اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

هل تشكل الوحدة الوطنية القاعدة المادية لدحر الإرهاب والضمانة الوحيدة لقهر الإرهابيين؟
 

كاظم حبيب

ليس التعدد المذهبي والتنوع الديني والقومي والفكري والسياسي هو السبب في نشوب الصراعات التي يشهدها الكثير من بلدان العالم النامي, ومنها العراق, إذ أن نعمة التعدد والتنوع في ظل الحرية والديمقراطية وسيادة حقوق الإنسان والحقوق القومية.

في ظل المجتمع المدني الديمقراطي, تلعب دوراً محفزاً وفعالاً للتفاعل والتبادل والتشابك العقلاني والمبادرة والإبداع والوحدة الوطنية , فالتعدد والتنوع يعنيان التفتح والتجدد الفكري والرغبة في التغيير والتطوير عند الإنسان وعدم الجمود. ليس التعدد والتنوع هو المشكلة, بل المذهبية المتشددة والمنغلقة على نفسها والتمييز الديني والطائفي والقومي والإيديولوجي والسياسي, الذي يخلق المزيد من المشكلات وتعمق التناقضات والصراعات وتتحول أحياناً غير قليلة إلى نزاعات دموية, ولا سيما عندما تقترن بانتشار الجهل والتخلف والابتعاد عن المجتمع المدني الديمقراطي, وعندما يسود الاستبداد في البلاد وتنعدم المعايير وتداس روح المواطنة بالأقدام. وكان العراق في العهد البعثي نموذجاً للتعدد والتنوع القومي والديني والمذهبي والفكري والسياسي غير القائم على أسس من الحرية والديمقراطية وسيادة حقوق الإنسان والحقوق القومية والعدالة الاجتماعية, بل وفق أسس الاستبداد والقهر القومي والتمييز الديني والطائفي والأيديولوجي والسياسي, ووفق أسس الشوفينية القومية العربية والعنصرية البعثية والاستبداد الصدّامي. وعلى الرغم من أن الأوساط الشعبية كانت ترفض التمييز بمختلف أشكاله وصور ممارسته, إلا أن النظام البعثي الصدّامي كرسه عملياً ومارسه يومياً وميز بين المواطنات والمواطنين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية, كما غابت عن البلاد العدالة الاجتماعية.
لا شك في انه كانت هناك فئة صغيرة نسبياً, بالقياس إلى مجموع الشعب, عرفت الرفاهية والتخمة وتنعمت بالامتيازات والغنى الفاحش على حساب كل الشعب, وهي التي خسرت مواقعها وامتيازاتها بعد سقوط النظام, على الرغم أن الكثير منها لايزال في أجهزة الدولة, ولم يكن كل المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني العرب متنعمين في ظل النظام السابق, بل كانوا يعانون تماماً كمعاناة بقية السكان. إلا أن تلك الحفنة المتنعمة أعطت الانطباع بعد سقوط النظام بأن أتباع المذهب السني من العرب قد خسروا الحكم وتحول إلى أيدي أتباع المذهب الشيعي في المجتمع. لقد روجت هذه المجموعة الصغيرة الفاسدة ان أتباع المذهب السني العرب قد خسروا المعركة, في حين كان الخاسر هو النظام وأتباعه فقط, وروج آخرون وأنهم المنتصرون لأنهم شيعة, في حين كان المنتصر كل الشعب, بمن فيهم غالبية أتباع المذهب السني العرب. والترويج السلبي من الجانبين حقق هدفاً مضاداً لمصالح الشعب والتبس الأمر على الناس واستفاد منه أعداء الشعب وكل الإرهابيين الناشطين في العراق.
دعونا نثبت بعض الأسس المبدئية لبناء عراقنا الجديد:
