|
انتشار الثورات
ترجمة: فاروق السعد
عن: الايكونومست
اجبرت التظاهرات في
قرغيزيا حكومة الجمهورية السوفيتية السابقة على التنحي عن
السلطة. و ان الزلازل يمكن الاحساس بها في مناطق اخرى من
اسيا الوسطى.
هل
ان الرقم ثلاثة قد اصبح موضة؟ فقد اصبحت قرغيزيا ثالث
جمهورية من الاتحاد السوفيتي السابق التي يقوم فيها
الناخبون الساخطون، برفضهم قبول الانتخابات المزيفة، بأخذ
الامور كلها بين ايديهم. ففي يوم الخميس 24 آذار الماضي
اجبر اسكار اكاييف، رئيس جمهورية اسيا الوسطى لمدة 15 عاماً،
على الهروب من العاصمة، بيشكيك، بعد ان استولى المحتجون
على مقرات الحكومة. و اعلن عن تشكيل حكومة جديدة، و قامت
المحكمة بإلغاء الانتخابات. و الان فان "ثورة الزنبق" في
قرغيزيا تلتحق بـ "الثورة الوردية" في جورجيا و البرتقالية
في اوكرانيا. و لكن انتفاضة قرغيزيا كانت اكثر عنفا من
الاثنين الآخرين، و لا تشبهها في امتلاكهما لقائد واحد. ان
مستقبل الجمهورية النائية ملبد بالغيوم.
في يوم الخميس الماضي و صلت الاحتجاجات، التي كانت قد بدات
في شمال البلاد قبل بضعة ايام، الى بيشكيك، في الشمال. شن
المتظاهرون هجوما على " البيت الابيض" ، مقرات الحكومة،
بعد ان اخترقوا شرطة مكافحة الشغب الذين اختفوا لاحقا او
التحقوا بالمحتجين. و اقتيد وزير الدفاع من البناية تحت
وابل من العصي و الاحجار. و اعلنت شخصيات سياسية، لم تذكر
اسماءها، عن سقوط الحكومة عن طريق محطة التلفزيون الحكومية.
ابتدأ الهيجان مباشرة بعد الجولة الاولى من الانتخابات في
27 شباط الماضي، التي ذكر المراقبون الاجانب أنها شهدت
تزييفا كبيرا. و خلال الحملة الانتخابية، ساند مذيعو
المحطات الرسمية علانية الحكومة، و كانت وسائل الاعلام
المستقلة قد طوردت و استبعد مرشحو المعارضة لأسباب تافهة.
اما الجولة الثانية، في بداية هذا الشهر، فقد كانت افضل
قليلا. و بدلا من يواصلوا جهودهم، كما فعل الناخبون في
انتخابات مزيفة في كازاخستان و طاجستان في الفترة الاخيرة،
تحولت الاحتجاجات الهادئة الى عمليات عصيان شاملة. كانت
مدينتان، في الجنوب الفقير نسبيا، جلال-اباد و اوش، اولى
المدن التي سقطت. ولكن وصول الاستياء الى بيشكيك هو الذي
بين ان الاحتجاج لم يكن مجرد زوبعة في فنجان.
فبعد عدة اشتباكات دامية، و عمليات نهب و تخريب للبيت
الابيض، طلب قادة المعارضة الهدوء ووعدوا بإجراء انتخابات
جديدة في حزيران. ان اشهر من عرف من بين قادة الثورة هي
روزا اوتنلايفا، وزيرة خارجية سابقة، كورمانبيك باكييف،
رئيس وزراء سابق، و فليكس كولوف، نائب رئيس جمهورية سابق،
الذي اطلق المحتجون سراحة من السجن. هؤلاء و غيرهم من
القادة شكلوا " مجلس تنسيق للوحدة الوطنية". سوف يكون
السيد باكييف رئيساً مؤقتاً للجمهورية و رئيس الوزراء، و
السيد كولوف سوف يدير الوزارات الامنية. ليس من الواضح بعد
ان كانوا قادرين على ايقاف النهب، او تسوية الصدامات بين
المجموعات التي هي على الضد او مع اكييف. و يبدو ان الشرطة،
في الوقت الراهن، قد اختفت.
