|
في ذكرى
تأسيس الفرقة الوطنية للتمثيل ..
معانات
التهميش والعزلة
عباس
الخفاجي
تصوير: علي عيسى
اليوم تحتفل الفرقة القومية للتمثيل بذكرى تاسيسها السادس
والثلاثين، فقد استطاعت ان تؤكد حضورها وفاعليتها كفرقة
مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية بين الفرق المسرحية العربية،
وهذه الخصوصية ناتجة عن النهج الفني المتميز الذي اختطته
عبر تاريخها ليكون رسالة فنية وفكرية، إلا ان هذا النهج
غاب وانحسر وبدأ يتلاشى في الفترة الأخيرة وبدأت تعاني
التهميش والعزلة وغياب الدعم من الدولة.
المدى الثقافي تفتح ملف هذه الفرقة العريقة عبر استطلاع
عدد من المسرحيين العراقيين الذين واكبوا مسيرتها من أجل
تفعيل نشاطها الفني وحضورها في المشهد المسرحي العراقي
المسرح مدرسة الشعب
الفنان حافظ عارف مدير الفرقة الوطنية للتمثيل يقول:
الفرقة الوطنية واجهة فنية حضارية وهي انعكاس واضح لتقدم
المسرح العراقي. قدمت أعمالاً كبيرة واشتركت في مهرجانات
كثيرة خارج العراق واستطاعت ان تحصد الكثير من الجوائز في
تلك المهرجانات.
صقلت قابليات الفنانين في مجال الاخراج وصنعت نجوماً لامعة
يفتخر العراق بهم لأدائهم التمثيلي المتميز.
ولكن هذه الفرقة انتكست في أعمالها عندما تحولت من التمويل
المركزي إلى التمويل الذاتي، حيث برزت ظاهرة ما سمي
بالمسرح التجاري. وان استطاع البعض من فناني الفرقة الحفاظ
على نهج الفرقة من خلال تقديم اعمال متميزة.
ان التحول الكبير الذي حصل يوم 9 نيسان 2003 أكد ضرورة أن
تكون الثقافة واجهة فنية واعلامية بعيدة عن التجارة
والمتاجرين بها، لذا من الواجب في المسيرة الجديدة للعراق
الجديد تحويل دائرة السينما والمسرح إلى التمويل المركزي.
ماضينا أفضل من
مستقبلنا
الفنان فارس عجام:
الذي أثار انتباه الجمهور المسرحي في بداية السبعينيات وما
بعدها ان الفرقة الوطنية ابتدأت الهرم من قمته فقدمت
اعمالاً عالمية معروفة ومهمة مما جعل الخط البياني للجمهور
يقفز متزايداً ليصل إلى مرحلة حجز القاعة قبل أسابيع،
وابتدأت المشاركات في المهرجانات العربية مثل سوريا ومصر
والخليج والمغرب العربي وتبعها حصاد الجوائز.. من هنا
ارتفع اسم الفرقة وشاع وفرضت شروط صعبة على من يتقدم للعمل
فيها.. ومن تتابع هذه الاحداث انتبهت الجهات المسؤولة عن
الفرقة لتحسين حالة الفنان المادية ليتسنى له الإنتاج
الجيد فكان قانون المخصصات ثم تبعه نظام الحصص الذي كان من
أفضل الثمار إذ كانت الاعمال مستمرة طيلة السنة وهنا بدأت
الاجتهادات الفردية ومن دون استشارة أي فنان من أعضاء
الفرقة لتمويل الدائرة إلى نظام الشركات حتى تكون مشمولة
بالتمويل الذاتي الذي قيل انه أفضل للفنان لكي نرتقي
بحالته المادية.. لكن مع الاسف ما حدث كان اسوأ ما مر به
ظرف فنان عراقي فبدأ الإهمال الكامل للدائرة، وبدأ الشلل
يدب في مفاصلها سواء سينمائياً ام مسرحياً وبعدها شمل ذلك
حالة الفنان الاقتصادية .
نحن نأمل في ان الجديد يرتقي بنا خطوات إلى أمام والى
أفضل.. لم نحب يوماً ان ماضينا أفضل من مستقبلنا.
المسرح ليس بخير
الفنان عدنان شلاش:
كان حلماً ان تطأ عتبتها.. كان حلماً ان تكون تحت مظلتها
وتتفيأ بأمنياتها وحديث عصبتها.. كان حلماً سرمدياً بعيد
المنال ان تعمل فيها وتتحدث مع اقطابها إذ ليس من السهل ان
تكون ضمن طاقمها ولكن من الصعب أيضاً ان تحصل على مقعد في
(البنكلة) القديمة لترى ماذا يفعل هؤلاء وماذا يقدمون..