1. لا يمكن بناء العراق الجديد والديمقراطي من دون وجود دستور ديمقراطي مدني حديث يفصل بين السلطات ويحترم استقلال القضاء والاستناد إلى مبدأ المساواة في المواطنة وفي الحقوق والواجبات واحترام حقوق المرأة وواجباتها ومساواتها بالرجل.
2. لا يمكن بناء عراق ديمقراطي مدني جديد من دون تمتع الشعب الكردي بحقوقه القومية العادلة, بحقه في تقرير مصيره, ومنها حقه في تكريس الفيدرالية في إطار عراق مدني ديمقراطي.
3. ولا يمكن بناء العراق الجديد من دون احترام حقوق القوميات الأخرى التي تعيش مع سائر المواطنات والمواطنين في العراق الديمقراطي المنشود.
4. كما لا يمكن بناء العراق الديمقراطي دون تمتع جميع الأديان والمذاهب بحريتها في العبادة وممارسة طقوسها وتقاليدها وعاداتها التي لا تتعارض مع حقوق الإنسان.
5. ولا يمكن بناء عراق ديمقراطي جديد من دون تمتع المجتمع بحرية الفكر والسياسة والتعددية والتداول الديمقراطي البرلماني السلمي للسلطة والفصل الفعلي في الحكم بين الدين والدولة واحترام كل الأديان بغض النظر عن الأكثرية والأقلية, إذ من حقها جميعاً أن تُحترم وأن يُحترم أتباعها في العراق وأن يسود الاحترام المتبادل في ما بينها.
6. وهذا يعني أنه ليس بالإمكان بأي حال بناء العراق الفيدرالي المدني الديمقراطي الحديث والجديد على أسس دينية ومذهبية, بل على أساس مدني ديمقراطي.
ويفترض في القوى الإسلامية السياسية, سواء أكانت شيعية أم سنية, أن تدرك هذه الحقيقة وتتعامل معها، لا بالارتباط مع الواقع العراقي والإقليمي والدولي حسب, بل ومع الواقع الحضاري للعصر الذي نعيش فيه ونتطلع إلى التقدم على أساسه وبناء المجتمع الجديد. وإذا ما تم إدراك هذه الحقيقة فأن التعامل مع مكونات المجتمع العراقي يصبح أكثر عقلانية وسهولة, كما يمكن لأي رئيس وزراء يمتلك الحصافة والحكمة والرؤية الديمقراطية أن يساهم في حكم البلاد وتحت رقابة مجلس وطني ومؤسسات ديمقراطية ودستور مدني فيدرالي ديمقراطي حديث. وعلينا أن ندرك أن العراق قد تغير لأنه كان مناقضاً لروح العصر ومعادياً للإنسان ولحريته وحقوقه المشروعة, ويفترض أن ندرك أن كل النظم التي تسير على درب مماثل, تحت أي ستار كان, ستنتهي أيضاً. وما يجري في منطقة الشرق الأوسط وفي كل من لبنان وسوريا لخير دليل على ما نقول.
إن الفترة التي أعقبت سقوط النظام ومسيرة وسياسات سلطة الاحتلال والحاكم المدني بريمر وإجراءات مجلس الحكم الانتقالي والحكومة المؤقتة الانتقالية لم تقدم الصورة المناسبة تماماً, كما لم تعط الانطباع الإيجابي المطلوب, بغض النظر عن حسن النية والجهود التي بذلها البعض من القوى السياسية, لما يراد للعراق في المستقبل. وعلينا الآن تغيير هذا الاتجاه لصالح تعميق الاتجاهات الإيجابية التي برزت في تلك الفترة وانعكست في قانون الإدارة المؤقت وتعميقها وتحسين مستوى العمل.
وبصراحة تامة ووضوح كامل نقول ما يأتي:
لا يمكن بناء العراق الفيدرالي المدني الديمقراطي الجديد من دون تحقيق الوحدة الوطنية, ومن دون مشاركة كل مكونات الشعب العراقي, أي دون غالبية المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني, لا لأنهم يشكلون نسبة مهمة من الشعب العراقي, بل لأن لهم الحق الكامل في ذلك, وليس في ذلك من تفضل عليهم. لا يمكن ولا يجوز عزلهم ولا يجوز القبول بعزلتهم وعلى الجميع أن يعمل لعزل من يعمل على عزلهم عن المجتمع, أيا كانت نواياه ودوافعه وأهدافه, إذ أنها تلحق الضرر بالمجتمع والحياة الديمقراطية في العراق.