هل يكتسح موجها
المنطقة؟
عادة ما ينظر الى
قرغيزيا كجزيرة للديمقراطية في اسيا الوسطى. كان السيد
اكييف، عالم فيزياء محترماً، قد قاتل بشدة للحصول على
الرئاسة عام 1990 ضد زعيم شيوعي، و فاز في انتخابات شعبية
عام 1991 بعد حصول الجمهورية على الاستقلال. قام بإصلاح
الاقتصاد و ادخل ديمقراطية متعددة الاحزاب. و لكن خلال
التسعينيات اصبح اكثر استبداداً. و كانت الانتخابات التي
اجريت في 1995 و 2000 قد انتقدت من قبل المراقبين الاجانب
لافتقادها الى الحرية و النزاهة. و بعد الاضطرابات في عام
2002، عندما اعتقل معارض في البرلمان لأسباب تافهة، و عد
السيد اكييف بإجراء اصلاحات. و لكن النتيجة كانت عبارة عن
استفتاء مراوغ عزز من موقع الرئيس و حل محل نظام القوائم
الحزبية انتخابات برلمانية في المناطق تعتمد على مرشح مفرد.
و هذا ما اضعف الاحزاب و اعطى مزيدا من الصلاحيات الى
اشخاص متنفذين. و فاز كل من ابنه و ابنة السيد اكييف
بمقعدين في انتخابات هذا العام.
برغم ان البلد صغير و ناء، و يفتقد الى احتياطي الطاقة
التي يحصل عليها من بعض جمهوريات اسيا الوسطى، الا ان
الاحداث فيه تراقب باهتمام. فكل من روسيا و امريكا يمتلكان
قواعد عسكرية بالقرب من بيشكيك. لقد تحركت امريكا بقوة الى
اواسط اسيا لأجل الحرب على افغانستان، و كانت القوتين
العظميين تراقبان كل منهما الاخرى بحذر منذ ذلك الحين.
انتقد الكثير امريكا بسبب تحملها انظمة قاسية ساعدت في
الحرب على الارهاب، وخصوصا جارة قرغيزيا، اوزبكستان. و لكن
سفير امريكا في بيشكيك، ستيفان يونغ، كان صريحا حد الاعجاب
مع كل من الصحافة و حكومة السيد اكييف لقلقه بسبب تدهور
الديمقراطية في قرغيزيا.
كانت لدى روسيا علاقات جيدة مع السيد اكييف، و عبر رئيسها،
فلاديمير بوتن عن خيبة حزنه لان حكومة اخرى من جمهوريات
الاتحاد السوفيتي السابق قد تم تغييرها" بشكل غير شرعي". و
لكن القادة الجدد اغلبهم وزراء سابقون، و يقول السيد بوتن
أنه يعرفهم و يستطيع ان يعمل معهم. تخطط كل من امريكا و
روسيا للاحتفاظ بقواعدهما في قرغيزيا. و على العكس من
الثورات في جورجيا و اوكرانيا، لم تكن السياسة الخارجية
تشكل نقطة خلاف كبيرة بين الحكومة و المعارضة. و يراقب
جيران قرغيزيا ايضا الموقف عن كثب. ان لديها علاقات مخادعة
مع اوزبكستان ، الذي قام دكتاتورها، اسلام كارموف بقمع
المليشيات الاسلامية. و حتى ان اوزبكستان قد قامت بحراسة
حدودها مع قرغيزيا لمنع المليشيات من الهروب، مما اغاظ
السيد اكييف بعمق. ان حكومة قرغيزية جديدة قد تبدي
اهتماماً بأكبر قومية، الاوزبك في الجنوب، و الذي ربما
يحسن العلاقات مع جارها الاكبر.ان الاحداث في قرغيزيا من
غير المحتمل ان يكون لها تأثيراًا كبير على تركمانستان،
البلد الدكتاتوري على غرار كوريا الشمالية في المنطقة.
ولكن جيران قرغيزيا الآخرين كازاخستان و طاجستان، قد
يشعران بالهزات. و في كازاخستان الى الشمال، وهب الرئيس،
نورسلطان، الاموال و الهدايا (من ثروات البلد المعدنية)
للاحتفاظ بالسلطة. و لكن هنالك معارضة حيوية ، برغم كونها
لغاية الان غير موفقة. قد تتاثر بشكل اكبر طاجستان، الاكثر
فقرا والتي تعرضت الى حرب اهلية في التسعينيات. ان
الانتخابات الاخيرة، التي انتقدت من قبل المراقبين
الدوليين، قد عززت من حزب الرئيس ، ايمومالي راحمونوف. فهل
يكون الضحية التالية لقوة شعب اسيا الوسطى حديثة التكون؟
|