هذا العالم السحري الذي أسمه المسرح.. صومعة ليس من هب ودب
الصلاة فيها.. القديسون والمبدعون وحاملو الأفكار الجديدة
والخلق الرفيع والمبادئ السامية والمترفعون عن النصب
والاحتيال والمتاجرة بالمبادئ باسم الفن.
كنت يومها مستخدماً.. اجيراً تعيساً لكنني أحمل في جعبتي
كل ما يحتويه الجنوب من قيم وتراث وخلق ومبادئ ونضال ضد
الدكتاتورية والاضطهاد. كنت حينها اسرق من ساعات عملي
ويقتطع من أجري حتى أشاهد (الطوفان والبيك والسائق ونشيد
الارض وجلجامش). كان استاذي مؤسساً فيها ضمن طاقمها المربي
الكبير عزيز عبد الصاحب حيث قادني إلى المسرح عام 1961. كم
تمنيت ان يحتويني هذا الركب منذ البداية.. لكي أنهل من
إبراهيم جلال وجاسم العبودي وبهنام ميخائيل وسعدون العبيدي
وسليم الجزائري وفتحي زين العابدين وهاني هاني.
قدمت الفرقة القومية آنذاك اعمالاً للمسرح العراقي على مدى
السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، هناك أعمال خالدة،
تعبر عن هموم الشعب وتطلعاته فازت برضى الناس ولم تفز برضا
الوزارة فراحت بعض الاعمال تسافر تحت خيمة العمل الجماهيري
الذي فاز برضا الناس. راحت تمثل العراق في مهرجانات
عربية.. ويقودها مخرجون همهم السفر والمتعة.. همهم نيل
الجوائز.
المسرح ليس بخير.. المسرح بلغة الطارئين والذين يتصورن
الارتجال والتهريج هو المسرح والآن هم الاسياد ولا حول ولا
قوة لمن تبقى من الفرقة الوطنية والتي سميت بالوطنية.. ليس
على أساس قواعد اخلاقية ثابتة وإنما لتحول إيديولوجي في
سياسة العراق نحو الحرية والتبصر.. الفرقة الوطنية.. ليست
ملاذاً للفكر المتخلف وليست ملاذاً للعاطلين عن العمل
والذين كانوا يتاجرون بالفن.
الفرقة الوطنية وطنية بالمعنى الماركسي الصحيح تقدم ما لذّ
وطاب ولكن بكف بيضاء ومدى نزيه.
الفرقة الوطنية.. تاريخ للعراق
الفنان صبحي الخزعلي:
في زمن لا يعرف المسرحيون فيه الجمهور إلا قليلاً، فهم
(الجمهور) إما من العاملين في الوسط الفني والذين لا تروق
لهم مشاهدة أي عرض مسرحي لأنهم محملون بمواعيد لتصوير
المشاهد الدعائية التي تقدمها الفضائيات التي عج بها الوطن
من دون مبرر، في هذا الزمن تغير اسم الفرقة (القومية
للتمثيل) إلى (الفرقة الوطنية للتمثيل) والتي تأسست باسمها
القديم في 15/ أيار/ 1968 بشكل رسمي، وقد ضمت هذه الفرقة
عند تشكيلها خريجي معهد وأكاديمية الفنون الجميلة وبعض
العاملين في الفرق المسرحية الأهلية التي اغلقت أبوابها
الآن مع الأسف وأصبحت تعتمد على الاشتراك في بعض
المهرجانات التي تقيمها دائرة السينما والمسرح لتحافظ على
بقاء اسمها في الوسط المسرحي.. وقدمت الفرقة عروضها الأولى
على قاعة المسرح القومي في كرادة مريم. الذي كان (جملوناً)
تابعاً لمعرض أقامته السفارة الروسية في بغداد. وأثناء عمل
الفرقة قدمت مسرحيات عديدة وأهتمت بمسرح الطفل وقدمت كثير
من المسرحيات للاطفال وعلى مدى السنة الدراسية فكانت تدعو
الطلبة للحضور إلى المسرح.
وما قدمته الفرقة من اعمال مسرحية متنوعة تعبر عن أصالة
وعمق تاريخ العراق الحديث. وها هي الآن ترفل بالفنانين
الكبار الذين تقوقعوا على أنفسهم تمشياً مع الظروف
السياسية الصعبة التي يمر بها العراق. انا أدعو اصدقائي
واساتذتي الفنانين الكبار إلى ان يأخذوا بزمام المبادرة
ويحركوا الأجواء الراكدة في المسرح العراقي الشعبي الذي
اعتمد الآن على العروض التجريبية وعروض المهرجانات، مما
اضطر بعض الشبان على ركوب موجة التدريبات خارج الفرقة
لتهيئة مسرحية (تحت اليد) لتقديمها في المهرجانات العربية.
ذائعة الصيت. هي دعوة للفنانين الكبار والتاريخ لا يرحم
الكسالى.
الفرقة الواجهة
الحقيقية للثقافة
الفنان رضا نظام:
الانحدار نحو الهاوية كان من سمات وصفات العهد البائد في
كل المجالات، وعند ذكر الفرقة الوطنية للتمثيل (القومية
سابقاً) فأنها كانت سداً منيعاً بوجه هذا الانحدار لا
لقوتها، بل لأن اعضاءها جلهم ممن يؤمن بضرورة دفع العملية
الفنية نحو الأمام بكل السبل المتاحة، رغم عنجهية مسؤولي
الحركة الثقافية في البلد.. ولذلك فان نجاح الفرقة بتقديم
بعض المسرحيات على مستوى الدائرة وحصدها الجوائز محلياً
وعربياً كان نابعاً من جهد بعض الفنانين المبدعين.. إلا ان
الشكل العام للفرقة كان الانحدار بكل ما تعنيه الكلمة من
معنى مما سبب فراغاً فنياً على الساحة جعل من بعض
المصطلحات تطفو على السطح مثل المسرح التجاري الذي يبرز
رغم انف الجميع كظاهرة من ظواهر التردي في عموم قطاعات
الشعب.. إلا إننا يجب ان لا نغمط حق الفنانين بكل شرائحهم
من أن ما قدم من هذا الفن لا يخلو من عمليات نقد بناء.. من
هذا يتضح ان الفرق الوطنية رغم هذه السلبيات إلا أنها
ستكون الواجهة الحقيقية للعراق الجديد واجهت ظروفاً صعبة
لأنها أصبحت املاً للتحدي أبان الإرهاب الدكتاتوري.
كنا شهداء الفرقة
الفنان الرائد عزيز عبد الصاحب.. احد مؤسسي الفرقة:
تسمونها اليوم الفرقة الوطنية.. لا بأس.. سماها حقي الشبلي
الرائد الكبير (الفرقة القومية للتمثيل) وجاءنا من
المحافظات لتأسيسها.. كانت خليطاً مختلفاً من الممثلين
والممثلات مع اختلاف آرائهم وثقافاتهم.. كان الراحل وجيه
عبد الغني مديراً لها وكنا اعضاءها (الشهداء) لأن بداية
التشكيل لم تكن هينة كانت تصل التضحيات حد الشهادة.
كنا شباباً في عز شبابنا وكنا نحلم بالأدوار العظيمة
للتنفيس عن طاقاتنا.
وبدأ العمل المسرحي الأول فاختار الفنان حقي الشبلي
المسرحية الشعبية (وحيدة) وخصص لها مخرجين هما محمد القيسي
وفخري الزبيدي وخرج العمل المسرحي إلى الناس بحماس ومحبة.
بعد هذه الفترة (القلقة) والفقيرة من عمر الفرقة القومية
انفتح الطريق أمام خريجي البعثات فانضم إليها محسن العزاوي
وسعدون العبيدي وقاسم محمد، وفتحي زين العابدين وفخري
العقيدي.. وقدمت أفضل الاعمال المسرحية. محلية وعربية
وعالمية بقيادة إبراهيم جلال وجاسم العبودي.
أما اليوم فأن الفرقة نشكو الكثير وتعتب على الكثير.
اعادة ألق الفرقة الوطنية
المخرج سرمد علاء الدين:
في أواسط الستينيات تكونت وتأسست الفرقة القومية للتمثيل
لكي تثير وتؤكد العلاقة الجلية بين المثقفين المسرحيين في
العراق تحت ذلك الغطاء الثقافي الجميل وفق ايقاع يعتمد على
قوة الطموح والثقافة الفكرية في انطلاق ذلك الصرح الثقافي
المهم.. استمرت مسيرة ذلك الصرح على أيدي العديد من رموزنا
المسرحية الوطنية امثال.. الراحل إبراهيم جلال والراحل
جاسم العبودي والذي رحل مؤخراً جعفر السعدي.. وآخرين. الكل
ساهم في تأكيد المسيرة المسرحية العراقية.
الفرقة الوطنية للتمثيل تقف الآن اشبه بالعاجزة امام
المتغيرات التي حدثت على الساحة الاجتماعية والسياسة
والمنطقية داخل البلد.. ما أثر سلباً على مسيرة الفرقة
الوطنية للتمثيل التي هي امتداد لتلك المسيرة الطويلة..
الآن.. كل شيء يفتقد أشياء متعددة.. كلنا أمل في تحقيق
وإعادة ألق الفرقة القومية للتمثيل في العقود السابقة التي
كانت بمثابة المناخ أو الطقس المسرحي المتقدم.
الفنان حاتم
سلمان:
رافقت "الفرقة القومية للتمثيل" فكرة وسعياً وتنفيذاً،
مسار التطور العام في العراق، فهي كفكرة طرحت في عقد
الثلاثينيات من القرن العشرين الذي شهد بدايات تكوين
المؤسسات الثقافية في العراق الحديث، وذلك اثر عودة طلائع
البعثات من أوروبا.
وفي الأربعينيات، كانت للحرب العالمية الثانية انعكاساتها
على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في
البلد، أدت إلى اطلالة مثقفي العراق على آفاق جديدة، شدتهم
إلى ما في أوروبا من تقدم في الميادين المختلفة للحياة،
وخاصة في الأدب والفنون والعلوم، وفي هذه الفترة من تاريخ
العراق، صدرت صحف ومجلات كرست صفحاتها للنشاطات المسرحية
والسينمائية. ومن معالم هذه المرحلة اتساع دور معهد الفنون
الجميلة الذي تكون في 1940 - 1941 .
كل ذلك أدى إلى احياء فكرة تأسيس فرقة قومية للتمثيل،
كحاجة لابد من تحقيقها لجميع الفنانين وتوحيد صفوفهم
وتوظيفهم في نتاجات مسرحية جادة تبعدهم عن اجواء الملاهي
التي كانت قد تكاثرت واشاعت السطحية واللامبالاة.
وكان الفنان الرائد الأستاذ حقي الشبلي وراء الدعوة إلى
تاسيس الفرقة القومية للتمثيل، لكنه لم يفلح في مسعاه. وقد
تبنى هذه الدعوة أيضاً تلامذة الفنان الشبلي، نذكر منهم
الفنان بدري حسون فريد الذي قاد حملة جادة لتأسيس الفرقة،
وذلك على صفحات الإصدارات الفنية وعندما حل عقد الستينيات
الذي اتسعت فيه التطلعات إلى الجديد والأجمل والافضل،
ارتفعت الدعوة مرة أخرى إلى وجوب الاسراع بتشكيل الفرقة
القومية للتمثيل.
وفي العام 1965 من هذا العقد، وبفضل الفنان حقي الشبلي
مدير عام (مصلحة السينما والمسرح) قدمت أربعة عروض باسم
(الفرقة القومية للتمثيل) أخرجها الفنان المعروف سامي عبد
الحميد.
تشكلت الفرقة مجدداً في 15/ أيار/ 1968، رسمياً واستهلت
عمرها الجديد بعرض المسرحية العراقية الرائدة (وحيدة)
لموسى الشابندر، ان الفرقة القومية للتمثيل التي تتبع
دائرة السينما والمسرح في وزارة الثقافة تضم الآن فنانين
وفنيين من مختلف أجيال حركة المسرح في العراق وعلى مدى
تاريخها الطويل قدمت مئات العروض المسرحية لكتاب عراقيين
وعرب وأجانب، وتمثلت فيها الاساليب والاتجاهات السائدة في
الحياة المسرحية المعاصرة في العالم.
وحرصت الفرقة على المشاركة في المهرجانات المسرحية
العربية، تعميقاً للأواصر، وإسهاما في المسؤوليات الساعية
إلى تحقيق مسرح عربي.
وفي هذه المهرجانات كانت الفرقة تحتل المكانة العالية التي
تليق بها كوجه لامع من وجوه الحياة العراقية الجديدة.
إعادة تألق الفرقة القومية
الفنانة سوسن شكري:
ان الفرقة الوطنية بتاريخها الممتد منذ عقد الستينيات
وباعضائها وأساتذة المسرح بامكانها ان تسهم اسهاماً فعالاً
في انعاش الحركة المسرحية وإعادة التألق إليها من خلال
تبنيها خطاباً مسرحياً يراعي المتلقي العراقي. بخصوصياته
النفسية والادراكية وحتى الإيديولوجية.. والاندماج معه
والإغراق بترويج ونشر المفاهيم المسرحية والثقافات الشعبية
واستخدام المسرح بعد ذلك كأداة لتغيير الواقع ومن ثم تدريب
المتلقي على أن يتخذ موقفاً من واقعه، عداءً أو مهادنة وأن
لا يكون محايداً.
|