إن الاتجاهات الطائفية, سواء أكانت سنية أم شيعية, تضع العوائق في مسيرة العراق الجديد وتريد عرقلة مسيره نحو الحرية والديمقراطية وتعبر عن نظرة ضيقة ومنغلقة على نفسها ومدمرة في آن واحد, ويفترض أن نلفظها من المجتمع, وأن نقف بوجه مروجيها في الإذاعات والفضائيات وفي الحياة العامة والكتب والمساجد وفي كل مكان من العراق.
إن انفتاحنا على الجميع ومن منطلق المواطنة العراقية هو السبيل الوحيد لتمتع الجميع بالحرية والحقوق المتساوية والواجبات المتساوية. ومن حق الجميع أن يكونوا رؤساء جمهورية ورؤساء وزراء ورؤساء مجالس نيابية ووزراء وكبار موظفي الدولة, سواء أكانوا عرباً أم كرداً أم من قوميات أخرى. وعلينا أن نثق بأن هذا هو الطريق الوحيد والضامن لمستقبل أفضل لعراقنا الجديد. من واجب كل العاملين في الحياة السياسية العراقية وكل المثقفين وكل الناس الخيرين أن يعملوا ضد النزعات الطائفة والتمييز بمختلف أشكاله. وعلينا أن ندرك أيضاً أن الإرهاب لا يمكن أن يعيش في العراق إلا على أساس وجود فرقة في المجتمع وبين مكونات الشعب العراقي, حيث يمكن لجهة ما أن توفر للإرهاب الحماية والدعم المتنوع. فلو أمكن إقناع جماعات من أتباع المذهب السني على التخلي عن حماية الإرهابيين بكل فصائلهم, لأمكن إنهاء الإرهاب بسرعة كبيرة. ولكن وجود هذا الشعور بالخسارة لدى جمهرة غير قليلة منهم هو الذي يدفعهم إلى اتخاذ موقف الحماية والتأييد أو حتى الدعم للإرهابيين في العراق, سواء أكانوا من العراقيين أم من القادمين من خارج البلاد. لا يمكن إنهاء الإرهاب من دون الاعتماد على الشعب بجميع مكوناته, ولهذا أيضاً لا بد من العمل من أجل كسب الغالبية العظمى من مواطناتنا ومواطنينا من أتباع المذهب السني إلى مواقع العمل السياسي المشترك والمشاركة في الحكم لا على أساس مذهبي, بل على أساس المواطنة التي لها حقوق وواجبات في آن واحد.
لقد كان خللاً كبيراً ذلك الذي حصل في العراق حين تجمعت الأحزاب السياسية العراقية على أساس "البيت الشيعي" وعمقت الفرقة في المجتمع على أساس طائفي بدلاً من توحيده وفق أسس المواطنة. وعلى القوى المدنية في هذا الائتلاف أن تعي بأن المستقبل ليس للعمل الطائفي , بل للعمل المدني, وأن انتهازية العمل على أساس طائفي لن يجلب للناس الكثير من الاستقرار وهدوء البال والأمن. إن على الأحزاب السياسية الدينية العراقية أن تتخلى عن مواقفها الطائفية أو المذهبية الضيقة, سواء أكانت شيعية أم سنية, وأن تفكر بالموقف المبدئي كمواطنات ومواطنين حيث يتمتع الجميع بحقوق وواجبات متساوية.
إن الإجابة عن السؤال في عنوان هذا المقال تتلخص في أن الوحدة الوطنية هي الطريق الأوحد والأسلم والأفضل لإحلال الأمن والاستقرار والسلام في البلاد, وهي الضمانة الوحيدة لقهر الإرهاب ودحر الإرهابيين والانتصار عليهم. وهو ما ينبغي أن نسعى إليه جميعاً.


تظاهر بفضيلة  ان لم تكن فيك!
 

عادل العامل

في بعض البلدان، النامية بوجه خاص، يبدو كل شيء، من خلال تصريحات مسؤوليها الرسميين ومكابرات انظمتها الابدية، سليماً لا غبار عليه بل افضل مما عليه في أي بلد آخر واي وقت مضى! ولكن ما ان يحدث حادث في احد هذه البلدان، ولا يستطيع اعلامها التكتم عليه ومنع وسائل الاعلام العالمية من حشر انفها فيه، حتى تنقلب الصورة هناك رأساً على عقب ويتضح ان تصريحات المسؤولين المدفوعة الاجر وصخب اعلامهم الوطني لا يساويان ثمن الحبر الذي كتبا به.
فما ان تهتز الارض قليلاً او كثيراً في هذا البلد او ذاك حتى تتساقط الدور كأنها من تراب ويفقد الالاف ارواحهم البريئة ويعالج، ان عولج، المصابون في الطرقات العامة تحت المطر او الشمس الحارقة، ويضطر الاب القائد، بعد شيء من التبجح الى ابتلاع مهانة التصدق الدولي على بلده النفطية وربما ما يمكن هضمه من التصدق نفسه! ويتضح عندئذ ان الناس الساعين في مناكبها على بحيرة من الذهب الاسود (يعيشون) في قبور انتقالية، وان التزيف النووي اولى بأموال الشعب من الشعب ذاته!
واذا ما عوقب نظام دولة اقتصادياً لرفضه الاخذ بمعايير النظام العالمي السائد في حسن السيرة والسلوك بعد انتهاء مدة صلاحيته الدولية وبطلان شعاراته الايديولوجية وانتفاء حاجة القوى العظمى الى وجوده العقيم، او اختفاء القوة "العظمى" التي كانت بحاجة اليه، بدأ النظام يغذي شعبه بمواد السيادة الوطنية والكبرياء القومية والصمود، وراح في الوقت نفسه يعزز ارصدته الشخصية الخارجية بأموال المتاجرة بالدولار والذمم والاعراض والمعونات الدولية، واذا به عصابة مافيا حقيقية وشعب هلكان وديون دولية بالمليارات وليس دولة قومية بعلم ودستور ونشيد وطني!
وهناك بلدان آخر لا بد لها من كارثة جوية، او غرق عبّارة معبأة بضعف ما تتحمل من البشر، او سقوط امطار غزيرة تتحول الى فيضان مدمر، او انهيار عمارة على رؤوس ساكنيها، او انفجار مستودع بارود في وسط مدينة، او اغتصاب معلن في باب العتبة، او خروج قطار متعب عن سكته الحديدية او استقالة وزير معروف بالنزاهة، او ارتفاع معدل الهروب من المدارس العامة، او أي شيء آخر من هذا القبيل الكئيب، ليعلم الناس، وهم يحمدون الله على الصحة والستر، ان امورهم ليست صحيحة او سليمة كما جاء في آخر نشرة اخبار محلية، او كما جاء في خطاب الاب القائد في الذكرى الاربعين بعد المئة لحركته التصحيحية!
وقد عشنا في العراق ، هذا القبيل بامتياز ، فالعراقيون متميزون، كما هو معروف، حتى بمساوئهم الفاجعة.
فانقلابنا الدموي المشؤوم عروس الثورات، وهمجنا رجال حكم، وسافلنا رئيس دولة، وبطاقتنا التموينية التسولية رخاء اقتصادي، ومرتشونا هواة، وشتائمنا مديح، وتخريبنا بطولة، وارهابيونا علماء، واغانينا الهابطة شعبية، ومدربنا الفاشل واحد من افضل عشرة مدربين في المنطقة، وخائبنا محلل سياسي، ومنافقنا مخضرم، وصفقاتنا توافق، وسلبيتنا حكمة، و "انتخاباتنا" تثير اعجاب الديمقراطي العريق جورج بوش!
ومع هذا، او بالاحرى لهذا كله، علينا اليوم ان نلقي بذلك القبيل الثقيل وراءنا ونتخفف من ذلك الامتياز غير الحميد ونكون عند حسن ظن العالم بنا، او نحقق ظنه هذا، في الحقيقة والواقع ، ولقد قال شكسبير ذات يوم" تظاهر بفضيلة ان لم تكن فيك!


الحرب ضد الإرهاب حرب ضد ثقافة متمردة
 

احمد صحن

عندما عرضت شاشات التلفاز العراقية الثلاث وقائع إحداث الحادي عشر من سبتمبر ،كان الاعتقاد للوهلة الأولى فيما يشاهد ،كأنه مقطع سينمائي من أفلام هوليود، وبين حقيقة وخيال هذا المشهد، بات من المستطاع حسم هذا الأمر بسماع التعليقات الرسمية، حول ما يعرض من هجمات انتحارية بطرق جديدة في العمق الأمريكي ولم يكن بحال من الأحوال خيالاً ..
إن الهجمات الانتحارية لم تكن وليدة اليوم، إنما سبق استعمالها من قبل اليابانيين في الحرب العالمية الثانية التي دفعت أمريكا إلى إلقاء القنبلة الذرية لتحسم الأمر باستسلام اليابان سياسياً وعسكرياً ، وقد تمترسوا بعدها خلف حصون الثقافة لمجتمعهم كي يجعلوا من استسلامهم استسلاما إيجابيا ، بالاستفادة من الغربنة من جهة، والتخلي عما في تفكيرهم من ممانعات استعدادا لتقبل ما هو جديد ، كشرط أساس يضمن نجاح عملية إعادة بناء اليابان دون أن يؤدي ذلك إلى فقدان اليابانيين سماتهم وقيمهم الاجتماعية الموروثة من جهة أخرى .
لم يطل الأمر كثيراً حتى أعلنت قائمة الأسماء التي نفذت الهجمات داخل أمريكا. وفي تلك الأثناء وجه الاتهام لأسماء زعموا أنهم خططوا لهذه الهجمات وهم مقيمون في الخارج ، أسماء خرجت من رحم الأمة الإسلامية.
إن آلية الهجوم دعت الكثيرين إلى أن يشككوا في تدبيرها . ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى قول بعضهم إن أمريكا ضربت نفسها كي تخلق أسباب خروجها من جسدها نحو امركة العالم ، أما بعض الشخصيات الإسلامية فقد تبنت مواقف تحّمل أمريكا سوء حال الأوضاع في العالم الإسلامي واعتبار إن أمريكا هي العدو الأول للمسلمين وان الذي تتعرض له ما هو إلا إفراز طبيعي لسياستها.
ردود الفعل هذه قد لا تجعلنا نأبه بما تذهب إليه نظرية المؤامرة بخصوص أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إذ من غير المعقول أن نحمل أمريكا أسباب انكسارات الأمة الإسلامية وهي لم تكن موجودة في ذلك الحين وأن سلسلة الهزائم التي مررنا بها منذ قرون هي التي جعلت من ثقافتنا تتمرد على منطق العقل ، كمرجعية تعطي السبل والحلول لمواجهة التحديات أسوة بسائر الأمم الأخرى . وإذا كانت جميع الفئات الإسلامية تدعي أنها تعمل من اجل إعادة بناء أمتها ، فلماذا تخلت أو تخلينا جميعاً عن الخطى السياسية للرسول والخلفاء ؟..
وبناء على ما تقدم هل يمكن إعادة بناء الأمة على أنقاض الآراء المتعارضة والمتقاطعة التي برزت بعد وفاة النبي(ص) مباشرة؟ أن الأمة التي ترغب في أن تحيا لا ينبغي أن تنظر إلى القمة وهي في حالة انحدار ولا تعرف لأي قاع ستنتهي ..

نظرة إلى الخلف

لا شك، أن الحال الذي نحن فيه من بقايا إسلام متشظٍ هنا وهناك ، والمواجهة التي ندعيها مع الغرب، تدعونا إلى تسليط الضوء على الماضي ليس من اجل قراءته قراءة تاريخية وحسب، إنما من اجل إخضاع تلك القراءة لفحص وتمحيص جيدين ..
فمنذ تولي الإمام علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين الحكم وظهور الخلاف السياسي على السطح بشأن الكيفية التي ينبغي أن يصاغ فيها شكل الحكم في الدولة الإسلامية، لكن تسلم الأمويون خلافة الدولة بعد وفاته بطريقة شابها الكثير من الشبهات، الأمر الذي أحدث وقعا شديد التأثير على الأمة الإسلامية، ولم تكن تداعيات هذا الخلاف قد انحصرت في زمانها ومكانها، بل وصل الأمر بالأمة الفتية، ان تمزق جسدها بنصل الولاءات والاجتهادات، إلى فئات وتكتلات، دون ان تسعى سعيا حثيثا للوصول إلى الحقيقة وإيجاد سبل الاتفاق، وبدأت تؤدلج لأخطائها وعملت على زيادة توسيع الفرقة بينها ، باعتقاد كل فئة امتلاكها للحقيقة المطلقة.
تصارعت هذه الفرق ، أحيانا كثيرة، وفي أماكن عدة ، بدءاً من معركة الجمل، ومرورا بحيثيات صلح الحسن، ووقوفا عند مقتل الحسين وما تلاه من تداعيات كانت كفيلة بتثبيت الخلافات تثبيتا نسبياً كبر مع مرور الوقت وصولاً إلى ذروة الفرقة.
انطلقت الحكومة الإسلامية من الشام بهذه البداية المأساوية حاملة أسباب انقساماتها واختلافاتها ، لتسلك أول الطريق إلى الشتات غير متأملة لما ستؤول إليه الأمور، متجاهلة أسباب تفككها وغير مكترثة بالنتائج ، حتى وصلت إلى بغداد وفلحت في البقاء زمنا ليس قصيراً وشكلت حضورا كبيرا في التاريخ ومع ذلك تركت الثغرات مفتوحة ليدخل من خلالها المغول إلى بغداد لتزول دولة الأمة ولا تنتهي القصة.
وما أن سقط آخر عمود عباسي في بغداد حتى توالت الضربات تباعاً، الشرق من جهة، وعالم الشمال من جهة أخرى ، لتبدأ رحلة الأنفاق المظلمة ، بدءاً من النفق المغولي والجلائري ومرورا بالصفوي وانتهاء، بالنفق العثماني الطويل بعدما خدعت الأمة بهيكله الإسلامي ليخرج قطار هذه الأمة مبعثر العربات دون أن يعرف راكبوه إن وقوفهم سوف يكون على رصيف محطات الدول الغالبة في الحرب الكونية العظمى .

اليأس وراء الانتحار
ارتأينا من خلال هذا الاستعراض المقتضب لمسيرة وانتكاسات الأمة الإسلامية أن نتلمس من أثارها أسبابا رئيسية لبعثرة ثقافتنا الإسلامية في عصرنا هذا، والتي وقفت عائقا كبيرا عمل على إجهاض كل المحاولات الخاصة بإعادة بناء الأمة.
يعتبر الانتحار أقصى درجات الهزيمة .السؤال هنا، ما الذي جعل الثقافة الإسلامية تنتج وتستخدم الانتحار كسلاح تحارب به ؟.
إن الإرث الفكري الذي خلفته نكسات المسيرة الإسلامية كان كفيلا بتعطيل معظم مناطق تفكيرنا ولم يبق سوى اليأس الذي انتاب المسلمين والذي جاء كنتيجة لفقدان الثقة بقادة تجاربهم التي باءت بالفشل ، اخذ اليأس يتبلور حتى استطاع ان يتغلغل بين سطور نظرياتنا ليضيف عتمة جديدة تقف عقبة في طريق تفسيرها وتفعيلها واصبح هو الدافع والأساس الذي يحرك بعض الفئات من العالم الإسلامي والدافع الرئيس أيضا وراء (الانتحارالمؤدلج) أو ما يسمى بالجهاد ، إذ أدى اليأس إلى خلق منطقة تفكير يائسة أنتجت فئات متطرفة تعمل بفهم قوامه الأفكار المتناقضة و تقرأ إسلاما مغلفاً بأغشية تاريخية ذات ألوان رمادية ، وتنظر بأفق كانت آماده غير متفق على صحة إحداثها وبالتالي أثرت على حدود أبعاده . ان لليأس ما يبرره ،لان الطريقة التسلطية التي حكمت بها شعوبنا الإسلامية منذ قرون كانت تلعب دورا رئيسيا في بناء ثقافة تتقاطع مع ما جاءت به الرسالة الإسلامية بواسطة سيطرتها على روافد المعرفة والتحكم بها وفقا لحاجتها الآنية ،حيث استخدمت الحركات السياسية والنظم الاستبدادية الدين في مراحل كثيرة ولأغراض تعبوية.
ففي بداية القرن المنصرم وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولي والتغيير الذي حصل في خريطة القوى الدولية، إذ اصبح المسلمون في اضعف مراحلهم وهم يواجهون أعداءهم ،الفكر الماركسي من جهة والرأسمالية من جهة أخرى .إذ خلقت تلك الظروف المعقدة سباقا عدائيا بين منظومتي الفكر الإسلامي والقومي من اجل التحكم في المصير العربي، ولان المنطق يقول عندما تكون وسط المحيط فلابد من ان تتأثر بأمواجه، فعلى هذا الأساس ولدت قيادات عربية قومية غير مستقلة في السلوك والأداء وان ادعت عكس ذلك ،الأمر الذي يجعل الشكوك تحيط بولادة كيانات إسلامية تمتلك الإرادة في العمل والتنظيم .وبما ان دولنا العربية رسمت حدودها من قبل القوى الكبرى، فبلا شك ستسهم سيطرة هذه القوى بتوصيل خطاباتها او تترك تأثيرا واضحاً على شكل وسلوك التيارات الإسلامية . وقد لمسنا آثار الصراع بين القوى الدولية الكبرى على القوميين العرب فيما يخص التعامل مع هذه التيارات في بداية ووسط القرن المنصرم. فتارة نجد الرؤساء يملأون السجون بالإسلاميين وهو ما حصل في عهد عبد الناصر، وتارة أخرى استخدم الرئيس السادات الإسلاميين عندما أطلق لهم العنان لمواجهة اليمين القومي واليسار الشيوعي في السبعينيات. إن وقوع الإسلاميين أسرى في دوامة السلطة القومية آنذاك يعتبر بمثابة توجيه الضربة القاضية لهم والذي أدى بالنتيجة إلى التغيير في العمل السياسي، أفرز هذا السلوك السلطوي القمعي الرسمي ردود فعل قوية من قبل بعض الجماعات الدينية التي تبلورت فيما بعد إلى حركات وأحزاب ناهضت السلطة بصورة علنية.

والسعودية ايضاً..
ولو أخذنا ما جرى على ارض نجد والحجاز لوجدنا المشكلة اعظم،ان لهذا البلد سمات تجعله يتميز ويختلف عن بقية الدول العربية الأخرى (القدسية، الموقع،المستوى الثقافي للمجتمع ..النفط) .وهذه المزايا تعد من أهم الأوراق واصعبها إذا ما احسن أو أسيء استخدامها أثناء اللعب سواء من قبل النظام السياسي أو من قبل القوى الكبرى التي تعاملت مع منطقتنا الإسلامية بشكل عام. ان التعامل مع هذه المزايا وما ينتج عنها من أثار سلبية كانت أم إيجابية لم تقف عند الحدود الجغرافية للعربية السعودية ،وانما تصل تأثيراتها إلى ثقافتنا ومعرفتنا نحن المسلمين.
استثمر الغرب كل ما يمكن ان يكون عاملا مساعدا لانجاح عملية رسم دول جديدة في المنطقة بما ينسجم مع مصلحته . فجاءت عملية جمع شتات ارض نجد والحجاز على يد عبد العزيز آل سعود وإنهاء أهم الخطوات الناجحة في هذه البقعة من الجزيرة العربية لتبدأ وتنتهي برسم وتحديد آلية عمل قلب العالم الإسلامي بالاتجاه الذي يريده القوي من الدول الكبرى .
ولأننا نتحدث عن حرب ضد ثقافة محسوبة على الإسلام .إذ لعب الاثنان معا،(النظام السياسي +الغرب) وكل منهما يعمل لمصلحته. بأخذ الجانب الثقافي لبعض مجتمعاتنا وتفعيلة في الصراعات الدولية ليستفيد منها الغرب في إدارة حربه الباردة آنذاك . وبعد ان نضج الفكر السلفي إلى مرحلة البلوغ فمن الطبيعي أن يكون له دور في بعض الأحداث، بل أحيانا يجب ان يكون له دور، ولا باس في الأنظمة العربية وهي تتشبث بالسلطة بكل ما تملك من أسنان ان تعمل على خديعة شعوبها لترضي اسيادها. فالدور الرسمي من قبل بعض الحكومات العربية وهي تعمل من وراء الستار على تأجيج الروح الجهادية في أفغانستان ليس بقليل، حيث طبعت كراسات الجهاد وضخت الأموال لتدعم التنظيمات المختزلة بقيادات كارزماتية أمثال ابن لادن وعبد الله عزام وفتحت الحدود الرسمية وغير الرسمية وجرت عملية غربلة كبيرة لابناء الأمة الإسلامية باسم الجهاد وبقي هذا الفهم الممزوج باليأس يعمل بقنواته الكثيرة ومنها المدارس المبعثرة المتمثلة بالجوامع لسنين طوال. بعد كل هذه الإرهاصات التي مر بها الشعب العربي . أتت عاصفة البعث واجتاحت صحراء الكويت حتى وصل غبارها الى عيون كل عربي ومسلم لتزيد ظلامهم حلكة وتضع اللمسة الأخيرة لصناعة نصر لأمريكا وتجعلها رائدة للعالم الجديد.
انتهى الصراع القطبي بتفكك الاتحاد السوفيتي وتنفس البيت الأبيض الصعداء وكل من حالفه في حربه الباردة وألقيت الأسلحة بإهمال ونسي أو تناسى المتحاربون ان بضمن هذه الأسلحة (ثقافة إسلامية ) قد استخدمت في الحرب وهي سلاح غير تقليدي وربما يقع بيد عدو جديد.
اكتشف من كان يدعي نفسه قائدا او زعيما على قاعدة (سلفية) ،عملية الضحك على الذقون من قبل بعض من دعمهم و من قبل أمريكا أيضا ولابد من ان تتغير أماكن الجهاد .لتعود هذه المرة بتمرد وتعلن حرب ضد النظام السعودي وأمريكا ، أما كيف ومتى حصل او يحصل ذلك فربما تعطينا مرايا 11 سبتمر إحدى صورها لتجيب عن ذلك .

في المرايا نصيحة
إن الحرب ضد الإرهاب ،حرب ضد الثقافة التي تمردت على من صنعها واستخدمها وادخلها في اللعبة السياسية فهي ليست حرباً بين الشرق والغرب او حربا صليبية كما وصفها الرئيس بوش بزلة لسانه الشهيرة .أما من يريد ان يفكر بإعادة أمجاد أمته فعليه ان يقتنع بان الأمة والحضارة لاتبنى بالذبح والتفجير والتكفير لبعضنا البعض كما ان من المجحف ان يجعل من العراق وأفغانستان منطقتي الهزيمة والنصر .
ان أجيال اليوم من المسلمين غير مسؤولة عن موت حضارتها. ويجب ان ندرك ان الإنسان في حالة تلقٍ أو عطاء في علاقته مع المحيط بالطبع ، وهذه الحالة تنطبق تماما على مسيرة كل أمة .فالأمة تبادر حينما تقوى ، وتتلقى حينما تضعف . والأمر هذا يأتي ضمن الدورة الطبيعية للحضارات. وعندما تفقد الأمة المبادرة وزمام الأمور يفترض إن تكرس العمل للبحث عن موطن الداء وإيجاد الدواء، لا أن تعيد بناء دولتها بأسباب وأساليب سقوطها، ويجب أن لاتخرج بالأزمة من مدخلها.
ان هذه الحرب ليست معك أيها المسلم فلا تقاتل ولا تذبح ولا تجاهد ولا تنتحر ويجب عليك تعمل بدلا من هذا كله، ان تبحث عن مكانك وزمانك بين أمواج حضارة اليوم، كما انه يجب عليك أن تجد أجابه لسؤال طرحه البدن الإسلامي المبضع ألا وهو ،هل انت فعلا تمثل الإسلام المحمدي بعد كل هذا القطع الزمني بينك وبينه ؟ وهل إسلام اليوم يعتبر امتداداً لاسلام ألامس ؟ وهل يمكن ان تجعل من الاستسلام انسحابا تكتيكيا كما فعلت أمة اليابان لكي تحافظ على ما تبقى من إسلامك ولا داعي لان تشارك بحرب ليست ضدك بل هي حرب ضد الثقافة المتمردة .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة