراق الضرورية القليلة وقبلت
الاطفال بسرعة وقلت لزوجتي اتركي هذا المكان فورا.. ربما
لن تريني بعد الان .
كانت الساعة تشير الى السابعة مساء عندما انطلقت السيارة
بأتجاه عمان . اشد ما كان يخيفني هو ان اجد اسمي على
الحدود ضمن قائمة الممنوعين من السفر مما يعني نهايتي
الاكيدة . بعد اقل من ثماني ساعات وصلنا الى الحدود قرابة
الخامسة فجرا .. ورغم هذا الوقت المبكر او المتأخر فقد
وجدنا الكثير من المنتظرين في نقطة التفتيش . وقفت في
الطابور انتظر دوري ، وكنت كلما اقتربت خطوة من ضابط
الجوازات اشعر بنفسي يضيق وساقي ترتخيان اكثر فأكثر .
ناولته الجواز واشحت بوجهي قليلا .. كنت اخشى ان انظر في
عينيه . مرت الثواني ثقيلة وبطيئة للغاية ، في حين كان
قلبي يطرق جسدي كله بدوي هائل .
اعاد لي الجواز من الفتحة الزجاجية فتناولته بيد مرتجفة
وانا اهم بالخروج من القاعة . كنت اتوقع انه سيناديني بعد
لحظة .. كنت اخطو باتجاه الباب وانا انتظر صوته .. وصلت
الى الباب وانا انتظر صوته المعدني الذي سيخترق كياني قبل
ان اختفي من القاعة ... لقد كنت خارج القاعة.. لم ينادني..
ولكن آلاف الاصوات كانت تطن في اذني.. قف .. قف .. قف.
دخلنا الحدود الاردنية ووقفنا ايضا في طابور اخر للتفتيش .
كانت صورة الضابط في الحدود العراقية مازالت في ذهني ، غير
اني كنت اقل اضطرابا.. فليست لدي مشكلة مع الاردنيين .
سألني الضابط الاردني بعد ان تناول الجواز.. انت كاتب؟
قلت، نعم. ماذا تكتب؟ قصصا للاطفال. كانت هذه افضل طريقة
للتخلص من الاسئلة الكثيرة على الحدود (فالكتابة للاطفال
ليست خطرة في نظر الكثير من الانظمة العربية) بمجرد خروجي
من التفتيش تهاويت على مقعدي في السيارة واستغرقت في نوم
عميق ولم استيقظ الا في عمان .. في الساحة الهاشمية حيث
النساء العراقيات ذوات العباءات السود يفترشن ارصفة عمان
ببضائعهن الكاسدة.
ذهبت الى اقرب فندق في الساحة الهاشمية، وكان قذرا ورخيصا.
كنت اريد ان استحم فقط كي استيقظ من الكابوس . قال صاحب
الفندق ان علي ان ادفع اجرا اضافيا اذا اردت استخدام الماء
الحار.. بعد ساعة ذهبت ابحث عن مقهى (العاصمة) حيث يلتقي
المثقفون العراقيون الذين هربوا من العراق فوجدت الكثير من
الاصدقاء. حدثتهم باختصار عن سبب مجيئي الى عمان وطلبت
منهم ان يساعدوني في الحصول على سكن رخيص لان الفنادق
الجيدة غالية جدا.
قضيت الاسبوع الاول متنقلا بين غرف الاصدقاء.. كل ليلة في
مكان مختلف . (يسكن العراقيون في عمان على شكل جماعات
صغيرة في غرف او شقق او بيوت بعيدة عن مركز المدينة بسبب
ارتفاع سعر الايجار. وعادة ما يسكن ثلاثة او اربعة في غرفة
واحدة ضيقة، ينامون جميعا على الارض جنبا الى جنب وكأنهم
في معسكر) .
ولانني لم استطع الحصول على مكان رخيص .. فقد قضيت شهرا
كاملا اتنقل من غرفة الى اخرى . وذات يوم وانا اجلس في
غاليري الفينيق الذي يديره الصديق الشاعر علي الشلاه وتشرف
عليه السيدة سعاد دباح اقترب مني رجل عراقي لا اعرفه (كنت
اراه يوميا في هذا المكان) وقال انه يعرفني جيدا كشاعر
وانه يريد مساعدتي ، ثم اعطاني رقم هاتفه ومضى . بعد ان
خرج الرجل جاءني علي مسرعا وسألني ان كنت اعرفه؟ فقلت انني
لااعرفه ابدا. قال : كيف لا تعرفه.. انه ضابط في المخابرات
العراقية وهو هنا لمراقبتك .. ألم تشعر بذلك؟ في تلك
اللحظة قررت ان اغادر عمان الى أي مكان اخر ، ولم يكن
امامي سوى سوريا.. لان البلدان العربية الاخرى لا ترحب
بالعراقيين. اتصلت بالصديق الصحفي عامر بدر حسون المقيم في
سوريا منذ اكثر من خمسة عشر عاما اسأله ان يهيئ لي دعوة
لزيارة سوريا، فسوريا ايضا لا تستقبل أي عراقي من دون
كفالة احد الاشخاص الموثوق بهم. لقد شرحت له التفاصيل
ووعدني خيرا . بعد اسبوع من الخوف والضياع اتصل بي عامر
ليقول لي ان الدعوة جاهزة وقد ساهم فيها صديقنا المفكر حسن
العلوي. استطيع ان اقول الان ان عامر بدر حسون والاستاذ
حسن العلوي انقذاني من جنون اكيد .
بقيت في سوريا سنة كاملة حيث عملت محررا في الصحافة
العراقية المعارضة وكتبت مئات المقالات ضد نظام الطاغية
صدام حسين وكشفت الكثير من اسرار حياة الطاغية الصغير
السايكوباثي عدي . لم يكن بامكاني الاتصال بعائلتي طوال
هذه السنة، فقد كانت العلاقات العراقية السورية مقطوعة.
خلال هذه السنة جمعت مبلغا من المال وقررت ان اجلب عائلتي
الى سوريا، ولاجل ذلك ينبغي علي اولا ان اسافر الى عمان
ومن ثم الاتصال بهم من هناك. على الحدود السورية -
الاردنية طلب مني ضباط المخابرات الاردنيين ، بعد ان
احتفظوا بجوازي ، ان اراجع دائرة المخابرات في عمان. بعد
يوم من وصولي الى عمان اتصلت ببيت اخت زوجتي في بغداد
وكانت الاخبار مروعة تماما .
(لقد حضرت المخابرات العراقية الى بيتك في مدينة الرمادي
بعد يومين فقط من مغادرتك بغداد وحطموا كل شيء بحثا عن
وثائق او اوراق تتعلق بك ، وعندما حاولت زوجتك منعهم من
دخول البيت القوا بها الى الارض وحدث عندها انزلاق في
الفقرات . وكان ينبغي عليها ان تجري عملية جراحية سريعة
قبل ان تصاب بالشلل.. والمشكلة الاخرى ان تكاليف العملية
تقدر باربع مئة دولار ولم تكن تملك هذا المبلغ فقد طردوها
مباشرة من العمل . لقد جمعنا لها هذا المبلغ واجرينا لها
العملية ولكنها ما زالت تعاني من آلام كثيرة. ما الذي
فعلته بحق السماء ؟ لقد حطمت حياة اهلك وعائلتك) .
صعقتني هذه الاخبار وشلت تفكيري ، وبدأت الوساوس تتناهبني
. لقد ذكرت اخت زوجتي ان هذا الذي حدث لم يكن كل شيء ،
فهناك تفاصيل كثيرة مؤلمة ، وامور فظيعة حصلت خلال هذه
السنة . لقد طلبت من اخت زوجتي ان تحضر في اليوم التالي
اطفالي وزوجتي ، فلم اعد اطيق - بعد هذه الاخبار -
الاحتمال .. اريد ان اكلمهم .. ان اسمع اصواتهم .. اريد ان
اعرف ما الذي حدث بالضبط . لقد اصبح كل شيء مشوشا في ذهني
. كنت اشعر انني وحيد جدا وضائع ومحطم وليست لدي القدرة
على القيام بأي شيء .
في المساء ذهبت الى غاليري الفينيق فوجدت المرحوم الشاعر
العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي هناك ، حيث رحب بي
كثيرا وسألني عن سبب رجوعي الى عمان ، ولماذا ابدو مهموما
الى هذه الدرجة ؟ حاولت ان اختصر القصة لان البياتي لم يكن
وحده .. فقال : حسنا .. فيما بعد .. سنذهب بعد قليل الى
حانة ( الهورس شو ) وسنتكلم بهدوء . عند الثامنة مساء
خرجنا ، البياتي وانا واستأجرنا سيارة تكسي الى منطقة
الشميساني الراقية حيث الحانة . استقبلنا صاحب الحانة
بالترحاب. كانت هناك طاولة محجوزة بشكل دائم للبياتي. بعد
ان احتسينا قليلا من العرق قال البياتي: (كما وعدتك قبل ان
تسافر الى سوريا ، فقد كنت ابعث الى زوجتك واطفالك كل شهر
مبلغا من المال .. هل هم بخير)؟
قلت: ان المسألة لاتتعلق بالمال، واخبرته بقصة المخابرات
وكيف ضربوا زوجتي وكسروا ظهرها. قال : وماذا تنوي ان تفعل؟
قلت : سأتصل بهم غدا لمعرفة المزيد من التفاصيل .
قبل الثانية عشرة بقليل، وكنا قد شربنا الكثير من الكحول
بدأ البياتي يشتم الدكتاتور صدام حسين ويسخر منه على
طريقته القديمة (شيخ شرم). وبعد نصف ساعة اوقفت سيارة تكسي
من اجل ان اوصل البياتي الى بيته كما كنت افعل ذلك قبل سنة
من الان . |