الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

مكتبة: قراءة في معجم الأقوال والتعابير والكنايات الحلية

أحمد زكي الأنباري

يشكل التراث الشعبي الجزء الدال على هوية أي شعب، فهو ذلك المختزن في اللاوعي الجمعي لذلك الشعب، من تقاليد وعادات وطقوس ومراسيم، التي من خلالها نستطيع أن نقيس مدى أصالة ذلك الشعب، وعمق جذوره في الحياة الإنسانية.

ولما كانت العناصر المكونة لبنية التراث الشعبي، يمكن أن تطلب في اللغة التي هي حاضنة التراث وحاملته والمحافظة عليه، وهي التي ترعاه عبر انتقاله شفاهياً من جيل إلى آخر، مما حدا ببعض المهتمين بالتراث الشعبي، إلى متابعة اللغة اليومية، دراسة وملاحظة، للكشف عن ثراء وشفافية ذلك التراث، متخذاً من لغة بعض التجمعات موضوعاً لإبراز ذلك الكم الكبير من التعابير المتداولة في الحياة اليومية لمدينته، وهي تضم في حناياها أمثالهم وكناياتهم وما اصطلحوا عليه في هذا الموقف أو ذاك من شؤون الحياة، وهي تمارس عملية الانزياح عن اللغة الفصحى في استعمالاتها.

ومن الذين اهتموا في هذا الجانب التراثي المهم الدكتور صباح نوري المرزوك الذي صدر له في الآونة الأخيرة (2004 م) كتاب حمل عنوان الأقوال والتعابير والكنايات الحلية)، بـ 158 صفحة، وكان معدل تلك التعابير في كل صفحة (21) تعبيراً. والدكتور صباح عرف عنه اهتمامه بتراث الحلة الأدبي والشعبي والاجتماعي فقد أصدر أعلام الحلة، إلى جانب العديد من الدراسات التراثية التي نشرها في مجلة التراث الشعبي الغراء، إضافة لكونه مفهرساً ممتازاً حيث له في هذا المجال كتاباً بثمانية أجزاء، حمل عنوان (معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970 - 2000).

وفي كتابه مدار البحث، أشار الدكتور صباح إلى أنه جمع مادة كتابه (من أفواه الناس والعجائز وكبار السن والأطفال) كما إنه أوضح في مقدمته المكثفة الخطوط العريضة لعمله ومنهجه في تأليفه وترتيبه، وقد نص أنه في (هذا الكتاب جمع الأقوال والتعابير والكنايات التي ترد على لسان أهل الحلة، منها ما انفرد به الحليون، ومنها ما اشتركوا فيها مع أبناء مدن عراقية وعربية أخر) وقد اتبع في ترتيب مواده على الطريقة الهجائية، حيث يصنع التعبير الشعبي ثم يردفه بتفسيره باللغة الفصحى وعمل الدكتور صباح يأتي ليكون حلقة في سلسلة من مثل هذه الكتابات حيث سبقه للكتابة عن هذا اللون من ألوان التراث الشعبي عبود الشالجي في موسوعة الكنايات البغدادية والشيخ يونس السامرائي وجلال الحنفي وعبد اللطيف ثنيان.

وعند قراءتي هذا الكتاب الممتع الذي سيسهم في سد جزء من فراغ المكتبة التراثية العراقية، وبرغم جهد المؤلف الذي بذله مشكوراً ومقدراً ما عاناه ومتعجباً لذلك النفس الطويل والصبر على الجمع والمتابعة التي إن دلت على شيء فهي تدل على طول باع وثقافة أصيلة، غير إني وجدت أن الدكتور الفاضل قد فسر بعض العبارات، ولها تفسير آخر قد يكون أقرب لمعنى التعبير الشعبي، أو انه يذكر بعض التعابير بصورة، وقد قيلت بصورة أخرى، ولكن أمثال هذه قليلة بالقياس لهذا الكم الكبير الذي تفضل مشكوراً وأمتعنا به، ومن تلك التعابير التي وقفت عندها وأشرت إلى تفسيرها الذي أراه بين قوسين:

-ابن آدم عظمه ثكيل: للضعيف إذ يشعر بضيق. (يقال لمن أصبح عالة لاسيما في المرض - على الأخرين).

-ابن البايره: للشخص التعس الشقي (للشخص الذي لا يعطي مثل ما يعطي الآخرون).

-ابن هالوكت: من أبناء هذا الوقت. (لمستحدث الأخلاق).

-ابن هروالة: من ألفاظ السباب. (وردت أبو رهواله، للذي يسيل لعابه).

-اتخاف من خيالها: للخجولة (وردت: تخجل من خيالها).

-إحباشات: لأشياء لا قيمة لها. (لمكملات الأكل، المقبلات أو ملحقات الشيء).

-أخذ العيش والباطية: لمن استحوذ على كل شيء (وردت: أكل العيش والطبشي).

-الفلوس تجيب الفلوس: لخدمة الغني يزداد الغنى. (وردت: الفلوس تجيب العروس).

-اللي ما يفك زنبيله محد ايعبيله: لوجوب السعي في طلب الرزق. (وردت: الي ما يدندل زنبيله محد يعبيله).

-باع وشك الكَاع: لمن يأتي بالعجائب. (وردت: أكول كاع وشك الكَاع). لمن يهدد بإفشاء سر خطير).

-يأكل بطنه: لمن يكافأ بتعبه. (لمن لا يحصل من عمله إلا ما يسد رمقه دون زيادة أو توفير).

-بعد ما شاب ودو للكتاب: لمن ساءت حاله بتقدم سنه. (لمن يراد منه الإتيان بعمل لا يناسب سنه).

-بلا حس ولا نس: من دون صوت (وردت: بلا حس ولا نفس).

-بير ما ينحفر بابره: للصبر والتريث. (لمن يريد أمراً عظيماً بوسيلة بسيطة).

-بين نارين: لمن وقع في إشكال وإحراج. (لمن يقع بين أمرين كلاهما صعب).

-توالي: لفضلات الأشياء. (لأواخر الأشياء).

-جعيده: لمن هو عميد القوم المتعهد بأمورهم (أو لمن يكون رقيباً للصوص).

-خاط وخربط: للمرعوب. (للذي يتصرف دون روية وعلم).

-راواه عرض اجتافه: لطرد شخص. (وردت: راويني عرض اجتافك للمطرود).

-ستوك: لمن لا حول له عند هرمه. (للشيء القديم الذي لا منفعة تأتي منه).

-طز: لعديم الاكتراث. (من المستحدثات التي دخلت لغتنا اليومية عن طريق السينما المصرية).

-طلعت من خشمه: للضجر الساخط. (لمن كان في سعادة فصارت شقاءً).

-عذره أقبح من صوجه: لمن كان عذره أكبر من ذنبه. (وردت: عذره أنكس من فعله). لمن يعتذر بعذر أقبح من الفعل).

-قبط: لكفاية المكان. (لاكتمال العدد لاسيما في سيارة الأجرة).

-قفاصه: للوسطاء (المحتالين).

قوانه: للحديث لا أصل له. (وردت. قوانه مشخوطه: للحديث المعاد والمكرر).

-كعد على بساط الفكر: للفقير. (وردت: كعد على بساط المروة. للذي خسر ما عنده وأصبح فقيراً).

-ما خلاها تفوت بجيسه: لمن يتركه يفلت (لمن حوسب على ما فعل ولم يترك).

-ما شت نار: لمن كان مهتماً بارتكاب جرم. (لمن يسارع في كل ما يسيء للآخرين).

-نفس الكاس ونفس الحمام: للموضوع هو هو. (وردت: ذاك الطاس وذاك الحمام).

-نكطوله: لمن تعرض للهلال. (الصحيح - للهلاك).

-هباشتك ما ضاكتك: للشيء يذهب هدراً. (لمن لا ينتفع من عمله).

-يخش بين حافرو نعل: لمن يجلس في مكان لا يليق له (وردت: وكع بين حافره ونعله) لمن يجد نفسه بين أمرين كلاهما شر.

-يضرب عامي شامي: لمن يتصرف بذلك بتبصر (الصحيح) بدون.

-يطلب من شتاته عافيه: لمن يتطلب ما لا يقال. (لمن يطلب شيئاً ممن لا يملكه).

-يلوك لبو شلوك: لذم المعجب بنفسه. (وردت: إيلوك لم اشلوك لبس البويمه).


الموسيقى السومرية ((الروح أولاً))

نعيم عبد مهلهل

ترتقي بالحياة مثلما ترتقي الفلسفة بالفكر، وهي تعبر في معناها عن عميق الروح. وولادتها تأتي من تجانس أحاسيس عدة تنطلق من فعل آلهة ما. وهي كما وصفت في التدوينات الأولى ((الأصوات المتناغمة التي نريد بها أن نستحضر الإلهة)) وفعلاً كان السومري يحث من خلال صوت الموسيقى الروح الهائلة الأخرى التي يظن إنها مخبأة في مكان ما من زوايا العالم. لهذا بدأت الموسيقى مع بداية الفهم الوجودي لأشياء الحضارة، وربما تكون هي اللصيق الأول للغة حيث ادركت الدراسات أن تناغم الموجودات الطبيعية في عناصر عدة كهديل الحمام، وخرير المياه، وهدير العاصفة، مثلت لدى الإنسان سياقات صوتية عبر بها عن ردود السيطرة على شيء. ويمكن أن نرى في تصوير الألواح الباقية إن المرأة السومرية لا تحمل ولدها إلا على الجهة التي يقع فيها القلب. وهذا أكتشف بعد آلاف الأعوام من قبل العلماء. أن صوت القلب ينبض بهاجس موسيقي خاص يدفع الطفل إلى الهدوء والنوم، ولقد تركت لنا المدونات الكثير من الترتيلات والأغاني والأشعار التي تمت بهاجس الموسيقى إلى الحياة والمجتمع في سومر، وكان للسومريين أقدم نظام موسيقى في العالم، ويمكن أن نسوق كلام الدكتورة ناريا رئيس المجلس الدولي للموسيقى قولها (أن النظام الموسيقي الأقدم الذي نعرفه هو النظام السومري وربما كانت ذروته قبل 6000 سنة مضت، هي الوضع الأكثر قدماً في الأفكار الموروثة حتى من عصور ما قبل التاريخ، وكانت الموسيقى جزءاً ضرورياً من الحياة الطقوسية السومرية).. هذا الكلام يقودنا إلى أن سومر كانت تعي جداً ما يمثله هاجس الموسيقى لأنه كان يعبر في مدلوله الحضاري عن ايجاد ثنائية الوجود بين الفرد والآخر الذي يحس بقوة تأثيره على أشياء العالم ويقصد الآلهة. إذ لم تبدأ الموسيقى السومرية كحاجة ترف ملكي، إنما كانت طقساً يمتد إلى فعل الحياة وإنما ذاكرة الخصوبة والموت واستحضار المدلولات التي يمكن أن تؤثر في سير الحياة، كدعوتهم في أعيادهم إلى الضرب بالآلات الموسيقية ومنها القيثارة حتى يسعد عشتار ونبدأ بموسم خصب وزراعي جيد. وكان شارع الزواج في لكش بمجاميع من ضاربي الصنوج والقيثارات، لأن سومر كانت ترى أن بهجة أيامها لا تكتمل إلا مع الموسيقى، وأن وحي الموسيقى يؤدي إلى إظهار قوة الروح وديمومتها حتى بعد موت الجسد، كما في حديث الدكتورة نارايا ناميثون حيث تقول (كانت طقوس هذه الهياكل تبدو ذات نظام موسيقي عالي التنظيم ولدينا عنها إحصاءات دقيقة ووثائق مضبوطة، وقد غمر المناطق المجاورة شيء من مجدها ومكتسباتها). إذن كان تأثير الموسيقى السومرية تأثيراً كونياً وهي كما الشعر يمكن أن تكون أداة ارتقاء وتحول نحو المثل الكونية التي أعطت العالم مزيداً من منارات المعرفة، وهذا يقودنا إلى الأعتقاد أن الهاجس الموسيقي مولود في الذاكراة السومرية قبل الشعر وقبل اكتشاف الفعاليات الحضارية المدونة كالرياضيات والقوانين والتدوين بأنواعه النثرية كالأشعار والأساطير والمراثي.

لقد حددت الموسيقى السومرية في قوة تأثيرها الروحي والأخلاقي جانباً كبيراً من شخصية الفرد الذي عاش على هذا الأديم الذي رسم البدايات الواضحة في التاريخ، وكانت تعبر في مستواها التقني العالي عن قدرة عالية في التفكير لاسيما إنها كانت طقس شائع ولم تقتصر على فئة معينة من البشر أو طبقة اجتماعية. وقد أرتنا بقايا الحضارة السومرية أن الرعاة كانوا يحسنون مناداة عشتار بكلمات رقيقة فكانت تستسلم لخداعهم، وعندما تصحو من ثمالتها تثأر منهم بان ترسل اليهم الذئاب لتنهش أغنامهم. إذن حتى الفكر الأسطوري  كان يعطي للموسيقى قوة التغلب على صمود إحساس الإله تجاه الشيء الارضي. وكانت الموسيقى لصيقة لحياة الإنسان السومري وموته، وهذا ما قرأناه في مذكرات العلامة الاثاري ماكس مالون والذي شارك العلامة ليوناردو وولي في الكشف عن مخابئ وأسرار وكنوز المقبرة الملكية في أور عندما يقول في صفحة 52 من المذكرات (كان مشهد المقبرة الملكية رائعاً عندما كنا نعمل جميعاً. وأذكر أن أحد القبور الملكية ضم ما لا يقل عن 74 شخصاً دفنوا أحياء في قاع المهوى الملكي العميق. بدأ عندما كشفنا سجادة ذهبية اللون مزينة بأغطية الرأس لسيدات البلاط، متخذة أوراق شجرة الزان، وعليها آلات القيثارة والقيثارات (Harps and lyres) التي عزفت الترنمية الجنائزية إلى النهاية).

لقد اقترنت هذه القيثارات بذوق الملوك والأمراء كثيراً، وكان أمراء وملوك سومر يحسنون العزف على الآلات الموسيقية وفي تقديري من جعل الموسيقى مستوى لرؤية ثقافية معينة دليل على رقي حضاري كبير وهذا ما كشفته لنا المدونات وقرأناه في أوراق السيد وولي ومذكرات مالوان، وما ترجم من آلاف الألواح التي وجدت في مكتبة الملك الآشوري (اشور بانيبال).

أن وعي الموسيقى في الذاكرة السومرية بدى خيالاً مفرطاً في الجمالية، وأظهرت تبيانات واضحة في تقدير الفرد داخل المجتمع. إذن في هذا المعنى نرى أن الموسيقى تمثل طموحاً اجتماعياً يريد أن يرتقي به الفرد وهذا يجعلنا إلى الأعتقاد أن المجتمع السومري هو مجتمع يقترب من يوتيبا خاصة به وهو مجتمع قريب إلى المثالية التي هي مفقودة اليوم في أغلب المجتمعات، ولتأكيد هذا الكلام تقول الدكتورة دشس جيلمن (Duchesne Gailemin) من جامعة ليبيج في بلجيكا. (كان الموسيقيون فئة حرفية مهمة في ما بين النهرين، وأضحى بعضهم موظفين ذوي مناصب رفيعة في البلاط. كانت الموسيقى تلقن في مدارس بلاد الرافدين وكان التلميذ غير الموسيقي موضع أزدراء زملائه).

وبهذا تحتفظ بقيمتها وفق سياق الرؤى الحضارية. وهي في انتظام سعيها الروحي تحاول أن تدرك ماهية المادة تلك التي سعى الإنسان منذ البدء إلى أن يجدها، وعندما لم يعثر عليها في حياته الارضية، جاهد لأيجادها في فردوسه المنتظر، فقد أذهلت ليوناردو وولي الصفوف المنتظمة مثلما تتصاعد السلالم الموسيقية للهياكل العظيمة المدفونة مع الملك في قبره البارد وكانت القيثارات - وأهمها صندوق الموسيقى - الذي أسماه وولي - (الراية الملكية) -، ما زال فيه أثير بقايا أنغام تخلط أجواء الذاكرة الهائمة للفرد السومري في بحثه الدائم عن خلوده. وهذه الفكرة - اي فكرة الخلود - مثلت الهاجس الأرقى في الأدبيات السومرية، وكانت ملحمة جلجامش تمثل جانباً حيوياً فيها، وأعتقد إن الحانات التي تحدثت عنها الملحمة كانت تضج بالعشرات من ضاربي الوتر. وربما البغي التي أغوت انكيدو في العودة إلى الحياة البشرية أستخدمت الموسيقى مع مفاتن جسدها. لذا مثلت الموسيقى في بعض الملاحم والقصائد سمة الوصول إلى قدرة الإله على حل المعضلة الإنسانية التي تصيب البشر في بعض أزماتهم، وكان لوجود الموسيقى مع قدرة الآلة هو الفرج الذي يحل كل شيء ويبين العلاقة الوثيقة بين الفعل السحري للالهة والفعل السحري للموسيقى، فهذا رجل من بابل يطلب الرحمة من مردوخ على النحو الاتي:-

لساني المعقود الذي لا يقوى على النطق

حل عقدته فهل علي الكلام. حنجرتي التي ضاقت وأختنقت

أرجعها إلى وضعها وصارت تغني كالمزمار

إذن حلت العقدة لهذا الداعي مع الموسيقى وليس مع شيء آخر، وبهذا يكون فضل الموسيقى قد ارتبط بأعمق مدرك روحي لدى إنسان وادي الرافدين فكان له أن يضع في أدبه، سطوراً تعبر عن قيمة الوعي بإحساس الذي يولد من الوتر، ويحاول أن يخلق فئة من مدركي الحس أولئك الذين حملوا على عاتقهم التبشير بحضارة سومر العراقية التي كان لها الريادة لتكون ذاكرة التاريخ وشمعته الأولى.

ولكي نتخيل النقاء الروحي للموسيقى السومرية، علينا أن نفترض عالم الفنتازيا السومرية بمكنوناته البيئية وتكوينه الاجتماعي، وكمن يضع سيناريو لحياة مدينة ستكون مدينة أور أشهر مدن سومر هي المدينة المفترضة، وكانت أور في مجدها الذهبي أيام السلالة الثالثة تحوي شعباً واعياً بدءاً بالملك وحتى الفلاح البسيط، ولكن الجميع يلتقون في فكرة أن تكون الحياة السومرية هي نمط جميع يختلف عن حياة الشعوب المحيطة، ولذلك كانت فكرة اكتساب ملامح الحياة السومرية فكرة عامة عند كل الشعوب المجاورة من أعالي الفرات وحتى نهايات مملكة عيلام. في هذا العالم تكون سرمدية الحياة اليومية معتمدة على طقوس بداية يوم العمل أو التوجه إلى ساحة القتال أو المعبد، ولكن بنية النظام الاجتماعية كانت متكاملة، حيث كانت هناك المدارس والمعابد وبيوت الحكمة والحانات وحوانيت البضاعة والصناع. وهذا البناء ذو بنية تقرب حتى من بعض مجتمعات القرن الحادي والعشرين، وفي ظل هذه الأجواء كانت الموسيقى تمثل حيزاً كبيراً من الهاجس الثقافي لهذا المجتمع بل تصاعد تأثيرها ليصل إلى أعلى المناصب حيث أكدت الاثاريات أن حفيدة الملك الاكدي نرام سين كانت موسيقية وأن الملك السومري شولكي كان يفتخر بانه يجيد الغناء والعزف على العديد من الآلات الموسيقية وهذا يقودنا إلى: إن تعدد الآلات يمكن أن يخلق ما يسمى اليوم فرقة اوكسترا مع مؤدين حيث تتدرج مرتبة المغنين في الوسط الموسيقي السومري فيسمى المغني الكبير (نارساكال) وقد يصل هذا المغني إلى أعلى المراتب كما حصل مع المغني السومري (نام - خا - ني) ليصيح حاكماً لمنطقة لكش خلفاً لحاكمها المشهور كوديا. وهكذا تكون أور موطن لفتنة الروح، والنقاء الذي يظهر وجه الحقيقة التي سعى الإنسان إلى ايجادها عبر مدركات عديدة كالشعر والصلاة وتدوين الملاحم، إن الموسيقى هي واحدة من اجمل مظاهر الدهشة التي تكشف لنا مفاتن الحسن في حياة كان الجميع يتصورها إنها مجرد أحجار وألواح تزين متاحف العالم، ولكنها إلى اليوم تنبض بالحياة. فانا عند لحظة الوقوف والتأمل لقيثارة أور الواقفة بهدوء المايسترو أمام حشد من الموسيقيين وسط صندوق الزجاج، ارتد في رؤى الوجد والحلم إلى عالم المثل العظيمة، العالم الذي كانت ذاكرته من ذهب وعشب، وكانت تنمو على نقاء الأطروحة الكونية، حيث لا ناطحات سحاب ولا مسارح فخمة ولا طائرات تلوث فضاءات التأمل في تلك المراعي الخصيبة التي تمتد أمام أور حتى تصل إلى ابعد البطائح، وكانت هناك أفواج الرعاة والصيادين يطلقون صوت الأمل الملون والمعجون برغبة اكتشاف حقيقة لماذا ولدنا ولأجل من؟ حيث تأتي الدوافع الإيمانية بالانتماء إلى القدر السماوي الواحد هي الفكرة التي تهيمن أخيراً، فكان الأنبياء في بعثهم إلى تلك الشعوب ومنها شعب سومر هو تأكيد على أن هذا التناغم يحتاج إلى نقاء كلمة تجمع الصوت الجميل مع النداء السماوي بالتوحيد، عندها تدرك سومر حقيقتها الجديدة وتعيد إلى مطلق فلسفتها رؤى انسانية رصينة تجعل من احترام الحضارات لهيبتها وقدرتها على أن تبقي الريادة لها مهما تقادمت العصور وتنوعت الحضارات. لأن هذا يقودها إلى بدء جليل تستطيع أن تتخيل فيه احلام الموسيقى وهي تعزف لحظة انبعاث الشيء إلى مستوى قد يفوق قدرات الذهن الحاضرة اليوم، والتي قد تضيع في رؤى موزارت أو صوت أم كلثوم. ذلك إن المتاهة السومرية هي نتاج انفعالات متداخلة في أروقة الميتافيزيقيا، لهذا نجد إن القيثارات المدفونة في اقبية ملوك سومر عند موتهم تحدد إيمان الانسان السومري بالبعث الآخر، وأن الوجود المكمل ربما لا يأتي سوى عندما تطلبه الموسيقى. ويبدو أن ليوناردو وولي انتبه إلى هذا الشيء في نهارات البحث عن كنوز المقبرة الملكية ليقول في أوراقه (إن رؤيتي للقيثارات قرب الاجساد الممدة بهدوء. أرسل في صدري عالماً من بهجة الموسيقى). هكذا إذن أورثتنا الموسيقى ظل الشيء المحسوب وهي في مقدمة الافعال الإنسانية التي تدرك فيها خيارات الظل المشع على عبادات الآخر. وربما ندرك في الموسيقى السومرية سرمدية الذات التي تفكر بتجاوز معضلة اليوم الصعب عندما تستعبد من قبل ثري أو كاهن أو أمير لتجد في الموسيقى سلوة الوصول إلى حكمة القناعة بان الالهه تضع في الموسيقى مسببات قدر الولادة لكل سومري وسنقرأ في هذه المدونة. ما نراه تأكيداً لما سبق ذكره:-

أصربي في البومق. وأعزفي على الوتر

سأرى في ذلك الطريق...

وأشاهد المشيئة المطلقة..

أن إرادة الآلهة كتبت قدري..

وشاهدت في عزفها حياتي القادمة.

بهذا التعبير فإن الرؤية أكدت صلة الموصول بين حقيقة أن يكون الانسان وارثاً للهم الأكبر وبين أن يكون المدرك الأول للحلم. ويمكن أن نقول إن البهجة التي ظلت سومر تبحث عنها طوال عصورها المجيدة قد ارتبطت بوعي الموسيقى وما احتفالات الموت الجنائزي في اقبية مقبرة اور المقدسة إلا تأكيد على ذلك وسوف نتخيل في مستوى وعي التاريخ الذي نملكه من خلال الأثر والمدونة وما فعلته الأميرة السومرية بو - ابي. الملقبة خطأ بالأميرة شبعاد في قبرها ذي الرقم (800) والمكتشف من قبل الاثاري وولي. حيث بدت رطوبة القبو الملكي في ظهيرة تموز ترسل اشعاعات باردة من موسيقى غارقة في القدم.

وكانت عظام الأميرة. تصطف برقة الارتخاء إلى صدى القيثارات التي تبعث في المكان الفسيح الرغبة في ابقاء الزمن واقفاً على قدميه وقد لونت افتعالاً المشهد متوازيات منتظمة من ايقاعات بعيدة. وكانت موسيقى ذلك العهد تدرك بقايا الغاية المتماثلة في صورة الخلق. لقد أدركت الأميرة شبعاد - بو - ابي - إن الرؤية القدرية للموسيقى تمثل حاجة البدء ليكون فكانت سومر تستحضر أحلامها بالموسيقى، مثلما يستحضر الكهنة آلهتهم المميزين..

يقول ليوناردو وولي في أوراق حرص على كتابتها بالحروف اللاتينية (كانت الموسيقى توازي لحظة التفكير بخلق ما، وأن الموت اللذيذ الذي ساد في المكان، أعطى المشهد رغبة مباحة)، ومن هذا ندرك في كلام العلامة وولي إن الموسيقى تجعلك تموت بسعادة. وهذا ما فكر لأجله السومريون، وجعلوا الموسيقى واحدة من شواهد حضارة، لم تنم على جسدها أشواك الحروب، بل فرضوا لحياتهم نمطاً خاصاً من الارتقاء بالحاجة للوصول إلى المعنى. وكان القبو في موسيقاه الشعائرية يؤدي غرضاً واحداً هو الإمساك بسعادة العالم الآخر، وهذا ما كان يظنه السومري أمراً نستطيع أن نحققه مع الموسيقى فقط.

كانت الموسيقى وما زلت تفرض رهبتها على السماع الذي ينتقل بقدرة قادر إلى مكامن الروح فينا. ويبدو لي أن الروح البشرية وسعت من قدرتها على ألفة مع هذا الهاجس، وكان بمقدورها أن تصل إلى ابعد من ذلك لولا التداخل الحضاري، وتلك المساحات المتطرفة في الرغبة الانسانية للوقوف على اشياء أخرى. أهل سومر لم يدركوا هذا بفطرة إنسانية صنعتها بدائيات الخلق، لقد كانوا يدركون الوصول إلى مستوى الفهم الذي تصنعه الموسيقى وليس إلى مستوى ((السماع)) بل الروح أولاً. لذلك هيمنت الموسيقى على واحد من ارقى طقوس التفكير لدى الذات السومرية وهو (طقس الموت) أنه الفيض الذي تتداعى عنده أحلام الحكماء والشعراء وحتى الآلهة ولذلك كان قبو الأميرة بو - ابي يتحدث في مشهده الجنائزي الهادئ عن روعة الوصول إلى الذروة. وكنت أنا نفسي قد دخلت إلى ذلك القبو ولكن بعد خمسين عاماً من اكتشافه ونقل جميع محتوياته إلى متاحف أوربا. ورغم هذا كانت الرطوبة ذاتها والقيثارات ذاتها تمنح الرغبة شعورنا بادراك شيء ما. شيء خالد فينا كما القصائد المذهلة. وكان عازف القيثارة وصورة السيدة الملكية شبعاد يرسمان على جدار القبو وأرضيته حركة مرتبكة لكائنات من كوكب آخر تذكرني بفرضية بعض العلماء من ان السومريين ربما هم أقوام جاءوا من كواكب أخرى وهذا يعطي الموسيقى بعداً آخر غير ما نفترضه في دراستنا هذه.


 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة